مدونة

عودة على بدء : رؤية مستقبلية لقوانين الأحوال الشخصية في الأنظمة متعددة الطوائف  

الزواج المدني2
Colloques / مدونتي

عودة على بدء : رؤية مستقبلية لقوانين الأحوال الشخصية في الأنظمة متعددة الطوائف  

ما بين خميس مضت أيامه منذ اسبوع كنت أقف فيه على منبر الجامعة الكاثوليكية في اسبانيا أشكر مسؤوليها عن حسن استقبالهم لمؤتمر قمنا معاً بتنظيمه عن وثيقة الأخوة الإنسانية، وبين خميس أتى صباحه في هذا اليوم لأقف أمامكم على منبر الجامعة الكاثوليكية في أربيل وأشكر فيه حسن استقبال مسؤوليها لضيوفهم ولتنظيمهم هذا المؤتمر عن الاحوال الشخصية عند المسيحيين ومثمناً جهود الجامعتين الكاثوليكيتين في زرع قيم المحبة والسلام في العالم ومنوهاً بدعوتهما لمشاركة المسلمين في لقاءاتهما الحوارية وفي كل ما يهم الخير العام للإنسانية.

ليس من السهل أن نتكلم بموضوع يتعلق بتحريك الساكن في قوانين الأحوال الشخصية في الأنظمة متعددة الطوائف دون أن تُستفز المشاعر وتُستنهض الهمم إما تأييداً وإما معارضة. لذلك فإن إعادة التموضع ليس إلا خطوة من أجل استشفاف مستقبل قوانين أحوالنا الشخصية للتوصل الى صيغة عصرية تتوافق مع تنظيمات الدولة الحديثة، دون المس بجوهر المعتقدات الدينية للطوائف أو التعدي على اختصاصاتها وتشريعاتها، وأيضاً من أجل تحفيز شركاء المستقبل في مؤسسة الأسرة وهما الزوج والزوجة، بالإهتمام بما يقدمون عليه في عقد شراكتهم الزوجية وما يقترحونه مسبقاً من حلول عند فك عرى هذه الشراكة وترتب الآثار التي تنتج عنها.

في زحمة القوانين العصرية والخاضعة للتطور التي شهدها العالم مؤخراً ابتدأت تثار طروحات تهدف الى تطوير قوانين الأحوال الشخصية في كثير من الدول رغم كون الأسرة تقوم على أسس ثابتة وأساسية. غير أن قوانين الأحوال الشخصية في مجتمع متعدد الطوائف والإنتماءات الدينية، وما يتبعها من تشريعات تصدر عن مرجعياتها الدينية والتي قد تكون خارج حدود الدولة الأقليمية، أصبحت تعتبر لدى البعض قوانين غير متوافقة مع مقومات الدولة الحديثة، إضافة الى أن وجود قوانين متعددة داخل الدولة تتنافى مع مبدأ خضوع كافة المواطنين إلى جهة قضائية واحدة. هذا إذا أضفنا إلى ذلك التنافر والتناقض المبدئي والنفسي الذي يقع فيه الذين ليس لديهم أي إنتماء ديني بإجراء عقود زواجهم أو اللجوء في منازعاتهم الأسرية الى القضاء الديني.

من خلال هذه المتغيرات التي تريد الوثوب الى ثوابت العائلة المشرقية المسيحية والإسلامية لتستبدلها أو تحد منها أو تلغيها اخترت تقسيم الموضوع الى ثلاثة نقاط رئيسية :

أولاً : الزواج المدني الإلزامي في أنظمة متعددة الطوائف

من ضمن الحلول المطروحة لهذه التغيرات في قانون الأحوال الشخصية سن قانون موحد للزواج المدني. ولكن ما سيواجه دعاته : هو تشويه في تكوين النظام السياسي للدولة، وعدم انسجام الأفكار المطروحة مع مكوناته الأساسية والتي تجعل من هذا القانون مبتوراً ومشوهاً إذا ما اعتمد في بلاد تصنف دساتيرها من الأنظمة التعددية الطائفية multiconfessionnalisme .

فالنظام التعددي الطائفي كما جاء في كتاب الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث لمؤلفه Maurice Pierre ROY تتصف به الدولة عندما تتبنى دساتيرها واحداً من المبادئ الخمسة الآتية:

  1. الإعلان عن دين الدولة : مثل دساتير اكثر الدول العربية بالنسبة للإسلام، وبعض دول أمريكا اللاتينية بالنسبة للمسيحية، وإسرائيل بالنسبة لليهودية.
  2. النص على ضرورة انتماء رئيس الدولة إلى دين الأكثرية
  3. النص على أن القوانين تستمد أحكامها من مصادر دينية، أو اعتبار النصوص الدينية أو بعضها مصادراً للتشريع
  4. وجود محاكم روحية أو دينية، (مما يعني وجود قوانين وتشريعات دينية يطبقها القاضي وتكون ملزمة للمتخاصمين).
  5. تدخل الدولة في الأمور الدينية ( مثل تعيين رجال الدين في وظائفهم و منحهم رواتب من ميزانية الدولة)

فالعراق كما لبنان دولة متعددة الطوائف بامتياز ونظامه السياسي من أصغر مكوناته إلى قمة هرمه قائم على التعددية الطائفية الدينية، فهل نقتلع منه عشوائياً نظام أحواله الشخصية ونستبدله بنظام مدني ؟ سوف أعكس الصورة لأتصور لو طرح في مجلس النواب الفرنسي مشروع قانون باستبدال الزواج المدني بالزواج الديني. النظام الفرنسي نظام علماني بحت والعلمانية منصوص عنها في مقدمة الدستور ولذلك تعتبر مبدأً فوق دستوري لا تتغير بتعديل قانون وإنما بآلية دستورية معقدة أو بثورة تطيح بالنظام العلماني. الأحوال الشخصية بخلاف الأنظمة القانونية الأخرى مرتبطة ومتماسكة مع النظام السياسي للدولة، فنظام الأحوال الشخصية المدنية  يتجانس مع نظام الدولة المدنية، و نظام الأحوال الشخصية الطائفية يتوافق مع النظام الدستوري التعددي الطائفي. لذلك فالسؤال الذي يطرح يتعلق بكيفية التأقلم القانوني بوجود نظام زواج مدني داخل دولة ذات نظام متعدد الطوائف أو بالعكس ؟ هذا السؤال سبق لنا طرحه على جهابذة القانون الدستوري في الجامعات الفرنسية، فكانت إجابتهم بأننا لا نستطيع ملائمة النظام السياسي الذي يقوم على أساس وجود طوائف معترف بها وتتمتع باستقلالية تشريعية في قوانين أحوالها الشخصية مع أي نظام مدني في الأحوال الشخصية، كما هو الحال في إسرائيل وفي لبنان. فلا عجب إذن أن يكون هذا الطرح مرفوضا كلياً في دولة إسرائيل التي تدعي بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. أضف الى ذلك إن بعض الدساتير قد أقرت عدم قابلية بعض المبادئ القانونية للتعديل بالطرق الدستورية المعتادة من ضمنها : مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة، مبادئ العلمانية (والتي من ضمنها مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وأنظمة الأحوال الشخصية لارتباطها بالنظام السياسي للدولة سواء كانت علمانية أو طائفية)، مبادئ الأنظمة الديمقراطية والجمهورية، المبادئ التي تقوم عليها الأنظمة الفدرالية، مبادئ الأنظمة ذات النظام الملكي، بحيث يمكن القول بأن هذه المبادئ فوق الدستورية هي عبارة عن مجموعة من القواعد التي تضمن استقرار الأنظمة التي نشأت وتأسست عليها·

فما هو الحل إذن ؟

  1. أن ينادي مروجو فكرة علمنة الدولة بتغيير واستبدال نظامهم التعددي الطائفي بنظام علماني، عندئذ يكون منطقيا أن تعتمد الدولة الزواج المدني.
  2. أو أن ينادي اللادينيون بانشاء طائفة تشرع لهم قوانينهم الخاصة في الأحوال الشخصية،
  3. أو أن ننادي بعملية إصلاحية شاملة في قضاء الأحوال الشخصية المتبعة في الدول متعددة الطوائف كما في العراق و لبنان.

  غير أنه بعد استقراء بعض الأسباب التي تدفع أنصار الزواج المدني إلى المناداة باعتماده إلزاميا يتبين أن بعض هذه الأهداف  تتمحور حول هذه الأمور :

  • المساواة بين المواطنين أمام القانون وتثبيت الإنتماء الى الدولة بدلاً من الإنتماء الى الطائفة
  • عدم تطور المحاكم الشرعية والروحية والحملات الإعلامية التي تتكلم عن فسادها دون الأخذ بعين الإعتبار ما تتعرض له كل مؤسسات الدولة من فوضى عارمة في التنظيم والإجراءات المتبعة
  • التطبيق الخاطئ للدين من قبل كثير من الأزواج الذين يتقنون فن إخضاع المرأة لمفاهيمهم وأهوائهم الشخصية باسم الدين، مما يدفع البعض إلى توظيف تلك المفاهيم لخدمة طروحاته في الزواج المدني وغيره ومحاولة تبريرها.
  • التخفي وراء نقد منظومة الزواج الديني للوصول إلى إقامة الدولة المدنية في حين إن الذي يقف حجر عثرة أمام الدولة المدنية ليس هو الدين بل الطائفية، فالذي يجب أن يعمل عليه هو استعداء الطائفية وليس الدين.
  • رفض الدين وإقصائه من الحياة الأسرية : حيث أن البعض ولموقف فكري من الدين ومفاهيمه وأحكامه يريد إقصاء ما تبقى للدين في الميدان الأسري والإجتماعي.

ولكن قبل أن أتكلم عن الورشة الإصلاحية، أريد أن نتصارح : هل نظام الأحوال الشخصية المدني المطبق في أورويا سيعطي مفاعيل أفضل من نظام أحوالنا الشخصي التعددي ؟ هل علمتم بأن العنف الأسري بازياد مضطرد ومخيف في أوروبا بنسب تتعدى احصائيات العنف الأسري في بلادنا، وأن امرأة تقتل كل يومين من قبل زوجها في فرنسا عام 2018، وان طفلاً يقتل كل ثلاثة أيام من قبل أحد أبويه ؟ هل علمتم بأن نسبة المصاحبة على أحد الزوجين وصلت الى أرقام مخيفة بحيث أصبحت الأسرة مفككة تماماً ومتعددة الصاحبات والأصحاب وأصبح للأولاد الذين يولدون نتاج هذه العلاقات نفس حقوق الأبناء الشرعيين ؟

 التميّع وعدم الاستقرار في قوانين الأسرة سيوصلنا الى نفس النتيجة الحتمية التي وصلت اليها قوانين الزواج المدني في أوروبا. نحن بحاجة الى المحافظة على مفهومنا الشرقي للاسرة حتى لا تخترق أواخر المعاقل التي بقيت لنا في بلادنا.

قد تكون فكرة الزواج المدني للوهلة الأولى جذابة ومواكبة للتقدم ولمتطلبات العصر، ولكن خطرها في ارتداداتها المستقبلية على صعيد التماسك الأسري والإجتماعي كبيرة جداً. لن تقف هذه التغييرات على عتبة الزواج المدني بل ستتعداه لاحقاً وحتماً على صعيد التكوين الأسري والمفهوم الشرقي للعائلة بمكونه المسيحي الإسلامي. منذ سنوات قليلة كانت المسألة المطروحة بقوة في البرلمانات الاوروبية هو حذف لكلمة الأب والأم في القوانين والأنظمة بحيث تحل محلهما كلمة الأهل (1) و (الأهل2)، وذلك كنتيجة حتمية لإقرار زواج المثليين، القائم على فكرة الحرية الشخصية. الآن وقد أقرها المشرع الفرنسي فلم يعد لديهم غريباً أن يكون للطفل عدة آباء يتواكبون على تربيته عند كل تغيير لمزاج والده الطبيعي في اختيار الشريك الذكوري في حياته بعيداً عن الحاجة الفطرية للطفل في الإحساس بدفء وحنان الأمومة، وكذلك الأمر بالنسبة لوجود إمرأتان متزوجتان من بعضهما البعض وترغبان في إنجاب طفل أو أكثر فتحبل إحداهما من متبرع مجهول فتلد طفلاً يتعهدانه في نفس الوقت بعيداً عن الحاجة الفطرية للإحساس بالرعاية الأبوية. لقد بات رائجاً في مثل هذه المجتمعات مفاهيم متنامية ومتطورة عن الحرية الشخصية (وهو ما يُنادى به من أجل تبرير الزواج المدني) بعيدة كل البعد عن مفهوم الحياة الأسرية المشرقية. إن الوضع المأساوي والمخيف للتفكك الأسري في العالم الغربي يستدعي منا أن نفكر ملياً في مشروع نبنيه على أساس احترام الحرية الشخصية. إن هذه الحرية هي بمثابة كرة ثلج إذا لم توضع لها الأطر الصحيحة والداعمة فإنها ستتدحرج وتطيح بكل المقومات والمفاهيم المتوارثة عن العائلة والترابط الأسري والمجتمعي.

لذلك قد نكون أقرب إلى الصواب أن نتحدث عن منظومة الزواج الديني ومنظومة الزواج المدني إذ أن المعني في هذا المجال ليس الزواج بحد ذاته فقط وإنما النظرة الشمولية للأسرة في كلا المنهجين المسيحي والإسلامي المشرقي، والعلماني الغربي.

ثانياً : الزواج الديني والمدني الإختياري : رؤية مستقبلية

عندما أرادت روما دمج الشعوب المغلوبة اليها قامت بضم آلهتهم الى مجموعة آلهتها وجعلتها ضمن المعتقدات الرئيسية التي تدين بها الدولة. هذا الدمج في العناصر الدينية غير المتجانسة وما رافقه من مسعى الى الإنصهار والتوسع لضم مجتمعات متعددة وأنظمة متعددة، نتج عنه انتقال المجتمعات من قبلية بدائية الى اتحادية وأدى إلى إنصهار وطني متماسك يعترف بخصوصيات كل مكونات الشعوب المنضوية تحت هذه الإتحادات.

هذا الطرح والذي أحببت ان افصح عن بعض معطياته عند الحديث عن ضم روما لآلهة الشعوب الأخرى داخل هيكل واحد  Panthéon، ينطلق من فكرة دمج المحاكم الشرعية والروحية في الدول متعددة الطوائف ضمن مسمى واحد هو “محكمة الأحوال الشخصية” حيث تكون الدولة هي الراعية والمرجع الأعلى لكل المواطنين. دون اللجوء إلى الفكرة العقيمة في إلغاء المحاكم الروحية والشرعية فيُقترح توحيد تسمية هذه المحاكم لتصبح محكمة الأحوال الشخصية التي تتوزع على أراضي الدولة وتضم فيها قضاة روحيين وشرعيين وقضاة مدنيين منتدبين من قبل الدولة لإجراء عقود المواطنين الذين لا يرغبون في إجراء عقود زواجهم لدى المراجع القضائية الدينية. يكون من حق المنتمين إلى الطوائف المسيحية اختيار جزئية قانونية أو أكثر مطبقة في إحدى القوانين الروحية المسيحية ولو كانت من غير مذهبهم دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير انتمائهم إلى طائفتهم الدينية، وكذلك الأمر يكون من حق المنتمين إلى الطوائف الإسلامية الإلتجاء الى جزئية قانونية أو أكثر مطبقة في إحدى المحاكم الشرعية دون أن يؤدي ذلك إلى اضطرارهم لتبديل طائفتهم. بهذا الإجراء يتمكن المسيحي الكاثوليكي من حل الرابطة الزوجية باختياره ضمن هذا الإختيار بتطبيق قانون الطائفة المسيحية الأكثر سهولة في تسهيل عملية حل وإبطال زواجه، دون اضطراره الى اعتناق الدين الإسلامي أو تغيير مذهبه الى طائفة مسيحية أخرى. كذلك الأمر بالنسبة للمسلمين السنة مثلا الذين يرغبون بعدم توريث العم مع وجود البنات على المذهب الجعفري حيث يتمكنوا من تقسيم التركة وفق المذهب الجعفري دون اضطرارهم الى تغيير طائفتهم. وكذلك بالنسبة للشيعة الذين يرغبون في تسهيل معاملات الطلاق والتفريق وتحديد سن حضانة أولادهم وفقاً للمذهب السني. ولحل معضلة تنازع القوانين بين الزوجين في حالة رغبة أحدهما في الذهاب الى محكمة والآخر الى محكمة أخرى، يتعين عليهما عند إجراء مراسم زواجهما تحديد الجزئية القانونية التي يختارانها لحل مشاكلهما الزوجية أو الإرثية ضمن التشريعات المتبعة في محاكم الديانتين، أو إجراء التعديل عليها بالتوافق خلال أي لحظة حياتهما الزوجية.

إن المشكلة التي يعاني منها أبناء الطوائف الإسلامية والمسيحية على حد سواء هي في انتقال إبنائهم الى المذاهب الأخرى ليس لعدم ايمانهم بالأسس الدينية لطوائفهم وإنما لاصطدامهم بالقوانين والأنظمة الخاصة بطوائفهم والمتعلقة بتنظيم حياتهم الزوجية وما ينتج عنها من خلافات ونزاعات. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض المواطنين الذين لا يرغبون عقد زواجهم لدى المرجعيات القضائية الدينية فيكون ذلك منفساً لهم في إجراء عقد زواجهم لدى القضاة المدنيين المنتدبين من قبل الدولة الى محاكم الأحوال الشخصية دون الإلتجاء الى دول تعتمد الزواج المدني. كل ذلك دون الإفتتات من حق المرجعيات الدينية القضائية من ضبط كافة معاملات الأحوال الشخصية من أجل ضمان وتعزيز قيم العائلة المشرقية بشقيها المسيحية والإسلامية وعدم الإنجرار وراء الأهواء والغرائز التي أدت في الدول الغربية الى تفكك الأسرة والمجتمع.

إن هكذا مشروع سيحد بطبيعة الحال من التغيير والانتقال من دين الى دين ومن طائفة الى أخرى عن طريق الغش والمخادعة، وكذلك الأمر بالنسبة للذين يصرون على إجراء عقود زواجهم في الدول التي تعتمد الزواج المدني من السفر الى الخارج.

ثالثاً : الإتفاقية الرضائية بين الزوجين : رؤية مستقبلية

بما أن المؤسسة الزوجية قائمة على مبدأ الشراكة وإن من مستلزمات الشراكة الوقوف على إرادة الشريكين في تقرير حياتهما الزوجية ومتطلباتها، فإن معظم التشريعات بما فيها المدنية لا تأخذ بعين الإعتبار – حين صياغتها للقوانين – الحالات الخاصة على مقاس بعض الفئات دون غيرهم، فتصدر القوانين بمعاييرها العامة الآمرة والحيادية لتحكم بخيار قانوني واحد يطبق على الجميع.

وبما أن الشراكة العائلية هي أشد خطورة وأهمية من باقي أنواع الشركات القانونية أو التجارية التي ينشئها الأفراد والتي تنظمها الدول، فإنه من المنطق والعدل الوقوف على إرادة الطرفين أثناء التوقيع على عقد عيشهما معاً وإنشاء أسرة. وإن ذلك يتطلب مساعدتهما للوقوف على الحلول العديدة التي يمكن الاتفاق عليها مسبقا ً في حال نشأت خلافات أسرية وأرادا انحلال رابطتهما الزوجية. هذه المساعدة لا تكون فقط بإصدار تشريع مدني آحادي وحيادي يحكم القرار القضائي لفض النزاع الأسري أمام المحكمة المختصة، وإنما تكون عبر طرح وثيقة قانونية مسبقة قبل مراسم الزواج تدون فيها الخيارات الأساسية المفتوحة للطرفين في إدارة مؤسستهما الزوجية وحل النزاعات أو إنهائها في حال رغبتهما وذلك أثناء التوقيع على رابطتهما الزوجية. إن الإقدام على الشراكة الزوجية يتم الى الآن كما كان متبعاً في الغالب على تبادل الايجاب والقبول من قبل الزوجين أوفي الأغلب الأعم كما عند المسلمين من قبل وكيليهما دون أن تكون للزوجين أي إطلاع مسبق على أحكام الزواج والطلاق والحضانة والنفقة.. الخ

مبررنا في ذلك بأن هذه الفئة من القوانين تسمى : أحوال شخصية وهي تتعلق بحياة زوج وزوجة يرغبان في تأسيس أسرة وفي إدارة حياتهما الزوجية فلنترك لهما اختيار ما يرغبان به من خيارات، ولا نتدخل إلا في حال النزاع بينهما أو في حال مخالفتهما الانتظام العام .

إدارة شؤون الإسرة الروتينية و إدارة الخلافات الزوجية في حال حصولها حق للزوج والزوجة في اختيار أي نظام رضائي يتبعانه مسبقاً بشرط أن يكون متوافقاً مع الانتظام العام لمؤسسة الزواج في شطريه الإسلامي والمسيحي، وفي حال سكوتهما تطبق عليهما قوانين مذهبهما الذي يتبعانه. إحترام مبدأ الإرادة والإتفاقية الرضائية هما في صميم تشريعاتنا القضائية وبهما نسطر حيثياتنا في تلك الأحكام، فنذيل أحكامنا القضائية عند وجود اتفاقية بين المتداعيين بعبارة : “وبما أن الطرفان تصادقا على ذلك ويعود للمحكمة التصديق على ما تصادقا عليه إن لم يكن مخالفاً للشرع والقانون، وأن الفقرة الحكمية تعتبر هذا الحكم الصادر بالإتفاق غير قابل للإستئناف” فلا يسع أي قانون التدخل فيما رضيا به مسبقاً كحل لخلافاتهما الزوجية، كل ذلك دون المساس بالمبادىء العليا التي تقوم عليها أركان الأسرة المشرقية بتشريعاتها الإسلامية والمسيحية.

الهيكلية التنظيمية لهذا الإقتراح في حال صياغتها تتبنى النقاط الآتية:

  • تنشأ في الدولة ذات النظام المتعدد الطوائف محاكم الأحوال الشخصية والتي تعد جزءاً أساسياً من تنظيمات الدولة القضائية تضم المحاكم الشرعية والمحاكم الروحية حصراً.
  • يخصص لهذه المحاكم مبنى خاص موحد في المناطق التي يوجد فيها تنوع طائفي وفي النواحي التي يحددها القانون وتضم قضاة شرعيين وروحيين وقضاة مدنيين منتدبين من قبل وزارة العدل، وذلك وفق التوزيع الطائفي للمناطق
  • ينشأ مجلس أعلى لقضاء الأحوال الشخصية يضم المرجعيات الدينية للطوائف إضافة الى عدد من القضاة المدنيين المنتدبين من قبل وزارة العدل. يستمد هذا المجلس صلاحياته ونظامه طبقاً لتنظيم القضاء الموحد للأحوال الشخصية ً أضافة الى اعتباره بمثابة محكمة تمييز عليا للنظر في قضايا الأحوال الشخصية المتنازع على صلاحياتها بين الطوائف.
  • يعامل قضاة الأحوال الشخصية معاملة قضاة المحاكم العدلية دون تفريق أو تمييز.
  • يلحق في هذه المحاكم قضاة مدنيون للنظر في قضايا المواطنين الذين لا يريدون إجراء عقود زواجهم الدينية أو فض نزاعاتهم الأسرية لدى القضاة الشرعيين أو المذهبيين أو الروحيين، ومع ذلك فإنهم يخضعون للسلطة الإدارية لمحاكم الأحوال الشخصية المذكورة التي يكون في قمة هرمها المرجعيات الدينية.
  • المعاملات القضائية:
  • يلتجئ المواطنون كافة بكل طوائفهم الى محاكم قضاء الأحوال الشخصية لإجراء معاملاتهم الزوجية أو لفض خلافاتهم الأسرية، أو لتفسير بنود اتفاقياتهم الموقعة مسبقا.
  • يجري المواطنون كافة معاملاتهم أمام الأقسام الإدارية لهذه المحاكم. لا يشترط بهؤلاء الموظفين أي صفات أو انتماء ديني محدد.
  • يسجل موظفو هذه الأقسام الإدارية على دفتر خاص يعرف بدفتر العائلة : اسم الزوجين وكافة البيانات الشخصية لهما وتترك خانات خاصة بالأولاد وبالوفاة
  • تحتوي هذه الدفاتر العائلية على اختيارين أساسيين لكلا الزوجين بالإتحاد،

ويوقعان على اختيارهما:

الخيار الأول: يختار الطرفان المقدمان على الزواج تطبيق قوانين طوائفهما الدينية ويخضعان لسلطتها ويحتكمان الى محكمتها حصراً كما هو متبع حالياً دون تغيير ولا تبديل، وهذا يعني عدم اتباعهما لنظام الإتفاقية المسبقة المنوه عنها في الخيار الثاني، مع الأخذ بعين الإعتبار إمكانية اختيار نص قانوني كنسي أو إسلامي أو أكثر متبع في المحاكم الروحية أو الشرعية الإسلامية دون الخروج عن الإنتماء لإيمانهما الطائفي الذي يتبعونه.

  • الخيار الثاني : يتعلق بتحديد الخيارات المنصوص عليها مسبقا في الإستمارة المعتمدة التي تتناول أحكام الزواج والطلاق ومتفرعاتهما. بحيث يعتبر عدم التوقيع على البند أو البنود التي يختارها الزوجان مسبقاً تأكيداً على اختيار قانون الطائفة الذي يحكم هذا البند أو البنود غير المتوافق عليها. تكون صلاحية النظر في النزاعات الزوجية الناتجة عن هذه الخيارات لقاضي طائفة الزوج، ويمكن اختيار محكمة الزوجة على أن ينص على ذلك في صلب عقد الزواج. ويعطى للقاضي المدني المنتدب نفس الصلاحية بالنسبة للزوجين اللذين اختارا عقد زواجهما لديه.  غير أن هذا الزواج في حال المخالفة للأحكام الشرعية او الكنسية يعتبر قانونياً فقط أمام القاضي المدني ولا يعتبر بأي شكل من الأشكال دينياً مباحاً ومتوافقاً مع الدين الإسلامي، أو مع الطوائف المسيحية التي لا ترى تشريع هذا الزواج كنسياً، مع إعطاءه كافة مفاعيله القانونية أمام الدولة.

هذان الإختياران لا يكون لهما أي أثر على تغيير وتبديل الإنتماء الديني والطائفي للمواطنين. فالكاثوليكيان أو الأرثذوكسيان مثلاً اللذان اختارا انحلال رابطتهما الزوجية عن طريق الطلاق الرضائي يبقيان مسجلين في خانتهما الدينية الأصلية ككاثوليك او أرثذوكس، والسنيان اللذان أرادا توريث البنات دون الأعمام يبقيان مسجلين في خانتهما كسنة، والشيعيان اللذان اختارا تسهيل معاملاتهما في التفريق أو أن تكون حضانة الأم لأولادها فوق السن القانونية لانتهاء الحضانة يبقيان مسجلين شيعة. فلا تكون لهذه الإختيارات أي أثر في تغيير وتبديل مذهب الإنتماء الأصلي، إلا إذا أراد الزوجان تغيير اوتبديل طائفتهما لدى المرجع الديني للطائفة الجديدة.

  • يجوز تعديل بنود هذه الإتفاقية كلما أراد الطرفان ذلك شرط أن يكونا مجتمعين غير منفردين ومن دون ممارسة أي إكراه على الطرف الآخر.
  • يمكن للذين سبق لهم إجراء عقود زواجهم وفق قوانين طوائفهم قبل صدور هذا القانون أن يوقعوا على بنود هذه الإتفاقية شرط أن يكون الزوجان مجتمعين غير منفردين ومن دون ممارسة أي أكراه على الطرف الآخر
  • بنود هذه الإتفاقية يجب أن تراعي حرمة الأديان والمبادىء الجوهرية للزواج من كونهما ذكراً وأنثى بالغين عاقلين، ولا تتعارض مع النظام العام في الدولة
  • هذه البنود تكتب على شكل عناوين تحت كل عنوان عدة خانات يختارها المتزوجان مجتمعين وتتعلق بموضوع الهدايا والمهر والجهاز واختيار المسكن وتقدير النفقة الزوجية ونفقة الأولاد والمشاركة في النفقات على جهة التبرع من الزوجة او على سبيل الدين، اصطحاب الزوجة الى خارج الوطن لعمل الزوج او الزوجة، تربية الأولاد، واختيار المدارس والطبابة ونفقات الإستشفاء، الإذن عند الزواج من أكثر من واحدة وشروطه، وطلاق الزوجة نفسها بنفسها، سن حضانة الأولاد ، المشاهدة والوصية، الزيارات العائلية، تحديد إبقاء الأولاد على ديانة أحد والديهم في حال اعتناق أحد الزوجين ديانة أخرى…الخ

إن هذا المنحى الذي أشرت إليه يحتاج الى كثير من التفكير والتعمق والدراسة. وقد اردته نافذة تطل على مفاهيم التطور والعصرنة – دون التخلي عن القيم والمبادئ الدينية التي نؤمن بها إيمانا راسخا – هي من أجل السعي في إيجاد الحلول لمشاكل المواطنين المتعلقة بمسائل أحوالهم الشخصية وعدم الإكتفاء برفض أو فرض وجهة نظر آحادية. إن هذه الحلول يجب أن تكون ضمن إطار العائلات الروحية التي تتشكل منها الدولة مع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة الحد من التحايل على قوانين الطوائف من خلال معاملات تبديل الدين، وأيضاً دون الإخلال بأن تكون هذه الحلول التي تعتمدها الطوائف متوافقة مع بناء الدولة العصرية التي تنشد وحدة أبناء هذا البلد وعيشهم الواحد المشترك الذي لا يرضون بغير هذا العيش وبغير هذا الوطن بديلاً·

هذه الورقة ليست إلا محاولة أولية وجريئة تحتاج الى كثير من التأني عند قراءتها وفهمها وذلك بسبب طبيعتها القانونية الإختيارية التي تختلف عن الإلتجاء إلى الحلول القانونية الآمرة والحيادية حين وقوع الخلافات الزوجية، لتعطي الزوجين حرية ادخال الشروط التي يريانها والتي يتفقان مسبقا عليها شرط إدراك مخالفتها للمبادئ الأساسية المحرمة في دينهما. وهي تعطي المسيحيين والمسلمين حقهم في الإحتكام الى مؤسساتهم القضائية باعتبارها جزءاً من تنظيمات الدولة القضائية. كما تسمح لغير المتدينين بإجراء عقود زواجهم لدى القاضي المدني المنتدب لدى محاكم الأحوال الشخصية. ما تمتاز به هذه الورقة أيضاً أنها تمنع التحايل على القوانين عن طريق تبديل الدين والمذهب للأسباب التي باتت معروفة عند الجميع. فهذه الورقة تفصل بين الإنتماء العقائدي والإيماني لإبناء كل طائفة وبين الإختيار التشريعي والفقهي في مسائل الزواج والطلاق وما ينتج عنهما من مفاعيل أخرى متعلقة بهما. فالغالبية المطلقة للأشخاص الذين يقومون بهذا الإستبدال لا توجد لديهم قناعة إيمانية بالدين الجديد الذي يعتنقونه، وهم متمسكون كلياً بطوائفهم وبإيمانهم السابق إلا أنهم وجدوا حلا لمشاكلهم الأسرية في جزئية قانونية لدى طائفة أخرى، فلا يكون عقابهم بناء على هذا الإختيار الجزئي بتثبيت إخراجهم من الطائفة، وإنما يبقون داخل طائفتهم الأصلية محتفظين بإيمانهم وبعقيدتهم الثابتة مع السماح لهم باختيار هذه الجزئية من التشريع المسموح بها لدى الطوائف الأخرى، أو بناء على اختيارهما المسبق.

وفي كل الأحوال وختاماً أذكر بقول الشاعر ابن الوردي:

انَّ نصفَ الناسِ أعداءٌ لمنْ             ولـيَ الأحكامَ هذا إن عَدَلْ

أمثلة تتعلق في أكثر المسائل التي يضطر اللبناني لتغيير دينه وطائفته من أجلها:

  • في الحالات التي ترغب فيها المرأة المسلمة أو المسيحية على الإرتباط  بزوج من غير دينها، تعرض على  لجنة علمية منبثقة من مرجعيتها الدينية، فإن أصرت بعد عرضها على هذه اللجنة يجرى عقد زواجها لدى القاضي المدني المنتدب الى محاكم الأحوال الشخصية بعد تعبئة بنود الإتفاقية الاختيارية المسبقة. تبقى الزوجة مسلمة مادامت تؤمن بأركان الإسلام وتعتقد بأن زواجها غير مباح من الوجهة الشرعية، وأنه يترتب عليها ذنوب وآثام دينية أخروية، غير أنها ترث من والديها المسلمين ما دامت مسلمة ولا يرثها أولادها غير المسلمين الا عن طريق الهبة أو الإتفاقية، كذلك تبقى المسيحية على دينها ما دامت تؤمن بالثوابت المسيحية وفق عقيدة كنيستها.
  • يمكن للمتقدمين الى الزواج من غير المؤمنين أن يختاروا عقد زواجهم لدى القاضي المدني المنتدب في محاكم الأحوال الشخصية، بعد أن يوقعوا على بنود الإتفاقية المسبقة وفي حال وجود خلافات أسرية يحتكم الطرفان الى القاضي المدني المنتدب.
  • تبقى قوانين الميراث كما هي وفق قوانين الطوائف الدينية او المدنية المرعية الإجراء في حال اختيارها من قبل الزوجين. مع تمكين الزوجين باختيار توزيع الحصص الإرثية وفق إرادتهم المشتركة. كما يوضح للمسلمين الذين يرغبون في المساواة بين الذكر والإنثى من أبنائهم بأن هذا الإجراء يعتبر مخالفاً لأحكام الشرع الإسلامي، وإنه ينبغي عليهم في حال رغبتهم في المساواة بين أبنائهم وبناتهم أن يكون ذلك خلال حياتهم على سبيل الهبة أو مع حق الإحتفاظ بالإستثمار حال حياتهم، أو جعل هذه الحصص وقفاً على الأبناء والبنات.

غير أن التعارض مع منظومة الزواج المدني فترتكز على مخالفة هذا الأخير لبعض الأمور الفقهية التي نص عليها الفقهاء في أحكام الزواج والطلاق والعدة والنسب ، من بينها:

  • إهمال مانع اختلاف الدين في الزواج . اذ يجوز فيه للمسلمة أن تتزوج غير مسلم كما يجوز للمسلم أن يتزوج من هندوسية او مجوسية او ملحدة .
  • إغفال قرابة الرضاعة، وعدم اعتبارها مانعاً من موانع الزواج. اذ يجوز فيه للرجل ان يتزوج من اخته من الرضاعة
  • الغاء حق المهر للمرأة في شطريه المؤجل والمعجل
  • اباحة التبني في حين أن الإسلام ينادي بكفالة اليتيم والإحتفاظ بنسبه من والديه الحقيقيين
  • منع تعدد الزوجات، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الإسلام يحرص بزواج الرجل من امرأة واحدة، وأن للزوجة الحق في اشتراطها عدم زواجه من أخرى.
  • جعل مدة عدة المرأة غير الحامل ثلاثمائة يوم، في حين أن الإسلام جعلها لمدة ثلاثة اشهر

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare