مدونة

القادة الدينيون وتنشئة الشباب على الوثيقة الإنسانية

القادة الدينيون
العيش المشترك / مدونتي / منهجية التدريس

القادة الدينيون وتنشئة الشباب على الوثيقة الإنسانية

القادة الدينيون وتنشئة الشباب على وثيقة الأخوة الإنسانية

لا بد أن أصارحكم في البداية بأنني ما زلت أخشى الى هذا الوقت من أن تتحقق نبوءة الفيلسوف الفرنسي ووزير الثقافة في حكومة الجنرال ديغول André Marleau حين قال بأن القرن الواحد والعشرين إما أن يكون دينياً أو روحياً أو لا يكون. للتغلب على هذا الشعور اتجاه هذا القول، كنت أرجع في كل مرة الى عصور الإضطهادات الدينية لأجد بأن الإضطهادات والتحديات المتلاحقة كانت تمر وتختفي آثارها ويبقى الدين يشع نوراً لا تطفئه الأحقاد والمؤامرات وعبث العابثين. أمام هذه الإضطهادات والتحديات السابقة واللاحقة وقف كثير من القادة الدينيين وقفة صلبة وشجاعة ومنهم من وقف وقفة خذلان ومتفرج أو معترف بعجزه على عدم مقدرته على تدبر الأمور وقلب الموازين لإعادة الأمور إلى استقرارها ومسارها الطبيعي. ما زالت هذه المواقف للقادة الدينيين تتأرجح الى الآن بين صلابة وجمود ولين وانصهار وعجز وشعور بالإحباط. ن

ولعل الخطر أن تبقى الموروثات التي كانت تستمر وتستثمر بعد عصور الإضطهادات قائمة وفعالة ومنتشرة بين الأجيال اللاحقة الى هذا الوقت، كما هو حاصل لدى بعض المسيحيين والمسلمين المتشددين والتكفيريين الذين ما زالوا يرتكزون على نصوص ومواقف تاريخية مغلقة ومشككة ومحذرة في علاقتهم مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى. ولكن إذا أمعنا النظر والروية في هذه النصوص القديمة المتشددة لوجدناها من الجانب الإسلامي مثلا كتبت في الأغلب الأعم خلال فترات الاحتلال التي عاشتها أجزاء من الدول الإسلامية تحت سيطرة الإفرنجة أوما اصطلح على التعبير به بالحملات الصليبية. هذه المرتكزات الدينية الموروثة والتي تمتد بعض آثارها الى يومنا هذا، كان لها مبرراتها في عصورها التي صيغت فيها، حيث انبرى فقهائها بالدعوة الى الانغلاق والجمود وعدم الإختلاط مع اتباع الديانات الأخرى وعدم السماح لهم ببناء أماكن عباداتهم ولا اتخاذهم أولياء من دون المسلمين وعدم مجاراتهم في أعيادهم وتقاليدهم. الا ان هذه الظروف انقضت وولت، إذ كانت غاية هذه النصوص في حينها المحافظة على الذاتية الإسلامية والحد من الإنزلاق والذوبان في تقليد غير المسلمين في طقوسهم الدينية وتقاليدهم وعاداتهم وأعيادهم، نظراً للمعاملة السيئة التي كان يقترفها الإفرنجة في فترة الاحتلال الصليبي ضد المسلمين ومضايقتهم بل ومنعهم من إقامة طقوسهم الدينية أو هدم مساجدهم وعدم السماح لهم بترميم ما بقي منها. ولا شك بأن النصوص التاريخية المسيحية كانت تستعر أيضاً حرقة وألماً لما كان يصيب المسيحيين من معاملة مماثلة من المسلمين في أوقات الفتن والحروب.

ولعل هذه المرتكزات الدينية القديمة والمشككة في العلاقة مع الآخر، ليست وليدة الفكر الديني الإسلامي فقط، وإنما هي مرتكزات دفاعية ذاتية ينحو اليها كل من لديه غيرة وخشية للمحافظة على ذاتية عقيدته الدينية من خطر الذوبان مع أفكار ومعتقدات أصحاب الديانات الأخرى. فمنذ ما يزيد عن ألف سنة كثرت على سبيل المثال شكاوى القادة الدينيين المسيحيين في الأندلس من استخدام الشباب في ذلك الوقت للغة العربية ولاستغراقهم في تقليد المسلمين في لباسهم ومأكلهم وفنونهم وحتى عطورهم ونظافتهم…حيث كان تقليد المسلمين يعتبر تحدياً لتعاليم الكنيسة وخشية على المسيحيين من الذوبان في المجتمع الإسلامي الذي كان في حينها رمزاً للتقدم والتطور وعنواناً للرقي ومواكبة الحضارة.

في عام 854 ميلادية كتب ألفاروا مطران قرطبة إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها: “إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها، وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلاً صحيحا. وأين تجد الآن واحداً من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التي كتبت على الأناجيل المقدسة؟ ومن سوى رجال الدين يعكف على دراسة كتابات التلاميذ، وآثار الأنبياء والرسل؟ يا للحسرة !! إن الموهوبين من شبان المسيحيين لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويفخرون في كل مكان بأن هذه الآداب حقيقية جديرة بالإعجاب. فإذا حدثتهم عن الكتب المسيحية أجابوك في ازدراء بأنها غير جديرة بأن يصرفوا إليها انتباههم. يا للألم !! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم فلا تكاد تجد في الألف منهم واحداً يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتاباً سليماً من الخطأ. فأما عن الكتابة في لغة العرب، فإنك لتجد منهم عددا عظيما يجيدونها في أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربي ما يفوق شعر العرب أنفسهم فناً وجمالا”

للخروج من الجانب المسيحي من هذه الموروثات التي كانت تحذر من كل انفتاح مع الآخر غير المسيحي، كان لا بد من أن يقدم الفاتيكان عبر “المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني” والذي دعا إليه البابا “يوحنا الثالث والعشرين” والذي كرر مرارا أن الكنيسة لا بد أن تعيش تجديدا يتفق مع مطالب العصر، وقد أطلق عليه “تجدد الساعة” أو “مراجعة الحياة” وكذلك “إعادة التنظيم”

يذكر التصريح الفاتيكاني في سنة 1963عن علاقة الكنيسة مع الدين الإسلامي ما نصه : ” تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين أيضا، الذين يعبدون الله الواحد، الحي القيوم، الرحمن القدير بارئ السماء والأرض، ومكلم الناس. ويسعون بقصارى ما أوتوا لمراعاة أحكام الله, وإن خفيت مقاصده, كما سلم له إبراهيم الذي يفخر الدين الإسلامي بالانتساب إليه. وإن كانوا لا يقرون بيسوع إلها فإنهم يجلونه نبيا, ويكرمون أمه العذراء مريم, مبتهلين إليها أحيانا بإيمان. فضلا عن ترقبهم يوم الدين, الذي يجازي فيه الله جميع الناس حين يبعثون. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية, ويعبدون الله بأداء الصلاة والصدقة والصوم”.

ويعد هذا التصريح بمثابة الدستور الذي تسير عليه الكنيسة الكاثوليكية في توجيه العالم الكاثوليكي إلى علاقة حياتية جدية مع العالم الإسلامي عبر نصه “ولئن كان عبر الزمان قد وقعت من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين فإن المجمع يهيب بالجميع أن ينسوا الماضي، وأن يعملوا باجتهاد صادق سبيلا للتفاهم فيما بينهم، وأن يتماسكوا من أجل جميع الناس على حماية وتعزيز العدالة الاجتماعية والقيم الأدبية والسلام والحرية”.

للخروج من الجانب الإسلامي من هذه الموروثات القائمة على شد العصب الديني لا بد من وضع القادة الدينيين لهذه النصوص المحذرة والمشككة في ظرفها التاريخي وتغيير الذهنية لدى بعض العاملين في الحقل الديني وإقناعهم بالأدلة والبراهين بأنه ليس من باب المحافظة على التراث، الحرص على تقليده مع العلم بأنه خطأ، اوالتوهم بان البحث فيه قد يوقعه بالمحظور. وليس خروجا عن المألوف المتوارث، التصحيح الذي يعيد للمبادىء اصوليتها وانفعيتها للناس ومواكبتها للتجدد المنضبط المبني على الايمان والعلم والمعرفة والحكمة للوصول الى الهدف الأسمى وهو الفضاء الإنساني الرحب الذي ينطلق من حكمة الله بأنه أراد أن يكون هذا التنوع البشري مصدر تعارف وتعاون وليس مصدر مشاكسة وفتن وحروب. ( يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)

من هنا كانت انطلاقة وثيقة الأخوة الإنسانية والتي وقع عليها أكبر مرجعتيين دينيتين في العالم قداسة البابا فرنسيس وفضيلة شيخ الأزهر أحمد الطيب.  نقطة الإنطلاق كانت هي من الجانب الإسلامي  نفس النصوص القرآنية التي أشارت اليها الوثيقة، والتي تشكل أساساً تبنى عليه الأسس والمبادئ التي لا تتبدل ولا تتغير في تأصيل العلاقات الإنسانية ولكن باستطاعتنا أن نزيد عليها عاملاً محفذاً آخر وهو ما ذكره الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب عن رابطة الصداقة التي جمعت بينه وبين قداسة البابا ، فجاء في رسالته بأن الفضل يعود في ولادة هذه الوثيقة للأحاديث الأخوية الصادقة وفي لقاءات يملؤها الأمل في غد مشرق لكل بني الإنسان والتي كانت تدور بين القمتين الدينتين.

 انطلاقاً من هذه الصداقة أعود الى الوراء لأذكر ما كتب عن الحادثة التي تداولتها كتب التاريخ عن علاقة مماثلة جمعت بين شيخ الإسلام مفتي الأنام في الدولة العثمانية الشيخ الزنبلي والبطريرك. الحادثة تروي رغبة السطان في إصدار فرمان لإكراه المسيحيين باعتناق الإسلام. يسرع شيخ الإسلام الى صديقه البطريرك حال علمه بذلك ويتداولا بكيفية اقناع السلطان بالعدول عن هذه الرغبة المنافية لتعاليم الإسلام، وينجحا في ذلك بعد أن يذكّراه بحضور الشهود الذين أحضروهم بهذا الخصوص عن التزام المسلمين خلال فتح القسطنطينية بترك المسيحيين على دينهم وعدم إكراههم على اعتناق دين الإسلام. هاتان الحادثتان ومثيلاتهما الكثيرة تجعلني في قراءتي لهذه المبادئ الأساسية أضع وأدعو بإصرار في المقام الأول إلى قيمة الصداقة وأهميتها القصوى بين القادة الدينيين المسلمين والمسيحيين.

وأخيراً كلمة الختام رسالة أوجهها بصفتي الدينية الى قادة العالم من سياسيين وعسكريين : دعونا نتعانق، دعونا ننبذ الفتنة وهتافاتها وشعاراتها المقيتة، دعونا نتفق ولا نختلف وإذا اختلفنا أن نعلم بأن اختلافنا رحمة ونعمة وليس نقمة، دعونا نبني لأبنائنا مستقبلاً واعداً، دعوا أطفالنا يلعبون ويضحكون في ملاعب الصبا والبراءة، دعوا المساجد والكنائس تهتف بالسلام والتآخي، دعونا نصلي معاً من أجل أن يعم السلام والأمان دول وشعوب العالم.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare