هل بلغت الطوائف سن الرشد لتدعيم استقلال لبنان
لم تكن البداية في اشعال الثورات والمطالبات باستقلال لبنان عن فرنسا وليدة يومها وإنما كانت مقاومة منذ اللحظات الأولى لمحاولة سلطات الإنتداب فرض سيطرتها على سوريا ولبنان. كانت الأجواء مشحونة بالمظاهرات والمؤتمرات التي كانت تعقد للإعتراض على قرارات وأحكام المفوض السامي الفرنسي، وكانت ترافقها تقاريره الى عصبة الأمم لشرح الأوضاع الداخلية في بلدي الإنتداب. أشارت أحدى التقارير المرسلة الى عصبة الأمم سنة 1928 الى وجود ثلاثة مواقف عند المسلمين من محاولات التدخل بشؤونهم ومحاولته فرض بلغت الطوائف بعض القرارات لجعلهم طوائف دينية متعددة ومقسمة، ولسلخ مسلمي لبنان عن سوريا :
- أقلية من المسلمين في شمال سوريا المحاذية لتركيا قبلت بعلمنة الدولة وبإلغاء المؤسسات الدينية الإسلامية لديها ( العلويون)
- أكثرية المسلمين وخاصة في الداخل تعارض إجراءات دولة الإنتداب في محاولتها تفتيت المسلمين واعتبارهم طوائف كباقي الطوائف المسيحية
- عدد كبير من المسلمين في الساحل (لبنان) وعلى رأسهم علماء الدين أصبح لديهم قبول أكثر لمبدأ اعتبار المسلمين طوائف دينية مستقلة عن الدولة
بما لا يدعو للشك كما تشير التقارير بأن غالبية المسلمين كانوا يعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من الدولة اعتباراً من مؤسساتهم الدينية وانتهاء بالشعور عند كل مسلم بأنه لا يشكل خارج الدولة مواطنا خارجا عنها أو منتقص الإنتماء الوطني. هذا الإنتماء كان يرافقه شعور لا يقبل التفاوض هو وحدة الشعبين السوري واللبناني وعدم التفريط في مقاومة أي محاولة لفصلهما عن بعضهما البعض.
محاولات سلطات الإنتداب لم تنجح في تقويض هذا الشعور لدى المسلمين، ولكنها استطاعت في إيجاد شرخ داخله، تمخض في الأيام التي سبقت نهاية الإنتداب الى بلورة الميثاق الوطني الذي دفع به الى حيز الوجود بشارة الخوري ورياض الصلح. مسيحيو لبنان أعلنوا عن تخليهم عن المناداة بفرنسا الأم الجنون التي تحميهم، والمسلمون بموافقتهم على الإنفصال عن انتمائهم العروبي كجزء من سوريا. تبع الميثاق الوطني دخول المسلمين في نظام الطوائف، وأصدر المسلمون السنة سنة 1955 مرسومهم الإشتراعي رقم 18، تبعهم الدروز سنة 1963 والشيعة سنة 1967 والعلويون سنة 1995.
بعد حروب وفتن داخلية أعادت الصراع بين أبناء البلد الواحد، تمكن اللبنانيون بإيجاد صيغة مقبولة وعادلة في اتفاق الطائف. ولكن الأطماع الإقليمية لبعض اللبنانيين حالت دون تطبيقه تمهيداً للمناداة بنسفه وإحلال مشروع آخر مكانه. وهنا يبرز السؤال فيما إذا كان الميثاق الوطني قد شكل حجر عثرة أعاقت لبنان نحو تحقيق التقدم والرخاء لأبنائه، أو فيما لو اعتبرنا اتفاقية الطائف طبخة مفروضة وغير لبنانية و منتهية الصلاحية.
لو ابعدنا هذه المكونات – التي شكلت في التاريخ اللبناني خشبة خلاص حالت بكل تأكيد دون انهياره – عن التجاذبات والمكايد والالتفافات الإقليمية لكان لبنان مثالاً يحتذى بالعيش المتنوع الواحد. هذه الميزات ما زالت تدحض مقولة الصهيونية العالمية بعدم تعايش المسلمين والمسيحيين مع غيرهم من اتباع الديانات الأخرى، وما يستتبعه من استنتاج صهيوني لمبدأ المناداة بحصرية انتماء الشعب اليهودي وأحقيته في العيش على أرض فلسطين وضرورة إقامة دويلات طائفية في جوارها لضمان أمن اسرائيل.
من هذا المنطلق كان الميثاق الوطني الذي مهد لاستقلال لبنان، مبادرة مباركة وجريئة أقر بهما المسلمون اكثر من مرة وأكدوه في الثوابت العشرة التي أطلقتها دار الفتوى سنة 1983 ووقع عليها الشهيد المفتي حسن خالد والشيخ محمد مهدي شمس الدين وشيخ العقل محمد أبو شقرا عندما نادوا بنهائية لبنان بحدوده المعروفة دولياً وأكدوا بانتماء أبناءه له جميعاً دون منازع من مسلمين ومسيحيين، هذه الثوابت العشرة، وما كان يستتبعها من لقاءات بين المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد والبطريرك صفير والشيخ محمد مهدي شمس الدين وشيخ العقل مهدت الطريق إلى التوقيع على اتفاقية الطائف.
هل ستستطيع الطوائف في لبنان أن تصل إلى أوج نضجها بعد تسعة وسبعون عاماً على الإستقلال، بأن تمارس على نفسها النقد الذاتي العلني. قد يكون من المهم ان تجيب كل طائفة من قبل مرجعياتها الدينية والسياسية والاجتماعية والفكرية عن سؤال عام وشامل ” أين أخطأنا وأين أصبنا ؟ “
سيجيب البعض بأننا لسنا طائفيين ولا تهمنا أمور وشجون الطائفة. إلى مثلهم يكون الجواب بأن لبنان يقوم على هذا النظام في النصوص والنفوس، والى أن يثبت العكس فنحن نعيش داخل الطوائف وننهل من امتيازاتها، فلا نجحدها حينما ينالنا قسط منها.
كإبن من أبناء الطائفة السنية أعترف بأننا أخطأنا في مجالات كثيرة، وأصبنا في مجالات أخرى….كانت البداية أننا ناصرنا العروبة على حساب لبنان، وانتهينا إلى مناصرة لبنان على حساب الطائفة…فخسرنا في الإثنتين معاً. خسرنا لبنان في الأولى، وخسرنا الطائفة في الثانية.
النقد الذاتي العلني داخل كل طائفة يتطلب بلوغ سن الرشد… فهل تجاوزت كل الطوائف سن المراهقة ووصلت إلى مرحلة النضج والرشد ؟