رأي في احتفاليات المولد النبوي (كلمة في المركز الإسلامي)
في حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب فيها أصحابه قائلاً : “إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس”. بالمعنى الواسع لهذا الحديث الذي يتجاوز حسن المظهر والهيئة نستنبط منه قاعدة مطّردة في تعامل المسلمين مع غيرهم في المجتمعات المتعددة الأديان والثقافات، لنفهم منه بلا تكلف ولا توهم ولا تصنّع بأن الإسلام يطلب من المسلمين أن يكون تعاملهم وحضورهم وتمازجهم مع باقي الشعوب في قمة الرقي والسمو والتكامل مع قيم الدين والأخلاق والآداب. ولعلي أميل الى الإعتقاد انطلاقاً من هذا المعنى بأن تنسحب معانيه الى الإحتفاليات التي تقام بالمناسبات الدينية في المجتمعات المتعددة الأديان والثقافات. فأنحو بهذا المعنى للدلالة على ضرورة أن تكون هذه الإحتفاليات متكاملة مع ما سبقها من معاني الرقي في المظهر والملبس والمعاملة المثلى مع المسلمين فيما بينهم، ومع غير المسلمين، فتتخطى الجانب الاستذكاري والتعبيري عن بهجة المؤمنين بذكرى المناسبة في المجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية لتكون وسيلة إعلامية عالمية للتعريف بنبي الإسلام بعد أن أصبح العالم بمثابة قرية صغيرة نظراً لما حققه من تقدم تكنولوجي في المعلوماتية وشبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي.
من هنا تصبح احتفالية المولد مناسبة لارتقاء المسلمين من خلال الإلتقاء بالصفات النبوية والحث على اتباعها وتقليدها وإظهارها بلا تكلف ولا تبجح، بعد أن مرت في أزمنة ضبابية وأخرى معتمة ومظلمة ومشككة ومنفرة ومحجمة عن إقامة احتفاليات خارج مناسبتي عيدي الفطر والأضحى. لعلي أخاطب الجانب الإبداعي عند علماء “الدنيا” قبل علماء الدين في إعطاء هذه المناسبة ما تستحقه من الجانب الإحتفالي ومظاهر البهجة والسرور عند الناشئة لتطبع في قلوبهم محبة النبي، وتعبر به – دون أن تتجاوزه – من الجانب الخطابي في المساجد وحلقات الذكر ليصبح رمزية تتناقلها الأجيال وتبعث في أطفالنا البهجة والشوق إلى ذكرى ولادة نبينا المجتبى، فتصبح مناسبة ننتظر قدومها في كل سنة تقدم فيها الهدايا وتتربى عليها أجيالنا على محبة رسولنا الكريم وقراءة سيرته العطرة وفق أحدث تقنيات العلم الحديث، ومحطة أساسية متطورة ننقل فيها إلى العالم مقومات شخصية نبي السلام والمحبة والرحمة.
هذه الإبداعية الإحتفالية ليست بدعة وثنية وسيئة كما سيحلو للبعض تسميتها، وإنما هي حاجة تربوية ونفسية واجتماعية يؤكدها علماء التربية والنفس والإجتماع. ما الضير لو تزينت حاراتنا وبيوتنا في رأس السنة الهجرية وذكرى المولد بالنخلة العربية والغار الذي تغطي بابه خيوط العنكبوت والحمام الراقد على مدخله، بما تحمله من رمزية المناسبتين تضاف اليهما تهاليل موسيقية “لطلع البدر علينا” وقصة المولد المقروءة والمنشودة والمغناة والملحنة. أليست في هذه الرمزية ما يجلب الفرحة لأطفالنا وللأسر الإسلامية في كافة أنحاء العالم.
للمسجد دوره وخطاباته واحتفالياته دون منازع أو مشكك، ولكنه نظراً لما ألحق به دعاة التعصب والتحجر، والخوف من الإبداع ظناً من البعض بأنه يخرجهم عن الموروث، أصبحت احتفالياته تقتصر على القلة من المسلمين الذين يواظبون على حضور الإحتفالات للإستماع إلى الكلمات الدينية وإلى بعض الأناشيد النبوية. هكذا بكل بساطة، نسي المسلمون كيف يحتفلون بذكرى مولد نبيهم بعد أن كانت مظاهر احتفالات المولد تعم البلاد وتخرج الفرق الصوفية إلى الشوارع والحارات وتزين المباني بالفوانيس والأعلام ويتعالى أصوات المنشدين بالتواشيح الدينية، والى تبادل التهاني وتوزيع الحلويات.
في عصر الإبداع المنبهر والمتلاحق والمتزايد بشكل مخيف، تختلط المناسبات العقيمة والمؤذية للناشئة فتحيد بشبابنا بكل الإغراءات والأهواء والمكائد عن الجوانب الدينية والأخلاقية. من هنا تبرز أهمية المواجهة باحتفالياتنا الإبداعية في كافة المناسبات الدينية، وفي كافة الأماكن المتاحة والافتراضية. فلنحتفل بذكرى ولادة نبينا كما يحلو لنا وكما يتوافق مع حضارة ورقي اسلامنا ومع وضعيتنا وخصوصيتنا كمجتمعات متعددة الأديان والطوائف ومنفتحة على اخواننا في الوطن ممن ينتمون الى الديانات الأخرى. فليبدع أصحاب الإختصصات بمشاريعهم وتصوراتهم من أجل أن نعيد للأعياد والمناسبات الإسلامية بهجتها ورونقها ورقيها وليسمعونا اجمل الأناشيد والتواشيح فرحاً بمولد “أحمد” و ب “طلع البدر علينا من ثنيات الوداع”.