مدونة

العائلة والزواج المختلط

الزواج المختلط
مدونتي

العائلة والزواج المختلط

ينظر الإسلام إلى الزواج بأنه عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والمحافظة على النسل. وهو لذلك يعتبر مثل باقي العقود المدنية الرضائية وإن اختلف عنها لارتباطه بمعان دينية تحث على فعله منذ لحظة نشأته وتحذر من إنهائه دون منعه وتحريمه. ومن أجل التأكيد على مدنية العقد اشترط الفقهاء تبادل الإيجاب والقبول وحضور الشهود أو الإعلان والإشهار كشرطان أساسيان لانعقاد الزواج، ولم يشترط البتة حضور عالم الدين الا باعتباره موثقاً قد يقوم غيره مقامه، بل ولا يشترط أن يكون مجري العقد مسلماً أصلاً بل يكفي أن يكون عالماً بصيغة الإيجاب والقبول وشروط انعقاد الزواج واستيفاء الشهود للشروط المطلوبة. ولم يشترط أيضاً تحديد مكان انعقاده بمسجد أو بسائر أماكن العبادة. وباعتباره عقداً مدنيا أجاز الفقهاء إدخال ما يراه الطرفان في عقد الزواج من شروط مادية ومعنوية تمنح كل واحدا منهما أو أحدهما حقوقاُ وتلزم الآخر بواجبات على ألا يخالف مضمونها مقتضيات الشرع الحنيف. ومن مظاهره الدينية الإهتمام الدقيق الذي أولاه المشرع لأكثرأحكامه مثل اشتراط شروط معينة في الزوج والزوجة من ناحية الإنتماء الديني لكل منهما، وتربية أفراد الأسرة على قيم الدين والأخلاق وهو الذي يعنينا هنا في مجال هذه المداخلة.
ولغلبة الطابع الديني على تنشئة الأسرة، وضع الفقهاء أحكاماً شرعية فيما يخص زواج المسلمين بمن خالفهم في الدين والمعتقد. وقبل التحدث عن هذه الأحكام لا بد من التوضيح في معرض الدراسة المقارنة بين الشريعة الإسلامية والأديان الأخرى والقوانين الوضعية غير المستمدة من مصادر دينية، بأن طبيعة الفكر التشريعي الإسلامي مبنية على التعددية في الآراء الفقهية للمسألة الواحدة، فليس هناك حكم واحد غير قابل للإجتهاد وإعمال الرأي المخالف فيه، بل أن هناك آراء فقهية متعددة ومتفارقة مستنبطة كل منها من الأدلة النصية الموحى بها أو مما ترجح لدى فقهاء هذا الرأي من اعتبارات عقلية تستند الى مصادر غير موحى بها مثل القياس والإستحسان والمصالح والأعراف الصحيحة . فليس هناك في الإسلام هيئة تشريعية واحدة تصدر أحكاماً معصومة عن الخطأ وغير قابلة للنظر على ضوء الإجتهادات الفقهية الأخرى، وليس هناك بالتالي رأيا واحداً ملزماً للحاكم في الأخذ به على وجه الإطلاق والاستمرارية، فالراجح من الآراء الفقهية لا يلغي المرجوح بأي حال من الأحوال، إلا إذا كان الحكم مجمعاً عليه ولم يخالفه مجتهدون معتبرون.

في موضوعنا عن زواج المسلمين بمن خالفهم في الدين والمعتقد ، نقول بأن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة على آراء عديدة، وفق ما إذا كان هذا المعتقد الديني موحى به من عند الله، ووفق ما إذا كان هذا الشخص مقيماً في بلاد إسلامية أو غير إسلامية، ووفق ما إذا كان هذا الشخص هو الزوج أو الزوجة .

 الزواج من غير المسلم والمسلمة

  1. 1. زواج المسلم بمن ليس لديها دين سماوي

ويستوي في هذه المسألة إذا كان من يريد الزواج هو الرجل المسلم أو المرأة المسلمة فلا يجوز لهما بإجماع الآراء الفقهية الزواج ممن ليس لها أو ليس له دين سماوي ابتداء، ولا أن يمسك الزوج زوجته في حال علم بعد ذلك أنها لا تؤمن بأي دين سماوي. جاء في القرآن الكر يم : ” ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن  خير من مشرك ولو أعجبكم”  (البقرة: ٢٢١) وقد ذكر الفقهاء بأن هذا التحريم جاء ليحقق المفاضلة بين المؤمنين وأعدائهم من عبدة الأوثان الذين كانوا في حرب معهم وذلك بهدف تكوين نواة للأمة المؤمنة وهي الأسرة، لأن النواة الفاسدة تثمر نباتا فاسدا ومن جهة أخرى جاء ليؤكد الولاء بين المسلمين وتقويتهم على أساس تكوين هذه الأسرة على قواعد الإيمان والحرص على عدم التفكك الأسري الناشئ عن التنازع بين أفراد الأسرة الواحدة في مناصرة المشركين على المسلمين. قال ابن قدامة : ” وسائر الكفار غير أهل الكتاب، كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم. وكذلك الأمر إذا خرجت الزوجة الكتابية عن دينها إلى عبادة الأوثان، صار حكمها حكم الوثنية، لا يجوز زواجها للمسلم، وإن ادعت أنها من أهل الكتاب، وكذلك إذا ألحدت، فأنكرت الدين مطلقا.

  1. 2. زواج المسلم بالمسيحية والكتابية المقيمة في بلد ذي غالبية مسلمة :

اختلف العلماء في حكم زواج المسلم بالمسيحية والكتابية المقيمة في بلد ذي غالبية مسلمة إلى رأيين :

المذهب الأول : وهو مذهب الغالبية من الفقهاء : ومنهم الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية السنية : وهو إباحية زواج المسلم بالمسيحية و الكتابية المقيمة في بلد ذي غالبية إسلامية. وقد استدلوا بالقرآن الكريم وبالأثر المنقول عن الصحابة  وبالأدلة العقلية :

  • أما القرآن الكريم : فما جاء في سورة المائدة : ” اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم” المائدة : ٥ ولا يستدل بما جاء في سورة البقرة التي سبق ذكرها، وذلك لوجهين : لأن ما جاء في سورة المائدة مخصص لما جاء في سورة البقرة  وهي متأخرة عنها في النزول، ولأن لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب.

 

  • وأما الأثر فما ورد في زواج كبار الصحابة من الكتابيات، منهم طلحة بن عبيد الله، وحذيفة بن اليمان، والخليفة الثالث عثمان بن عفان.

 

  • وأما الدليل العقلي، فلأن الكتابية تؤمن بالله وبما انزله الله على أنبياءه من وحي وتؤمن باليوم الآخر والرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر.

المذهب الثاني : كراهة زواج المسلم بالكتابية المقيمة في بلد ذي غالبية مسلمة : واشتهر هذا المذهب عن الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. واشتهر عنه بانه يقول بالتحريم إلا أنه يحمل قوله كما هو مشهور على الكراهة فقط. وقد استدل القائلون بهذا المذهب بما جاء في القرآن الكريم في سورة البقرة التي سبق ذكرها وليس على العكس والتي تحرم زواج المسلم من المشركات، حيث اعتبر بأن هذه الآية ناسخة للآيات التي جاءت في سورة المائدة والتي تبيح زواج المسلمين من الكتابيات. إلا أنه يشكل على هذا الراي عمل عامة الصحابة والتابعين بعدهم بحكم آية المائدة، وزواجهم من الكتابيات إذ لو كانت منسوخة لكان عمل عامة المسلمين على خلافها، وهذا بعيد. ولهذا قال ابن حيان – بعد ذكره ما تقدم : “ويجوز نكاح الكتابيات، قاله جمهور الصحابة والتابعين: عمر وعثمان وجابر وطلحة وحذيفة، وعطاء وابن المسيب والحسن وطاووس وابن جبير والزهري، وبه قال الشافعي، وعامة أهل المدينة والكوفة. قيل أجمع علماء الأمصار على جواز تزويج الكتابيات، غير أن مالكا وابن حنبل كرها ذلك مع وجود المسلمات والقدرة على الزواج بهن …”

وقد روي ما نقله ابن جرير عن قول عمر بن الخطاب بالجواز، فروى بسنده عن زيد ابن وهب، قال: قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية. ثم قال – ابن جرير: وإنما كرهه لما قام به بعض الصحابة كطلحة وحذيفة الذين تزوجوا بالكتابيات، خشية أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات.

فهذه الرواية تدل على أن غاية ما قصده عمربن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر وابن عباس، هي الكراهة، ولم يريدا التحريم، ومما يؤكد ذلك بأن محبة الزوج لامرأته، هي من نوع المحبة الطبيعية التي لا تدخل في المحبة المنهي عنها وحكم امرأته الكتابية التي أحلها الله له، كحكم أمه وأبيه وأقاربه غير المسلمين ، الذين قال الله تعالى فيهم في القرآن الكريم : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ويخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين”   الممتحنة: ٨  (والبر المقصود في هذه الآية هو الصلة الدنيوية.(

  1. 3. زواج المسلم بالمسيحية أو الكتابية المقيمة في دولة ليست فيها غالبية إسلامية :

صرحت معظم كتب المذاهب الفقهية بكراهة الزواج بالكتابية المقيمة في دولة ليست بها غالبية اسلامية، إلا أن بعضهم فسروا الكراهة بكراهة التحريم، وبعضهم فسروها بكراهة التنزيه الذي لا يصل الى مرتبة التحريم. ويبدو بأن المذهب الحنبلي هو أكثر المذاهب صراحة في تحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب، بل لا يبيح له وطء امرأته المسلمة في دار الحرب إلا للضرورة، مع توقي إنجاب الولد. ويلي المذهب الحنبلي في الصراحة بالكراهة التحريمية المذهب الحنفي.  قال السرخسي: ” بلغنا عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه سئل عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب؟ فكره ذلك. وسبب الكراهة ما ذكره الفقهاء من الخشية في إقامة الزوج في بلاد غير اسلامية وتطبعه وأفراد أسرته بعادات مخالفة لعقيدة المسلمين. ورجح الفقيه الحنفي ابن عابدين رحمه الله أن تكون الكراهة هنا كراهة تحريمية، وليست كراهة تنزيهية لافتتاح باب الفتنة، من إمكان التعليق المستدعي للمقام معها في دار الحرب.
وقال في الشرح الصغير – في المذهب المالكي – ” وتأكد الكره – أي الكراهة – إن تزوجها بدار الحرب، لأن لها قوة بها لم تكن بدار الإسلام، فربما ربت ولده على دينها، ولم تبال باطلاع أبيه على ذلك وقال النووي رحمه الله : “وتحل كتابية، ولكن تكره حربية”.

  1. زواج المسلمة من غير المسلم :

أجمع الفقهاء بحرمة زواج المسلمة من غير المسلم لعموم الآيات القرآنية التي تحرم هذا الزواج ولإجماع الآمة في كل العصور على حرمة أن تتزوج المرأة المسلمة من غير مسلم. والسبب في ذلك هو اعتراف الإسلام بكل الشرائع السماوية وباحترامه لها وتبجيله للأنبياء الذي أرسلهم الله بينهم، في حين أن غير المسلم لا يعترف بالإسلام ديناً باعتباره لاحقا على الأديان التي سبقته.
وقد شذ عن إجماع الفقهاء رأي لمرجعيتين اسلاميتين هما الشيخ عبد الله العلايلي والشيخ د. حسن الترابي، بل واعتبرها الشيخ عبد الله العلايلي رغم كونها مسألة فقهية إلا أنها تؤول بدورها الى مشكلة وطنية تشكل عقبة دون التآخي الوطني الأكمل. وقد استند العلايلي والترابي في أدلتهما على ان التعبير بكلمة المشرك في الآية من سورة البقرة التي سبق ذكرها : “ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن  خير من مشرك ولو أعجبكم”  لا يقصد بها المسيحي ولا اليهودي باعتبار ان النص القرآني ذكرهما بأنهما أهل كتاب، وأن كلمة “خير” مفادها التفضيل وليس الحكم، وإن قيل عكس ذلك لاقتضى أيضاً تحريم زواج المسلم من الكتابية، وهذا لم يقل به إجماع الفقهاء. غير أن الشيخ عبد الله العلايلي يختتم قوله بأن رأيه هو في مجال إبراز الحكم الشرعي وليس على صعيد الورع الذي يقتضي الطمأنينة النفسية والراحة القلبية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في حال زواج المسلمة بغير مسلم : هل تعتبر الزوجة مرتدة عن الإسلام ؟ في دعوى طعن في حجة حصر أرث عرضت أمام غرفتي في محكمة بيروت الشرعية لأختين تزوجتا كنسياً من شقيقين مسيحيين، ولم تشاءا اعتناق الديانة المسيحية، وبقيتا على دينهما الإسلامي وعند موت والدهما رفع شقيقهما دعوى لحرمانهما من ميراث أبيهما، بدعوى أنهما بزواجهما الكنسي مع غير مسلميْن إرتدتا عن الإسلام ولا تستحقان حصتهما من ميراث والدهما. وفي خلال جلسات المحاكمة أصرت الشقيقتان على أنهما لم يتخليا عن دين الإسلام وأنهما ما زالتا تقيمان الصلوات وتقرآن القرآن وتصومان رمضان، وأنهما تزوجتا في ظروف الحرب الأهلية وتعلمان حرمة زواج المسلمة من غير مسلم دون أن تنكرا هذه الحرمة ، وبعد المداولة قررت رد الدعوى المقامة ضدهما باعتبارهما مازالتا مسلمتين وأنهما تستحقان حصتهما من ميراث أبيهما، وقد صدّق هذا الحكم استئنافاً، حيث جاء في حيثياته أن الحكم المستأنف واقع في محله الشرعي والقانوني ويتحتم تصديقه، وذلك لأنه ليس في المتون والمعتبرات أو كتب المذهب ولا في القرآن الكريم أو السنة النبوية نص يكفر المرأة المسلمة التي تتزوج بغير المسلم، ولأن المادة 58 من قانون حقوق العائلة باعتباره قانوناً عاماً لئن صرحت بأن زواج غير المسلم بالمسلمة باطل، فهي لم تصرح بكفر المسلمة التي تتزوج بغير المسلم، لذلك فقد قررت المحكمة العليا الإستئنافية بإجماع الآراء قبول الإستئناف شكلاً ورده أساساً وتصديق الحكم المستأنف.  غير أن المسلمة التي تزوجت كنسيا ولم تعتنق المسيحية فحكمها أنها مسلمة عاصية خالفت شرع الله تعالى ولم تتبع ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وما جاء به إجماع العلماء.
حقوق الزوجة غير المسلمة وحضانة الأولاد
للزوجة غير المسلمة نفس الحقوق والواجبات التي تعطى للزوجة المسلمة باستثناء حقها في الميراث، كما سنبينه فيما بعد. من هذه الحقوق حقها في المحافظة على عقيدتها ودينها دون أن يمس الزوج بهذا الإنتماء ويكرهها على اعتناق الدين الإسلامي، إذ لا إكراه مطلقا في الدين. ومن حقها قبض مهرها والنص عليه في عقد زواجها، ومن الواجبات أن تستأذن وليها عند زواجها – الا عند الفقهاء الذين يجيزون زواج المرأة نفسها بنفسها – فحينئذٍ لا تحتاج إلى موافقة وليها. وعلى القاضي وفق المذاهب الأخرى وهو الذي يتبع في لبنان في المحاكم الشرعية السنية أن يتحقق من ذلك ويشترط حضور وموافقة وليها أثناء عقد الزواج، فإن تمنع أبلغه قضائيا بموضوع زواجها فإن رفض إعطائها الموافقة، نظر القاضي في أسباب هذا الرفض فإن كانت مقنعة امتنع القاضي عن إجراء عقد الزواج. كما يمكن للزوجة المسلمة أن تحضر شهوداً من طائفتها في عقد زواجها.
أخذا بالاعتبار أن استقرار الحياة الزوجية يتأتى بحرص الزوج على شعور زوجته وانتماءها الديني فإن الشريعة الإسلامية ألزمت الزوج بأن لا يجرح معتقدها ولا شعائرها الدينية ويلتزم بتمكينها من أداء كافة شعائرها وطقوسها الدينية، كما ألزمه بعض الفقهاء بحقها في الإحتفاظ بصليبها وإدخاله معها في بيتها الزوجي كما يلزم زوجها في تأمين وصولها الى الكنيسة للصلاة وانتظارها في أوقات الفتن وعدم استتباب الأمن وإعادتها الى منزلهما. كما منعته الشريعة من معارضتها في نوعية وطريقة أكلها وشربها دون السكر. ونظراً لما هو معروف بأن الرجل بطبيعته أسرع الى التطاول على زوجته عند الغضب والخصام اللذين يكادا أن لا يخلو منهما أي منزل زوجي، فيخشى أن يحتدم هذا الخصام ويندفع من حيث لا يشعر الزوج الى التلفظ بكلمات تجرح شعور زوجته. فإذا كان من أهم ما تحرص عليه الزوجة ان لا تجرح في شعورها الديني ومقدساتها العقائدية، فكان لا بد من إيجاد الضمانات التي تحول دون هذا التجريح بمعتقدات الآخر. ولما كان في صلب عقيدة المسلم الإيمان بأصل دينها فهو محظور عليه أن يجرح شعورها الديني بسب أو احتقار وإن لجأت الزوجة الى القضاء لهذه الأسباب زجره القاضي وعاقبه وإلا فيحكم لها القاضي بتفريقها عن زوجها إن أرادت مع احتفاظها بحقوقها المالية، وحقها في حضانة أولادها إذا كانوا في سن حضانة الأم، وكذلك حقها في نفقة العدة وإجرة الحضانة بما فيها تأمين المسكن لها ولأولادها إلى بلوغهم السن القانونية للحضانة.
كما ألزم الزوج بتشجيعها على المحافظة على صلة رحمها وصلتهم لها وصلته الطيبة بهم أيضاً، وإقامة العلاقات الاجتماعية مع أفراد المجتمع من دون أن تحد حريتها في ذلك إلا وفق ما تمليه الضوابط الشرعية، إضافة إلى كامل حقوقها الاقتصادية أي حريتها في التصرف في مالها باعتبار أن لها ذمة مالية مستقلة كالرجل، كما تتضمن هذه الحقوق حق الزوجة في التعليم وفي كل ما يتعلق بالنواحي العلمية والتربوية.
ومن ضمن الحقوق التي أعطتها الشريعة الى الزوجة غير المسلمة حقها في حضانة أولادها، إلى أن يعقلوا ديناً أو يخشى عليهم أن يألفوا غير دين الإسلام، فيسلّموا بعد بلوغهم هذه السن الى أبيهم. غير أن الشريعة لا تعتبر السن معيارًا مقدسًا للحكم، وإنما مصلحة الصغير هي مدار الحكم، ففي حكم بدائي أصدر القاضي الشرعي في بيروت حكمه بإلزام الزوجة غير المسلمة – وفق إخراج قيدها – بتسليم ابنتها التي بلغت السن القانونية للحضانة إلى ابيها المسلم فتقدمت الزوجة بطعن أمام محكمة الإستئناف الشرعية العليا بعلة أن الزوج غير أهل لتسليمه البنت وأنه يسكن وحده وغير مؤتمن عليها، فقررت محكمة الإستئناف العليا فسخ الحكم البدائي والحكم بانتهاء حضانة المستأنفة لتجاوز ابنتها سن الحضانة وإبقاءها تحت رعاية أمها المستأنفة لما في ذلك من مصلحة للبنت حتى بلوغها السن الشرعية خاصة وأن البنت أصبحت في سن بحاجة ماسة فيه للنساء.
غير أن الشريعة لم تعط للزوجة بإجماع الفقهاء حق في ميراث زوجها، ولكنها تستوفي مؤجل مهرها من هذا المال ويقدم على حقوق الورثة باعتباره ديناً ممتازاً. إضافة إلى أن الشريعة لم تمنع عنها الوصية والتي يجب ألا تتجاوز ثلث مال زوجها، بل ويُكتب له في ذلك أجرُ الصدقة إذا قصد به الإحسان والمعروف لوجه الله تعالى. وهنا أيضاً تستوفي حقها في الوصية قبل حقوق باقي الورثة. في مجال آخر أعطت الشريعة زوجها الحق في إعطائها كل ماله أو قسماً منه في حياته على سبيل الهبة.
هذا المنع من التوارث يسري أيضاً على الزوج المسلم فهو لا يرث زوجته غير المسلمة، وهذا المنع مجمع عليه بين الفقهاء وهو المعمول به في كافة المحاكم الشرعية، إلا أن هناك رأي ضعيف يروى عن الصحابي معاذ بن جبل ومعاوية بن أبى سفيان وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعى ومحمد ابن الحنفية وإسحاق بن راهويه فهم يرون أن المسلم يرث غير المسلم بسبب الزوجية أو القرابة.
ومما استقر العمل عليه في لبنان وفي معظم بلاد العالم غير العلمانية بأن الأولاد يتبعون ديانة أبيهم، وقد نصت على ذلك المادة 124 من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا بأن الأولاد الذين يولدون للمسلم من الكتابية ذكوراً كانوا أو إناثاً يتبعون دينه. وليس في ذلك إساءة للدين الآخر من الناحية الإسلامية حيث يؤمن المسلم بالمسيحية واليهودية ويحترم أنبيائهما ويعتبر أن الإنجيل والتوراة فيهما هدى ونور ورحمة للذين يتقون الله، جاء في القرآن الكريم : ” وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين” (المائدة 46) ويقول عن التوراة : “إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور” (المائدة 42)، وأن تربية الأولاد على هذه الطريقة ليس فيه إجحاف بحق والدتهم غير المسلمة لما سبق وذكرناه من حقوقها على زوجها وخاصة أن الأولاد يتربون في كنف عائلة مستقرة حيث يشاهدون والديهما يمارسان ديانتهما بطريقتين مختلفتين بكل احترام ودون أن يمس كل واحد منهما عقيدة الآخر، فيسمعون ما يتلوه الزوج من القرآن وما يقوم به من صلوات يومية ويسمعون الزوجة ما تتلوه من إنجيل وما تقرأه من صلوات وما تتبعه من شعائر دينية ، فتتكون لدى الأولاد ملكة فكرية وشعورية راقية جدا ومنفتحة على العالم وعلى الديانات.
وأما المشكلة التي تطرأ على العائلة المتحدرة من زواج مختلط فهي عندما لا يحترم أحد الأبوين الإختلافات العقائدية والدينية فيبادر أحدهما أو كلاهما إلى الإستهزاء بعقيدة الآخر أو يمنعه من ممارسة طقوسه الدينية أو يسيء اليه في فترات صومه وانقطاعه عن الأكل، أو يمنع عنه الزيارات العائلية أو يسيء إلى آداب الضيافة عند زيارة أهل كل منهما إليهم. هذه الأخطاء المسلكية يقع بها الزوجان على حد سواء، بيد أنه على الزوجة أن تعلم بأنها عند قبولها بالإرتباط مع زوجها المختلف عنها دينياً بأن تربية الأولاد الدينية تتبع الأب، وبالمقابل يتعين على الزوج المسلم الإحترام الكامل لمعتقد زوجته وتربية أولاده على هذا الإحترام وأن يكون أحرص منها على إدخال السعادة الى قلبها حيث أنها تركت ذويها ومجتمعها للإلتحاق بزوجها، كما عليه أن يكون أحرص منها في المحافظة على صلتها بأهلها وأقربائها ومساعدتهم والإحسان اليهم.

إشكالية تغيير الدين لمحاولة إنهاء الزواج المختلط
مما يؤسف له في قضايا الزواج المختلط التي ترد الى المحاكم الشرعية عدم وجود إرشادات مسبقة ترشد أصحاب العلاقة إلى واجبات الزوج المسلم وحقوق الزوجة غير المسلمة والى خصوصية هذا الزواج والأحكام الفقهية المتعلقة به، وإنما يترك إلى القاضي القيام بذلك. ولا شك بأن هذا الإجراء في حال حصوله يعود بالنفع الى كلا الزوجين ويحول دون وقوع مشاكل مستقبلية متعلقة بالدين أو بتربية الأولاد ونشأتهم في أسرة متعددة الإنتماء الديني ، وترشدهم إلى ترسيخ قواعد الإحترام المتبادل بين هذين المعتقدين وتضيء لهم الجوانب المشرقة في كلا الديانتين السماويتين والقواسم العديدة المشتركة بينهما.
وأما في حالات الطلاق التي ترد الى المحاكم الشرعية بعد اعتناق الزوج أو الزوجة الإسلام، فتعود إلى حرية القاضي بالنظر في هذه المسألة أو رفضها بداعي عدم الإختصاص، وفي حال البت بها ومخالفته لصلاحية محكمة الزوج التي أجرت الزواج فإن دوائر الأحوال الشخصية لا تنفذ هذا الطلاق وخاصة إذا كان الطلاق قد وقع من قبل الزوجة التي اعتنقت الإسلام. وفي حال اعتناق كلا الطرفين الإسلام فإن المحكمة الشرعية تحكم بقضايا طلاقهما وفقاً للقوانين المرعية الإجراء بهذا الخصوص.
وهذا ما يستدعي معرفة النصوص القانونية التي أعطت القضاء المدني عبر هيئة التمييز صلاحية التصدي للتجاوز على اختصاص القضاء الديني بتغيير العناصر الشخصية في العلاقة عن طريق تبديل الدين. هذه النصوص هي :

  1. المادة 23 من القرار 60 ل ر تاريخ 13 آذار 1936 والتي تنص على ما يأتي :

إذا ترك أحد الزوجين طائفته بقي الزواج والصكوك المتعلقة بنظام الأحوال الشخصية خاضعة للقانون الذي احتفل بموجبه بالزواج أو تمت أو عقدت وفقاً له هذه الصكوك.
أما إذا ترك الزوجان طائفتهما فيكون زواجهما وكذلك الصكوك او الموجبات المتعلقة بالأحوال الشخصية تابعة لقانون نظامهما الجديد ابتداء من التاريخ الذي قيد فيه تركهما لطائفتهما في سجلات الأحوال الشخصية. على أنه لا يمكن في هذه الحالة أن تنزع عن الأولاد صفة الأولاد الشرعيين بمجرد ترك الأبوان طائفتهما .

  1. المادة 14 من قانون 2 نيسان 1951 نصت على مايأتي :

إن السلطة المذهبية الصالحة للحكم في عقد الزواج ونتائجه إنما هي السلطة التي يكون عقد لديها الزواج وفقاً للأصول بموجب قواعد الصلاحية المعينة في المادة 15 بشأن الزيجات المختلطة وبحال وجود عقدين صحيحين أو أكثر، فالسلطة المختصة هي التي عقد لديها العقد الأول. وبحال وجود عقدين أو أكثر أحدهما فقط موافق للأصول الواردة فيما يلي فالسلطة المختصة هي التي أجري لديها العقد الصحيح.
لقد أعمل القضاء اللبناني هذه النصوص فيما تعلق بعقود الزواج وآثارها. حيث رأى عدم اعطاء تغيير أحد الزوجين لدينه أو مذهبه أي انعكاس على صلاحية الحكم في ذلك العقد، فيبقى الإختصاص للمحكمة الدينية التابعة للطائفة التي أبرمت عقد الزواج الأول وفي ذلك اجتهاد مستمر. ومن ذلك القرار الصادر عن محكمة التمييز الجزائية غرفتها الثالثة أساس 23/94 رقم 79 تاريخ 15/4/1994 والذي صدق القرار الصادر عن محكمة استئناف البقاع الناظرة في القضايا الجنائية تاريخ 5 كانون الأول 1991 والذي قضى بأن المسيحي الذي أصبح مسلماً بتغيير دينه من طرف واحد وتزوج ثانية وكذلك زوجته الثانية التي ارتضت بهذا الزواج قد ارتكبا احدى الجرائم الجنحية المتعلقة بالزواج مما يستوجب عقوبة الحبس عملاً بأحكام المادة 485 من قانون العقوبات.
وأما فيما يتعلق بتغيير الدين من قبل الفرقاء المرتبطين بالعلاقة جميعاً، فالقانون الجديد هو الذي يحكم الاثار التي تنشأ عن العلاقة بعد ذلك التغيير، دون الإخلال بما يمكن أن ينطوي عليه هذا التغيير من تحايل فلا تترتب حينئذ آثار هذا التغيير إذ لا يجوز أن يستفيد المرء من غشه، ولكن دون أن يحكم القضاء المدني بإبطاله إذ لا يملك هذا الإختصاص ، وإنما الذي يملكه هو تعطيل أثر التحايل وليس تجاوز وسيلة التحايل وهي تغيير الدين أو المذهب التي تبقى قائمة. وقد خلصت محكمة التمييز في غرفتها الأولى رقم 82 تاريخ 29 ايلول 1955 بأنه إذا ثبت أن ترك الزوجين لطائفتهما كان نتيجة التواطؤ وغايته الإخلال بقواعد النظام العام وتحويل صلاحية المحاكم الروحية الى سواها، فإن اعتناقهما للمذهب الجديد لم يكن والحالة هذه عن اقتناع وانما كان تحايلاً على القانون بقصد التخلص من صلاحية المحكمة الروحية التي هي القضاء الطبيعي للزوجين.
ولذلك قررت هيئة التمييز عدم ترتيب النتائج التي سعى اليها الزوجان بتغييرهما لطائفتهما واعتبار ان المحكمة التي حاول الزوجان تجاوز صلاحيتها بإرادة مصطنعة هي المحكمة المختصة ويكون الحكم الذي أصدرته هو وحده القابل للتنفيذ.
ولكن المشكلة تكمن في مثل هذه القضايا بإثبات التحايل ، لذلك ذهبت محكمة التمييز في قرارات أخرى رغم تكريسها للمبدأ إلى تعذر ذلك الإثبات لأنه يتطلب التحري عن النوايا وصحة الإعتقاد والتدخل في مسائل قائمة بين الإنسان وضميره أو بين الإنسان وربه، فلم يكن بإمكان محكمة التمييز :

  1. أن تعتبر أن تغيير الزوجين لطائفتهما أو مذ هبهما يشكل تحايلا على القانون لأنه يتعذر على المحاكم المدنية الغوص في هذه المسائل العقائدية والروحية القائمة بين الإنسان وضميره
  2. أن تعتبر بأن الدستور كفل حرية المعتقد – كذلك حرية تغييره
  3. وعلى فرض أن هناك تحايلاً فإن الزوجين أقدما عليه معاً ولا يسع أحدهما أن يعيب على الآخر ما اشترك هو نفسه بصنعه.

ويمكننا في النهاية استخلاص مبدأ أساسي وهو أنه ينبغي على المجتمعات القائمة على التعددية الطائفية أن تحترم خصوصيات كل دين وكل طائفة، وذلك لا يتأتى بالفصل بين الدين وقضاءه وإنما بتطويع القضاء لما هو أساسي وجوهري في كل دين، دون الإخلال بحق الأفراد في اختيار معتقدهم الديني بكل صدق وإخلاص وبعد عن الأنانية وتحقيق مآرب شخصية وآنية. وفوق كل هذا وذلك ما يتعين على هؤلاء الأفراد من وفاء لما قطعوه على أنفسهم واتجاه غيرهم من عهود ومواثيق.   جاء في القرآن الكريم : (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا)

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare