مدونة

ليس بالحوار الديني وحده ننمي روابطنا الإسلامية-المسيحية

اسلام مسيحية حوار غير ديني (3)
مدونتي

ليس بالحوار الديني وحده ننمي روابطنا الإسلامية-المسيحية

في مجال تحقيق الأهداف المشتركة تحمل الديانتان السماويتان الإسلام والمسيحية في طياتهما آمال مستقبل واعد في التعاون ليس في مجال الحوار الديني فقط وإنما أيضاً في مجال البيئة والاجتماع والاقتصاد ليتعداهم الى كل مجالات الحياة الإنسانية. جاء في القرآن الكريم : ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”

فعالمنا اليوم هو بأشد حاجة الى هذا التعاون المشترك بين أكبر ديانتين في العالم، فالجشع الذي أصاب كثيراً من الناس ممن يسعون الى الربح السهل، والأنانية المقيتة التي أبعدت افراد المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، والفردية السلبية التي شجعها التقدم الحضاري المادي على حساب الإنفتاح وتقوية الروابط الإنسانية، والعشوائية التي تستأثر بالموارد الطبيعية دون الإهتمام بالبيئة والنظر بالأضرار الناجمة عنها، كل ذلك ينذر بعواقب سيئة جداً يعود ضررها على كافة الناس وفي كل المجتمعات التي تعيش على كرتنا الأرضية.

   لا بد للمجتمعات المؤمنة بهاتين الديانتين السماويتين من التعاون معاً من أجل إرساء قواعد مشتركة تجيب عن هذه المخاوف وتحد من هذه الآفات التي تصيب المجتمعات والمؤسسات والأفراد وتعطي الحلول العادلة المستقاة من القواعد الدينية ومن قيم الأخلاق.

فالأسس الإسلامية قائمة على أساس “الكلمة السواء” التي ينبغي لها أن تجمع بين أتباع الأديان السماوية الثلاثة. هذه الكلمة تنطلق من الجانب الإسلامي من مدلول الخطاب القرآني لأتباع هذه الديانات: ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ” ، وقال أيضاً : ” وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ” و أيضاً خطابه إلى المسلمين كافة : ” ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”.

وتنطلق من الجانب المسيحي من مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي ينص : “على أن الكنيسة تنظر بعين الإعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأحد الحي القيوم الرحمن القدير فاطر السموات” وتستكمل مع البيان اللاهوتي الذي قدمه المستشرق الفرنسي لويه غارديه بعنوان نحو حوار مع المسلمين سنة 1966 وهو البيان الذي تبع المجمع الفاتيكاني الثاني. وقد أشار فيه إلى ضرورة دعوة المسلمين والمسيحيين إلى استبعاد الأفكار الزائفة وإزالة أسباب سوء التفاهم التي حملها المسلمون عن المسيحيين وحملها المسيحيون عن المسلمين، ثم تناول موضوع عظمة وسمو الله تعالى والعلاقة بين الله والإنسان وبين الله والعالم، ثم أثار موضوع المفاهيم والقيم الفلسفية الأخلاقية عند المسلمين، ثم تحدث أخيراً عن الموقف الديني الإيجابي الذي يجب أن يتبناه المسيحيون في الحوار مع المسلمين.

وتستكمل أيضاً مع الكتاب الذي أصدره الفاتيكان سنة 1975 بعنوان إرشادات وتوجيهات من أجل حوار بين المسلمين والمسيحيين ، وقد أشار فيه الكتاب إلى ضرورة قبول المسلم كما يريد أن يكون وإلى ضرورة معرفة قيم الإسلام والإنجازات الدنيوية التي قدمها إلى البشرية ، وشدد على ضرورة اعتبار الإسلام عقيدة دينية ذات قيم روحية سامية، ثم أرشد إلى الطريقة التي يجب ان يتبعها المسيحي عند التحدث عن القرآن الكريم وعن الأنبياء المرسلين، دون أن ننسى مؤخراً مقررات سينودوس أساقفة الشرق الأوسط الأخير الذي عقد من الفترة من10 – 24 أكتوبر/تشرين الأوّل 2010 والذي دعا فيه الاديان الى الاضطلاع بمسؤولياتها لتعزيز حوار الثقافات والحضارات في منطقتنا وفي العالم اجمع، وإلى ضرورة التركيز على حوار الحياة بين المسلمين والمسيحيين.

من الناحية العملية تستكمل النظرة الإسلامية مع مبدأ الأنفعية في المجتمع انطلاقاً مما ذكره نبي الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أن : “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس” باعتبار أن محبة الله للناس لا تعطى في المقام الأول للمكثرين المخلصين في عبادته بقدر ما تعطى للمكثرين المخلصين بأنفعيتهم للناس، وهي تلتقي أيضاً مع كلام آخر للرسول محمد صلى الله عليه وسلم : “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم” أو ” كفضل القمر على سائر الكواكب ( من حيث أن القمر يعكس نور الشمس على الأرض فيستفيد به أهل الأرض جميعاً وكذلك العالم يستفيد بعلمه كافة الناس، أما العابد فلا يفيد إلا نفسه )”. و”إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير”. وفي سياق هذه الأحاديث النبوية ذُكِرَ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم رجل يصوم النهار ويقوم الليل وقد انقطع للعبادة، فقال : ” من ينفق عليه ؟” قيل : أخوه، قال : ” أخوه خير منه”

فالخيرية التامة الإكتمال من وجهة النظر الإسلامية تتحقق في كل ما يقوم به مطلق إنسان مؤمن بربه وباليوم الآخر من أعمال صالحة تعم فائدتها على بني البشر على حد سواء. وقد اقترن الإيمان بالله تعالى مع العمل الصالح في القرآن الكريم : ” إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..” وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ” وهم في ذلك سواء : المسلم منهم و المسيحي و اليهودي : ”  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ “.

    ومن بوادر ما يصلنا من هذا الخير أن نلتقي فيما بيننا لمعرفة القواعد المشتركة التي يجتمع عليها الإسلام والمسيحية. مما يحضرني في هذا المجال ما ذكرته كتب السيرة والتاريخ عن قول نجاشي الحبشة وملكها المسيحي، لأول وفد مسلم التجأ اليه بعد أن قرأ عليه ما يقوله القرآن الكريم عن المسيح وأمه الطاهرة البتول مريم عليهما السلام : “إن هذا (أي القرآن الكريم) والذي جاء به عيسى (أي الإنجيل) ليخرج من مشكاة واحدة. ومن هذا القول أقتبسُ ما دل على المعنى الذي قال به النجاشي لأقول بأن النظرة الإسلامية إلى الأمور البيئية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها تتطابق في كثير من الأهداف مع النظرة المسيحية وإن اختلفت معها في المفردات والتعابير، وهي لإن كانت كذلك فلأن مشكاة السماء تظللنا معاً مسيحيين ومسلمين : منها نستلهم إيماننا وبها نقوّم دعائم مجتمعاتنا وعلى أساسها نبلور أسسنا الأخلاقية وقيمنا الثقافية.

إن استعراض هذه المبادىء التي تدعو اليها المسيحية في تحميل المؤسسات مسؤوليات بيئية واجتماعية واقتصادية تأخذ بعين الإعتبار المبادئ الدينية والأسس الأخلاقية والقيم الإنسانية يؤكد لنا أهمية المسعى وضرورة التعاون في هذا المجال. فبعد أن أصبحت مجتمعاتنا متعددة الإنتماءات والإتجاهات والأعراق والأديان، أصبحت مسؤولياتنا مشتركة. فما من شركة أو مؤسسة إلا ويوجد بها مسلمون ومسيحيون وأتباع ديانات أخرى، فكيف ينبغي علينا أن نتعاون في سبيل الخير العام ومن أجل إرساء قواعد العدالة والإنسانية التي تقوم عليها الأديان السماوية السمحة وخاصة المسيحية والإسلام. لا بد لنا أن ننظر الى حقوق العامل بل ولا بد لنا أن ننظر إلى الإنسان الذي لم تهيئه ظروف الحرمان والفقر والمرض والشيخوخة إلى إيجاد عمل يرفع عنه وعن عياله العوز وذل مسألة الناس. يروى في التاريخ الإسلامي أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رأى  يهودياً مسناً أعمى يتكفف الناس ، فسأله : من أى أهل الكتاب أنت ؟ فقال : يهودى ، قال : فما ألجأك الى ما أرى ؟ قال : أسأل الجزية و الحاجة و السن، فأخذ عمر بيده ، و ذهب به الى منزله فأعطاه مما وجده، ثم أرسل به الى خازن بيت المال، و قال له، أنظر هذا و ضرباءه (أي أمثاله) ، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، ثم صرف له من بيت مال المسلمين مبلغ شهري يتقاضاه وكل ذي حاجة من المسنين دون أي اعتبار لانتماءهم الديني.

إن مسؤولية المؤسسات سواء انطلقت من مفاهيم مسيحية أو إسلامية اتجاه العامل مهما كان انتماؤه الديني تأخذ بعين الإعتبار أسس العدالة والتضامن والأخاء التي قامت عليها هاتان الديانتان السماويتان. فمن الناحية الإسلامية تذخر كتب الفقه الإسلامي وسجلات المحاكم الشرعية والوقفيات الخيرية بالعلاقة التي يجب أن يرتبط بها صاحب العمل أو المؤسسة مع العامل، كما تتطرق إلى العلاقة التي يجب أن تربط المؤسسة أو المصنع بالبيئة على اعتبار ان الطبيعة هي وديعة أودعها الله أمانة لدى الإنسان الذي اعتبره الله خليفته على أرضه.

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare