مدونة

أصل الإنسان في القرآن من السلوك الغرائزي الى السلوك الأخلاقي المكتسب

quh
مدونتي

أصل الإنسان في القرآن من السلوك الغرائزي الى السلوك الأخلاقي المكتسب

يوصف عادة الإنسان بأنه حيوان ناطق ضاحك، وهذا التعريف قد استأثر به الإنسان دون منازع لتمّيزه عن جميع الكائنات بهاتين الصفتين، ولا يعيبه أن ينطق الببغاء أو يضحك القرد فليس ذلك الا من باب التدريب والتقليد. غير أن هناك صفات أساسية يتصف بها الإنسان وتميزه عن الكائنات الأخرى ولكنها ليست جامعة وشاملة  ومستقرة. من أهمها اتصافه بأنه كائن لديه قابلية لاستيعاب القيم الأخلاقية وللخضوع إلى مبادئ عليا سلوكية راقية، ويعود السبب في عدم استقرارها إلى كونها صفات مكتسبة. فكم شهد التاريخ من أناس ديدنهم الفساد والقتل والإرهاب والجبروت والظلم. من أجل ذلك كانت رسالة الأديان السماوية لتقويم السلوك الإنساني وشده نحو مكارم الأخلاق، فهي لم تأت لتعلم الإنسان النطق والتبسم إلا بقدر ارتباطهما بالقواعد الأخلاقية من حسن التخاطب وإشاعة الإبتسامة في دائرة العلاقات الاجتماعية.

هذا الموضوع وأعني به ضبابية اتصاف الإنسان بالقيم الأخلاقية والسلوكية، تثير لدى الباحثين موضوع الوجود البشري على الأرض وانتقاله عبر التاريخ من كائن بدائي تتحكم به غرائزه ونزواته إلى حين تحوله الى إنسان حضاري قابل للتطبع بقواعد الأخلاق والاحترام وللإمتثال بها كمنهجية حضارية وقيمة إضافية في حياته الإجتماعية.

مقاربتنا للموضوع من هذا الجانب، أي أصل الإنسان، هو الذي يعنينا هنا، وإن كان هذا العنوان يدخل في إطاره الديني إلا أنه ينحو نحو التآلف غير المصطنع مع النظرية العلمية الأكثر رواجا عن أصل الإنسان وأعني بها نظرية النشوء والإرتقاء. خاصة وأن هذه النظرية قد اصطدمت بما تعارفت عليه الأديان السماوية من أن أصل الإنسان يعود إلى خلق آدم وحواء ووجودهما في الجنة ثم هبوطهما الى الأرض لإعمارها ولحفظ السلالة البشرية. فالنظرية الدينية لأصل الإنسان وإن تعددت مصادرها إلا أنها تجمع بالقول على عملية الخلق الآدمي بداية فكان آدم المخلوق الأول الإنساني الذي خلقه الله على صورته، ومنه تفرع الجنس البشري بأكمله. وسواء يعود الضمير في ” صورته” الى الله كما يقول الكتاب المقدس او الى آدم نفسه كما في التراث الإسلامي فإن ذرية آدم وحواء هي التي حققت استمرارية الجنس البشري على الأرض.

إذا تَتَبُّعنا أحداث هذه القصة بحرفيتها كما ذكرت في القرآن الكريم فإننا نستنتج بأنها مرت بفترات متتالية :

أولاً: خطاب إلهي للملائكة بأنه سيكون هناك كائنا جديدا في الأرض لخلافتها وإعمارها، وهو آدم : {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة:30).

ثانياً : إستفسار الملائكة عن كيفية تحقق هذه الخلافة على الأرض في حين أنها مأهولة بمخلوقات متقاتلة تسفك الدماء : {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}

ثالثاً: هذا الكائن الجديد سيخلق من ماء وطين : {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون} (الحجر:28)، وقوله سبحانه: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين} (ص:71).

رابعاً : عندما تنتهي فترة الخلق والتكوين، ويتعلم الكائن الجديد الكلام ومسميات الأشياء فإن الملائكة مدعوون إلى السجود له : {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} (البقرة:34)، والنص على الطلب بالسجود تكرر في ثمانية مواضع قرآنية، ولم يستفسر الملائكة عن الكيفية إلا بعد أن ذكر الله لهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة.

خامساً: امتنع إبليس عن السجود لـ آدم : {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} (البقرة:34)، {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} (الأعراف:11). وإمتناعه من السجود كان بحجة : {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (الأعراف:12)، وقوله: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} (الحجر:33).

سادساً: جزاء هذا الرفض هو الطرد من الجنة : {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين} (الأعراف:13). قابل إبليس هذا الطرد بالتهديد بإغواء الإنسان : {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (الأعراف:16)، فكان الرد على تهديده: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} (الحجر:42).

سابعاً: تنبيه الله تعالى آدم وذريته من إغواء إبليس: {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} (طه:117).

ثامناً: بداية الإغواء تحققت بعد النهي الإلهي لـ آدم وزوجته بعدم الأكل من الشجرة،: {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} (البقرة:35).

تاسعاً : الإستجابة لهذا الإغواء بالأكل من الشجرة،: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى} (طه:120-121).

عاشرا : عتاب الله لـ آدم لاستجابته لإغواء إبليس، ثم توبة آدم مما أقدم عليه : {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف:22-23)،  {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} (البقرة:37)، {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} (طه:122).

إحدى عشر: هبوط آدم من جنة السماء إلى الأرض، وتكرار تحذير الله له ولذريته من إغواء إبليس وكيده : {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} (طه:123

ثاني عشر : تناسل آدم وحواء وإعمارهما الأرض

غير إنه وإن اعتمدت هذه النظرية الدينية لأصل الخلق إلا أننا نجد أن هناك إشارات قرآنية تلمح إلى أن هناك منظومة متكاملة ومحكمة لقصة الخلق تغاير النظرية الدينية المعروفة والمعتمدة. هذه النظرية التجديدية تتجاوز حرفية النص القرآني ومدلوله اللفظي على عملية الخلق الأولى لتضيف إلى المتوارث المجمع عليه سابقاً مفهوما آخر عبر التفريق لما هو بشري ولما هو إنساني، بل وتتجاوزه الى الإلتقاء مع النظريات العلمية الأكثر تداولاً وشهرة بين العلماء، بعد تعديلها وفق المنطوق الديني.

هذه النصوص القرآنية تتحدث عن إرادة إلهية – بعد استقرار الأرض على صورتها الحالية القابلة للسكنى – في خلق كائن “بشري” (خالق بشراً من طين) يعهد إليه فيما بعد خلافة الأرض (جاعل في الأرض خليفة) وكلمة جاعل تفيد الصيرورة بمعنى أن الكائن موجود ولكن سيتم إضافة أمر آخر إليه. هذه الخلافة تستدعي أن يكون هذا الكائن مستوفياً لشروط الأهلية العقلية ونضج التفكير والقدرة على الكلام، حتى يضمن استمرار جنسه على الأرض التي تتنازعها في تلك الفترة كائنات تفسد العيش فيها وتسفك الدماء. طالما أن الله أعرب عن إرادته في “خلق بشر” فالملائكة لم تتعجب ولم تستسفر عن مهمة هذا الكائن ولا طبيعته، فتم وعد الله وخلق من الطين بشراً وفق آلية التطور والإرتقاء لملايين السنين ثم تم انتشارهم على الأرض، ولكن عندما أعرب الله بأنه سيجعل من البشر خليفة تعجبت الملائكة واستفسرت عن هذا الأمر كون الأرض تسكنها كائنات بشرية متصارعة تسفك الدماء. ومن المعلوم أن الملائكة لا تعلم الغيب وهي بالتالي لا تتنبأ بأن هذا الكائن الذي سيكون خليفة في الأرض سيسفك الدماء ويقتل ويفسد، وإنما تتكلم عن الواقع المشهود في الحياة على الأرض في تلك الحقبة ما قبل التاريخ. الرد الإلهي على استفسار الملائكة بأن الله تفرد بعلم هذه الكيفية. البداية سوف يبتدئها الله بخلق بشر من طين من المكونات الطبيعية في الماء والهواء والتراب (الطين) (إني خالق بشراً من طين) قبل ملايين السنين، وابتدأت بعدها تسوية هذا المخلوق وتصويره وانتصاب قامته (تعديله) فمر البشر حينها بما بات يعرف بجنس ال(Homo) وحتى يصل إلى مرحلة (الأنسنة) كان لا بد من مروره بأطوار انتقاليه ﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ نقلته من كائن بشري شبيه بالإنسان (Ardipithecus) ثم سواه الى بشر يمشي على قدمين (Australopithecus) ثم الى بشر منتصب (Homo-Erectus) وصولا الى الإنسان العاقل (Homo-Sapiens). فهذه المراحل لم تكن وفق معاييرنا الدنيوية جزءاً من ثانية بل استغرقت ملايين السنين. هي في المعايير الإلهية غير خاضعة لمرور الزمن وإنما وفق معاييرنا نحن فهي تخضع له.

نأتي إلى القرآن الكريم، فهو يذكر الأمور الآتية :

  • (إني خالق بشراً من طين)،
  • (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}،
  • (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون}.
  • (إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)،
  • (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة..)
  • (الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك)،
  • فهذه الآيات تشير إلى هذه الحقبات الزمنية التي مر بها الوجود البشري قبل تحوله إلى إنسان مفكر ومعتدل القامة (آدم). مع الإشارة الى أن “ثم” التي وردت في الآيات القرآنية تفيد في اللغة العربية التراخي في الوقت،

ولكن وصول البشر إلى مرحلة الإنسان العاقل (Homo-Sapiens) أثار لدى العلماء عن تلك (الطفرة الجينية) التي جعلت منه كائنا ذكياً قادراً على البقاء واستخلاف الأرض.

 هنا نعود الى القرآن الكريم الذي تكلم عن مراحل التطور ابتداءاً من الخلق والتسوية والإعتدال في القامة مع اصطفاء آدم ونفخ الروح فيه. البشر قبل هذا التحول كانت تدب بهم الحياة (النفس)، وعندما انتهت مرحلتي التصوير والإعتدال اللتان يتصف بهما الإنسان حالياً تمت عملية الإصطفاء فيما بينهم لآدم ونفخ الروح (الطفرة الجينية) فأصبح بعد النفخ إنساناً عاقلاً يميز بين الخير والشر، ومن هنا كان الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم أول إنسان ينفخ فيه من روح الله، ومن هنا كان مناط التكليف فيما بعد بما ذكره القرآن عن الشجرة التي منع أن يأكل منها وعن وسوسة الشيطان له.

إشارتان ذكرهما القرآن الكريم عن الإنسان الناطق : (وعلم آدم الأسماء كلها) ومن المعلوم بأن أول ما يتعلم الطفل من اللغة هي أسماء الأشياء. فآدم هو أول من نطق، ولم تكن للبشر قبل ذلك إلا إشارات وأصوات يتخاطبون بها.

أن الجنة التي سكنها آدم وزوجته ربما لا تكون الجنة السماوية بل هي أرضية، وإلا لم جعل الله الخلافة على الأرض، في حين أنه إذا كان الخلق ثم الإقامة في جنة السماء فما العبرة في أن تكون الخلافة على الأرض.

نعود الى آدم أول بشر تحول إلى إنسان بنفخ الروح. فهل كان هذا التحول بداية منذ خلقه وتكوينه فهو بلا أب ولا أم، وهي النظرية الدينية الغالبة، أم كانت عبر نفخ الروح فيه داخل أمه البشرية التي اختصها الله من بين بني البشر لتحمل وتلد أول إنسان تنفخ فيه الروح. وإذا كان الأمر كذلك فهل إن زوجة آدم كانت بشرية ؟ وأين هم البشر حالياً هل انقرضوا ؟ أم تزاوجوا مع بني آدم ولم يعد هناك بشري ذو عرق صاف؟

إعطاء أي جواب عن ذلك لا يدخل ضمن أي منطوق علمي أو ديني وإنما فقط من باب الخيال الذي يقارب أو يناقض الحقيقة التي لا يعلمها إلا الله.

بداية هناك نص قرآني يمكن أن يكون مدخلا لما سوف يتم طرحه بهذا الخصوص :

  • إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ.

الإصطفاء والذي هو بمعنى الإختيار يفيد وجود أكثر من نوع أو صنف أو جنس حتى تتم عملية الإختيار. فآدم إذا كان بداية هو أول مخلوق فكيف يكون قد اصطفاه الله على العالمين ؟ ألا يتحقق معنى الآية بشكل أوضح إذا اعتبرنا بأن الله قد اختاره من بين بني البشر كافة ليكون الإنسان الأول الذي سيصبح خليفة في الأرض.

  • إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ

المثلية في هذه الآية تقتضي التطابق في الخلق والكينونة. فأصل المخلوقات البشرية تعود الى العناصر الثلاثة الطبيعية وهي الماء والهواء والتراب. فآدم وعيسى هما من محصلة هذا التكوين البشري المخلوق من الطين ولكننا لا نعلم كيف تحولت هذه الكينونة الآمرة من الكاف والنون ” كن” الى إنسان مكتمل الخلقة وهو آدم فهل تمت بداية من التراب كما يقول منطوق الآية، أو كما ألمحت الآية القرآنية السابقة حين تكلمت عن اختيار واصطفاء من بين مجموعة. وإذا كان هناك اصطفاء واختيار فكيف تم هذا الإختيار؟ هنا تأتي هذه الآية التي تتحدث عن عيسى ابن مريم وأن كينونته بمقتضى القدرة الإلهية (الكاف والنون) مماثلة لكينونة آدم. فكما تمت كينونة عيسى تكون كينونة آدم قد سبقتها. فهل تكون الإشارة القرآنية هنا ملمحة أيضاً إلى أن مثل آدم عند الله كمثل عيسى ؟

تجلى الملك جبريل إلى السيدة مريم وبشرها بولادة عيسى بمقتضى الكلمة الإلهية ” كن” فتم النفخ فيها لتوها من روح الله، إلى أن تمت الولادة لتشير إلى أن هذا الإبن ليس له أب “بيولوجي”. فالبنية ” البيولوجية” لعيسى تختلف عن بنية أمه مريم. إذا افترضنا قياساً على هذه الحادثة التي رواها الإنجيل والقرآن من أن الملك تجلى إلى إحدى الأمهات البشريات التي اختارها الله لصفات لا نعلمها فنفخ فيها من روح الله، فولد آدم بصفات مغايرة لأمه البشرية ودون أن يكون له أب. فعلمه الله الكلام وأسماء الأشياء تماماً كما أنطق الله عيسى في المهد، وعندما اكتمل بنيانه وهيئته طلب الله من الملائكة السجود له. هذا السجود لا نعلم كيفيته أو رمزيته وإن كان في السماء أم على الأرض. بعد هذا التكريس اختار الله لآدم زوجة بشرية بصفات لا نعلمها، وأقاما في جنة على الأرض في مكان مرتفع لا خلود فيها فمن هنا كانت وسوسة الشيطان لهما بالملك والخلود. حيث قال تعالى (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) فالإغواء الذي حدث كان من خلال تحريك الرغبة في البقاء والتملك. ومعلوم أن هاتين الرغبتين هما من أقوى الغرائز عند الإنسان لذلك غُرر آدم بهما.

ثم بعد الإغراء واستجابة آدم وحواء لوسوسة الشيطان وإعلان التوبة وقبولها من الله، هبط آدم وزوجته إلى أراض أخرى لإعمارها. وهنا كان التزاوج بين آدم الإنسان وحواء البشرية، وكانت ولادة قابيل وهابيل يحمل أحدهما صفاتاً بشرية والآخر صفاتا إنسانية. الصفات البشرية حملها هابيل وأراد قتل أخيه ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)، والصفات الإنسانية حملها قابيل فكان رده على أخيه بمقتضى هذه الصفات الراقية : (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) (30 و 31 من سورة المائدة)

ومن هنا نستطيع بشيء من الخيال غير المبني على الإثباتات أن نبني على هذه الرؤية بأننا كلنا ننحدر من أب أو أم يحمل أو يحملان صفاتاً إنسانية راقية وأخرى بشرية منحدرة. فمن غلبت صفاته الإنسانية كان مطواعاً للقيم الأخلاقية ممتثلاً للرقي والمحبة والرحمة، ومن غلبته صفاته البشرية كان مائلاً لسوء الأخلاق وزرع الأحقاد والفتن.

هل من قبيل الصدفة أن افترض سيجموند فرويد في عام 1932م ثلاث تقسيمات للعقل الواعي واللاواعي وتسمى “النظرية البنيوية” أو (Structural Theory) . يقول فرويد أن هناك ثلاثة حالات للنفس البشرية وأن شخصية الفرد هي نتاج لتفاعل هذه الحالات الثلاث . أولا، حالة ال(super ego) وهي حالة الملاك والمثال والخير والاخلاق وتحاول  هذه الحالة أن تسمو الى عالم المثل والمباديء والإيثار والقيم السامية. الحالة الثانية  هي حالة (id) وهي حالة غرائزية شهوانية أقرب للطبيعة الحيوانية تحب التملك وتريد الاستحواذ على كل الاشياء. تقع بين هاتين الحالتين النفس البشرية ذاتها (ego) وهي تشكل حالة التأرجح بين حالة (id) الشيطان أو الشر وحالة (super ego) الرحمن أو الخير.

تبقى النقطة الأخيرة التي كان من المفترض أن أبتدأ بها ولكني آثرت أن أبقيها إلى النهاية وهي تتعلق بشرط المخاطب وأعني بها شرط أن يكون المخاطب عاقلا مقتدراً على الإستيعاب والتفكر والتدبر ثم الإستجابة. السؤال الذي نطرحه في هذا المجال : خاطب الله في القرآن الكريم :

  • آدم ( يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة) البقرة 35  ،
  • بني آدم ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان…) الأعراف 27،
  • الإنسان (يا أهل الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) الإنفطار 6 ،
  • الناس ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى…) 13 الحجرات،
  • المؤمنون ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام…) البقرة 183 ،
  • الكافرون ( قل يا أيها الكافرون) 1 الكافرون،

 ولكنه لم يخاطب مرة واحدة البشر. ألا يستدعي ذلك إثارة السؤال عن سبب عدم مخاطبتهم، أليس الجواب على ذلك بأن البشر لم يكونوا مكلفين وغير مكتملي العقل والنضوج ؟

هذا التفسير سبقني إليه علماء ومفكرين مسلمين معروفين، أضفت إليه ما سكتوا عنه، واعتقدت به ما دام متوافقاً مع القرآن الكريم، ولما أبدته لي أريحيتي الذهنية لقبوله والإطمئنان إليه، فإن وفقت به فهو بمشيئة الله وإن أخطأت به فهو من ضعفي ووهني، وليعذرني من لم يجد في ما قلته مصداقية لما يعتقده ويدين به.

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare