تقديم كتاب “نافذة على الإسلام” من خلال أفكار مالك شبل
نافذة على الإسلام من خلال أفكار مالك شبل
صراع الخير مع الشر، الحق مع الباطل، النور مع الظلام، وجد قبل وجود الإنسان العاقل المميز على الأرض. لم يكن الصراع في حينها موجوداً بين هذين النقيضين نظراً لأن من كان يسكن هذا الكوكب هم كائنات غير عاقلة تسفك الدماء بلا تمييز ولا شفقة ولا رحمة، فكان الصراع الوحيد الذي تعرفه هذه الكائنات هو صراع البقاء. مع وجود الإنسان الأول ومنذ أن أعلن الله مشيئته في استخلافه في الأرض، خشيت الملائكة أن يستمر صراع البقاء مع هذا المخلوق الجديد المستخلَف فيستمر القتل وسفك الدماء (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) ولم يكن الجواب الذي تلقوه من ربهم بأنهم أخطأوا التصور واستشفاف المستقبل وأن الإنسان المستخلَف لن يكون شريراً، بل أشار الله لهم بأنه يعلم ما لا يعلمون. واستكمل الله خلق الإنسان الأول على صورته (أي صورته كإنسان) مستقيم القامة عاقل مميز ناطق ضاحك، فكانت التجربة الأولى وقوعه بالإغواء ثم التوبة، والتجربة الثانية بتغلب الشر على الخير حيث امتدت يد الأخ لقتل أخيه، ولكنها تواجهت مع إرادة الخير حين رفض الأخ الآخر أن يسفك دم أخيه (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين). وهكذا دواليك إذ أضيف الى حصرية صراع البقاء وجود صراع الحق مع الباطل والخير مع الشر. في مختلف العصور والأزمنة المتلاحقة الى يومنا هذا، كان الشر هو المنتصر في الأغلب الأعم وكأنه هو الأصيل في الإنسان بينما كان الخير هو المنهزم وكأنه هوالطارئ المستثنى.
من هنا ابتدأت المعضلة والمشكلة التي تربينا عليها أطفالاً وشباباً وكهولاً. تربينا على أن الخير منتصر على جهة الدوام، وأن الشر منهزم على جهة الإستثناء. فنجحنا في معرفة الخير وفشلنا في إدراك الشر وتفرعاته. أغفلنا بأن منهجية الخير واحدة ولو تعددت أسبابه ونتائجه وأن منهجية الشر لا تعرف التفرد فهي متعددة متجددة مقنّعة متبدّلة مستفزّة وقحة الى درجة أنها مكتملة الدهاء والخبث، وهي لا تصيب فقط الأشرار، وإنما قد تصيب أيضاً الخيّرين على حين غفلة، وقد تصيب المتدينين ورجال الدين وتنفذ الى خطابات الوعظ والإرشاد في المساجد والكنائس ومختلف دور العبادة. فكان من الملاحظ استغراق أصحاب التدين والداعين الى الفضيلة وقيم الأخلاق الى نشر مبادئهم وتعليمها وتعميمها عبر الأجيال، والى نبذ الشر بالكلمة المفردة المجردة من دون تبيانها وتوضيحها، فاختلط على الناس فهم الشرّ وإدراك مخططاته والتواءاته وتحوراته ومناهجه الخفية والمتبدلة على الدوام، فأصبح بعض الخيّرين أشراراً من دون أن يدروا، ووعّاظ الخير وناشروا المحبة دعاة ببراءة الى البغض والتنافر والتقاتل. قلّة قليلة تنبهت الى هذا الأمر فنجحت متفردة وأخفقت في توسيعها واستعيابها لتصبح مجموعة عاملة. من هؤلاء القلة الذين نُقل الينا حديثهم صحابياً وهو حذيفة بن اليمّان، إذ نقل الينا قوله : “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني”.
من هنا كان لا بد لنا أن نعرف بأن الدين في ذاته هو مطلق خير، وفي بعض تفسيراته وتأويلاته واجتهاداته قد يكون مأوى شر ومصيدة عنف وإرهاب. فكان لا بد من ظلاميين يدّعون حراسة الدين معتقدين بأنهم بتشددهم وانغلاقهم وعدم قبولهم دعوات الإصلاح والعقلنة، يحمون الدين ويمنعون عنه أي مخالفة لصحيحه ولثوابته والخوف عليه خشية من أن يصيبهم لهيب نار الجحيم، وكان لا بد من إصلاحيين متنورين يبحثون ويجدّون البحث لمعرفة الحقيقة في نصوصه، ولتحييد الخيريّة الأنفعية الشاملة عن الأفكار الجامدة غير المدركة التي تصيب العقول السقيمة العقيمة، عملاً بما يعرفونه من تعريف الدين : “وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود لما هو خير لهم بالذات”.
في مطلع القرن الماضي حاول مفتي الديار المصرية الإمام محمد عبده تحريك الساكن في تصويب أصول العقيدة وفي تطوير مناهج التعليم الأزهري، فأصابه ما أصابه من هجوم شنيع من ذوي العمائم، فأنشد قائلاً على سرير الموت:
ولست أبالي أن يقال محـمد أبل أم اكتظت عليه المآتم
ولكن ديناً قد أردت صلاحه أحاذر أن تقضي عليه العمائم
وحاول الشيخ عبد الله العلايلي أن يتجرأ بعد الإمام محمد عبده على مخالفة بعض الأحكام الفقهية المتعارف أو المجمع عليها، فرمي باتهامات مغرضة أقرب الى التكفير والإخراج من دائرة الإيمان. في كتابه “أين الخطأ كتب العلايلي : “ليس من باب المحافظة على التراث الحرص على تقليده مع العلم بأنه خطأ، أو التوهم بأن البحث فيه قد يوقعه بالمحظور؛ وليس خروجاً عن المألوف المتوارث التصحيح الذي يعيد للمبادئ أصوليتها وأنفعيتها للناس ومواكبتها للتجدد المنضبط المبني على الإيمان والعلم والمعرفة والحكمة”. من نبع أفكاره يمكن القول بكل ثقة عن هؤلاء الإصلاحيين بأنهم حين يتصارعون مع نص ديني يعتقدونه دخيلاً ومشوشاً وغير ثابت، أو هو ينافي العقل السليم، فإن هدفهم هو تنقية الدين والدفاع عنه. وحين يتمسك أصحاب الجمود والعقول المغلقة بهذه النصوص ويأبون المساس بها أو تأويلها، فإن الإصلاحيين يقولون – محسنين الظن بهم – إنما هدف أصحاب الجمود والتقوقع هو الدفاع عن الدين والمحافظة على ثوابته وموروثاته، حتى على هزيلها وضعيفها. فلا ينبري الإصلاحيون مع اعتقادهم بخطأ منهج أصحاب الجمود والتقوقع بتكفيرهم ورميهم بالإتهامات المعلبة الجاهزة التي تذخر بها قواميسهم ومفرداتهم، كما هو منهجيتهم بتكفير مخالفيهم واصدار الفتاوى في استباحة قتلهم في الدنيا وإلقاءهم في نار جهنم في الآخرة.
استمرت مسيرة الإصلاح بعثراتها المتتالية فوصف الشيخ محمد الغزالي حال هذه الأمة بقوله : “إن أمتنا غنية بأولي الألباب؛ ولكني لا أعرف أمةً تضع السدود أمام عقلائها كالأمة الإسلامية”. كما استمر الأزهر في هذه المسيرة، فأصدر وثيقة الحريات في سنة 2012 والتي جاء فيها : ” كما يترتب أيضًا على احترام حرية الاعتقاد رفض نزعات الإقصاء والتكفير، ورفض التوجهات التي تدين عقائد الآخرين ومحاولات التفتيش في ضمائر المؤمنين بهذه العقائد، بناءً على ما استقر من نظم دستورية بل بناء على ما استقر- قبل ذلك – بين علماء المسلمين من أحكام صريحة قاطعة قررتها الشريعة السمحاء في الأثر النبوي الشريف: “هلا شققت عن قلبه” والتي قررها إمام أهل المدينة المنورة الإمام مالك والأئمة الأخرون بقوله: “إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان ولا يجوز حمْله على الكفر”. وقد أعلى أئمة الاجتهاد والتشريع من شأن العقل في الإسلام، وتركوا لنا قاعدتهم الذهبية التي تقرر أنه: “إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل وأول النقل” تغليبًا للمصلحة المعتبرة، وإعمالًا لمقاصد الشريعة”.
كما استمرت مسيرة الإصلاح الديني والفهم الصحيح للدين، رغم كل العراقيل التي تواجهها، ففي سنة 2019 وقعت حاضرة الفاتيكان مع الأزهر الشريف وثيقة الأخوة الإنسانية والتي تعد مكملة ومتصدرة بشموليتها وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة. فأشارت الوثيقة إلى أن الإخلالات الخطيرة التي تمر بها المجتمعات في السياسة والأخلاق والتربية وإغفال قيم السلام والعدل وحقوق الأطفال والمرأة التي تدعوا اليها الأديان السماوية، أدت الى تراجع القيم الروحية والشعور بالمسؤولية؛ وأسهمت في نشر شعور عام بالإحباط والعزْلة واليأْس، ودفع الكثيرين إلى الانخراط إما في دوامة التطرف الإلحادي واللاديني، وإما في دوامة التطرف الديني والتشدد والتعصب الأعمى، كما دفع البعض إلى تبني أشكال من الإدمان والتدمير الذاتي والجماعي.
كما شددت الوثيقة على أن الأديان لم تكن مطلقاً بريداً للحروب أو باعثة لمشاعر مثيرةً للعنْف وإراقة الدماء، فهذه المآسي حصيلة الانحراف عن التعاليم الدينية، ونتيجة استغلال الأديان في السياسة، وكذا تأويلات طائفة من رجالات الدين – في بعض مراحل التاريخ – ممن وظف بعضهم الشعور الديني لدفْع الناس للإتيان بما لا علاقة له بصحيح الدين، من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية دنيوية ضيقة. لذلك أوصت الوثيقة بوقْف دعْم الحركات الإرهابية بالمال أو بالسلاح أو التخطيط أو التبرير، أو بتوفير الغطاء الإعلامي لها باعتبار أنها نتيجة لتراكمات الفهوم الخاطئة لنصوص الأديان.
كما دعت الى وقف كل الممارسات اللاإنسانية والعادات المبتذلة لكرامة المرأة، والعمل على تعديل التشريعات التي تحول دون حصول النساء على كامل حقوقهن، وحمايتها أيضًا من الاستغلال الجنسي ومن معاملتها كسلعة أو كأداة للتمتع والتربح.
على ضوء هذا الوعي والإدراك للمفاهيم الخاطئة لصحيح الدين، فإن نصوص كتاب مالك شبل تؤكد ما كتبه الإصلاحيون الأوائل وتضيف اليه بعداً جديداً يقوم على الإرادة الصلبة في تنقية الدين من شوائبه الملتصقة به. فكان منهجه عقلانياً في مواجهة نصوص فقهية غير ثابتة، فأعطى لها تأويلاً جديداً ليضحد ما شاهده من أخطاء في التطبيق في بعض البلاد الإسلامية ولدى عوام المسلمين، أو المضللين من دعاة العنف والتشدد والإنغلاق في بلاد الغرب التي هاجروا اليها. لم يكتف مالك شبل بإعطائها بعداً تأويلياً جديداً بل أنكر مستندها النصي في بعض الأحيان، ولكنه في البعض الأحيان لم يستوفها حقها من التمحيص والدراية والبحث فوقع في أخطاء أوهمته بأنها من أصل الدين المجمع عليه ولكنها في الحقيقة هي من العادات والتقاليد التي تغلب في إحيان كثيرة النص الديني الواضح، أو هي محل خلاف واجتهاد بين فقهاء المذاهب.
فمن المعروف بأن شمال أفريقيا يدين معظم سكانه بمذهب الإمام مالك الذي أضاف الى مصادر التشريع الإسلامي عمل أهل المدينة، فأولى بذلك اهتماماً الى الأعراف والتقاليد. فكان سكان شمال أفريقيا أكثر تسامحاً أو تشدداً باعتمادهم بعض التقاليد المتوارثة في بلادهم.
من هنا نفهم بعض المواقف التي أطلقها مالك شبل عن بعض المفاهيم الخاطئة التي دخلت في نظرة بعض المسلمين الى الجسد، والشهوة، والحب، والهوية، والختان، والحياة الجنسية، والمتخيل، والرموز، والشعر، والمرأة، والحجاب، والمثلية الجنسية، والحكايات الخرافية، واللاوعي، والجمال، والتأنق. فالمعاملة الدونية والمتشددة التي تلقاها المرأة في بعض النصوص الدينية الإسلامية لا يحكم عليها من نظرة هذه النصوص والتي تكون مبنية على الأعراف، بل ينظر اليها أيضاً من خلال السياق التاريخي التي عاشت فيه المرأة في ذلك الزمان. ولم تخرج هذه النصوص الدينية القديمة عن وضع المرأة كما كانت في المجتمعات الأخرى غير الإسلامية. فتعدد الزوجات كان معروفاً أو متداولاً تحت تسميات أخرى مثل تعدد الخليلات، وزواج القاصرات وحالات إكراه البنات على الزواج كذلك، الى درجة تجعلنا نقول بأن النصوص الدينية الثابتة في القرآن كانت تصطدم بالعادات والتقاليد التي كان البعض يدلس فيها باعتبارها أحاديث مروية عن النبي، فيما يعرف بعضها بمصطلح ” أحاديث الفقهاء” فيعطيها تأويلاً يفسر بمقتضاه الآيات القرآنية دعماً لآرائه. فشرط وجود الولي وموافقته مثلاً يعارضه فقيه آخر يعتبر مذهبه الأكثر انتشاراً لدى المسلمين وهو المذهب الحنفي الذي لا يشترط موافقة ولي المرأة على الزواج. كما أن شبهة إعطاء المرأة في الميراث أقل من الرجل يُردّ عليه بأن المسائل الإرثية الثلاثون تعطي المرأة في بعضها ميراثاً وتمنعه من الرجل، أو تعطيها أكثر من الرجل، أو بالتساوي معه. فقط في أربع مسائل تعطي المسائل الإرثية للمرأة أقل من الرجل في مقابل الستة والعشرون الباقية. وهي حين تعطي المرأة أقل من الرجل تلزم الرجل بالإنفاق على المرأة حينما تستدعي حالتها من العوز والفاقة عملاً بقاعدة “الغرم بالغنم”. إضافة إلى حرية منح المرأة كل أموال أهلها في حال حياتهم، أو في حال جعل هذه الأموال وقفاً على المرأة دون الرجل.
وكذلك جانب الصواب مالك شبل في كلامه عن عدم استقلالية المرأة المسلمة اقتصاديا وقانونياً واجتماعياً وسياسياً، ولعل ما يقوله استقاه من العادات والتقاليد في بعض البلاد الإسلامية وليس من صميم الدين الإسلامي، وكان كبار مشايخ الأزهر يقولون بأنك إذا أردت معرفة موقع المرأة في المجتمع تعرف عليه في القرى والأرياف فهي التي تسبق الرجل في تعاطيها بكل نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية وفي مختلف مجالات الحياة العامة. وأما الحجاب فليس هو أمراً اسلامياً محضاً، بل هو في بدايته تقليد للزي الذي كانت ترتديه النساء في البلاد التي فتحها المسلمون فهو لباس بيزنطي وفارسي ويهودي ومسيحي قبل أن يعتمده المسلمون.
وكذلك أخطأ مالك شبل في تعميم فكرة اعتبار أن العقلية العربية الإسلامية اتصفت بالذكورية والرجولية لا بالأبوية، وبإخضاع المرأة لا بكره الأنثى، وبأنه انجذب اليها الرجل ولكنه حرمها من حقوقها الفردية، فهو في كل مفرداته التي كتب عنها وفي استنتاجاته التي عممها على المجتمعات الإسلامية، لم يصب الحقيقة. فهذه الصفات ليست من جوهر الدين وانما من قبيل العادات والتقاليد التي توارثتها بعض الشعوب الإسلامية ورفضتها شعوب أخرى.
وأياً يكن فإن الأفكار التي طرحها مالك شبل تستحق القراءة والإستيعاب وإعادة قراءتها وتداول أفكارها لتكون نبراساً للمسلمين الذين أخطأوا في فهم دينهم، وللمتشددين الذين انتهكوا كل القيم التي جاء بها الإسلام لهداية الناس، وحثهم على إعادة تصويب منهجهم الذي اتبعوه اعتقاداً منهم بأنه من بديهيات الدين ومن صميم تعاليمه. كما كانت طروحاته تؤكد سيادة وتفوّق العادات والتقاليد على قيم الدين وتعاليمه، وأنه لابد لفهم الدين على حقيقته السامية من رفع الغشاوة لإعادة إصلاح هذا الخلل من خلال تصفية الدين من شوائبة ومعلقاته ومن خلال التنكر والرفض التام لكل العادات والتقاليد الفاسدة التي اعتقدها الناس جزءاً من الدين. قديماً كانت رسالة الأنبياء والرسل تصطدم في كل مرة بالحاجز المنيع لدور هذه التقاليد والعادات التي ألفها الناس في أزمنتهم، حينها كانوا يرددون ما ذكره القرآن الكريم على لسانهم (إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) وكان الرد على مقولتهم : ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).