الإخصاب والإنجاب في الفقه الإسلامي
قبل الدخول في الموضوع مباشرة هناك أربعة أمور هامشية لا بد من معرفتها عن الإسلام لفهم وجهة نظره في موضوعنا عن الخصوبة والإنجاب :
- يختلف فهمنا العام للدين عن معناه في اللغة العربية. فمفهومنا السائد حالياً مستمد من اللغات الأوروبية والتي بدورها اشتقته من اللغة اللاتينية Religio بمعناه الذي يدل لجهة الحصر على العلاقة بين الإنسان والله من خلال إيماننا بالعقائد الدينية وممارستنا للطقوس التي تتبعها. بينما في اللغة العربية وحتى في الحضارات الهندو أوروبية والكولومبية القديمة مفهوم الدين له معاني كثيرة لا يعتبر الدين بمفهومه الغربي الا جزءاً منها. فيشير مصطلح الدين باللغة العربية الى الطريق الذي يجب سلوكه، والى الحساب الذي يجب الخضوع له ومنها يوم الدينونة والديان ويشير أيضاً الى الدَّيْن الذي نقترضه ويجب الوفاء به. فتشير كل هذه التعابير الى معنى الوجوب الذي تطور مفهومه فيما بعد ليشير الى الشريعة أو إلى القانون الذي يجب الخضوع اليه. فالقواعد القانونية : هي قواعد آمرة ناهية. هذا من ناحية الدين في دلالته الشاملة. أما في الإسلام فهو يدل على أربعة أمور : العقائد/العبادات وتلتقيان بهذا المعنى مع الدين في مفهومه الغربي اللاتيني، والأخلاق والمعاملات بمعنى التشريع وهما كل ما يتعلق بعلاقة الناس بعضهم ببعض ومن ضمنهما موضوعنا عن الإخصاب والإنجاب.
- الشريعة الإسلامية التي سنتعرف على وجهة نظرها في موضوعنا ليست واحدة ثابتة لا تتغير. فالمدارس الفقهية التي تنبثق عنها لدى أهل السنة والجماعة تتكون من أربع مذاهب : الحنفية، الشافعية، المالكية والحنابلة، ولكل من هذه المدارس منهجية في استنباط الأحكام الشرعية، إضافة الى المذهب الجعفري الذي يطبقه الشيعة الأمامية.
- الشريعة الإسلامية تستمد أحكامها من مصادر نقلية مقدسة ومصادر عقلية. فالمصادر النقلية المقدسة أي الموحاة بها من عند الله مباشرة أو عن طريق الإلهام هي ثلاثة : القرآن الكريم الذي يشتمل على 6236 آية من بينها 200 آية تسمى آيات أحكام تساوي ما نسبته 3% من آيات القرآن الكريم، بينما 97% من القرآن الكريم تتناول قضايا الإيمان، والتأمل، والأخلاق، وقصص السابقين لأخذ العبرة، وأما آيات الأحكام فهي تتكلم عن مسائل في الأحوال الشخصية والمواريث والعقوبات الخمسة وردع عدوان الأعداء. وبعد القرآن الكريم تأتي السنة النبوية وهي أقوال الرسول محمد وأفعاله، والمصدر الثالث هي الأحكام التي جاءت بها اليهودية والمسيحية ولم تتعرض لنسخ في القرآن وتسمى شرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يأت ناسخ لها. والمصادر العقلية هي الإجماع والاجتهاد، والقياس، والاستحسان (أي تفضيل الرأي الذي يحقق الخير)، والمصلحة العامة، أو حتى الأخذ من “العرف” وهي عادات وتقاليد الشعوب التي تتوافق مع الأخلاق الحميدة، وسد الذرائع وهي منع وسائل مباحة في الأصل خشية استخدامها في أمور منهي عنها. ويمكن لهذه المصادر الفقهية أن توجّه علماء الدين في آرائهم بمواضيع الأخلاقيات الطبية غير المنصوص عنها في القرآن والسنة. وهكذا يمكن ملاحظة كيف تُطبَّق هذه المصادر العقلية عملياً في مواجهة تقنيات الإنجاب المساعدة وفي حالات الإجهاض على سبيل المثال.
- إلى جانب هذه المصادر هناك ما يعرف بالقواعد الأصولية وهي قواعد كلية تنطبق على الأدلة التفصيلية لاستنباط الأحكام الشرعية العملية، وتُعد وسيلة يتبعها المجتهد في استنباط الأحكام من مصادرها الأصلية من مثل القواعد الأصولية في رفع الضرر وتطبيقاتها الطبية المتعلقة بالإخصاب والعقم.
القسم الأول : الخصوبة والإنجاب وتنظيم النسل
- المفردات اللغوية :
- الأخصاب :
أخصبتِ الأرضُ :خصَبت، كثر فيها العشبُ والكلأُ والخيرُ
أَخصب القومُ: كثُر طعامهم وشرابُهم
أَخْصَبَ الفَلاَّحُونَ في هَذَا الْمَوْسِمِ : عَاشُوا فِي رَفَاهِيَةٍ وَرَغَدٍ
أَفْكَارُهُ أثَّرَتْ فِي حَيَاتِي فأخْصَبَتْهَا : أَغْنَتْها، أَحْيَتْهَا
ومنها تتفرع كلمة الإخصاب للدلالة على عملية اندماج الأمشاج الذكرية والأنثوية لتكوين خلية جديدة تتطور لاحقًا إلى جنين.
- الإنجاب :
“أنجب”، مشتق من جذر “نجَبَ، نَجيب” الذي استُعمل أصلاً للدلالة على الشخص الفاضل الكريم. ومن دون أن يتخلى عن معناه الأولي، انتقل لفظ “نجَبَ” من دلالة الفضل والكرم إلى دلالة الإنجاب، وذلك للتعبير عن أمنية الوالد في أن يصبح المولود فاضلاً كريماً.
- مكانة الخصوبة والإنجاب في الفقه الإسلامي
يعدُّ الإنجاب بعد الإخصاب الوسيلة الوحيدة لضمان استمرار الجنس البشري، لذا فإنه يحظى في الإسلام بمكانة إلزامية. فإنجاب الأطفال في عقلية المسلمين يُعتبر زينة الحياة الدنيا، كما يؤكد القرآن في سورة الكهف : (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)
فإنجاب الأطفال هي زينة مؤقتة زائلة وليست دائمة، كما أن ما يدوم ويبقى عند الله هو “الباقيات الصالحات : أي الأعمال الخيرية
إضافة الى أن ممارسة الواجبات الزوجية، أي الملذات الجسدية في إطارها الزوجي، يحظى منها الرجل والمرأة في نظر الإسلام أجراً إلهياً من ربهم، وفي بضع أحدكم صدقة. كما أن حسن تربية الأطفال وخاصة البنات تعتبر من الأعمال التي تُدخل المؤمن إلى الجنة. هذه كلها مؤشرات تشجع المسلم على الإنجاب.
يُعدُّ الإخصاب المؤدي الى الإنجاب أحد المقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية، التي تشكل نوعاً من الأولويات الأساسية تُسمى “مقاصد الشريعة”، والتي تنبثق عنها الغايات الأخلاقية الطبية، وهي المحافظة على :
- حفظ الدين والأخلاق: من الأفكار الهدامة والمفاسد والفات الذميمة
- حفظ الحياة والصحة: من الأمراض المعدية وغيرها والقتل والإنتحار
- حفظ النسل:وهدفه الحفاظ على استمرار النسل البشري وكل ما يتعلق به من مجال علاج العقم، ومتابعة الحمل والخصوبة، وغيرها.
- حفظ العقل والفكر:وهدفه صون العقل، ويتطلب مكافحة التسمم وتعاطي المسكرات والمخدرات وعلاج التوتر والاضطرابات النفسية، وغيرها.
- حفظ المال:وهدفه الاستثمار الجيد للمال والممتلكات العامة والخاصة، ومحاربة الفساد والسرقة.
إلى جانب هذه المقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية، يضيف الفقهاء المسلمون خمسة أمور مرتبطة بالطهارة الأصلية المتأصلة في فطرة الإنسان. اثنان منها مرتبطان بنظافة الأعضاء التناسلية: ختان الذكور وإزالة شعر العانة، بالإضافة إلى إزالة شعر الإبط وقص الأظافر وحف الشارب.
عندما يتناول الفقه الإسلامي مسألة الخصوبة والإنجاب، فهو يميّز بين مرحلتين:
- ما قبل الولادة:
بالاستناد إلى معطيات جينية، يذكر القرآن أن خلق الطفل يتم من خلال اتحاد سوائل تجمع بين صفات الأب والأب الجسدية والنفسية تتحمل الأم والأب على حد سواء مسؤولية اختيار الشريك المناسب، إذ على هذا الاختبار تتوقف الصفات الوراثية للطفل. وإدراكاً لأهمية هذا الاختبار، يوصي النبي في العديد من أحاديثه الأزواج المستقبليين بالتفكير الجيد قبل الشروع في ارتباطهم. فمن ناحية إذا كانت للزوجين الرغبة في الإقتران معاً فينبغي عليهما أولاً معرفة ما إذا كان أحدهما عقيماً أم لا ، هناك بعض الأحكام والفتاوى لبعض كبار الصحابة بوجوب البيان فقد روى الشعبي عن عمر ابن الخطاب الخليفة الثاني، قال : (انه بعث رجلاً على بعض السقاية فتزوج امرأة وكان عقيماً ، فقال له عمر : أعلمتها أنك عقيم ؟ قال : لا ، قال : فانطلق فأعلمها ، ثم خيّرها)، وبعد التأكد من عدم وجود مشاكل في العقم يعتبر الإسلام بأن الجنين له حق على كلا أبويه المستقبليين في أن يختارا لهما شريكاً صالحاً، كما يقول النبي في أحاديثه ومنها نصح الزوجين باختيار سلالة جينية بعيدة عن سلالته القريبة، حتى لا يضعف المخزون الجيني لأحفاده بسبب زواج الأقارب، قوله في الحديث : “اغتربوا ولا تضووا” أي لا يهزل نسلكم، و “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”.
وقال النبي أيضاً: “تُنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين”. وعلى الراغب في الزواج أن يأخذ في الاعتبار أيضاً السرور الذي يتحقق من النظر إلى زوجته والزوجة الى زوجها، وهي إشارة إلى جمالهما. مع التركيز على أولوية صحة الدين، والتي تترجم إلى صفات أخلاقية. يفسر هذا الاهتمام بالحرص على نقل الصفات الجسدية للطفل، والأهم من ذلك، نقله الصفات الأخلاقية الواضحة.
في هذا الإطار، وسعياً لحماية حقوق الطفل المستقبلية، يحرم الإسلام الزنا. وتسلط التفاسير الخاصة بآيات القرآن التي تتناول الزنا الضوء على خطر وجود أطفال في المجتمع محرومين من حياة أسرية طبيعية، وبالتالي محرومين من الحنان والتربية السليمة التي لهم الحق فيها. مع ذكر مفارقة تحريم المذهب السني لزواج المتعة واعتباره زنا إضافة الى نفس هذه الأسباب المذكورة في حال إنجاب أولاد من هذا النوع ناتجة عن الزواج المؤقت المعتمد عند الشيعة الإمامية بخلاف الشيعة الزيدية.
- مرحلة الجنين (من التخصيب إلى الولادة):
يتجلى الاهتمام بهذه المرحلة الأولى من الحياة في الاعتراف بحق الجنين في متابعة تطوره الطبيعي حتى الولادة. ولضمان احترام هذا الحق، يُحظَر الإجهاض تحريماً شديداً، حتى في حالات الاغتصاب، إلا إذا تم قبل مائة وعشرين يوماً لأسباب مبررة، أو في أي وقت إذا كان يشكل خطراً على حياة الأم. أو لوجود تشوهات جينية شديدة: وهي موضع نقاش خلافي. قد يسمح بعض العلماء به قبل نفخ الروح في حالات التشوهات الشديدة التي لا يمكن علاجها والتي تسبب معاناة كبيرة؛ بينما يحظره آخرون مستشهدين بالتوكل على قدرة الله وإمكانية خطأ التشخيص. أي اعتداء جسدي على حياة الجنين يترتب عليه مسؤولية المعتدي، حتى لو كان أباه أو أمه. فإذا مات الجنين في رحم أمه، يجب دفع دية (تعويض) محددة في السنة النبوية. وترتفع قيمة الدية بشكل كبير إذا مات الجنين حياً ومكتمل الخلقة بعد إخراجه.
وبالمثل، يُعترف للجنين، منذ لحظة التلقيح، بحق التملك، كحق الميراث، والوصية، والاستفادة من أموال الوقف.
- تنظيم النسل:
ينبغي أولاً التوضيح أن الزواج هو الإطار الوحيد الذي تُباح فيه العلاقات الجنسية. وبالرغم من أن الإنجاب يبقى الغاية الأساسية من وجود الغريزة الجنسية، إلا أنه ليس الهدف الوحيد الذي يرسمه الإسلام للجنس. فإلى جانبه، هناك أيضاً التمتع الكامل باللذة الجنسية. لذا، فلا غرابة أن تتحدث مصادر الإسلام عن شكل من أشكال منع الحمل كان مُتَّبَعاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهو “العزل”. وقد روى بعض الصحابة: “كنا نعزل والقرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا”. ومع ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: “ذلك الوأد الخفي”.
أدَّى هذا الاختلاف في النصوص إلى ظهور آراء فقهية متباينة حول هذه الممارسة. إلا أن الرأي المرجعي في هذه المسألة هو للإمام الغزالي الذي يرى إباحة هذه الممارسة بشروط، شرط أن توافق الزوجة عليها، لأنها تمس حقها في الأمومة والتمتع الجنسي.
ويوضح الإمام الغزالي أن العزل يمنع التقاء ماء الرجل بماء المرأة. وبالتالي، يقول، لا يوجد هنا إزالة لكائن موجود، لأن الولد لا يتكون من ماء الرجل وحده، بل من التقاء المائين.
وبتحليل مختلف وسائل منع الحمل الموجودة اليوم، نجد أنها تعتمد على واحد أو أكثر من الآتي:
- إما منع وصول الحيوانات المنوية إلى البويضة.
- إما منع عملية التبويض نفسها.
- إما عدم منع تخصيب البويضة من قبل السائل المنوي، ولكن منع انغراس البويضة المخصبة فقط.
- إما إزالة الجنين بعد انغراس البويضة (كما في حالة الإجهاض).
- إما تعقيم الرجل و/أو المرأة بشكل دائم.
- فتُعتبر مباحة: أي وسيلة تشبه في مبدأ عملها “العزل”، أي تمنع التقاء البويضة بالسائل المنوي (كوسائل التنظيم الطبيعي [تجنب الجماع قبل وأثناء وبعد فترة التبويض مباشرة]، والواقي الذكري والأنثوي، الكريمات القاتلة للحيوانات المنوية، حبوب منع الحبل
- وتُعتبر محظورة:
- الإجهاض بهدف التخلص من حمل غير مرغوب فيه.
- التعقيم الدائم للرجل أو المرأة (ربط القنوات أو الأنابيب، إلخ). إلا أنه قد يكون جائزاً بل وأحياناً واجباً عندما يُجرى لوقاية من انتقال مرض وراثي، أو عندما يكون السبيل الوحيد لمنع حدوث حمل يُهدد حياة الأم. هذا الموقف يتوافق مع القاعدة الأصولية التي تقول: “درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح“.
من المهم معرفة أن هناك عدة أسباب تبرر اللجوء إلى تنظيم النسل، منها:
- تجنب المخاطر الصحية التي تتعرض لها الأم نتيجة تكرار الحمل، أو قصر الفترات بين الولادات، أو صغر سنها الشديد.
- تجنب الحمل لمرأة تعاني بالفعل من سوء الصحة.
- تجنب انتقال الأمراض من الوالدين إلى أطفالهما.
- الحفاظ على جمال وصحة الزوجة الجسدية، مما يمكنها من الاستمتاع بزوجها، مما يضمن حياة زوجية أكثر سعادة واستقراراً.
- تجنب الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن زيادة عدد أفراد الأسرة، والتي قد تدفع الوالدين إلى اللجوء لأعمال غير مشروعة أو للإرهاق في العمل لتأمين الاحتياجات.
القسم الثاني : مشكلة العقم
من المبادئ الأساسية في الإسلام اعتبارالزواج عقد ينشأ بين رجل وامرأة، ولا يجوز لشخص ثالث أن يتدخل في حياتهما الجنسية أو أن يساهم في إنجاب طفل لهما بتقديم أمشاج، أو بويضة، أو جنين، أو بتأجير رحم.
في الزواج حيث يكون الرجل أو المرأة عقيمين بشكل كلي ودائم، هل يجب قبول العقم ولا يجوزالبحث عن أي علاج؟ بالطبع لا، فالهدف من الزواج ليس بالضرورة الإنجاب فقط. ولكن هذا لا يعني الاستسلام للعقم والتعامل معه على أنه قدر محتوم أو عاهة فيزلوجية تهدد استقرار أو وحدة الزوجين. بل على العكس، ينبغي وفقاً للإسلام علاجه بوسائل طبية بدلاً من اللجوء إلى “الإنجاب بالطلب” وهو محرم وغير مشروع لما يسببه من اختلالات أسرية واجتماعية. فالله (يهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما) ومن الممكن، بحكمة إلهية، أن يساهم العقم في الحفاظ على التوازن الديموغرافي. ومع ذلك، فإنه من المسموح للمعنيين السعي للتغلب على هذه المشكلة. جاء في سورة مريم مناجاة زكريا لربه بأن يمنحه الولد (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا). وبعد انتظار طويل ومقلق، وهب الله الأنبياء العقيمين ذرية.
أما بالنسبة للإخصاب في المختبر (أطفال الأنابيب)، فإن الإسلام يجيزه بشرط ألا تشكل العملية خطراً على الأم المستقبلية. كما يُجيز بعض الفقهاء الإخصاب في المختبر باستخدام سوائل منوية من الزوج وبويضات من زوجة أخرى (مسلمة أو كتابية). لكن أكثر الفقهاء يرون أن الإنجاب باستخدام بويضات ليست من الزوجة هو حرام، لأنه يدخل شخصاً غريباً في العلاقة الزوجية.
أما إخصاب أرملة أو مطلقة بسوائل منوية مجمدة لزوجها السابق، فهو غير جائز، لأن هذه المرأة لم تعد في عصمته، حيث انتهى عقد الزواج بوفاة الزوج أو بالطلاق. أما التبرع بالأجنة، فهو محظور في الفقه الإسلامي لأن الطفل الناتج لن يكون له نسب بيولوجي من الأب. هذه العملية تشبه التبني في مرحلة ما قبل الولادة، وهو محرم.
- ما حكم الأمهات البديلات ؟
في القرآن إشارة في سورة النحل الآية 66، التي تؤكد أن أصل اللبن هو الدم: “وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ”.
واستناداً إلى هذه الآية، يرى بعض العلماء أنه إذا كان إرضاع الطفل من مرضعة حلالاً، فمن المقبول أن تقوم أم حاضنة بتغذية الجنين البشري الموكل إليها بدمائها وفي رحمها. ورغم هذا القياس، فإن معظم العلماء يحرمون كل أشكال الأمومة البديلة ويبطلون أي عقد يتعلق بهذا النوع من الحمل.
- الأجنة الفائضة:
يقترح الفقهاء المسلمون حلولاً للمشاكل المباشرة لتقنيات الإنجاب المساعدة. فماذا يفعل بالأجنة الفائضة (الفائضة عن الحاجة)؟ ينصح العلماء بتلقيح البويضات اللازمة فقط بسائل الزوج المنوي. وفي حال بقيت أجنة فائضة، فإنها تبقى ملكاً للزوجين طالما أن عقد زواجهما ساري المفعول. غير أن هذه المسألة التي تعني بتجميد الأجنة الفائضة تمثل المعضلة الأخلاقية الكبرى. إن تلفها أو التخلص منها نقطة خلاف رئيسية، حيث يراها كثير من العلماء إنهاءً لحياة كامنة. وقد أدى هذا إلى وضع إرشادات أخلاقية تشجع على إنشاء عدد محدود فقط من الأجنة لتقليل هذه المشكلة. ويستطيع الزوجان، باتفاق مشترك، أن يقررا تركها تضعف وتموت كما هو رأي البعض، أو يمكنهما التبرع بها لأي بحث يهدف حصرياً إلى غايات علاجية ولا يستهدف تغيير التركيبة الجينية للجنين.
على العكس من ذلك، لا يمكن التبرع بالبويضات الملقحة لامرأة عقيمة.
في حال غياب النصوص الدينية من القرآن والسنة، يلجأ علماء الدين الى المصادر العقلية التي سبق أن ذكرتها. ومن الممكن للفقيه أن يلجأ في حالات غياب النصوص الدينية إلى مجموعة من القواعد الأصولية للشريعة الإسلامية، وهي :
أولاً: القواعد الأصولية المؤسسة لرفع الضرر وتطبيقاتها في المجال الطبي:
- قاعدة: “لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ”: تعني أنه لا يجوز للشخص أن يضر بغيره ابتداءً (لا ضرر)، ولا يجوز له أن يجازي الضرر بمثله جزاءً (ولا ضرار). يُقصد بـ “الضرر” إلحاق مفسدة بالغير بدون قصد، بينما “الضرار” هو إلحاق المفسدة بالغير بقصد المقابلة والانتقام. وتتضمن القاعدة ضرورة دفع الضرر عن النفس والآخرين، وحرمة المقابلة بالمثل، وأن الضرر يُرفع بالوسائل المشروعة مثل التعويض، لا بالضرر. من تطبيقاتها :
- جواز علاج العقم إذا كان تركه يؤدي إلى ضرر نفسي أو اجتماعي.
- تقديم مصلحة العلاج على مفسدة التحرج من الكشف الطبي
- قاعدة: “الضرر يُزال”: تعني أن الضرر يجب أن يُمنع قبل وقوعه ويرفع بعد وقوعه. وهي قاعدة فقهية أساسية مفادها أنه يُمنع إلحاق الأذى بالآخرين، وإذا وقع الضرر، فيجب إزالته بقدر الإمكان وبطرق مشروعة لا تُلحق ضررًا مماثلاً أو أشدّ، من تطبيقاتها :
- إباحة التدخلات الطبية لإزالة أسباب العقم
- جواز استخدام أدوية تنشيط المبايض مع مراعاة الضوابط
- قاعدة: “الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف” وتعني أنه إذا اجتمع ضرران وتعذر دفع كليهما، يُلجأ إلى ارتكاب الضرر الأقل شدة لدفع الضرر الأشد منه. تُعد هذه القاعدة من القواعد الفقهية المهمة التي ترتكز على مبدأ تحقيق المصلحة وتفويت الضرر، ويُشار إليها أحيانًا بـ “يختار أهون الشرين” أو “يدفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما”، ومن تطبيقاتها :
- جواز اللجوء لعمليات أطفال الأنابيب عند تعذر العلاج الطبيعي
- إباحة تأخير الحمل إذا كان يشكل خطراً على صحة الأم
- جواز التبرع بالأعضاء وفي بعض الحالات إلزامية نقل أعضاء من ميت وزرعها في حي في حالة الإضطرار حتى دون وصية أو موافقة الأهل، عند بعض الفقهاء.
- قاعدة: “درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح” تهدف هذه القاعدة إلى منع المفاسد الكبيرة مثل اختلاط الأنساب، وتفكك الأسر، وتجارة الأطفال، وتقدم على تحقيق مصالح أقل منها شئناً مثل القيام بأبحاث تعود بالنفع على الأمهات أو الآباء الذين يواجهون مشاكل في العقم، ومن تطبيقاتها :
- منع التلقيح الصناعي إذا ترتب عليه مفاسد أكبر
- تحريم استخدام الأمهات البديلات (الحاضنات)
- قاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات” تسمح هذه القاعدة برفع حرمة المحظور في حالات الحاجة الملحة، ومن تطبيقاتها :
- جواز كشف العورة للضرورة الطبية
- إباحة استخدام التقنيات الحديثة مع التقيد بالضوابط الشرعية
- جواز الإجهاض لإنقاذ حياة الأم فالحفاظ على حياتها القائمة هو ضرورة تفوق المحافظة على حياة الجنين لأن حياتها محققة بعكس حياة الجنين فهي غير محققة
- قاعدة: “الأصل في الأشياء الإباحة” وتعني أن كل شيء مباح ومسموح ما لم يرد نص شرعي صريح يحرّمه، وأن الأصل في المنافع والأشياء المباحة هو الحل، ولا يصحّ تحريم شيء لم يحرّمه الشرع. تطبق هذه القاعدة على التقنيات الجديدة المساعدة للحبل ما لم يرد دليل التحريم.
هذه القواعد تشكل إطاراً شرعياً متكاملاً لمواجهة مشكلات العقم مع مراعاة المقاصد الشرعية ودرء المفاسد. وفي حال اليأس من المداواة لدواعي الإخصاب أو لأمور أخرى أقر الإسلام الكفالة والتي هي رديف التبني كحل لمشكلة العقم. فالإسلام لم يمنع أن يربّي الزوجان طفلاً ليس من صلبهما، وأن يعيش الطفل في بيتهما، مع إلزامهما بالإنفاق عليه وأن يعاملاه معاملة طفلهما بالتمام والكمال. المنع محدّد في شيء واحد فقط: ألّا يُزوّر النسب البيولوجي للطفل، فإن كان نسبه مجهولاً تماماً يعطى تسمية افتراضية دون إسم أهله الذين هم برعايته، وأما في الميراث في حال وفاة أهله بعد وصية فيعطى مالاً مقدراً بثلث التركة.
من ذلك يتبين بأن المنهج الإسلامي لمسائل الأخلاقيات الطبية لا تتكون دائماً من حكم واحد ثابت، بل هو عملية ديناميكية للاجتهاد والاستدلال الفقهي حيث يستنبط العلماء الأحكام من القرآن والسنة النبوية لمعالجة المستجدات. فإن لم يجدوا يبنون اجتهاداتهم على المقاصد الخمسة الأساسية للشريعة الإسلامية كما سبق وذكرت والتي من بينها حفظ النسل والحياة. كما يبنون أحكامهم الإجتهادية والقابلة للتغيير والتبديل وفق المكان والزمان ووفق القواعد الأصولية للشريعة وخاصة قواعد الضرر.
قراءة النصوص الإسلامية تكشف عن منظومة أساسية في الأخلاق الطبية وخاصة في مسألة العقم والخصوبة، والأسرة، من بينها أنها :
- تحافظ على النسب البيولوجي بلا تزوير في حال ضم الطفل الكفيل الى أهله الذين يقومون برعايته،
- وتستوعب أحدث تقنيات الإنجاب
- وتمنع الضرر النفسي على الأطفال
- وتنقذ اليتامى والضعفاء من الضياع
- وتفتح بابًا واسعًا لبناء أسرة ذات مسؤولية وقيم
أختم بهذه القصة الحقيقية لمعرفة المخاطر التي تهدد الاستقرار العائلي حين يتفلت المجتمع من القيم الدينية والأخلاقية ويبحث بدون أي رادع لحل مشكلة العقم أو الحق في الولد Droit à l’enfant et non pas droit de l’enfant كحق طبيعي للمثليين :
أثبت تحليل للحمض النووي أن ساعي بريد متقاعد يبلغ من العمر 87 عاما، عنده أكثر من 1330 طفل غير شرعي
عائلة أمريكية إستأجرت محققا خاصا في قضية الألاف من الأطفال غير الشرعيين على مدى سنوات في تلك المنطقة
روي المحقق الخاص قال: التحقيقات إستمرت 15 عام فقد بدأت عام 2001 عندما طلب مني رجلان لا يعرفان بعضهم البعض التحقيق لمعرفة من هو أبوهم البيولوجي، وبعد إجراء تحليل الحمض النووي عرفت بأنهم إخوة من نفس الأب فتوالت الطلبات فأصبحت هذه القضية مهمة شخصية
وبعد 15عام من التحقيق توصلت للأب البيولوجي المشترك ل 1330 طفل غير شرعي، و قال المحقق رغم ثبوت هذا العدد إلى أن هناك إحتمال بأن العدد أكبر بكثير
أما ساعي البريد فقال ليس لدي ما أخجل منه لقد كانت فترة الستينات من أجمل فترات حياتي.