عربون وفاء الى المشايخ الذين لا أنساهم :
من المشايخ الذين لا أنساهم :
الشيخ إبراهيم هنداوي مدرس مادة الدين في مدرسة أبي بكر الصديق (القنطاري) الإبتدائية وكان هادئاً ومحباً ووقوراً.
المفتي شيخ خليل الميس : هامة من الهمم العالية التي نفتخر بها في لبنان وفي العالم الإسلامي، يعود اليه الفضل في تنشئة جيل من المشايخ الذين تربوا على حب المطالعة والإهتمام بالثقافة والإنفتاح على كافة الآراء والأفكار.
في أول لقاء معه دخلت الى مكتبه في أزهر لبنان وقد تجاوزت بقليل العشر سنوات فإذا به يجلس بمقربة من الشهيد المفتي الشيخ حسن خالد، بادرني المفتي ببشاشته المشهودة وبحنان أبوّته المعهودة عن اسمي ودراستي وعن سبب رغبتي في الدخول إلى الأزهر، لم يجبه لساني وإنما رقرقة دموعي كانت كفيلة بقبولي. أثناء دراستي في الأزهر لم أكن رغم هدوئي الذي جبلته الطبيعة في شخصيتي الا ثائراً منتفضاً، فكان الشيخ خليل الميس يقابل ثورة الشباب المنتفضة بداخلي، بزرع محبة القراءة لدي، فسرعان ما حثني وزملائي في الدراسة إلى شراء مجموعة كتب عباس محمود العقاد، فأقبلنا عليها بنهم حتى انطبع فينا اسلوب العقاد في البحث والقراءة والكتابة، ولكي يخفف اندفاعنا الجياش الثائر أحالنا إلى مجموعة الكتب التي ألفها اللواء الركن محمود شيث خطاب، وما ان انتهينا من قراءتها وكتابة الأبحاث في مواضيعها خلال العطل الصيفية، أحالنا إلى مجموعة أخرى من كتب الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف المصري قديما.
مهما كان حديثي عنه فأنا أشعر بالتقصير اتجاهه، فلولاه لم أكن أنا، ولولاه لم يكونوا هم الذين يتبوؤون حالياً المراكز العليا الدينية والرسمية والتعليمية. كل من قرأ سيرته ووقف على مسيرته من المفتين والمسؤولين الدينيين سيشعر بالخجل لعظيم لما حققه لأهل البقاع وللبنانيين جميعاً ولضعف ما قدموه وحققوه في مناطقهم وللبنان، مستثنياً ما قام به صديقي الشيخ غسان اللقيس في جبيل وجوارها، وما أسسه وبناه من مساجد ومدارس ومستوصفات خيرية.
الشيخ عمر القيمري : كان يسكن في جوارنا في منطقة عائشة بكار في بيروت. جميل في هيئته ومظاهر لباسه الديني، متبسم على الدوام. قبل نزوحه من فلسطين كان يشغل منصب قاضي قضاة أحد المدن الفلسطينية وأظنها الخليل الذي هجرّ منها مع عائلته بعد دخول جحافل العصابات الصهيونية واستقر في حيّنا السكني في بيروت. كان هربه من فلسطين الى لبنان بسبب الإسرائيليين، كما استشهاده على يدهم في اجتياح بيروت 1982، وهو على مدخل مسجد بحمدون الذي التجأ اليه اتقاء من القصف العشوائي لجنودهم في حارات بيروت. لم يجد المصلون جثته ولكنهم وجدوا عمامته مدرجة بالدماء. تجرّأت ذات مرة وسلمت عليه قبيل امتحانات السنة الأولى الإعدادية في مدرسة الفاروق المقاصدية، عاقداً العزم لسؤاله عن هذا المعهد خلف فناء منزلنا فأخبرني بأنه أزهر لبنان التابع لدار الفتوى، وأن باستطاعتي الحضور والتسجيل فيه ….وهكذا كان.
أثناء دراستي في الأزهر كان يدرسنا الشيخ عمر مادة العروض، وكان يخشى من حيائه وهدوء صوته الخطابة في المساجد فيحضر يوم الجمعة متأخراً حتى لا يحمله المصلون الى المنبر ليخطب ويصلي بهم. كان يبرع في لف عمامة المشايخ، فيدعوني إلى مكتبه في الأزهر لأساعده في لف عمامة المفتي الشيخ حسن خالد رحمه الله.
الشيخ هاشم دفتر دار المدني : ويعود أصله الى المدينة المنورة، وكانت له لكنة حجازية ممزوجة باللهجة اللبنانية دون أن تتغلب عليها. رؤيتي له في أول مرة كانت أثناء تمردي على الدراسة في مدرسة الفاروق في الطريق الجديدة. وحدث قبل اجتيازي للامتحانات في السنة الأولى الإعدادية أن تجمعت نساء الحي على سطح البناية التي كنت أسكن فيها في أوائل فصل الربيع لتذوق دبس الخروب الممزوج مع الطحينة إلى جانب أوراق الخس الطازجة. كانت هي المرة الأولى التي أتجرأ فيها الصعود الى سطح البناية، فوقع نظري على وجود معهد خلف السور المرتفع لجدران منزلنا الأرضي يتجمع فيه الطلبة مع أساتذتهم في الملعب وتحت أشعة الشمس الربيعية في حلقات تدريسية عوضاً عن الدخول الى الصفوف، ومن ضمنها حلقة شيخ جليل هادئ المظهر وقور، شغوف بالخروج الدائم من الفصل الى رحاب الملعب للتدريس في الهواء الطلق، عرفت فيما بعد بأنه سيصبح أحد استاذتي المحبين الشيخ هاشم دفتر دار المدني.
فكان هذا المشهد قد أثلج صدري وأراحني وتوافق مع نفسيتي الطفولية التي ما زالت في أعماق أعماقي وهي انتفاضتي على كل ما هو مقيد ومحدود، فقررت ترك الدراسة في الفاروق وأتمامها في أزهر لبنان.
كان الشيخ هاشم يدرسنا مادة النحو، وكنا نتشوق الى دروسه وخاصة عندما يشرح لنا كان وأن وأخواتها فيرسم على لوح الفصل قطة وفي أحشائها أطفالها، وكان أثناء شرحه هادئاً وقوراً دائم الإبتسامة. عرفت بعد مضي السنين أنه عاد إلى المدينة المنورة وقضى فيها آخر أيامه وتوفي ودفن فيها.
الشيخ بهنسي من علماء الأزهر الشريف ومن أعضاء البعثة الأزهرية الأفذاذ الذي يُجمع الطلبة على عمق معرفته وتخصصه في مادة تفسير القرآن الكريم والمنطق. تعلمنا منه الكثير وأحببنا أسلوبه الشيق في التفسير. بعد مرور السنوات عاد الى مصر ودفن فيها.
الشيخ هلال مصيلحي هلال : من علماء الأزهر الشريف ومن أعضاء البعثة الأزهرية الأفذاذ. كان بارعاً في تدريسه مادة الفقه وخطيباً مفوهاً ثائراً في مسجد الإمام الأوزاعي وكانت جحافل المصلين يأتون إلى الأوزاعي لسماع خطبه، كما كان يحرص على الحضور رؤساء الوزراة صائب سلام ورشيد كرامي.