مدونة

الشائعة والشخصية النفسية لمطلقها

إشاعة
مدونتي

الشائعة والشخصية النفسية لمطلقها

  على مقاعد الدراسة وخاصة الدينية، كانت تتصدر بعض الشائعات بين الفينة والأخرى لتنال من سمعة علماء دين ومدراء وقضاة فوق الشبهة لاستبعادهم من المنافسة أو لوضعهم موضع الشك في علاقاتهم العامة. المثير للحزن أن هذه الشائعات كان يبثها رجال دين بهدف ما تجرّه عليهم من منفعة أو لصب أحقادهم على زملائهم داخل المؤسسة الدينية. الشائعات التي كانت تلقى رواجاً عند هذه الفئة تتعلق بمواضيع عن علاقات مشبوهة نسوية أو تعاطي المنكرات أو تقاضي رشوات مالية أو منفعية. قديماً كانت الشائعات شفوية تتناقلها الألسن أو كتابية مزعومة ترافقها بعض الشهادات المزيفة. حالياً وبفضل الذكاء الإصطناعي أصبح من السهل جداً تركيب الصور والأفلام وتقليد الأصوات بشكل متقن تماماً.

إن قلت بأنها منتشرة بين رجال الدين بكثرة من كل الطوائف، وهم الذين يفترض أن يكونوا قدوة للناس جميعاً في قول الصدق والحث على الإبتعاد عن كلام الزور والبهتان، فلأنهم يتلون أمام الناس ما جاء في الكتاب المقدس والقرآن الكريم حين يذكران وسوسة الشيطان لآدم وحواء بإيهامهما أن الشجرة المحرمة هي “شجرة الخلد”، وذلك لإغرائهما بالأكل منها. فتعتبر هذه القصة، في هذا السياق الديني الغيبي، أول مثال على وجود التضليل والكذب المتعمد، مما تتغافله أو تضعه وراءها هذه الفئة من رجال الدين.

 في كتابه “منبعا الأخلاق والدين” يقدّم هنري برجسون تحليلاً عميقاً لبنية هذه الفئة، فيميّز فيه بين نمطين متقابلين: المجتمع المغلق والمجتمع المنفتح. ولعل أخطر ما يكمن في طيات المجتمع المغلق، وفقاً لبرجسون، هو ارتباطه الوثيق بانتشار الشائعات والتلفيقات الكاذبة. فيصف برجسون المجتمع المغلق بأنه نمط بدائي وطبيعي، يشبه في تنظيمه “خلية النحل” أو “بيت النمل”. وهنا يظهر المفتاح لفهم علاقة المجتمع المغلق بالشائعات. يرى برجسون أن العقل البشري، بقدرته على التفكير الفردي، يشكل تهديداً لتماسك المجتمع المغلق. لذلك، تتدخل الطبيعة عبر ما يسميه “الوظيفة التخييلية” (la fonction fabulatrice)، وهي ملكة ذهنية تنتج الخرافات والأساطير والتصورات الوهمية، بحيث  يمكننا القول إن الشائعات والتلفيقات الكاذبة هي الصيغة الحديثة لهذه “الوظيفة التخييلية”. فالمجتمع المغلق، الذي يخشى الحقيقة النقدية التي قد تفكك روابطه، يلجأ إلى إنتاج سرديات كاذبة (شائعات، نظريات مؤامرة، تلفيقات) لتبرير انغلاقه، وتشويه “الآخر” الخارجي، وقمع الأصوات الفردية الداخلية. هذه التلفيقات ليست مجرد أكاذيب عابرة، بل هي “خيالات هلوسة” (hallucinatory fictions) counter-reason وتُعطّل الحكم النقدي، وتعمل كأداة لضبط السلوك الاجتماعي. وبذلك، تتحول الشائعة إلى وسيلة لحماية “اليقين الجماعي” الزائف من هجمات الشك العقلاني.

وهكذا، يكشف لنا برجسون أن الشائعات والتلفيقات الكاذبة ليست مجرد ظواهر عشوائية، بل هي نتاج طبيعي ومنطقي لبنية المجتمع المغلق، الذي يستخدم “التخييل” كسلاح أخير ضد حرية الفكر وضد انفتاح الحياة. هذا الإنغلاق إلى الخارج ينقلب بعض أعضائه في الداخل على بعضهم البعض عندما تكون الوظائف الدينية التراتبية محصورة كما في طبقة رجال الدين، فتتحول الشائعات الخفيفة إلى شائعات من “العيار الثقيل” مقلقة وقاسية وهدامة تلقي بكل الإرشادات والأسس الدينية عرض الحائط.

في التاريخ الديني أقرت الأديان التوحيدية قواعد عملية للحد من الإشاعات الكاذبة وخاصة فيما ينال من عفاف المرأة في المجتمعات الذكورية (القذف) وردت في سفر التثنية في العهد القديم (19-13:22) عقوبات مالية وعملية على من يشيع على امرأة بالزنا، بينما لم يحدد العهد الجديد عقوبة مدنية أو قانونية محددة، بل يتعامل معها كخطيئة أخلاقية وروحية خطيرة. يُدرج القذف والافتراء ضمن الأعمال الشريرة التي يجب على المؤمنين التخلص منها (مثل بطرس الأولى 2: 1)، ويحذر المسيح من أن كل كلمة بطالة سيعطي الإنسان عنها حساباً يوم الدينونة (متى 12: 36-37). في القرآن الكريم تنص الآية الكريمة في سورة النور على ثلاث عقوبات متلازمة لمن يرمي المحصنات دون إتيان أربعة شهداء، وأهمها الجلد ثمانون جلدة، وهي تشمل حق المرأة والرجل حين يتعرضان كلاهما أو أحدهما بقذف واتهامات دون وجود شهداء أربعة.

إذا انتقلنا إلى التاريخ الموثق، فإن أقدم الحالات المسجلة : نقوش رمسيس الثاني (1274 ق.م): يعدّ العديد من المؤرخين أن أول “خبر كاذب” مسجل هو رواية الملك المصري رمسيس الثاني عن معركة قادش ضد الحيثيين. فقد أمر بنقش رواية تزعم انتصاره الساحق في المعركة على جدران المعابد، رغم أن المعركة انتهت فعلياً بالتعادل أو ربما بانتصار استراتيجي للحيثيين. هذا يعتبر مثالاً مبكراً على الدعاية السياسية والتاريخ المزيف. وهناك وثيقة أقدم قليلاً رسالة ريب-أدا (حاكم مدينة جبيل القديمة) تعود إلى (القرن 14 ق.م)، وهي لوح طيني محفوظ في متحف اللوفر، كتبه “ريب-أدا”  إلى الفرعون أخناتون. تحتوي الرسالة على تحذير من انتشار وباء، لكن الخبراء يشيرون إلى أن إحدى المعلومتين فيها (إما وجود الوباء أو عدمه) كانت كاذبة، مما يجعلها أول وثيقة مكتوبة موثقة لخبر كاذب في تاريخ البشرية.

كيف تنتشر الشائعة :

تنتشر الشائعة عبر مراحل متداخلة عند غياب المعلومة، فتنتقل الشائعة حين يكون المصدر الموثوق مجهولاً أو مغيّباً، حينها يملأ الناس الفراغ بالتخمين. من عوامل إنتشارها أيضاً أنها تعطى الثقة بالناقل لا بالمضمون: «قالها فلان الثقة»، تضاف إليها الشحنة العاطفية عند سماع الشائعة حيث يكون الاشمئزاز أسرع انتشارًا من الحياد، وجود شبكات في العلاقات الاجتماعية والتواصلية ، تضاف إليها المنصات الرقمية التي تضاعف سرعة ومدى انتشار الشائعة. كما أن تكرار سماعها يعطي إحساسًا زائفًا بصحتها، وضعف الثقة لدى المستمع  تجعله عرضة للبحث عن «الحقيقة الوهمية» في الهمس. ومن عوامل استمرارها إذا خدمت مصلحة سياسية أو اجتماعية أو دينية أو اعلامية، أو دعمتها إدارات ومؤسسات وخاصة في التعيينات والملاحقات. وانطفائها إذا زالت الحاجة إليها أو فقدت الجماعة الحاضنة تماسكها.

وصف Allport & Postman  في كتابهما The Psychology of Rumor  ثلاث عمليات تتغير بها الشائعة وهي تنتقل:  تُحذف التفاصيل المعقدة لتبقى الفكرة الأساسية، يُضخَّم جزء معين لأنه مثير أو مفهوم، وتُعاد صياغة الشائعة لتناسب مع شخصية الناقل ووضعه الإجتماعي. وبهذا تصبح الشائعة أبسط وأكثر قابلية للحفظ والترداد.

ويبقى السؤال هل شخصية مطلقو الشائعات يمكن أن تكون نتيجة عوامل وراثية؟ الطفل الذي ينشأ في بيت تُمارَس فيه الغيبة والنميمة يتعلم أنها لغة طبيعية للتواصل وأداة لكسب القرب والمكانة، وهذا أقوى عوامل الانتقال. وكذلك المقارنة المستمرة، أو النقد القاسي، أو الإهمال العاطفي قد ينتج شعورًا بالنقص وحاجة للتعويض، وهما من دوافع إطلاق الشائعات.

ومن هنا يتبين أن الجو العائلي الذي يسوده عدم الثقة وتكثر فيه الأقاويل : “فلان يتآمر” يُخرّج أبناءً يرون العالم بهذه العدسة. إضافة إلى بعض السمات العامة وهي وإن كانت لا تحدد السلوك ولكنها قد تهيّئ الأرضية، وكذلك الاستعداد المزاجي: حيث للمورثات دور معتدل في بعض السمات مثل القلق، والحساسية للنقد، والاندفاعية، والنرجسية.

علم النفس المتخصص في تحليل الشائعات يرصد عدة دوافع لها :

  • الحاجة إلى الأهمية والانتباه :من يملك “خبرًا ولو ملفقاً حصريًا” يشعر أنه محور المجلس. نقل المعلومة السرية يمنحه مكانة مؤقتة، خاصة إذا كان يشعر بالتهميش في حياته الحقيقية.
  • تعويض الشعور بالنقص : تحقير الآخرين أو تشويههم يرفع صورة الذات بالمقارنة. هي آلية دفاعية: “إذا سقط غيري، أبدو أنا أفضل”.
  • الحسد والمنافسة : تُستخدم الشائعة سلاحًا غير مباشر ضد من يتفوّق عليه أو يهدد موقعه، دون مواجهة صريحة.
  • القلق وعدم اليقين : في بيئات الغموض (العمل، الأزمات) تنتشر الشائعات لأن الناس يريدون تفسيرًا ولو كان خاطئًا. هنا قد لا يكون الناقل خبيثًا، بل قلقًا يحاول تخفيف توتره.
  • بناء الروابط : مشاركة “السر” تخلق إحساسًا زائفًا بالقرب: “أنا أثق بك فأخبرك”. بعضهم يشتري الصداقة بهذه الطريقة.
  • ضعف التعاطف والمحاسبة الذاتية: يغيب لديه تصوّر الأذى الواقع على الضحية، أو يبرره لنفسه بـ”أنا فقط أنقل ما سمعت”.
  • الاستمتاع بالتأثير والسيطرة : وفي الحالات الأشد، يلتذ بتحريك مشاعر الناس وصناعة الفوضى، وهذا يقترب من سمات التلاعب والنرجسية.

إضافة إلى ما سبق، يمكن أن يكون صاحب الشائعة إنساناً سوياً ولكنه قابل للتلاعب به بسهولة وضمه إلى فريق مناوئ ليكون مُصَدّراً للشائعة أو لتلفيق الإتهامات. فهو منفذ لما يطلبه منه الرئيس او المرجع. في هذه الحالة تطبق على رئيسه ومرجعه إحدى الدوافع السابقة أو أكثر أنماطها، وأما هو فمثاله كمن وضع نص الكتاب المقدس وراء ظهره : “لاَ تَقْبَلْ خَبَرًا كَاذِبًا، وَلاَ تَضَعْ يَدَكَ مَعَ الْمُنَافِقِ لِتَكُونَ شَاهِدَ ظُلْمٍ، اِبْتَعِدْ عَنْ كَلاَمِ الْكَذِبِ، وَلاَ تَقْتُلِ الْبَرِيءَ وَالْبَارَّ، لأَنِّي لاَ أُبَرِّرُ الْمُذْنِبَ”(خر 23: 7،1). ويصدق عليه ما وصفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قوله :  “إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً”

تتشابه صفة مطلق الشائعات الكاذبة مع صفة الذي ينقل الأخبار بصدق ولكنه لا يطلقها ليصف بل ليحتقر وتكون نيته الإهانة والإيذاء حيث يتشارك مع صاحب الشائعة في أن كلاهما يقصدان الإساءة والضرر. من أمثال هذه الشخصية ما يروي عن تاج الدين السبكي في كتابه “الترشيح” حيث روي عنه أنه كان جالسًا في دهليز دارهم، فمرّ بهم كلب يقطر منه الماء ويكاد يمس ثيابهم، فنهره قائلاً: “يا كلب يا ابن الكلب”. وكان والده الإمام تقي الدين السبكي يسمعه من الداخل، فلما خرج سأله مستنكرًا: “لِمَ شتمته؟” فبرر الابن قائلاً إنه لم يقل إلا حقًا، فالكلب هو بالفعل كلب وابن كلب، فكان رد الإمام تقي الدين السبكي بمثابة تأسيس لقاعدة في أدب الكلام، حيث قال لابنه: “هو كذلك، إلا أنك أخرجتَ الكلامَ في مخرج الشتم والإهانة، ولا ينبغي ذلك”. أي أن المشكلة ليست في وصف الكلب بصفته، بل في نية الإهانة والأسلوب الذي خرج به الكلام. وقد وعى الابن الدرس، وعلّق قائلاً: “هذه فائدة: لا يُنادَى مخلوقٌ بصفته إذا لم يخرج مخرج الإهانة.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare