مدونة

دور العلوم الإنسانية في حل الخلافات الزوجية

divorce
مدونتي

دور العلوم الإنسانية في حل الخلافات الزوجية

الخلافات الزوجية في معظمها ليست بنت ساعتها كما يظن البعض، بل تعود الى فترات سابقة للزواج تتدخل فيها عناصر تربية الشخص المقدم على الزواج منذ صغره و حسن أو سوء تدبره لشريك حياته.

تلعب تربية الطفل دوراً مهماً في شخصية الطرفان المقدمان على الزواج، منذ لحظة ولادتهما ومروراً بمراحل دراستهما الى بلوغهما وإقدامهما على الزواج بحيث تتكون ملامح شخصيتهما ومدى قبولهما واندماجهما أوتنحيتهما واعتزالهما الحياة الأسرية والاجتماعية. لسنا بصدد الغوص في تعداد أسس هذه التربية ولكن سأختار أربع أمور سلبية :

  • التربية على الحلول الآحادية للطفل : وهذه تبتدأ منذ نعومة أظفاره وترافقه خلال حياته إلى موته، والمقصود بها حين يبادر الأهل الى إرشاد أو ترك طفلهم يختار حلا واحداً لمشاكله ولكل ما يتعرض له. فإذا تشاجر مع طفل آخر يبادر الأهل الى مناصرة طفلهم وحتى يشجعونه على معاملة الطفل الآخر بنفس السوء أو بالسكوت والرضا تجنباً للمشاكل، فكثيراً ما نسمع : اللي ضربك اضربه. أو : دعه ولا تتعاطى معه بعد الآن. فينشأ الطفل ويترعرع في وسطٍ تكبر دائرته رويداً رويداً ولا يكون في جعبته إلا اختيار حل واحد لمشاكله. فلو قام الأهل بتدريب أطفالهم وحثهم على اختيار عدة حلول لمواجهة مشاكلهم، لكبروا وهم يحملون في جعبتهم عشرات الحلول للمشاكل التي يواجهونها سواء في اسرتهم او في مجتمعهم أو في عملهم. خلال الخلافات الزوجية كثيراً ما يقع الزوجان في هذه المعضلة ويتمرتسان وراء مطالبهما الآحادية، وهنا تقع الكارثة.
  • لغة التخاطب المسيئة والتي تجرح شعور الآخر. ولتسهيل معرفة هذا الأمر أعطي مثلاً عن حكاية رمزية تروي قصة ملك شاهد في منامه اقتلاع كل أسنانه فيطلب من مترجمي الأحلام في مملكته للحضور أمامه وترجمة ما رآه في منامه، فيقول كل واحد منهم بخوف وتردد لا نرى أيها الملك تفسيراً إلا أن أهلك سيموتون جميعاً، فيأمر الملك بقطع رؤوسهم، ويسأل آخرهم عن تأويله لهذا المنام فيقول له مستبشراً ضاحكاً لك الحياة المديدة أيها الملك فأنت أطول أهلك عمراً، فيعفي عنه الملك ويمنحه المال الوفير دون أن يدري بأن ما قاله هذا الأخير هو نفس ما قاله الذين سبقوه، إلا أنه قاله بأسلوب آخر. الهدف من هذا القصة هو أنك في علاقتك الزوجية أنت أمام عشرات الجمل لتقول لشريك حياتك أمراً معيناً، فاختر أفضل الكلام وأنمق العبارات لتنال مرادك بكل محبة وطيب خاطر.
  • اهتمامك الحصري بوجهة نظرك وقناعتك، ولتقريب هذه النظرة السلبية أروي قصة رمزية أيضاً تدور أحداثها في ليلة من الليالي في محيط من المحيطات حيث تبحر سفينة حربية، فجأة يعلو صراخ جنود البحرية ويقولون لقبطانهم بأن سفينة أخرى على نفس خط سيرهم قادمة في اتجاههم، يطلب القبطان منهم بإرسال إشارة ضوئية للسفينة للإبتعاد عن سفينتهم 20 عقدة، فيأتي الجواب من الجهة الأخرى بل ابتعدوا أنتم، فيستشيط القبطان غضباَ ويرسل لهم إشارة ضوئية ينذرهم فيها بأنهم إن لم يبتعدوا سيرسل طوربيداته اليهم ويفجر سفينتهم ويعرف عن نفسه بأنه أميرال البحرية، فيأتيه الجواب من الجهة الأخرى بكل هدوء نحن بحارة عاديون متواجدون في منارة بحرية نطلب منكم الإبتعاد وإلا تحطمت سفينتكم بالصخور التي أمامكم. الهدف من هذه القصة معرفة كل من الزوجين الخلفيات التي أتيا منها كل منهما، وأعني بذلك معرفة شخصية كل منهما وما مرا به من تجارب وأحداث سابقة قديمة دفعت بهما الى تصرف معين. إزاء هذه التصرفات على الشريكين في الحياة الزوجية طرح التساؤلات السريعة والإحتمالات المتنوعة التي دفعت بالآخر الى التلفظ او التصرف بأمر ما، فيكون رده بعيداً عن الإنفعالية ومتّسماً بضبط النفس والتماس العذر للشريك الآخر.
  • حصرية الحقيقة التي يملكها الشريك دون الآخر. وللتوضيح أستعين بمادة حقوقية عنوانها علم الإجرام. أثناء دراستي هذه المادة التجأ مدرسنا الى التشويق وتثبيت وجهات النظر عند كل نظرية من نظريات هذا العلم حتى بات كل واحد منا على مقاعد الدراسة معتقداً بحصرية الحقيقة التي يتكلم بها صاحب النظرية الإجرامية. النظرية الأولى تتكلم عن هيئة المجرم من حيث وجود ملامح على وجهه وأنفه ورقبته. هذه النظرية تعرف بنظرية الطبيب الإيطالي لومبروزو والتي استند فيها الى احصائيات اجراها في جنوب إيطاليا. لا أخفي عليكم القول بأننا خرجنا من الجامعة ونحن نترقب ملامح الأشخاص التي نتعرف فيها على المجرمين وكأنها الطريقة الوحيدة للتعرف عليهم. في المحاضرات التي تلتها انتقلنا الى النظرية البيئية وتأثير المناخ على الشخص المجرم، ومن بعدها الى النظرية الفيزيولوجية والتي تشير الى وجد اضطرابات باطنية فيزيولوجية تدفع الى الإجرام، ثم انتقلنا الى النظرية التربوية والتي تتكلم عن تأثير سوء التربية على الأشخاص وتدفعهم الى أن يكونوا مجرمين، وفي آخر هذه الدراسة وصلنا الى النظرية التكاملية التي تقول بأن الحقيقة الإجرامية هي نتيجة تفاعلات مختلفة وظروف معينة تؤدي الى الفعل الإجرامي. هذه المادة الحقوقية كان لها أكبر تأثير على حياتي المهنية والعائلية. فكل منا يملك جزءاً من الحقيقة وعلى كل من الزوجين التواضع أمام الرأي الآخر، واحترام ما بدى له من حقيقة.

أضيف إلى ما سبق بأن المشاكل الزوجية يمكن تلافيها أو التخفيف عنها في الفترة التي تسبق الزواج، وأعني بذلك حسن اختيار كل من الزوجين الشريك الآخر. التعاليم الإسلامية تشدد على هذه النقطة حيث وردت أحاديث كثيرة تشير الى ضرورة حسن اختيار الشريك وان الرجل والمرأة حين يقدمان على الزواج فهما أمام أربع خيارات : المال والجمال والنسب والدين بمعنى الأخلاق، فيشدد النبي على اختيار صاحب الخلق والدين. حتى أن الإسلام نصح بعدم الزواج من الأقارب باعتبار أن زواج الأقارب ينقل الأمراض الوراثية من الآباء إلى الذرية أكثر مما هو فى زواج الأباعد، ومن هنا نشأت قاعدتان من قواعد علم الوراثة تشيران مباشرة إلى معانى الأحاديث الشريفة الواردة فى الأثر الإسلامى عن الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- مثل الحديث القائل: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”، و”اغتربوا لا تضووا”، أى تزوجوا الأغراب حتى لا تضعف الذرية.

و  لاجتناب الخلافات الزوجية قبل وقوعها، على الشريكين الإلمام ببعض المعلومات البيولوجية وخاصة في تكوين فكرة عن آلية عمل الدماغ لدى كل من الرجل والمرأة. إذ تشير الدراسات إلى أن عقل الرجل يختلف عن عقل المرأة في كثير من الأمور، حيث يظهر الاختلاف بشكل ملحوظ من خلال اختلاف سلوك كل منهما في نفس الموقف من المواقف الحياتيّة. فالرجل مثلاً لا يستطيع التركيز الا على مهمة واحدة في نفس الوقت وطريقته في الكلام مختصرة ومباشرة الى جانب تحكّمه وضبط مشاعره بشكل عام تمهيداً لحل مشاكله. و يمتاز عقل المرأة في قدرته على التركيز في القيام بأكثر من مهمّة في نفس الوقت، فهي تستطيع على سبيل المثال أن تعدّ الطعام وتتكلّم على التلفون وتلاعب طفلها في نفس الوقت وطريقتها في الكلام بحيث تبرز تفاصيل الموضوع الذي تتكلّم عنه، بالإضافة إلى توصيل المضمون بعد شرح ومقدمات للكلام، وطريقة تحكّمها في المشاعر وحل المشاكل فهي ذات طبيعة حساسة ومندفعة في مشاعرها، ممّا يضعف قدرتها على حل المشاكل التي تواجهها وحدها.

ونظراً لكثرة حالات الطلاق في الغرب أهتمت العلوم الاجتماعية والعلوم النفسية، والعلوم القانونية وعلوم الإجرام في أوائل السبعينات لمعرفة أسباب الطلاق والآلية التي تؤدي إليه فكتبت الأبحاث بهذه المواضيع وانتشرت انتشاراً واسعاً. حالياً وأخذا بالإعتبار أن أسباب الطلاق لم تعد ذات أهمية في الغرب يتجه الباحثون في علم الاجتماع الى دراسة نتائج الطلاق وخاصة على الأطفال. وأما في الولايات المتحدة الأمريكية فما زالت هذه العلوم تبحث في الأسباب الموصلة الى الطلاق بهدف الحد او التخفيف منه.

لا شك بأن كل بلد لديه أسبابه المؤدية أو المسببة للطلاق، وهي تعود الى عوامل طبيعية ناتجة عن جغرافية المكان، أو بسبب الإكتظاظ السكاني أو بسبب الأوضاع الاقتصادية أو بسبب الترف واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو لعدم انتشار الوعي نتيجة الزواج المبكر، والأسباب كثيرة جداً ومتنوعة. فمثلاً لو نظرنا إلى طريقة عيش الإيسكيمو بحيث يضطر أعضاء الأسرة العيش جنباً الى جنب طوال أشهر عديدة نتيجة البرد والجليد في الخارج، فلن تكون مشاكلهم العائلية نتيجة لنفس الأسباب التي يعيشها الإفريقي الذي يقضي معظم أوقاته خارج منزله ولا يأوي إليه إلا للنوم. وبطبيعة الحال لن تكون المشاكل والإضطرابات الإسرية عند سكان التيبت والهملايا هي نفسها في المجتمعات الساحلية أو تلك القابعة بين الوديان. فطبيعة عيش سكان الهملايا تفرض على الرجل الخروج لأشهر طويلة طلبا للرزق، خلال فترة غيابه قد تضطر الزوجة الى معاشرة رجال آخرين وإنجاب الأولاد منهم، وعند عودة الزوج تعود الأسرة الى الإئتلاف ضمن تسهيلات معينة دون أن تنقسم العائلة ويتشرد أبناؤها.

لذلك فإن اهتمام العلوم الإنسانية بمواضيع الخلافات الزوجية لها خصوصيتها وهي وليدة مجتمعاتها وما يصلح أن يكون موضع دراسة أو حلاً لمشكلة زوجية في بلد معين لن يكون حلاً في بلد آخر. لا شك بأن هذه الدراسات تخدم وتؤدي الى توعية الناس بكل ما يتعلق بمواضيع الزواج والطلاق.

كذلك المجتمعات الشرقية والعربية لها خصوصياتها التي تختلف أيضاً وفق الإنتماء الديني للسكان. ففتح باب الطلاق عند المسلمين على مصرعيه دون العلم بالتوجيهات الدينية قبل حل رابطة الزواج جعلت منه مادة سهلة وحلاً سريعا عند أول خلاف أسري.

فالإسلام وإن أحل الطلاق جعله أبغض الحلال عند الله، وبتعبير مجازي تهتز السماء عند سماعه.

ولقد سلك الإسلام في معالجة الخلاف العائلي الخطوات الآتية :

  1. دعا الزوج والزوجة إلى أن يتحمل كل منهما شخصية الآخر وأن يتعاشرا فيما بينهما بالحسنى ولو كره أحدهما الآخر. جاء في القرآن الكريم :  (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)   النساء: ١٩

  1. إذا اشتد الخلاف أوجب الإسلام أن تشكل محكمة عائلية من كليهما وتكون مؤلفة من شخص تختاره الزوجة ومن شخص يختاره الزوج. ﯡ جاء في القرآن الكريم : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء: ٣٥

  1. إذا فشل التحيكم أجاز أن يقع طلاق واحد تعتد فيه الزوجة ببيت الزوجية لمدة 3 أشهر (3 حيضات) ثم تطهر منها ، وذلك حتى تهدأ أعصابهما ويراجع كل منهما الآخر.
  2. والطلاق هنا مع جوازه فهو مكروه وهو أبغض لحلال عند الله.
  3. إذا انتهت العدة ولم يراجع الزوج الزوجة أصبحت الزوجة طالقة منه طلاقاً بائناً فلا تعود اليه متى شاء الزوج بل يصبح كأي شخص آخر.
  4. إذا عاد الزوجان إلى الحياة الزوجية ثم تكرر الخلاف تعاد نفس الخطوات السابقة ، فإذا حصل طلاق ولم يراجع الزوج زوجته انقلبت إلى بائنة ولا تعود الزوجة إليه إلا بعقد زواج جديد.
  5. فإذا عاد إليها للمرة الثانية تعاد نفس الخطوات السابقة فإذا تكرر الخلاف أيضاً وحصل طلاق للمرة الثالثة فتكون طلاقاً بائناً بينونة كبرى ولا تعود الزوجة إلى زوجها إلا بعد أن تتزوج بآخر وتختبر معه الحياة الزوجية، وعندئذِ يجوز للزوج السابق إذا حصل طلاق من الزوج الثاني أن تعود إليه وتعود الحياة الزوجية كما بدأت. وهذه الخطوة القاسية في الشرع الإسلامي ما زالت غير مفهومة بل تعتبر مادة للسخرية في بعض الأحيان. ولتسهيل فهمها لا بد من تقريب وجهة نظرها الى دفتر قيادة السيارة في البلاد الغربية، فأنت عندما تحصل على هذا الدفتر تحصل على 12 نقطة. عند كل مخالفة يسحب منك عدد من النقط مثل مخالفة قطع إشارة المرور بحالة سكر فتسحب منك 6 نقاط، وعند لامتحان القيادة من جديد. وقريب من هذا المثل عندما تتزوج في الإسلام تمنح ثلاثة نقاط عند استخدامها تعتبر غير مؤهلا لاستئناف الزواج مرة رابعة مع نفس الزوجة، فإذا تزوجت من آخر ولم تتمكن من العيش معه وحصل طلاق بينهما حينئذ يمكن للطليق الأول أن يتزوجها مرة أخرى.

جاء في القرآن الكريم : (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) البقرة: ٢٢٩ (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) البقرة: ٢٣٠

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare