وثيقة الأخوة الإنسانية نحو تفسير جديد للنص الديني في الفقه الإسلامي
لم تكن وثيقة الأخوة الإنسانية من جانبها الإسلامي وليدة يومها، ولا يمكن اعتبارُها خروجاً عن النصوص الفقهية، إلا في عبثيات التأويلات الفقهية لدعاة التعصب والإنغلاق والتكفير والارهاب. فهؤلاء لا يجدون حرجاً عند كل خطاب منفتح وإزاءَ كلَّ من يتجرأ على المجاهرة بآراء مخالفة لتوجهاتهم المتشددة في القاء أصحابه في نار جهنم ولو كانوا من أبناء دينهم. فإذا كان الأمر كذلك في تشددهم وتكفيرهم فلن يترددوا أصلا في فكرهم الإقصائي والتكفيري لأتباع الديانات الأخرى.
ولعل الموروثات القديمة التي ترتكز عليها الآراء الفقهية الأخرى المغلقة والمشككة والمحذرة في علاقة المسلمين مع غيرهم، والتي أرادت وثيقة الأخوة الإنسانية تعديل مسارها الاستثنائي لتتلاءم مع المبادئ والقيم والتعاليم الإسلامية الأصيلة، قد كتبت نصوصُها في الأغلب الأعم في فترات الفتن والحروب حيث كانت تسمع من نصوصها دقَّ طبولَ الحرب وأصواتَ أبواق النفير وتصاعدَ غبارُ الرمال تحت وقع أقدام الأحصنة والجمال. إضافة الى أن قسماً لا يستهان به من هذه النصوص الدينية كتبت خلال فترات الاحتلال التي عاشتها أجزاء من الدول الإسلامية تحت سيطرة الإفرنجة أوما اصطلح على التعبير به بالحملات الصليبية. هذه النصوص الدينية الموروثة والتي يستند اليها البعض الى يومنا هذا، كان لها مبرراتها في عصورها التي صيغت فيها، حيث انبرى فقهاؤها بالدعوة الى الانغلاق والجمود وعدم الإختلاط مع اتباع الديانات الأخرى وعدم السماح لهم ببناء دور عباداتهم ولا اتخاذهم أولياء من دون المسلمين وعدم مجاراتهم في أعيادهم وتقاليدهم. هذه المبررات كانت غايتها في حينها المحافظة على الذاتية الإسلامية والحد من الإنزلاق والذوبان في تقليد غير المسلمين في طقوسهم الدينية وتقاليدهم وعاداتهم وأعيادهم، وردة فعل لما كان يقوم به الاحتلال الصليبي من هدم مساجد المسلمين وعدم السماح لهم بترميم ما بقي منها. ولا شك بأن النصوص التاريخية المسيحية كانت من جهتها أيضاً تستعر حرقة وألماً لما كان يصيب المسيحيين من معاملة مماثلة في أوقات الفتن والحروب.
ولعل هذه النصوص الدينية المشككة في العلاقة مع الآخر، ليست وليدة الفكر الديني الإسلامي فقط، وإنما هي مرتكزات دفاعية ذاتية وآنية ينحو اليها كل من لديه غيرة وخشية للمحافظة على ذاتية عقيدته الدينية من خطر الذوبان مع أفكار ومعتقدات أصحاب الديانات الأخرى. فمنذ ما يزيد عن ألف سنة كثرت على سبيل المثال شكاوى رجال الدين المسيحيين في الأندلس من استخدام الشباب في ذلك الوقت للغة العربية ولاستغراقهم في تقليد العرب في لباسهم ومأكلهم وفنونهم وحتى عطورهم…حيث كان تقليد المسلمين يعتبر تحدياً لتعاليم الكنيسة وخشية على المسيحيين من الذوبان في المجتمع الإسلامي الذي كان في حينها رمزاً للتقدم والتطور وعنواناً للرقي ومواكبة الحضارة.
في عام 854 ميلادية كتب ألفاروا مطران قرطبة إلى أحد أصدقائه رسالة مطولة اقتطف منها قوله : “إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها، وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلاً صحيحا. وأين تجد الآن واحداً من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التي كتبت على الأناجيل المقدسة؟ ومن سوى رجال الدين يعكف على دراسة كتابات التلاميذ، وآثار الأنبياء والرسل؟ يا للحسرة !! إن الموهوبين من شبان المسيحيين لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويفخرون في كل مكان بأن هذه الآداب حقيقية جديرة بالإعجاب. فإذا حدثتهم عن الكتب المسيحية أجابوك في ازدراء بأنها غير جديرة بأن يصرفوا إليها انتباههم. يا للألم !! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم فلا تكاد تجد في الألف منهم واحداً يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتاباً سليماً من الخطأ. فأما عن الكتابة في لغة العرب، فإنك لتجد منهم عددا عظيما يجيدونها في أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربي ما يفوق شعر العرب أنفسهم فناً وجمالا”
للخروج من الجانب الإسلامي من هذه الموروثات القائمة على شد العصب الديني ورفض الآخر، لا بد من وضع هذه النصوص المحذرة والمشككة في ظرفها التاريخي، وترسيخ ما جاء في وثيقة الأزهر للحريات العامة سنة 2012 في معرض كلامها عن التعددية الدينية للمجتمع، حين أعربت فيه عن رفضها لنزعات الإقصاء والتكفير، وإدانة الآخرين أو اتهامهم في معتقداتهم ، أو التفتيش في ضمائرهم، واستتبعت ذلك باستشهادها بقول الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية قديما :” إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر”. وتضيف الوثيقة وقد أعلى أئمة الاجتهاد والتشريع من شأن العقل في الإسلام، وتركوا لنا قاعدتهم الذهبية التي تقرر أنه: ” إذا تعارض العقل والنقل قُدَّم العقل وأُوِّل النقل” تغليباً للمصلحة، المعتبرة وإعمالاً لمقاصد الشريعة
فلا بد للفكر الإسلامي الحديث من أن يسعى إلى تغيير الذهنية لدى بعض العاملين في الحقل الديني وإقناعهم بالأدلة والبراهين بأنه ليس من باب المحافظة على التراث، الحرص على تقليده مع العلم بأنه خطأ، اوالتوهم بان البحث فيه قد يوقعه بالمحظور. وليس خروجا عن المألوف المتوارث، التصحيح الذي يعيد للمبادىء اصوليتها وانفعيتها للناس ومواكبتها للتجدد المنضبط المبني على الايمان والعلم والمعرفة والحكمة للوصول الى الهدف الأسمى وهو الفضاء الإنساني الرحب الذي ينطلق من حكمة الله بأنه أراد أن يكون هذا التنوع البشري مصدر تعارف وتعاون وليس مصدر مشاكسة وفتن وحروب. ( يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)
- وثيقة الأخوة الإنسانية في مواجهة بعض الموروثات الفقهية المتشددة
من هذه الموروثات الفقهية التي تحاول وثيقة الأخوة الإنسانية إعادتها الى صفائها ونقاوتها، ما يوهم من يقرأها أو يسمع عنها بأنها تعتمد على نصوص دينية موثقة ومجمع عليها. ومهما تكن ظرفية هذه النصوص إلا أنها تترك في نفس من يقرأها في حدها الأدنى انطباعاً بأن المسلمين يتّبعون ازدواجية في التفكير والتعبير تختلف فيما إذا كان الخطاب عابراً للطوائف والأديان ومظهراً الود والمحبة والإنفتاح، وخطاباَ داخلياً متشدداً ومحذراً من الإنفتاح والتقارب بين المسلمين وغيرهم. هذه الإزدواجية منافية لتعاليم القرآن والأحاديث النبوية ولكل القيم التي يؤمن بها المسلم. إضافة الى أن هذه الإزدواجية عانى منها المسلمون الأوائل كثيراً وأفردت سورة بأكملها تفضح الذين يتبعون منهجها ويسيرون في ركبها وقد سماهم القرآن بالمنافقون. حتى في أسمى علاقة تربط الإنسان بأغلى من يحب بعد الله وهم الأب والأم، حذر القرآن الكريم من مغبة اتباع هذه الإزدواجية معهم لإرضائهم على حساب معتقده وإيمانه ” وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا”.
من الأمثلة الأكثر تشدداً التي يتبعها المحرضون والتكفيريون، وهي التي تعمل وثيقة الأخوة الإنسانية على اجتثاثها من جذورها، مسألة وجوبية أسلمة العالم والجهاد التكفيري وإعمال آيات السيف في القرآن واتخاذ غير المسلمين أولياء من دون المسلمين والتي تؤدي من جانب المسلمين إلى ضرورة اتخاذ الحيطة وتجنب مخالطة غير المسلمين.
إذا عدنا إلى المصدر الديني الأساسي فسنجد قول الله تعالى في القرآن الكريم : ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” والتي ارتكزت عليها وثيقة الأخوة الإنسانية، فكيف سيفهم غير المتيقن والمدرك لمعاني هذه الآية التي تدعو الى التعرف وإقامة العلاقات مع بني البشر، إذا قرأ من بعدها الآيات التي يصفها البعض بآية السيف وآيات عدم موالاة غير المسلمين وأحاديث وجوبية أسلمة العالم. من يدرك المعاني والمقاصد لهذه النصوص يضعهم في سياقهم الزمني، فهؤلاء المشركون مثلاً الذين أهدر اللهُ تعالى دماءهم لأنهم أعداء محارِبون وليسوا مدنيين أبرياء لذلك أراد القرآن الكريم ان يشحذ همم المؤمنين لمواجهة جحافل المشركين القريشيين الذين قتلوا وطردوا وشردوا آلاف المسلمين من موطنهم في مكة ولحقوا بهم الى المدينة للانقضاض عليهم، فطلبت هذه الآيات من المؤمنين الصمود ودفع كيد الاعداء ورد العدوان. وتبعاً لإصرار قريش وغزواتهم المتكررة طالب القرآن المسلمين بقتال القريشين اينما وجدوهم الا الذين سبق معاهدتهم او الذين جنحوا للسلم فكان واجب المسلمين جميعا ان يجنحوا للسلم كافة. فإذا أمعنا النظر لوجدنا بأن هذه الآيات الوقتية والإستثنائية كانت في حينها واجبة الأداء لردع جحافل المشركين العرب من المحاربين المعتدين، وهي لا تخرج عن حد المعقول والمتبع في حق الشعوب للدفاع عن أوطانها، وهو ما تجنح اليه القصائد والتوجيهات العسكرية والاناشيد الوطنية لكثير من الدول في وقتنا الحالي التي تدعو الى سفك دماء الأعداء وشحذ همم الجنود، فلا تلقى هذه الأغاني الثورية والعسكرية والأناشيد الوطنية أي نقد وأي اتهام لها بالعنف والإرهاب والتعدي على حقوق الآخرين.
تقول الآية القرآنية : ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ فالمسلم مطلوب منه ألا يتخذ الذين يقاتلون المسلمين في دينهم ويخرجوهم من ديارهم ويتظاهروا على إخراجهم مناصرين لهم وأعوان، والنهي عن اتخاذهم أولياء ليس بوصفهم شركاء وطن أو جيران سكن أو زملاء عمل أو أصدقاء في الدراسة أو في أي جانب من جوانب الحياة الإجتماعية، ولكنه نهي عن مناصرتهم بوصفهم جماعة معادية لجماعة المسلمين تحاربها بنفسها أو تمالئ عليها أعداءها المحاربين لها. وبوصفهم جماعة تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به قوى المناوأة للمسلمين.
والمثال الذي تتضح به صورة هذا النهي في هذه الآية القرآنية هو العلاقة التي يجب أن تكون بين مسلم اليوم – سواء كان موطنه في دولة عربية أو إسلامية أو غربية أو حتى في فلسطين المحتلة – وبين الصهاينة من اليهود الذين يحتلون أرضنا في فلسطين ويقتلون أهلنا ويشردونهم بإخراجهم من ديارهم بغير حق. فهؤلاء تجب معاداتهم والوقوف موقف الإنكار والشجب لكل ما يفعلون. وأما اليهود المسالمون أو الذين يعيشون في بلادنا أو في البلاد الأجنبية هم مواطنون في هذه الدول فنحن لا نعاديهم ولا نحاربهم ولا نصد الآخرين عن التعامل معهم بل على العكس تماماً نتقاسم معهم خيرات هذا البلد ونتقاسم أفراحهم وأطراحهم.
هذه الأمور التي ذكرها القرآن الكريم في مجال النهي عن موالاة غير المسلمين ليس له علاقة بالصلة اليومية المعتادة بين شركاء الوطن سواء من أهل الإسلام أو من الأديان الأخرى. فإن الراشدين العاقلين لايعادون من يتقاسم معهم أوطانهم في سبيل مؤازرة قوة أجنبية معادية أو يسلكون مسلك الجاهلين السفهاء الذين يهزؤون بديانة شركاءهم في الوطن ويلعبون برموزه وشعائره. ومن يتصف بهكذا مواصفات فإن المسلم الذي يتخذه ولياً من دون المؤمنين سواء بمعنى النصرة أو بمعنى الصداقة يكون آثماً باختياره جانب عدوه أو جانب المستهزئ بدينه على حساب عقيدته. وهذا مبدأ لا يعارضه أي إنسان سليم سواء كان مسلما أو غير مسلم. حتى أن الإسلام يمنع أتباعه من سب آلهة المشركين كي لا يسب المشركون دين المسلمين :﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إذا كان هذا سلوك المسلم مع دين المشركين فكيف إذا كان الأمر مع أديان أهل الكتاب الذين يؤمن بهم المسلم ويبجل أنبياءهم ويذكرهم في صلاته ويتسمى بأسمائهم ويقتضي بأقوالهم وافعالهم ؟ هنا تبرز القاعدة الأساسية، الدائمة والمستمرة التي تحدد علاقة المسلمين مع غيرهم : (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
إلى جانب آية عدم موالاة غير المسلمين تأتي وثيقة الأخوة الإنسانية بروحية نصوصها لترد على المناصرين الذين يقولون بأسلمة العالم وبأن القرآن الكريم يدعو الى العنف والجهاد ضد غير المسلمين حتى يذعنوا ويرضخوا بدفعهم الجزية أو يقتلوا. وحقيقة الأمر بأن هؤلاء يستندون الى الآية الخامسة من سورة التوبة والتي يسمونها آية السيف : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (وهذه الآية تعد من أكثر الآيات إشكالية في فهم فلسفة الجهاد التي تأسست عليها مقولات العنف التي يتبناها ما بات يعرف بالتيار السلفي. هذه القراءة تستند الي الفهم والتفسير الذي يقول أنّ عدم الأيمان بالله والاسلام له يعتبر بحد ذاته مبررا لإباحة قتل الانسان حتى إذا لم يكن هذا الإنسان عدوا محاربا، وتنبني هذه الرؤية على مقولات بعض علماء الفقه والتفسير الذين يعتبرون انّ آية السيف قد نسخت كل اية مخالفة، والنسخ هنا يعني انّ تلك الآيات المخالفة قد ” سقط حكمها وبقى رسمها” ولا ينبني عليها اي أثر تشريعي. وأتباع هذه المقولة يقودون حربا ضارية ضد النظم الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي وكذلك ضد العالم الغربي.
والقراءة الثانية لآية السيف تفرق بين ما يعرف بآيات الأصول وآيات الفروع. فالآيات المكية هي الأصل في القرآن وهي الآيات التي تدعو لحرية الاعتقاد والمساواة وعدم تخيير الناس بين الاسلام أو القتال. وبحسب هذه القراءة فإن الآيات المكية وهي (آيات الأصول) قد تواتر نزولها خلال ثلاث عشرة سنة وعندما رفضها أهل مكة ولم يستجيبوا للدعوة بالحسني جاءت هجرة الرسول للمدينة حيث نزلت الآيات المدنية (آيات الفروع) لتنسخ آيات الأصول وتحدث ثورة عنيفة أستوجبت فيها صد الأعداء المحاربين وأعمال السيف والقتال، وكانت آية السيف من ضمن آيات الفروع التي جبّت آيات الحرية والمساواة والإختيار. وبحسب هذه القراءة فأنّ الزمن قد تغيّر تغيرا كبيرا مما توجب معه أن يحدث نسخا جديدا تعود بموجبها آيات الاصول (الآيات المكية) بوصفها قمة الدين لانها تقوم على تقرير كرامة الانسان الى الواجهة ويتم نسخ آيات الفروع (الآيات المدنية) لأنها آيات تنزلت في ظروف استثنائية لتتماشى مع مستوي الناس في ذلك الزمان، وفي هذا السياق يسقط التعامل بأحكام اية السيف.
أما القراءة الثالثة فهي القراءة التي ترفض مبدأ وجود النسخ في القرآن الكريم في مجمله، وتدعو الى قراءة آية السيف في سياقها القرآني ضمن الآيات التي وردت قبلها وهي أربع آيات وتلك التي جاءت بعدها وهي عشر آيات. وهي تستنكر تسمية آية السيف بهذا الاسم وتعتبره من اختراع بعض الفقهاء والمفسرين. ويخلص أصحاب هذه القراءة الي انّ فهم اية السيف في سياقها الداخلي لا يؤدى الي النتيجة التي توصل اليها الفقهاء والمفسرين من أصحاب القراءة الاولى وهي انها نزلت لقتال أهل الأرض جميعا كي يعتنقوا الاسلام. وأنما هذه الآية كانت خاصة مع مشركي العرب المحاربين والمعتدين، والدليل على ذلك بأن الآيات الخمسة عشر وهي التي أتت قبل وبعد آية السيف، مليئة بالاستثناءات للمشركين. ومنها قوله تعالي:
(الا الذين عاهدتهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم احدا فأتموا اليهم عهدهم الي مدتهم)
وقوله : (وان احدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)
وقوله : (الا الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم انّ الله يحب المتقين)
- المعطيات الفقهية التي ترتكز عليها وثيقة الأخوة الإنسانية
نقطة الإنطلاق في هذه المعطيات الفقهية من الجانب الإسلامي هي نفس النصوص القرآنية العديدة التي أشارت اليها الوثيقة، والتي تشكل أساساً تبنى عليه الأسس والمبادئ التي لا تتبدل ولا تتغير في تأصيل العلاقات الإنسانية بشكل عام. لكن باستطاعتنا أن نزيد عليها عاملاً محفذاً آخر وهو ما ذكره الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب في عن رابطة الصداقة التي جمعت بينه وبين قداسة البابا، فجاء في رسالته بأن الفضل يعود في ولادة هذه الوثيقة للأحاديث الأخوية الصادقة وفي لقاءات يملؤها الأمل في غد مشرق لكل بني الإنسان والتي كانت تدور بين القمتين الدينتين.
انطلاقاً من هذه الصداقة أعود الى الوراء لأذكر ما كتب عن الحادثة التي تداولتها كتب التاريخ عن علاقة مماثلة جمعت بين شيخ الإسلام مفتي الأنام في الدولة العثمانية الشيخ الزنبلي والبطريرك. الحادثة تروي رغبة السطان في إصدار فرمان لإكراه المسيحيين باعتناق الإسلام. يسرع شيخ الإسلام الى صديقه البطريرك حال علمه بذلك ويتداولا بكيفية اقناع السلطان بالعدول عن هذه الرغبة المنافية لتعاليم الإسلام، وينجحا في ذلك بعد أن يذكّراه بحضور الشهود الذين أحضروهم بهذا الخصوص عن التزام المسلمين خلال فتح القسطنطينية بترك المسيحيين على دينهم وعدم إكراههم على اعتناق دين الإسلام. هاتان الحادثتان ومثيلاتهما الكثيرة تجعلني في قراءتي لهذه المبادئ الأساسية أضع وأدعو بإصرار إلى قيمة الصداقة وأهميتها القصوى بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين.
تستوقفني في أول قراءة للمبادئ الأساسية للوثيقة عنوانها الذي يشير الى طابعها العالمي الشمولي فهي لا تتوجّه فقط إلى ” كلّ من يحملون في قلوبهم إيمانًا بالله” وإنّما أيضاً إلى” الذين يحملون إيمانًا بالأخوّة الإنسانيّة”. في ثنايا الوثيقة نجد عبارات تتردد وتتكرر لتخاطب باسم الأخوّة الإنسانيّة التي تجمع البشر جميعًا، وتوحّدهم وتسوّي بينهم، و باسم الحرّية التي وهبها الله لكلّ البشر، و باسم الأيتام والأرامل والمهجّرين… دون إقصاء أو تمييز.
من مبادئ هذه الوثيقة أن تسمع بين أسطرها تراتيل قرآن وترانيم إنجيل فتأخذك عباراتها الى إمام يقف في محرابه يقرأ القرآن وكاهناً يكرز مذكراً بكلام الإنجيل. فتبتدأ الوثيقة باسمِ الله الَّذي خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامةِ، ودَعاهُم للعَيْشِ كإخوةٍ فيما بَيْنَهم ليُعَمِّروا الأرضَ، ويَنشُروا فيها قِيَمَ الخَيْرِ والمَحَبَّةِ والسَّلامِ. ثم تستطرد الوثيقة لتخاطب النفسِ البَشَريَّةِ الطَّاهِرةِ التي حَرَّمَ اللهُ إزهاقَها، وأخبَرَ أنَّه مَن جَنَى على نَفْسٍ واحدةٍ فكأنَّه جَنَى على البَشَريَّةِ جَمْعاءَ، ومَنْ أَحْيَا نَفْسًا واحدةً فكَأنَّما أَحْيَا الناسَ جميعًا. جاء في القرآن الكريم : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) و (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) و (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا الناس جميعا)
ثم تأتي عبارات الوثيقة لتحملك الى كلمة سواء القرآنية ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) التي خاطبت المسلمين وأهل الكتاب أي أهل الوحي الى الاجتماع لعبادة الله الواحد الأحد، وأتبعتها في آيات أخرى وذكرتهم بأنهم يؤمنون باليوم الآخر ويقومون بالعمل الصالح، وإلى وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني الموجه الى المسلمين الذي يعبدون الإله الواحد، الحيّ والرحوم والقدير، خالق السماء والأرض، وينتظرون يوم الدين عندما يكافئ اللّه كل القائمين من بين الأموات، فجاء إعلان الوثيقة بعباراته مؤكداً لما سبق من كون المسلمين والمسيحيين يجمعهما الإيمان بالله وبلقائه وبحسابه.
استتباعاً لما ذكر فإن توصيات الوثيقة تضيف ايضاً البنود الآتية والتي هي في صميم الركائز الفقهية الأصيلة في الإسلام والتي اخترت منها :
- التوقف عن استخدام اسم الله لتبرير اعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش
- التركيز على أهمية التعاليم الصحيحة للأديان
- اعتبار التَّعدُّدِيَّةَ والاختلافَ في الدِّينِ واللَّوْنِ والجِنسِ والعِرْقِ واللُّغةِ حِكمةٌ لمَشِيئةٍ إلهيَّةٍ
- تجريمِ إكراهِ الناسِ على دِينٍ بعَيْنِه أو ثقافةٍ مُحدَّدةٍ، أو فَرْضِ أسلوبٍ حضاريٍّ لا يَقبَلُه الآخَر.
- التشجيع على الحوارَ والتفاهُمَ ونشرَ ثقافةِ التسامُحِ وقَبُولِ الآخَرِ والتعايُشِ بين الناسِ
- الحوارَ بين المُؤمِنين يَعنِي التلاقيَ في المساحةِ الهائلةِ للقِيَمِ الرُّوحيَّةِ والإنسانيَّةِ والاجتماعيَّةِ المُشترَكةِ
- حمايةَ دُورِ العبادةِ، من مَعابِدَ وكَنائِسَ ومَساجِدَ، واجبٌ تَكفُلُه كُلُّ الأديانِ والقِيَمِ الإنسانيَّةِ والمَوَاثيقِ والأعرافِ الدوليَّةِ
- وَقْفُ دَعْمِ الحَرَكاتِ الإرهابيَّةِ بالمالِ أو بالسلاحِ أو التخطيطِ أو التبريرِ، أو بتوفيرِ الغِطاءِ الإعلاميِّ لها باعتبار أنها نتيجةٌ لتَراكُمات الفُهُومِ الخاطئةِ لنُصُوصِ الأديانِ وسِياساتِ الجُوعِ والفَقْرِ والظُّلْمِ والبَطْشِ والتَّعالِي نتيجةٌ لتَراكُمات الفُهُومِ الخاطئةِ لنُصُوصِ الأديانِ وسِياساتِ الجُوعِ والفَقْرِ والظُّلْمِ والبَطْشِ والتَّعالِي
- التأكيد على مفهومَ المواطنةِ الذي يقومُ على المُساواةِ في الواجباتِ والحُقوقِ التي يَنعَمُ في ظِلالِها الجميعُ بالعدلِ؛ والتخلِّي عن الاستخدام الإقصائيِّ لمصطلح «الأقليَّاتِ» الذي يَحمِلُ في طيَّاتِه الإحساسَ بالعُزْلَةِ والدُّونيَّة، ويُمهِّدُ لِبُذُورِ الفِتَنِ والشِّقاقِ
- وقفُ كل المُمارَساتِ اللاإنسانية والعادات المُبتذِلة صوناً لكَرامةِ المرأةِ، وحماية لحُقوقَ الأطفالِ الأساسيَّةَ في التنشئةِ الأسريَّةِ، والتغذيةِ والتعليمِ والرعايةِ وكذلك حمايةَ حُقوقِ المُسنِّين والضُّعفَاءِ وذَوِي الاحتياجاتِ الخاصَّةِ والمُستَضعَفِينَ
هذه البنود الأساسية لوثيقة الأخوة الإنسانية تضاهي بقيمتها شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة باعتبارها صادرة عن مؤسّستين دينيّتين هما الأزهر الشريف والكنيسة الكاثوليكيّة، وتستحق بما لها من مرجعية دينية ومعنوية على المؤمنين بالديانتين على أن تكون مساراً ملزما لكافة المؤسسات التابعة لمرجعيتهما وأن تدرس في جميع المعاهد والجامعات والمؤسسات التربوية وأن تذاع نصوصها على كافة المنابر الدينية وتشكل لجان مشتركة مسيحية- إسلامية في كافة البلاد لوضع الآلية التنفيذية لبنود هذه الوثيقة.