مدونة

الطيور تختبئ لكي تموت

oiseaux pour mourir
مدونتي

الطيور تختبئ لكي تموت

هذا العنوان مستمد من رواية أدبية شهيرة لكاتبتها الاسترالية كولين ماك غوليغ سنة 1977. بدايتها تتحدث عن صاحبة مزرعة دفعها طمعها في حرمان شقيقها من حصته الإرثية لتبقيه بصفة رمزية كمشرف على مزارع العائلة….تعاقبت الأحداث بعدها لتغير مسيرة عائلة بأكملها وتقذف بها الى أحداث أليمة متلاحقة.

تطابقت في ذهني مقتطفات من أحداث هذه الرواية مع مجريات الأمور في لبنان، من خلال مفردتين أنتجتا بينهما عنواناً متناقضاً تماماً عن عنوان الرواية. فالمزرعة هي تعبير عن المنهجية التي تدار بها البلاد من قبل حفنة مزارعين سيئي السمعة وطامعين في أرزاق الآخرين. والحرمان يتعدى الحصص الإرثية لأصحاب الحقوق ليشمل سرقة شعب بكامله، ونهب خزائن الدولة، وتفريغ المصارف من ودائعها وترحيلها الى حساباتهم في الخارج. أما العنوان المتناقض فهو أن السياسيين في لبنان لا يختبئوا لكي يموتوا، بل تدب بهم الحياة كلما سرقوا ونهبوا. فمفهوم الموت الذي تتحضر له الطيور وتختبئ، هو في قاموس هؤلاء الساسة مقلوب رأساً على عقب وهو مرادف للحياة التي تنعشها السرقة والنهب والطمع والجشع وحب السيطرة بلا خوف ولا وجل، وبلا حياء ولا خجل.

في الأمس كنا نفتخر بأن لبنان سويسرا الشرق، وأنه البلد الأكثر ديمقراطية، وأن نظامه السياسي كما يصفه القانوني الكبير ادمون رباط بأنه فريد من نوعه “sui generis” وأن مستوى التعليم لدى أبنائه مرتفع حيث يعتبر أبنائه من أكثر أبناء البلاد العربية ثقافة وانفتاحا، وأنه بلد الرسالة الى العالم نظراً للعيش المشترك الواحد لأبنائه. أصبحنا الآن في قعر الأمم المتخلفة وغير النامية. فماذا تغير فينا ؟

الفساد عندما يطال أفراداً معينين لا يخشى المجتمع من التغيير والتبديل في بنيانه وعلى أمنه واستقراره، فخطرهم محدود ومعروف في كل مجتمعات العالم حتى الأكثر ديمقراطية وتمسكاً بالقانون. هم كالطيور يختبئون حين تصبح نهايتهم وشيكة، مع فارق انهم يختبئون خشية الإمساك بهم وليس خجلاً أو حفظاً لكرامتهم. حين تترصدهم الدولة أو تنتظرهم حتى يقعوا في شراكها تتلقفهم وتضعهم في غياهب سجونها ولو كانوا في قمة المسؤولية. ولكن الفساد لدينا ليس فساد أفراد، بل هو فساد مجموعات وعصابات، فينتقل من تصنيفه كفساد أفراد ليتحول الى مؤسسة فساد ويصبح خطره مستديماً لا انفصام فيه. فالمؤسسة في تعبيرها القانوني كما يعرفها J. CHEVALLIER في كتابه باللغة الفرنسية “المؤسسة” : التقاء مجموعة أفراد على فكرة معينة على جهة الديمومة يصاحبها وجود سلطة. فالفساد في لبنان فكرة اجتمع على استمرارها وتأبيدها فاسدون مفسدون فولدوا سلطة وتحكموا في البلاد وبرقاب العباد.

تمر السنوات تتبعها السنوات وفي كل مطلع سنة جديدة نتمنى أن يفرط عقد مجموعة الفساد أو يردوا الى أرذل العمر فلا يعلموا من بعد علم شيئاً.  ولكن الأمنية شيء وإرادة التحقيق شيء آخر. الأمنية يظهر فيها التواكل وترك الأمور الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، وإرادة التحقيق فيها سعي وتصميم تبتدأ من (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وتتوسطها (وكل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) وتختتمها (وذلك هو الفوز العظيم).

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare