الشذوذ الجنسي بين نورانية الممانعين وظلامية المؤيدين
طالعتنا منذ أيام كاتبة ناطقة باللغة الفرنسية بمقال عنونته : “الظلامية انتصرت، حظر الشاذين جنسياً من تنظيم مؤتمرهم”، وقد عبرت كاتبته عن سخطها لانتصار الظلامية بعد أن أجرت دار الفتوى اتصالا مع وزير الداخلية لمنع هذا المؤتمر وبعد أن قامت هيئة علماء المسلمين بتهديد القائمين على المؤتمر من أجل إلغائه، وقد تعجبت الكاتبة كيف أنني رغم ما اتصف به من انفتاح وثقافة في مواضيع الحوار الإسلامي-المسيحي، أنظر بعين الريبة الى هذه الظاهرة وأحذر من عواقب إعطاء الحرية للشاذين جنسيا بنشر ثقافتهم في المجتمع اللبناني.
قد يكون للغباء حدوداً ضمن إطار المعقول والمتعارف عليه، فيواجهه ذو العقل السليم كما لو أصابته ذرات غبار على ملابسه فنفضها دون أن تتلطخ ثيابه أو تشين أناقة ملبسه. وإنما حين يتجاوز الغباء حدود المعقول فهنا تقع الكارثة.
لم ينطل على اللبنانيين حيلة المؤتمرات التي تحاول جهات مشبوهة من إقامتها في لبنان من وقت إلى آخر تحت عنوان الحرية للشاذين جنسياً. أن تنبري هذه الحفنة من الناس، والمدافعين عنهم، للمطالبة فيما يزعمون أنه من حقوقهم الأساسية في مجتمعات علمانية متجذرة في علمانيتها فهذا يدخل ضمن المعقول المتعارف عليه في مجتمعاتهم، خاصة وأنه سبق لهذه المجتمعات أن تقبلت ثورة الأفكار التحررية في ستينيات القرن الماضي. وإنما أن تحاول هذه الحفنة من الشاذين “المخروقة” من قبل جهات باتت معروفة للجميع من الدخول الى المجتمعات الشرقية المتجذرة فيها قيم ومبادئ الديانتين الإسلامية والمسيحية، فهذا يخرج عن الغباء المتعارف عليه ليندرج تحت تسمية البله الذي يفضي الى الحجر المانع من تصرفات الأشخاص القانونية.
لا شك بأن للشذوذ الجنسي تاريخ طويل منذ عصور الوجود الإنساني على الأرض، وأن الحلول المطروحة للقضاء عليه أو لمعالجته أو لتقبله ضمن الإطار الفردي لم تأت بالنتائج المرجوة للنيل منه. إلا أنها على الأقل منعت من انتشاره كظاهرة اجتماعية في مجتمعاتنا الشرقية، وبقي ضمن إطاره المحدود بين قلة من الأفراد تمارسه في الخفاء وبعيداً عن أعين الناس.
ليست المشكلة إذن مع هؤلاء الأفراد بالذات، وليس المطلوب منا أن نتسلق الجدران ونقفز على النوافذ ونقتحم الأبواب للدخول إلى غرفهم لنتأكد من شنيع أفعالهم. وإنما المشكلة مع الذين يطالبون بانضواء هؤلاء الأفراد ضمن جماعات ورفع الأصوات لقبول شذوذهم والإفصاح عنه ضمن أسرنا وأحياءنا ومجالسنا ومدارسنا وجامعاتنا وهيئاتنا الحكومية، وفي كتبنا وقصص أطفالنا وضمن مناهجنا المدرسية ومسرحياتنا وأفلامنا ومنصاتنا الإعلامية…واللائحة تطول لتتضمن حقهم في الزواج والتبني وتأسيس أسر يكون فيها ربّا الأسرة أبّين أو أمّين، أو يلعب أحد الآباء دور الأم أو إحدى الأمهات دور الأب. وليت الأمور تقف إلى هذا الحد بل وتتبعه بلا أدنى شك المطالبة بحق السحاقيات بالحبل وإنجاب الأولاد، حيث يتم التلقيح عن طريق البائعين لحيواناتهم المنوية أو المتبرعين الذين لا تحد عطاءاتهم الأسرة الواحدة بل يتعدونها الى عشرات العلاقات الجنسية فينشأ جيل من الشباب لا يدرون بأنهم من أب واحد فيرتبطون بعلاقات جنسية أو عن طريق الزواج دون أن يعلموا بأنهم أخوة أشقاء…وهذا ما يحصل فعلاً في تلك المجتمعات.
هذه المخاطر الجسيمة هي ككرة الثلج تبتدأ منذ أول دحرجة، تطمر أمامها الطرقات والبيوت وكل ما يصادفها من معوقات. وهذا ما سيتحقق عند أول قبول قانوني لحقوق الشاذين جنسياً، لتنهار الأسرة تبعاً لها بعد عدة أجيال، خاصة وأن القبول بهذه الحقوق تتبعه سياسة التشجيع على ممارسة الشذوذ الجنسي ابتداء من المناهج الدراسية والدعايات إلى أن تصل إلى أعلى المستويات في قمم المنابر الدولية.
والمسيء الممقوت في قواميس قيمنا الشرقية أن تقوم حفنة من الأفراد غير المسؤولين للترويج لهؤلاء الشاذين جنسيا تحت مسمى الحرية الفردية، وتتفاقم أراءهم وكتاباتهم حين يحاولوا قلب الأمور على أعقابها فينعتون من يتصدى للحملات المشبوهة لهؤلاء الأفراد ومن يريدوا المحافظة على قيم العائلة التي نفتخر بها أمام عالم مضطرب، بأنهم ظلاميون. وما الظلامي في قيمنا الإسلامية والمسيحية الا من يحاول السير دون أن يستنير في طريقه حتى ولو خشي الوقوع والتعثر أو الهبوط في الأودية الساحقة.
إن اللبنانيين والمشرقيين في غالبيتهم العظمى يرفضون هذا النوع من الحرية المعتدية والخادشة للحياء، وهذا لا يعني أنهم يتساهلون أو يقبلون ولو على مضض أصوات النشاز الداعين الى الإرهاب التكفيري وإعمال القتل ضد كل من خالف منهجهم وعقيدتهم فلسنا بوارد الإختيار بين شذوذ العقل والفكر وشذوذ الجنس، وإنما نحن من دعاة المحبة القائمة على مبادئ وأسس ثابتة تثري العائلة ولا تهدمها وتدعم استمراريتها لتواجه تحديات من يريدون الإنقضاض عليها في أزمنة التفلت اللا أخلاقي. ونحن وإن كنا نتفهم من انحرف عن منهج الطبيعة لأسباب خلقية أو مرضية أو نتيجة إهمال واضطراب تربوي أو نتيجة أسباب مشاعرية متعددة إلا أننا ننادي إلى حسن التعامل معه بما تمليه علينا أخلاقنا ومبادئ ديننا، وبما يبديه هو أولاً من احترام للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء والآداب العامة. وليست دعوتنا تعني بتاتاً الموافقة على شذوذه أو السماح له بإظهاره في المجتمع، أو اعتبار شذوذه من ضمن الحقوق الشخصية المكتسبة للأفراد وإنما حافزاً لنا لرعايته ومعالجته. وأما الشاذون المعنِّفون المتمرسون الذين يستهويهم الضعفاء والأطفال، أو الذين يروق لهم إظهار شذوذهم على الساحات العامة والطرقات ومن خلال صفحات التواصل الاجتماعي، فلهم ما يستحقونه من تقويم وردع يبعد خطرهم عن المجتمع.
كنا وما زلنا نؤكد كمجتمع شرقي محافظ بأننا لن نعطي مبرر وجود بعض الأفراد الشاذين جنسيا لمنحهم اعترافا من المجتمع، ولن نسمح لهم ولا للمنظمات المساندة والمؤيدة والداعمة لهم حق الظهور العلني الإستفزازي في مجتمعنا اللبناني. لبنان بشقيه المسيحي والإسلامي يقف سداً منيعا ضد مثل هذه الأفكار الهدامة التي ما أن تسحب اعترافاً بجمعياتها ومنظماتها حتى تكر سبحة مطالبها بالزواج المثلي وبحق التبني والإنجاب، بل والتشجيع على ممارسة الشذوذ واعتباره مسلكاً طبيعياً وعصرياً يتلائم مع التقدم الحضاري والرقي لأبناء القرن الواحد والعشرين.