الأثر السلبي لغزوات الخارج على العلاقات الإسلامية – المسيحية
شهدت العلاقات الإسلامية المسيحية تطوراً كبيراً ليس بالمعنى التصاعدي الإيجابي دائماً وانما في بعض الفترات كانت تقهقراً سلبياً الى الوراء. ففي السنوات الأولى للبعثة النبوية سادت علاقات من المودة والمحبة بين المسلمين الجدد والمسيحيين، بدءا من الهجرة الأولى التي اضطر بعض المسلمين فيها الى الهجرة حيث أمرهم نبي الإسلام بالهجرة الى الحبشة لأن فيها ملكا نصرانيا لا يظلم عنده أحداً. وقد صدق حدس النبي في شخصية هذا الملك الذي اعطى المسلمين الجدد الأمان المطلق في الإقامة في مملكته ورفض تسليمهم الى وفد زعماء المشركين العرب. ولا شك بأن شخصية نبي الإسلام انطبعت فيها منذ صغره صورة الراهب المسيحي “بحيرة” المتعبد الذي ينتظر قدوم صوت من الجزيرة العربية يعيد اليها ديانة التوحيد. واستكملت هذه الصورة في الساعات الأولى لبداية الوحي عندما انبرى ورقة ابن نوفل ابن عم زوجته خديجة وكان حبراً من احبار النصرانية في مكة قائلا للنبي: “هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك”. واستشعر النبي بنسيم شهادة مسيحية أخرى أتته حينما طرده أهل الطائف وضربوه لدعوته لهم بعبادة الله الواحد وحرضوا عليه صبيانهم ليلقوا عليه الحجارة. واستقرت هذه العلاقات الطيبة فيما أبرمه نبي الإسلام من معاهدات ترسم طبيعة هذه العلاقة وتعطي المسيحيين في زمن إنتصارات المسلمين الأمن والأمان لهم ولكنائسهم ورهبانهم.
واستمرّت هذه العلاقة الطيبة بين المسلمين والمسيحيين حتى بعد الفتح الإسلامي، إذ يجمع المؤرخون على أن المسيحيين فتحوا أبوابهم للجيوش الإسلامية واستقبلوهم استقبال الفاتحين الذين أتوا ليخلصوهم من ظلم الدولة البيزنطية.
أثر التحولات السياسية
بيد أن هذه العلاقة ابتدأت تأخذ منحى آخر بعد الحروب التي شهدَتها المنطقة. وكان المسلمون والمسيحيون يدفعون الثمن غاليا بعد كل فتنة طائفية يشعلها المحتلون الجدد، كما حصل في زمن هولاكو. وأياً كان فلم يكن يعزى سوء العلاقة الى العوامل الدينية بالذات وإنما الى عوامل خارجية، وهذا ما أكدته شهادات المستشرقين أنفسهم من أمثال Gibb et Bowen اللذين أكدا بأن هذا المنحى الإسلامي التسامحي وغير المتعصب للمجتمعات الإسلامية، لا ينفي وجود أزمات من الإضطهاد ضد المسيحيين بشكل خاص، تعود بعض أسبابها الى جهل بعض المسلمين من موقف الإسلام الثابت من قبول الآخر المختلف دينياً، ولكن لم يكن اضطهاداً دينياً بالمعنى الحقيقي وإن استخدم الدين كغطاء له
الرؤية الغربية
هذه الأزمة في العلاقة المسيحية الإسلامية كان سببها إذاً كما يذكر معظم المؤرخون ارتباط كثير من الدول التي بينها وبين الدولة الإسلامية عداوة بالمسيحيين، مما نتج عنه محاولة هذه الدول في التدخل بشؤون الدولة الإسلامية بذريعة حماية المسيحيين. نضيف الى ذلك المواقف الظالمة لبعض الحكام المسلمين تجاه المسيحيين حيث كانوا يضيِّقون عليهم معيشتهم ويرهقونهم بالضرائب وخاصة في بداية العصر العباسي، وكان علماء الدين المسلمين من أمثال الإمام الأوزاعي يقفون بكل حزم وشجاعة في مناصرة إخوانهم المسيحيين.
ويمكننا إضافة أزمة أخرى ناتجة عن فهم بعض النصوص الدينية المسيحية وتطويعها لخدمة الأطماع السياسية والتوسعية، هذا الأمر أدى الى نشوب الحروب الصليبية. وإذا قفزنا سريعاً فوق الأحداث فإننا سنجد بأن المبررات التي ساقها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش توحي بأن الحرب الاميركية على العراق كانت ضمن هذا السياق اللاهوتي الذي ينادي به التيار المسيحي الجديد المتصهين.
ولا ريب فإن هذه النصوص اللاهوتية للمسيحية الجديدة المتصهينة تتناقض تماماً مع هذه الروح الرحبة والداعمة للسلام التي أرستها الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية. ومن أجل تحقيق أهدافهم وبعد أن قام مؤرخوهم بدراسة التاريخ العربي والإسلامي، أحيوا بعض الفرق التاريخية التي وجدت واندثرت، مثل بعض فرق الخوارج والحشاشين، فكتب برنارد لويس صاحب نظرية الشرق الأوسط الجديد والمساعد السابق لوزير الدفاع الأميركي كتاباً مرجعياً عن الحشاشين[1] وعن منهجيتهم في تدريب كوادرهم على الاغتيالات والإنتحار بعد أن يكونوا قد أعطوهم جرعة من المخدرات ووضعوهم في أودية فيها ما طاب من المأكل والمشرب والنساء الحوريات، ويقولون لهم إنَّ الجنة والحوريات بانتظاركم بعد نجاحكم في تنفيذ الإغتيالات. ولا بد للمطّلع على تاريخ هذه الحركات من الوقوف على أوجه الشبه المطبق بينها وبين الحركات التي تدعي الأصولية وتمارس الأرهاب في الوقت الراهن.
الفكر الديني الإسلامي والمتغيّرات
ولعل قائل يقول ولكن هذه الإستشهادات التي يرتكز عليها الفكر المتشدد والإرهابي يستمد طروحاته من الفقه الإسلامي الذي يقسم العالم الى قسمين : دار الإسلام ودار الحرب ويقر مبدأ الجزية. وللرد على هذه الطروحات أحيل القارئ أو الباحث الى الكتاب الذي أصدرته دار نشر نهضة مصر بعنوان: للدين والوطن، لمؤلفه د. محمد سليم العوا. حيث يذكر مؤلفه الأزهري بأن ما كان يشغل الفكر السياسي الإسلامي قديماً هو عدم وضع المعوقات للحؤول دون نشر الدعوة الى الدين الجديد، وعدم وضع الدول المجاورة للعوائق التي تحول دون إعلام الناس والشعوب بعقيدة الإسلام، مما كان يعتبر مبرراً للفتوحات الإسلامية. أما وأن الأمر قد أصبح دون جدوى باعتبار أن رسالة الإسلام (كما المسيحية) قد وصلت إلى كل شعوب العالم، فلم يعد هناك مبرراً للتقسيم القديم للعالم إلى دار حرب ودار إسلام،.وقد أصبح هذا التقسيم مرفوضاً باعتبار أن المفهوم الحديث للدولة وللقوانين الدولية قد تطور وتغير بشكل اساسي مما ينتج عنه اعتبار هذا التقسيم غير ذي فائدة.
وكذلك فإن مفهوم الجهاد الذي نادى به جل الفقهاء لإرضاخ دار الحرب قد أصبح وراء أظهرنا لنفس الأسباب المذكورة آنفاً، مما يحتم علينا استبداله بمفهوم أكثر واقعية وتطوراً بحيث لا يبقى منه إلا ما كان متوافقاً مع الجهاد الدفاعي في حال الدفاع عن النفس والعقيدة والممتلكات، إضافة إلى اعتبار أنَّ عقد الذمة كان عقداً تفاوضياً تاريخياً وقَّعه النبي مع بعض المسيحيين في شبه الجزيرة العربية وبانتهاء الدولة الإسلامية التي أبرمته فإن هذا العقد ينتهي، خاصة وأن المسيحيين الحاليين تشاركوا مع المسلمين في مقاومة الأطماع الخارجية للإستعمار الأجنبي ودافعوا عن البلاد.