مدونة

مجد دار الفتوى أعطي له

حسن-خالد32
مدونتي

مجد دار الفتوى أعطي له

من جمالية ما نراه من ابداعات هذا الكون الفسيح، مما يضفي انجذاباً للعين وانعتاقاً للروح وتدبراً وتفكيراً لما تعكسه من إشارات وعبر في حياة البشر، ان البدر كلما اكتمل وازداد اشعاعاً ونوراً، خفتت أضواء النجوم المحيطة به حتى لا تكاد تنكشف للناظرين. هكذا هي سيرة بعض العظماء، فبوهج انجازاتهم ومحاسن أعمالهم خفتت سيرة من كان قبلهم ومن جاء بعدهم، فما تكاد تمر على ما حققه السابقون واللاحقون من إنجازات الا وتجده ،مقارنة بما قدمه العظماء، أقرب ما يكون الى السراب في الصحراء الجدباء، والضباب حين يلامس الأرض بالسماء.

من هذه الاطلالة، تدبرت سيرة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، فوجدت بأن وهج ذكراه التي كانت نتاج قوة شخصيته وهيبته وصلابة مواقفه وقدرته وجرأته على المواجهة وغيرته الوطنية بلا منازع، أشاحت الضوء عن مسيرة من سبقه ومن جاء من بعده من مفتين. فلا ريب حينئذ، ان كان قد مر على استشهاده عشرون سنة، حتى ترد  الى دار الفتوى رسائل معنونة باسمه : “سماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد”. أمام هيبة هذا الإسم كنت أطوي الرسالة تلو الرسالة في كل مرة وأقول : لقد أتعبت من جاء بعدك يا سماحة المفتي. شهادة أضيفها الى هذه الحادثة، كلما تحدثت عنه مع من خلفه على كرسي الإفتاء، برقت عيناه تقديراً واحتراماً وربما رهبة، تكاد تسمع من اختلاجات نفسه شعوراً بأن منصبه السابق قد عاد اليه كأمين للفتوى، في كل مجلس يذكر فيه اسم المفتي الشيخ حسن خالد.

إن سبرت غور شخصيته، لوجدته في كل مكان غفل عنه أقرانه لقلة اهتمامهم به وعدم حرصهم عليه في حين أنه كان يشعره بمسؤوليته العظمى اتجاهه. مما يذكر له في هذا الشأن أنه كان يولي اهتماماً كبيراً لاختيار المرشحين لكي يكونوا “مشايخ” المستقبل. في أول لقاء جمعني  به، ولم أكن قد بلغت سن الثانية عشر،  حين دخلت الى اللجنة الفاحصة المولج بها قبول ملفات الطلبة الذين يرغبون في الدراسة في أزهر لبنان، فوجدته على رأس هذه اللجنة، فارتعدت وخشيت التحدث معه فهدّأ من روعي وأسكن جأشي بكلمات مشفقة ومطمئنة، وتم قبولي في الأزهر. غير أني في فورة مراهقتي وقفت ثائراً في الإستحضار الصباحي للطلبة، لأهاجمه مستفسراً عن الأموال التي وهبتها ليبيا والتي قيل عنها بأنها كانت مخصصة للأزهر في ذلك الحين. لم أتردد في خطابي الإستفزازي له عندما ظهر فجأة أمام جموع الطلبة، وأشار الي بأن أكمل حديثي وهجومي عليه، ثم استدعاني الى الإدارة متحضراً ومستعداً لقرار الطرد من الأزهر ولكنه بدل ذلك أخبرني بهدوء عما كان قد خصص لأجله هذا التبرع، وأثنى على جرأتي. ومما يذكر له في هذا المجال أيضاً أنه كان يحرص أثناء زيارة الوفود الأجنبية والمسؤولين الدينيين لدار الفتوى أن يقوم معهم بزيارة الطلبة في الأزهر مما كان يترك كبير الأثر في نفوس الطلبة والأساتذة في كل زيارة.

قبل أن أختم ذكرياتي التي أحملها بكل فخرعن هذه الهامة العالية في الإفتاء، تواضعه الجم وحرصه على مشاركة الناس في احتفالاتهم وصلواتهم، فكان فخر البيروتيين أن يشدوا الرحال الى مسجد الإمام علي بن أبي طالب في الطريق الجديدة ليصلوا وراءه فجر كل يوم من أيام رمضان ويستمعوا الى درسه الديني الذي كان يلقيه عليهم من بعد انتهاءه من الصلاة.

في آخر لقائي به على مشارف سفري الى فرنسا بمنحة قدمتها الحكومة الفرنسية الى دار الفتوى شجعني على استكمال الدراسة وعلى العودة الى لبنان لأكون في خدمة بلدي وفي خدمة هذه الدار التي هي، كما كان يحلو له أن يردد دائماً، “دار اللبنانيين جميعا”.

حقاً وصدقاً لقد أعطي لسماحة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد مجد دار الفتوى بلا منازع.

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare