العدل والرحمة والمحبة
من خصائص الإسلام ان قواعده ومبادئه وأسسه لم تخاطب الأفراد حصراً وإنما خاطبت المجتمع فتحولت من قيم نظرية يلتزم بها كل فرد على حدة، إلى تشريع يلتزم بتطبيقه أبناء المجتمع بأسرهم. حتى عبادة الله والتي هي من أهم الأمور التي نسعى اليها بإرادتنا الفردية وفي صومعتنا وخلوتنا إذا بقيت في إطارها التعبدي ولم تترجم الى فائدة تعم كافة الناس، يأتي من يسبق فضلها في الدرجات والمقامات. من هنا نستشعر ما أراده النبي الكريم عندما قال : “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير” وأيضاً حين قال : “فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر”. فبهذا المفهوم الواسع أخرج العابد من صومعته ليكون عضواً فعالا في المجتمع، وإن بقي في داخلها فسيسبقه كل من يسعون الى العلم ونشره بين الناس لتعم فائدته على الناس كافة.
وكذلك العدل والرحمة والمحبة فإنها وإن كانت معايير فردية ومسالك تبنى عليه شخصية المؤمن وغير المؤمن، إلا انها تحولت أيضا في الإسلام الى تشريعات اجتماعية متماسكة ومترابطة ببعضها البعض، فأينما يكون العدل تأتي الرحمة لتهذبه وتوقف قسماً من مفاعيله التي قد تكون قاسية في بعض الأحيان، وحيثما وجدت الرحمة وجدت المحبة بجانبها.
العدل
فمن العدل أن تضرب من ضربك وأن تسيئ الى من أساء اليك، وأن تعامل من جانبك العدل وظلمك عندما كان قويا أن ترد عليه ظلمه، ولكن اذا أضفت الرحمة الى العدل تَهذّب العدل وارتفع درجة ليصبح قسطاساً والقسطاس هو درجة أعلى من العدل. فلا تعامل المسيء بمثل إساءته وانما تعفو عنه وهذه هي الرحمة التي تؤدي الى أشاعة المحبة. جاء في القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ، وقال أيضاُ : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ، وقال أيضا : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ وقال أيضاً (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
كما أن القاعدة التي يغفل عنها المتشددون التكفيريون ما جاء في القرآن الكريم : (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
نقرأ في كتب السيرة أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب مرّ بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلي ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه، أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم “إنما الصدقات للفقراء والمساكين” والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.
ومن العدل أيضاً أن يساوي القاضي في مجلس الحكم بين الخصوم دون النظر الى منصب أحد الخصوم وقوته ودينه. تروي كتب السيرة ايضاً بأن يهودياً ادعى على الإمام علي بن أبى طالب بحضرة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما فقال عمر: قم يا أبا الحسن بمساواة خصمك، فظهر على وجه الإمام علي أثر الغيظ ثم قام وجلس بجانب اليهودي، وبعد انتهاء المحاكمة قال الخليفة عمر لعلي عليه السلام : ” لعلك اغتظت من قولى لك : « قم يا أبا الحسن ساو خصمك » قال: ” لا، وإنما اغتظت لأنك كنيتني أمام خصمي، فكان ينبغي أن تقول لي : قم يا علي ساو خصمك”، وهذا يعني بأن الإمام علي عليه السلام لم يرد التعظيم والمفاخرة بجانب خصمه.
ومن العدل أن تنصر أخاك ظالماً أو مظلوما، وهنا يسيء الناس فهم الحديث كما سبق وتوهم الصحابة الذين قالوا للنبي : ننصره مظلوماً فيكف ننصره ظالماَ ؟ فأشار اليهم النبي بأن يأخذوا على يده ويمنعوه من ظلمه.
ومن الرحمة ايضاً والتي تحد من تطبيق مبدأ العدل الصارم قاعدة ” درء الشبهات “ أي أنك إذا كنت في موقع القضاء وعرضت عليك أدلة دامغة في إدانة مذنب ثم عرض عليك دليل ضعيف في تبرئته، فإنه ينبغي عليك في حينها أن تحيد عن عقوبته المقرره له في النص لعقوبة أخف منها أو تخلي سبيله. وهذا ما يفهم من الحديث النبوي الشريف : ” ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”. ومنها ما روي في الأثر أنَّ جارية كانت تصبُّ الماء لعلي بن الحسين، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فجرحه، فرفع رأسه إليها، فتذكرت قول الله تعالى في القرآن : ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) فقالت له: إنَّ الله يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ قال لها: قد عفوت عنك. قالت: وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، قال: اذهبي فأنت حرَّة لوجه الله.
ومنها ما روي عن الخليفة الخامس العادل عمر بن عبد العزيز أنه دخل المسجد ليلة في الظلمة، فمرَّ برجل نائم فعثر به، فرفع رأسه وقال: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا. فهمَّ به الحرس ليضربوه، فقال عمر: ” دعوه إنما سألني أمجنون؟ فقلت: لا “.
ومن الأدلة الدامغة أيضا والتي ابتعدنا عنها في تصرفاتنا مع الذين يخطئون ويسيئون حادثة تدنيس المسجد من أحد الأعراب بحضور النبي وموقف النبي من ذلك. فمن عادة الأعراب في حينها، الجفاء والجهل، فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في المسجد النبوي، إذ جاء أعرابي وسأل النبي عن الإسلام ثم انتحى جانباً من المسجد وبال فيه ، ظناً منه أنه كالفلاة، فعظم فعله على الصحابة لعظم حرمة المساجد، فسلّوا عليه سيوفهم وأرادوا النيل منهم فهب النبي اليهم وألقى بثوبه عليه وطلب منهم عدم زجره وأن يدعوه حتى لا يقطع بوله عليه وقال لهم لا تروعوه لا تروعوه وأمرهم أن يطهروا مكان النجاسة بصب دلو من ماء عليه، ثم شرح له النبي سوء تصرفه، فنظر الإعرابي الى الصحابة وقال : ” اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا ” . فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” لقد تحجرت واسعاً “.
ومن العدل أيضاً أن لا تكتفي بإشاعته بل أن تبادر الى رفع الظلم. حصلت حادثة في أيام عمر ابن عبد العزيز أن قائدا من قواته وهو قتيبة الباهلي دخل مدينة سمرقند وأسكنها المسلمين عَلَى غدر، فشكى سكان المدينة الى الخليفة ما عمله قائده الباهلي فكتب عُمَر إِلَى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا، فأحضر القائد العسكري منتصراً واستمع اليه القاضي ثم أصدر حكم قائلاً : قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض “سمرقند” من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء ، وأن تترك الدكاكين والدور، وأن لا يبقى في “سمرقند” أحد من المسلمين، فاستفاق سكان المدينة على وقع خروج المسلمين منها وإقفال دكاكينهم ودورهم، ثم ما لبث أن طلب سكان المدينة بعد ذلك بعودتهم فعادوا اليها مسالمين.
الرحمة
الرحمة كمفهوم مستقل ورد ذكرها في القرآن الكريم في نحو مائتين وثمانية وستين موضعاً، وهي (صفة) من صفات الله وهي الأكثر وروداً في القرآن الكريم. وإجمالاً فإن لفظ (الرحمة) من الألفاظ العامة والشاملة، التي يدخل في معناها كل خير ونفع يعود إلى الإنسان في دنياه وآخرته.
من تشعبات الرحمة الكثيرة جداً ما يتعلق بالمسائل التعبدية مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج، فكل هذه الفرائض الدينية تراعي حالة الصغير والعاجز والمريض والمسافر والفقير وذو الحاجة، فمنها تقصير النبي من الصلاة التي كان يصليها بالناس اذا سمع بكاء طفل، فيسأله الناس عن سبب تقصيره في الصلاة بعد الانتهاء منها، فيجيبهم : ( إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطوِّل فيها، فاسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)، وعندما بلغه أن أحد أصحابه يصلي في جماعة من الناس، ويطيل في صلاته، عتب عليه كثيراً وقال: (أيها الناس، إنكم منفرون ، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن منهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة). وكذلك شرعت الزكاة رحمة للفقراء وليست منية وفضلا من الأغنياء بل هي حق للفقراء، يقول الإمام علي : ” إن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما متّع به غنيّ والله سبحانه وتعالى سائلهم عن ذلك “. حتى أن الفقهاء وصفوا الأمكنة التي توزع فيها أموال الزكاة واشترطوا أن تكون بالأمكنة التي يتوفر بجوارها الماء والأكل، فإذا أحس الفقير بالعطش والجوع لا يدفعه جوعه وعطشه عن الإنصراف عن مكان توزيع المال. وكذلك الصوم فإن فيه إشعار بجوع الفقير وعوزه فيشعر بالحرمان الذي يعاني منه الفقير فيعطف ويشفق عليه ، وبما في الصوم أيضاً من معنى الصدقات حيث توزع صدقة الفطر قبل الأعياد حتى يكفوهم عوز الحاجة والطلب أيام العيد. وفي الحج أيضاً معاني الرحمة حيث يستوي الناس جميعا بلباسهم ومشيهم ومجاورتهم لبعضهم البعض دون أن تكون هناك امتيازات أو خصوصيات للمترفين الأغنياء.
كما أن الرحمة تتحقق في معاملة الأطفال والنساء، فمن أواخر وصايا النبي كانت تدعو الى ذلك ومنها قوله : ” استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.”
وكذلك تكون الرحمة في معاملة الأطفال، فكان الإسلام أول من حرم وئد البنات وهن أحياء، وشجع على الإعتناء بالأطفال حيث قال النبي : ” أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم” وحبذ اللعب مع الأطفال، إذ يروى بأن أحد الصحابة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم – فرآه يقبل الحسن والحسين ، فقال : أتقبلهما يا رسول الله ؟ وإن لي عشرة فما قبلت أحدا منهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من لا يرحم لا يرحم “. ومن مظاهره أيضاً اظهار الرحمة بالبنات بل وتقديمهم على الصبيان ، جاء في الحديث أَنَّ رَجُلا كَانَ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ بُنَيٌّ لَهُ ، فَأَخَذَهُ فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ ، ثُمَّ جَاءَتْ بُنَيَّةٌ لَهُ ، فَأَخَذَهَا وَأَجْلَسَهَا إِلَى جَنْبِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَا عَدَلَتْ بَيْنَهُمَا. ولذلك قال الفقهاء لو أن أحدا اشترى هدية لأولاده فليبدأ بتوزيعها على بناته أولاً.
ومنها أيضاً تحريم التشاؤم عند ولادة البنات، إذ كان من عادة العرب أن تسود وجوههم من الأحساس بالإهانة عندما تلد لهم زوجاتتهم بناتاً، ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم : ( وإذا بُشر أحدُهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى مِن القومِ من سُوء ما بُشر به، أيمسكه على هُونٍ أم يدُسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ). وعندما ولدت السيدة فاطمة بنت النبي محمد تزاحم الصحابة على بابه ولم يدخلوه حتى لا يخبروه بولادة زوجته خديجة ببنت، فلاحظ النبي ذلك وخاطبهم قائلا : ” مالكم والله إنها لريحانة أقبلها ورزقها على الله “.
ومن مظاهر الرحمة التوبة للمسيء فمهما عظمت سيئاته وظن بأنه الى الهلاك سالك يعلّمه القرآن بأن باب التوبة مفتوح. جاء في القرآن الكريم ( وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً)، كما ناشد القرآن كل الذي أفرطوا في الخطيئة وأعلنوا توبتهم فإن الله يغفر ذنوبهم (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا).
حتى مظاهر الرحمة يستحقها الحيوان. يروى أن بغيًّا من بغايا بني إسرائيل رحمت يوما كلبا – قال نبينا – فغفر الله لها، جاءت من شدة العطش فما وجدت دلوا، فنزلت إلى البئر فشربت فلما طلعت وجدت كلبا يلحس لسانَه بثرى الأرض فقالت: أصابه من العطش مثل الذي أصابني, فخرجَت إلى البئر وأخذت خفَّها فملأته ماء، وحملته بفمها، وطلعت وسقت الكلب قال رسول الله فغفر الله لها. فقال الصحابة له : “يا رسول اللّه، وإن لنا في البهائم أجرا؟ “. فقال: ” في كل كبِد رطبة أجرٌ”.
وفي حديث آخر أن امرأة عُذبت في هرّة ، سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها ، ولا سقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
ومن الرحمة أيضاً عدم الدعاء على الأعداء بالهلاك بل التمني بأن يهديم الله. في واقعة جرت بين النبي محمد وأصحابه حيث شكوا له بأن قبيلة دوس لم تسلم وطلبوا بأن يدعو عليهم بالهلاك، فما أن رفع يديه الى السماء حتى ظن الصحابة بأنه سيصيب قبيلة أوس العذاب من دعاء النبي عليهم، فما كان منه الا أن قال : ” اللهم أهد دوساً وائت بهم “.
وحادثة الطائف وفتح مكة ايضاً لهما دلالتهما في رحمة الإسلام بالأعداء. ففي الطائف حيث أراد النبي دعوة أهلها الى نبذ عبادة الأوثان وعبادة الله الواحد، أرسل أهلها أطفالهم وشبابهم يهينون النبي ويضربونه ويرمونه بالحجارة حتى دمي جسده الشريف فالتجأ الى بستان حيث قدم له غلام مسيحي من نينوى الماء البارد والعنب، ثم التجأ النبي الى ربه قائلا : ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”. وفي فتح مكة حيث دخلها النبي منتصراً بعد سنوات طويلة من الحروب التي شنها أهل مكة على المسلمين وقتلهم صحابة النبي وأهله وتجويعهم وتعذيبهم وطردهم ومصادرة أملاك وأموال كل من يعتنق دين الإسلام، جمع النبي أهل مكة وقال لهم : “ماذا تظنون أني فاعل بكم ؟ ” قالوا ” أخ كريم وابن أخ كريم” فقال لهم : ” إذهبوا فأنتم الطلقاء “. فلم ترق نقطة دم واحدة في مكة عندما دخلها المسلمون منتصرين.
ومنها أيضا رحمة أسرى الحرب : فحدث ذات يوم بعد انتهاء معركة بدر وهي المعركة التي شن مشركو مكة حربهم على النبي في المدينة، أنه مشى وأمامه الأسرى فقال لأصحابه: ” استوصوا بالأسرى خيرا “ فلمّا رجعوا من بدر وأوصى النبي بالأسرى خيراً يقول أحد الذين أعتقوا : تقع في يد أحد المسلمين التمرة وكسرة الطعام فيؤثرنا بالكسرة، قال حتى أني استحي منهم لكثرة ما يؤثرونا بأحسن طعامهم، فجعلت أردها إليهم فيردونها إليَّ ما يمسها أحدهم بعد أن سمعوا رسول الله يقول استوصوا بالأسرى خيرا.
ومن مظاهر الرحمة أيضا ما شرعه الله من إخراج المقتدرين لأملاكهم وثرواتهم وجعلها ملكاً لله وتخصيص ريعها على الأعمال الخيرية وهو ما يسمى بالوقف.
- من هذه الأوقاف ما يعرف بوقف الكاسورة أو الفاخورة : حيث يؤمن الواقف للعمال الذين تنكسر أدوات عملهم دون قصد قيمتها أو مثيلها.
- ومنها ما يعرف بنقطة الحليب إذ يقوم الواقف بتوزيع الحليب مجاناً الى أمهات الأطفال الرضع الى بلوغ سن فطامتهم.
- ومنها لاطعام الحيوانات وايوائها بعد تخلي أصحابها عنها وهي الأرض التي أقيم عليها حاليا معرض دمشق الدولي
- ومنها وقف الغناء الهاديء امام المستشفيات حيث يقوم الواقف باستئجار أشخاص للغناء والأنشاد أمام المستشفيات.
- ومنها ايهام المرضى بأنهم على أحسن حال بأن يستأجر الواقف أشخاصاَ يدخلون الى المرضى ويسمعونهم بأنهم أحسن حالاً من الأمس وانهم يتماثلون الى الشفاء.
المحبة
المحبة هي شعار من شعائر الدين في الإسلام وغاية تشريعه جاء في القرآن الكريم : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )، والمحبة أول درجاتها محبة الله ومحبة أنبياءه ومحبة أقاربه وجيرانه الى أن تصل الى محبة الناس جميعا دون أن تكون خاضعة لمصالح متقلبة أو أغراض دنيوية. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ” اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك. اللهم وارزقني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب. اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب“.
وفي حديث آخر قال : ” إنّ اللّه يقول يوم القيامة: أين المتحابّون بجلالي، اليوم أظلّهم في ظلّي، يوم لا ظلّ إلّا ظلّي “.
وحديث ” ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه “.
وفي حديث قدسي: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي
ويدخل في الحب حب الأسرة والأهل والأبناء، والأيتام، جاء في حديث : إمْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ “
ومنها حب المساكين والأعمال الصالحة وقد كان النبي يقول ” اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون “، ويقــول : ” اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين “.
كما يدخل بالمحبة حب الحيوانات : دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بستان أحد الأنصار فرأى ناقة، وقد ذرفت دموعها فمسح ذفريها وقال: من صاحب هذه الناقة؟ فجاؤوا بأنصاري من فتيان الأنصار قال: أنا صاحبها يا رسول الله، قال: ألا تتقي الله في هذا الجمل الذي سخره الله لك؟ فإنه شكا إلي أنك توجعه وتدئبه “. وفي حديث آخر : ” مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ “. وفي حادثة نستفيد منها في نهي المبارزة على الحيوانات والثيران : مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا لَعَنِ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا.
كما يدخل في المحبة حب الأوطان: فقد كان النبي يقول عن مكة ” ما أطيبَك من بلد! وأحبَّك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك “. ويدخل فيها حب الجيران حيث جاء عن النبي قوله : ” ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت بأنه سيورثه “، وفي حديث آخر قال لصحابته ، والله لا يؤمن واعادها ثلاث مرات ثم أردف قائلا والله لا يؤمن من بات وجاره جائع”.
وأختم قائلا بأن المحبة حتى عندما تكون لله فهي تمر عبر محبة الناس وخدمتهم، ليست محبة الله في أثواب يرتديها المؤمنون والمتدينون ولا بأشكل ولحى ومظاهر، ولا بأوجه عبوسة جهماء ولا بتغميض الأعين لايهام الناس بخشية الله والتعلق فيه، وليست المحبة بكثرة الصلاة وارتياد المساجد فقط. أكثر الناس حباً لله هم أكثرهم حبا وفائدة للناس كما جاء في الحديث : ” الخلقُ عيالُ اللهِ فأحبُّهم إلى اللهِ أحسنُهم لعيالِه ” ، و : ” السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: كَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ.”
وأختتم بما قاله الشيخ القدوة محي الدين ابن عربي :
لقد كنت قبل اليوم انكر صاحبي اذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبـــــــــــان
وبيت لأوثان وكعبــــــــة طائف وألواح تـــــــــوراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب دينـــــي وايماني