الإسلام سؤال وجواب
س: تقول إن القرآن يستخدم عبارة “أهل الكتاب” بمعنى “أهل الوحي”، وتعتبر العبارة الثانية مرادفة للأولى.
-إلى مَن مِن المفسّرين تستند في طرحك هذا؟
لغة القرآن الكريم متناهية في الدقة وفيها مرادفات كثيرة حتى يفهمها كل جيل وكل عصر وفق تقدمه وتفوقه العلمي، وما غاب عن تفسير أحد من المفسرين قد يأتي آخر فيعدله أو يكمله، فإذا أخذنا مثلا الآية التي تقول : (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فالحسنة واضحة والسيئة واضحة ولكن القرآن الكريم يشير الى شيء آخر أبعد من ذلك ليقول بأن المعاملة الحسنة إذا وجد ما يفوقها في الحسن والقدر والسلوك انقلبت هذه المعاملة الحسنة الى معاملة سيئة بمجرد وجود ما هو أفضل منها. ومن هذه التعابير التي إذا فكرنا فيها لوجدناها تعني شيئاً آخر مكملاً أو مغايراً لقول بعض المفسرين وهي كلمة أهل الكتاب. فكلمة الكتاب تعني أيضاً الوحي، إذ أن الوحي وفق تعريف اللغة هو: الاشارة والكتابة والرسالة والالهام والكلام الخفي وكل ما القيته الى غيرك، وكذلك الوحي هو المكتوب والكتابة، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. فالكتاب هو وسيلة تواصلية بين الإنسان وعالمه الإنساني، والوحي هو وسيلة تواصلية بين الإنسان وربه. والوحي يأتي مشافهة أو يلقى على قلب انبي والرسول، وحتى يبشر به وينتقل الى الأجيال يحتاج الى نص وكتاب. فإذا تكلمنا عن الإنجيل والتوراة فهما بالمدلول البشري الكتابان اللذان بين أيدينا وبالمدلول الإلهي هما كلام الله الموحى أو الملهم الذي خاطب الله بهما موسى والمسيح عليهما السلام. لذلك فأهل الكتاب تعني من ضمن المعاني المطروحة : أهل الوحي، فليس هنالك أحد من المسلمين من ينكر بأن الوحي اختص الله به الأنبياء والرسل ومن ضمنهم السادة الأنبياء موسى والمسيح ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه جميعاً.
-إلى أي مدى ترى أن المسلمين يوافقونك في هذا الاجتهاد التفسيريّ، لا سيما وأنهم يجمعون على أن الوحي السابق للقرآن دخله التحريف؟
الجواب في مقالي المنشور (المرفق ربطا) في كتاب حوار الحقيقة من أجل الحياة معاً المجلد الرابع من منشورات كلية اللاهوت للشرق الأدنى بعنوان الإنجيل في النظرة الإسلامية
س: تستند إلى آراء فقهية عديدة لتقول إن الجهاد انتهى بعد فتح مكّة.
-ما هي هذه الآراء ولمن هي؟
المشكلة تكمن في فهم الحديث : “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم بحق الإسلام وحسابهم على الله”، فكلمة الناس كما يقول كثير من الفقهاء وهو ما أكد عليه شيخ الأزهر أحمد الطيب بأن فهمها يدخل في معنى القاعدة الفقهية التي تجعل للخطاب مدلولاً ظاهرياً عاماً يراد به في الحقيقة مدلولاً مخصوصاً. فكلمة الناس هنا تدل على مشركي مكة الذين حاربوا النبي وقتلوا أصحابه وطردوه من مكة وتآلبوا عليه في المدينة التي هاجر إليها وتبعوه للقضاء عليه، وليست كلمة الناس تدل على كافة الناس كما في قوله تعالى في القرآن الكريم : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) إضافة إلى أن القرآن يدعو لمقاتلة الذين يقاتلوننا وألا نعتدي، أي الذين يبادروننا بالقتال، ويواجهوننا في الحرب، ويحرّم الاعتداء عليهم رغم أنهم مقاتلون، ويبين أن الفتنة تكمن في تهديداتهم المحققة، بل ويخبرنا القرآن بأنه يغفر لهم إذا أمسكوا عن حربنا، والمغفرة هنا هي عدم المعاقبة على ما سبق من جرائمهم ، ثم يأمرنا بالتوقف عن استهدافهم إذا جنحوا للسلم ويستثني الظالمين المعتدين.
ولهذا فإننا نقول بأن الآيات القرآنية تواترت في المدينة لتحث المسلمين على صد اعتداءات المشركين وتتصاعد وتيرتها كلما زادت حروب مشركي مكة ويهود المدينة إلى أن جاءت “آيات السيف” لتعلم المسلمين بضرورة حسم المعركة نظراً لعدم الرغبة المطلقة للطرف الآخر في تركهم يقيمون مجتمعاً توحيديا في بلاد العرب، فجاءت آية السيف وهي الآية الخامسة من سورة التوبة لتقول : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، كما تتالت الآيات بعدها وفق نفس المنهج لتشمل أيضاً اليهود الذين كانوا يحيكون المؤامرات خفية مع مشركي مكة، فجاءت الآية العشرون لتقول : (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) والآية ستة وثلاثون من نفس السورة لتقول : (وقاتلوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً)، لا بد من الإشارة هنا بأن المقصود بهذه الآيات هم المحاربون الذين يأس المسلمون من كف اعتداءاتهم المتكررة عليهم لمدة قاربت الثلاثة والعشرون سنة وهي فترة نبوة النبي محمد إلى حين انتقاله الى الرفيق الأعلى. ودليل ذلك الآيات المتعاقبة في هذه السورة وغيرها والتي تتحدث عن الإقتتال والحروب بين مشركي مكة والمتآمرين معهم من يهود المدينة في مواجهة المسلمين.
فهل هذه الآيات نسخت ما سبقها من الآيات المكية التي تدعو الى السلام والرحمة؟
في البداية هذه الآيات القرآنية كثيرة جدا، منها : (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمصيطر)، (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) و (فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا)،
قبل الإجابة عن هذا السؤال لمعرفة فيما إذا كانت هذا الآيات المكية منسوخة بآيات السيف، لا بد من الإشارة العابرة لما ورد من آراء العلماء لبعض القراءات حول هذه الآيات من سورة التوبة، فالقراءة الأولى يتبناها التيار السلفي الجهادي، حيث يقول أنّ عدم الأيمان بالله والاسلام له يعتبر بحد ذاته مبررا لإباحة قتل الانسان حتى اذا لم يكن هذا الأنسان عدوا محاربا، إلا في حالة دخوله في عقد الذمة، وتنبني هذه الرؤية على مقولات بعض علماء الفقه والتفسير الذين يعتبرون انّ آية السيف قد نسخت كل آية مخالفة. والقراءة الثانية تشير إلى انّ الآيات المكية هي الأصل في القران وهي الآيات التي تدعو لحرية الاعتقاد والمساواة وعدم تخيير الناس بين الاسلام أو القتال، وعندما رفضها أهل مكة وأمعنوا في محاربة النبي في مدينة هجرته نزلت الآيات المدنية (آيات الفروع) لتنسخ آيات الأصول وتحدث ثورة عنيفة أستوجبت أعمال السيف والقتال وجبّت آيات الحرية والمساواة والإختيار. وبحسب هذه القراءة فأنّ الزمن قد تغيّر تغيرا كبيرا مما توجب معه أن يحدث نسخا جديدا تعود بموجبها آيات الاصول (الآيات المكية) بوصفها قمة الدين لانها تقوم على تقرير كرامة الانسان الى الواجهة ويتم نسخ آيات الفروع (الآيات المدنية) لأنها آيات تنزلت في ظروف استثنائية لتتماشى مع مستوي الناس في ذلك الزمان، وفي هذا السياق يسقط التعامل بأحكام آية السيف. وأما القراءة الثالثة فهي القراءة التي ترفض مبدأ النسخ، وتدعو الى قراءة آية السيف في سياقها القرآني ضمن الآيات التي وردت قبلها وتلك التي جاءت بعدها. ويخلص أصحاب هذه القراءة الي انّ فهم آية السيف في سياقها الداخلي لا يؤدى الى النتيجة التي توصل اليها الفقهاء والمفسرون من أصحاب القراءة الاولى وهي انها نزلت لقتال أهل الأرض جميعا كي يعتنقوا الاسلام. فالآيات الخمسة عشر مليئة بالاستثناءات لبعض المشركين، وهي استثناءات وردت في الآيات الواردة قبل آية السيف والآيات الواردة بعدها ومنها قوله تعالي: (إلا الذين عاهدتهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم احدا فأتموا اليهم عهدهم الي مدتهم)، وقوله : (وان احدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) وقوله : (الا الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم انّ الله يحب المتقين)
*س: تقول بشأن الزواج المدني الذي لا يزال مطروحاً في لبنان: “إن معارضة المسلمين للزواج المدني في لبنان هي معارضةٌ لمنظومة هذا الزاوج، لا للزواج المدني بحدّ ذات. ويمكن في عقد الزواج المدني إدخال الشروط التي يراها المتعاقدان، إذ يمكن للمرأة مثلاً أن تشترط في هذا العقد أن لا يتزوّج عليها زوجها. ولا يُشترط في من يُجري عقد الزواج أن يكون مسلماً”.
-ماذا يعني قولك معارضة لمنظومة الزواج المدني وليس للزواج المدني بحدّ ذاته؟
-هل يعني عدم اشتراط أن يكون من يُجري عقد الزواج مسلماً أن مقوّمات الزواج المدني قائمة في الإسلام؟
-هل تستطيع المرأة أن تُدخل في عقد الزواج شرطاً مخالفاً للنص القرآني الذي يحلّل تعدّد الزوجات؟
إضافة الى المقالين اللذين كتبتهما بهذا الموضوع (والمرفقين ربطا) أضيف :
بأن عقد الزواج في الإسلام هو عقد مدني بمعنى أن ركناه الأساسيان هما الإيجاب والقبول وشروط صحته هي وجود الشهود، ولا يشترط أن يكون مجري العقد مسلماً بما أن دوره يقتصر على سماع الإيجاب والقبول وتوثيقه، فلا يقول مجري العقد كما هو الحال في الزواج المدني أو غير الإسلامي : بمتضى السلطة الممنوحة إلي أعلنكما زوجا وزوجة، فهذا يخالف جوهر عقد الزواج في الإسلام، إذ أن العقد يكون مستوفياً جميع أركانه وشروطه بمجرد الإيجاب من الزوجة والقبول من الزوج مع حضور الشاهدين، فلا دور لرجل الدين ولا لمجري العقد في إضفاء أي صفة أو صلاحية لعقد الزواج.
كما أن الزوجان يمكن لهما إدخال الشروط التي يرونهما في عقد الزواج بما فيها اشتراط الزوجة عدم الزواج عليها من أخرى، وإمكانية تطليقها بنفسها من زوجها دون الرجوع الى إرادة الزوج، وهو ما يقال له فقهاً تمليك العصمة.