الإسلام والعلمانية : نقاط الإتفاق والإختلاف
تختلف الخلفية الفكرية لبعض المفردات اللغوية المتداولة في مجموعة ثقافية معينة عن تلك المتداولة في مجموعة ثقافية أخرى، فما تثيره مفردة ما في مجتمع معين من مجموعة أفكار يبني عليها أفراد هذا المجتمع إدراكهم الفكري ووعيهم قد لا تلتقى مع نفس المفاهيم والبنى الفكرية لدى الأفراد في المجتمعات الأخرى ، ومن هذا القبيل ما لا حظه بولس الرسول عندما ذكر في معرض حديثه عن الكرازة بالسيد المسيح بأن اليهود تطلب المعجزات واليونانيون يسألون الحكمة، وكأن اليهود لم يفهموا من الدين إلا مدى تحقيقه للمعجزة الخارقة للعادة واليونانيون إلا بإتيانه حكمة الفلاسفة. بل وقد تختلف هذه الخلفيات الفكرية في نفس المجتمعات المنتمية الى نفس الثقافة والرابط اللغوي من منطقة جغرافية الى منطقة جغرافية اخرى ، لذلك اشترط الفقهاء المسلمون في معرض كلامهم عن الشروط المتوجبة لتولي منصب الإفتاء أن ينتمي المفتي الى منطقته الجغرافية كشرط لتوليه الإفتاء وذلك حتى لا تختلط عليه المفاهيم المستخدمة لدى جمهور الناس الذين يلتجأون اليه طلبا للفتوى إذا كانوا من منطقة مغايرة لمنطقته التي نشأ فيها فيدلي بفتوى مغايرة للواقعة المستفتى بها.
من بين هذه المفردات الكثيرة التي تختلف مفاهيمها بين المجموعات الثقافية المتنوعة كلمة الدين. وقبل أن أتناول هذه المفردة كمقدمة لهذا الموضوع اريد أن اشير سريعا الى مفردة أخرى من باب تقريب هذه الفكرة الى الأذهان، فكلمة أب و إبن لها مع بساطتها في التعبير وإجماع البشرية على فهم مدلولها إلا أنها تثير في بعض المجموعات الثقافية معاني إضافية لا توجد في مجموعات ثقافية أخرى ، فالغرب منذ مهد حضارته يعطي لهذه المفردة المعنى البيولوجي المعروف لدينا، في حين أن المجتمعات الشرقية تعطيها مدلولا معنويا إضافيا للدلالة على الإحترام والتقدير مازال الى الآن مستخدما لدى شعوب مجتمعاتنا العربية والأفريقية.
أعود الى مفردة الدين التي تثير معاني ومفاهيم مختلفة حسب المجموعة الثقافية التي ننتمي اليها، فالدين في مفهومه الغربي والمشتق من اللفظ اللاتيني religio يثير بالاشتقاق اللغوي الذي تكلم به Cicéron معنى الاحساس بالرهبة والدقــة عند تأدية الطقوس الدينية، وبالمعنى الآخر الذي فهمه Lactance- Saint Augustiin معنى الربط والعلاقة) يقابله التعبير الفرنسي (lier, relier وبذلك يكون الدين مصطلحا يطلق على العلاقة أو الرابط الذي يربط الانسان بالآلهة. انطلاقاً من هذا المعنى تنوعت التعريفات المستخدمة في اللغات الأوروبية لكلمة الدين ولكنها أجمعت على كونه دالاً على جهة التخصيص والحصر على مجموعة الامور الاعتقادية الغيبية والطقوس الدينية المرافقة لها. ولذلك بادرت هذه المجتمعات عند ظهور المسيحية في اوروبا واعلانها دينا للامبراطورية الرومانية، إلى التفريق بين ماهو سلطة دينية وسلطة زمنية، بين ما يشكل قانونا للدولة وما يعتبر شأنا كنسياً، بين الأعياد المدنية والأعياد الدينية.
وأما في المجتمعات الشرقية وحتى الهندية-الاوروبية لم يكن لديهم أي تعابير مستقلة تدل على مثل مااصطلح عليه الاوروبيون للدلالة على حصرية الدين بالأمور الإعتقادية الغيبية والطقوس الدينية، فالحياة الاجتماعية والسياسية بكل جوانبها كانت لدى هذه الشعوب مليئة بالمفاهيم الدينية ، بل وأن الدين الذي ترك بصماته على مختلف هذه المجالات كان يشكل الركيزة الاولى لهذه المجتمعات : فالفنون والقانون والمؤسسات بمختلف اشكالها وأنظمة الحكم والعلوم كانت مستوحاة بشكل أو بآخر من الدين . وإذا كان الأمر كذلك فإن تخصيص مصطلح يدل على مجموعة الامور الإعتقادية والتعبدية لم يكن مألوفاً ولا معهوداً ، ولا نجد في كل هذه اللغات للدلالة على الدين الا مصطلحات عامة لاتشكل العبادات والاعتقاديات إلا جزءاً منها.
من بين هذه المجتمعات الشرقية لم تعرف اللغة العربية حصرية استخدام كلمة الدين على الأمور الإعتقادية الغيبية, فالدين في مفهومه الإسلامي مثلاً وهو الذي يعنيناً هنا لا يرادفه لفظ الروحانيات المقابل للفظ الماديات، ولا يشتمل على سلطة روحية في مواجهة سلطة زمنية ( وحتى كلمة زمنية وروحية هما غريبتان عن المفاهيم الإسلامية). والدين باشتقاقه العربي المطابق لما في اللغات السامية من ألفاظ مرادفة يفيد الوجوب والالزام، ومن هذا المعنى كان اشتقاق كلمة الدين الذي يقترضه الإنسان ويلتزم بوفاءه، وكذلك يستعمل هذا اللفظ بمعنى السيرة والمنهج الذي يسلكه الإنسان، فيكون الدين بذلك كله مرادفاً لمعنى القانون والشرع الذي يتبعه الناس، وقد جاء في شرح البيجوري على جوهرة التوحيد من أن الدين هو وضع الهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات أي ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه من أحكام.
انطلاقاً من هذه المفاهيم فإن ما توارثته الثقافة الغربية من مدلولات دينية أدى إلى قبول شعوبها للعلمانية عند أول طرقة باب من أجل وضع حداً لتدخل الكنيسة بشؤون الدولة. في حين أن المجتمعات الإسلامية واجهت ومازالت تواجه بتحد وثيق ورفض تام تغلغل العلمانية إلى ثقافتها وفي أنظمتها السياسية والسبب في ذلك يعود إلى عوامل عديدة غير المدلول اللغوي والفكري المتوارث في المجتمعات الإسلامية لكلمة الدين والذي سبق وذكرته أذكر منها إثنتين :
أولهما : أن الشريعة بمقتضى قواعدها الكلية العامة أسست فقهاً شاملا ومستوعبا لكافة التطورات ولكل ما تقتضيه سنة الحياة من نظم وأحكام عملية، وهي ليست جامدة ومتوقفة بل تتطور وفق مصالح الناس واحتياجاتهم دون إخلال بقواعدها الكلية ومبادئها العامة. وأن المسلم في عقيدته يؤمن بالله خالق كل ما في هذا الكون ويؤمن بأنه في واقع حياته يستلهم هذا الإيمان الغيبي لينطلق إلى رحاب الدنيا ويعمل ويعبد الله وأنه في مجال تعبده وعمله يعلم بأنه بقدر ما يتعلم ويكون مفيداً لغيره من الناس يتفوق على المؤمن المنقطع للعبادة، فكان الإسلام عند غالبية المسلمين حقيقة راسخة يعيشونها في كافة ثنايا حياتهم وتفاصيلها، فهو الذي يبلور شكل الدنيا بمقدار ما يستجيب المسلم لتعاليمه ومبادئه، وإذا لم يتحقق عبر التاريخ الإسلامي فرصة تطبيقه بأمانة وصدق وإخلاص وجدية فإن جانباً منه طبق وصاغ الحياة الفكرية والعملية للمسلمين طوال قرون من الزمن، لذلك فالمسلمون يشعرون بهذا الإنتماء السياسي والإجتماعي والتشريعي والحياتي الذي أسس بنيانه الدين الإسلامي.
ثانيهما : أنه لم يوجد في الإسلام سلطة بشرية دينية مشخَّصة. كما لم يوجد رجال دين، بل علماء متخصصون في علوم الدين، مثلهم مثل العلماء المتخصصين في العلوم المدنية. ولم يكن في الإسلام تراتـُبية بين رجال الدين تبتدئ من عالم دين صغير في أسفل الهرم الديني وتنتهي به إلى صاحب السلطة العليا في القمة. ولا يخوِّل الإسلامُ لعالِــم الدين في أي مستوى من مستويات التـفقه في الدين سلطة توسطية بين الله وبين الإنسان ولا سلطة الإنصات إلى اعتراف المجرم أو المذنب وحق غـفـران ذنـبه.
لذلك فإن الدعوة العلمانية لم تلق في بدايتها منطقة فراغ تشريعي كالذي حدث في اوروبا بعد عصر الإقطاع، بل واجهت على صعيدي التشريع والتنظيم الإجتماعي شعوبا تنظم حياتها وعلاقاتها على هدي الشريعة ، كما لم تواجه على الصعيد الفلسفي حالة ضياع وحيرة تمكنها من فرض منهجها المادي على الناس بل واجهت بناء فكريا مستمدا من الإسلام ومن دعوته إلى التفكر وإعمال المعرفة التجريبية في ميدانه الخاص به والتسليم فيما يخص الإنسان ومبادئه ومنهاج حياته الدينية والعملية الدنيوية إلى مصادر التشريع الإسلامي من وحي واجتهاد وقياس ومصالح عامة وأعراف مستحسنة.
غير أن الدعوة العلمانية استطاعت بعد ذلك بمؤازرة الإستعمار وأيضاً بواسطة مناصري أفكارها من الداخل إلى إحكام سيطرتها على التعليم والثقافة والفنون وتسللت الى مؤسسات التشريع والقضاء وخاصة في التشريعات المدنية والتجارية والجنائية، وهي مازالت تتحفز للقضاء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالأحوال الشخصية لإحلال قوانين علمانية مكانها بعد أن تمكنت من إدخالها في بعض الدول العربية والإسلامية,لذلك كان هذا الصراع ومازال من أجل الوثوب إلى آخر معاقل الشريعة في مجال تشريعاتها الخاصة بالأحوال الشخصية.
فكان لابد لهذا الصراع بين العلمانية والإسلام أن يستشري وأن تتباعد الفجوة بينهما بسبب ما يؤججه متشددو كل فريق ، ولكننا بعيداً عن هذا الصراع كان لا بد لنا من أن نتعرف على نقاط التلاقي والإختلاف بين هاتين المنهجيتين ، تمهيداُ لمعرفة الأصلح، فليس كما قال أحدهم بأن ما يهم الناس هو كيف يأكلون من العلمانية خبزاً وكيف يشرب الأطفال من الدين حليباً ولكن المهم معرفة ما يأكل الكبار من خبز وما يشرب الصغار من حليب، فكم من اصناف الغذاء لا تتوافق مع البنية الجسدية لبعض الأشخاص.
و لا بد في البداية معرفة أي نوع من الإسلام وأي نوع من العلمانية يتفقان وأي نوع منهما يختلفان. بل والأصح أن أقول أي نوع من المسلمين وأي نوع من العلمانيين يتفقون أو يختلفون.
قسّم المهتمون بالدراسة المقارنة بين الإسلام والعلمانية هؤلاء الفريقين إلى قسمين في كل فريق : فمن الوجهة الإسلامية يقسم المسلمون إلى مسلمين معتدلين ووسطييين، ومسلمين متطرفين وتكفيريين ، فالمعتدلين هم الذين ينادون بحرية الرأي والتعبير ولا يحملون الناس على اتباع دينهم كرهاً ولا على وجهة نظرهم ويحترمون حقوق الأقليات وأتباع الديانات الأخرى ويؤمنون بالإسلام السمح (وهو أعمق من المتسامح)، ويسعون إلى الحوار في أبهى صوره، ويؤمنون بالإختلاف ويبتعدون عن الخلاف ، وأما المسلمون المتطرفون فهم هؤلاء الذين يُقصون من دائرتهم المغلقة كل من خالفهم الرأي من المسلمين ، وكذلك يقصون غير المسلمين ويضمون الى لائحتهم المنشقين والمنحرفين، ويُصدرون عليهم أحكام الإدانة في المطلق، ويوقعون باسم الله فتاويهم التكفيرية والإقصائية.
وكذلك العلمانيون فهم يقسمون من وجهة النظر العلمانية إلى علمانيون متطرفون وعلمانيون معتدلون. فالعلمانيون المتطرفون هم الذين ابتعدوا عن مفهوم العلمانية الأصلي الذي كان محصورا في الإطاحة بنظام الكنيسة التي هيمنت في العصور الوسطى على أوروبا والذي كان يعني في ابسط صوره فصل الدين عن الدولة. فأصبحت العلمانية بمقتضى مفهومهم ديناً استبداديا يقمع الحريات ويمنع التجمعات ويستأثر بوسائل الإعلام ويحكم سيطرته على الجيش ويسن القوانين العرفية ويحظر التعليم الديني ويمنع الإشارات الدينية من ملابس محتشمة في المدارس بينما يسمح بارتداء الملابس المبتذلة والخليعة، أو يمنع من وضع الصلبان في المدارس الرسمية كما كان متبعاً في ايطاليا، أويحول دون انخر اط المتدينين في الوظائف العامة ويمنع حقوق الأقليات، حتى أضحت صورة هؤلاء العلمانيين المتطرفين أكثر ظهوراً وتأثيراً من الجماعات المعتدلة حتى في الدول المتقدمة .
واما العلمانيون المعتدلون فهم من يستبعد تدخل الدين في شؤون السياسة، ويقفون موقف الحياد من باقي مناحي الحياة. ومنها حرية الاعتقاد والإيمان بالدين الذي تختاره الجماعات والأفراد طوعا. ويمكن تلخيص موقفهم من الدين والدولة بأنهم يعتقدون بأنه يتعين على الدولة أن لا تعتـنق أي مبدأ ديني، ولكن عليها في الوقت نفسه أن تعترف بجميع الديانات والمعتقدات، وأن تحترم الحريات الدينية وتحافظ عليها، وعليها أن لا تتدخل بين السلطة الدينية وبين المؤمنين بهذا الدين، فلا تفرض الدين على أحد ولا تصرف أحدا عن دينه، وعليها أن لا تتدخل في الشؤون التنظيمية للدين،و هي من وراء ذلك كله تسعى الى احترام المواطنين للأنظمة والقوانين السائدة.
وبعد إقصاء المتطرفين من الوجهتين الإسلامية والعلمانية فإنه يمكن أن نستعرض بعض أوجه الخلاف بين المنهجين الإسلامي والعلماني، وأسوقها هنا على سبيل المثال وليس على سبيل الأهمية أو الحصر.
فمن وجهة النظر الإسلامية يعتبر المسلمون في مجال تفنيدهم للمنهجية العلمانية بأن الإسلام غير معني بمسألة العلمانية، فالعلمانية ظاهرة أوروبية من حيث موطنها أو موقعها البشري والتاريخي، أو من حيث المعطيات السياسية والإجتماعية والفكرية والدينية التي أدت اليها، فهي بالتالي ليست مشكلة اسلامية لا على مستوى الدين ولا على مستوى السياسة ولا على مستوى المجتمع ولا على مستوى الحضارة. يقول سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين : أن العلمانية هي فكرة أوروبية نشأت لحل مشكلة أوروبية فرضتها معطيات ارتبطت بالتجمعات الأوربية في ظل شروط تاريخية معينة ….. وان المبررات النظرية للعلمانية التي استنبطها الفكر الأوربي من مجمل النظريات الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي ظهرت بين الفلاسفة والمفكرين الاوروبيين منذ القرن السادس عشر – هذه المبررات لم يوجد في الإسلام ما يدعو إليها على الإطلاق “.
ومن أوجه الإختلاف أيضاً بين المنهجيتين ما يصفه المسلمون بأنه محاولة تمويه الفكر العلماني عن طريق اشتقاق لفظه من العلم وايهام الآخر بأنه مبني على الأسس العلمية التجريبية وان الفكر الديني يحارب العلم ، فليس الإسلام ضد العِلمانية – بالكسر – لأن الإسلام لا يتناقض مع الدعوة الى العلم والى اعتماد التجربة العلمية على المعطيات الحسية والمادية ، ولكن الخلاف بين المسلمين وبين العِلمانيين في تحديد مفهوم العلم، فالعلم عند الغربيين الطبيعيين لا يتناول إلا المحسوسات والمشاهدات، فهو العلم الطبيعي والرياضي فقط ولا صلة له بما وراء الطبيعة أو بالأسئلة الكبرى المتعلقة بمصير الإنسان، وإن العالِم بنظرهم ما إن يسأل نفسه هذه الأسئلة ويحاول الإجابة عنها حتى يتحول عن سلوكه كعالم ويتخلى عن وظيفته العلمية ، أما عند المسلمين فالعلم يشمل كل ما يتصل بالكون والإنسان والحياة ومصير الإنسان بعد الموت .
وكذلك العَلمانية بفتح العين بمعنى : الدنيوى والواقعى، فهى نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفيا بذاته، تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه. فالعالم والواقع والدنيا هى مرجعية التدبير للاجتماع الإنسانى والدولة والحياة، ومن ثم فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست فى حاجة إلى مدبر من خارج هذا العالم ومن وراء هذه الطبيعة. والإنسان مكتف بذاته، يدبر شئونه ويبدع قيمه ونظمه بواسطة العقل والتجربة، وليس فى حاجة إلى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير، ولذلك فالعلمانيون يعتبرون بأن الدين لا شأن له في الدولة وفي تنظيمها السياسي والتشريعي، وهذا ما يتناقض مع وجهة نظر الإسلام وتطبيقاته منذ نشأته إلى هذا الوقت مروراً بالدول التي أسسها ابتداءً من دولة المدينة فعصر الخلفاء الراشدين فالدولة الأموية ثم العباسية ثم العثمانية.
وينتج عن ذلك أن العلمانيين في أغلبيتهم ملحدون بالله ولا يؤمنون بالأديان السماوية ، ولا بقواعد الأخلاق التي جاءت بها هذه الرسالات ولا يقيمون وزناً لما تعارفت عليه الأديان من محرمات ومنكرات ولا يوجد لديهم الوازع الديني الذي عادة ما يردع المؤمن من الأتيان بالفواحش والأمور المستنكرة ولو أباحتها القوانين الوضعية.
والعلمانيون يحاولون كذلك تغيير طبيعة الأمة المؤمنة بربها ودينها وانطلاقها بكل طاقاتها ولذلك فهي مرفوضة كما يقول العلامة الشيخ القرضاوي بكل المعايير ، معيار الدين، ومعيار العقل ومعيار العلم ومعيار المصلحة، أنها ضد الدين وضد الدستور وضد حقوق الإنسان وضد مصلحة الأمة وأصالتها. لذلك فهم يسعون بقصد أو عن غير قصد وبتشجيع من دول الغرب لمد سيطرته على المناطق التي تقع تحت نفوذ الثقافة الإسلامية.
واما من وجهة النظر العلمانية فهي لا تقل نقداً للفكر الديني الإسلامي ومنها القول بأن مجتمعاتنا الإسلامية ستبقى في مستنقع التخلف ما دمنا أمناء لحياتنا الدينية وسنخرج من التخلف ونلحق بركاب العالم المتقدم فنزداد قوة وثراء بمقدار ما نتخلى عن محتوانا الديني وأن الإسلام وما يمثل في حياتنا من قيم وما بقي منه في حياتنا من نظم وما نأخذ أنفسنا بممارسته من وصايا الإسلام وتشريعاته في حياتنا كل ذلك مسؤول عن تخلفنا وضعفنا وانحطاط حياتنا السياسية والثقافية والإجتماعية بل وان هزائمنا العسكرية مع اعداءنا تعود الى وضعنا هذا ولذلك فما علينا الا أن نخرج من عالمنا الثقافي والعقائدي ونقيم دولة القانون المدني، فيكون الحكم وأجهزته ومؤسساته مساساً من قبل رجال زمنيون يستمدون تشريعاتها من خبرتهم البشرية في الإدارة والقانون واساليب العيش.
ورغم التأكيد على أن الإسلام ليس فيه مؤسسة دينية كالكنيسة إلا أنه انطلاقا من قدسية نصوص الوحي فقد استخدم الأصوليون مصادراً لاستنباط أحكامهم التشريعية التي ربطوا بها المجتمع كالقياس والإجماع فكونوا تفسيرا للنصوص المقدسة واستنبطوا أحكاما صارت هي تجسيد الإسلام يستحيل مخالفتها والرجوع عنها، وما على الناس في الأجيال اللاحقة إلا اتباع ما «أجمع» عليه المشرعون الأوائل. لذلك نشأ صراع شبيه بالصراع بين الكنيسة والعلمانية.
لذلك فإن كثيراً من الاجتهادات الإسلامية المعاصرة قبلت ذلك التجسيد وحاولت الإطاحة به عن طريق أطروحات مثل أن النص القرآني منزل ولكن فهمنا له كله تأويل بشري وهو ما نادى به السيد محمد شحرور، أو أن كل مجتمع بحاجة لأسطورة والقرآن هو أسطورتنا وهو رأي الأستاذ محمد أركون، أو أن النص القرآني منذ لحظة نزوله تحول من كونه نصا إلهيا وصار فهما إنسانيا وهو ما نادى به الأستاذ سيد نصر حامد أبو زيد، أو أن الإسلام رسالتان مكية ومدنية، والمدنية تاريخية منسوخة وهو رأي الأستاذ محمود محمد طه.
وأما على صعيد قوانين الأحوال الشخصية وهو ما تبقى من مجموعة القوانين الخاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية فإن ما يؤخذ على أصحاب المشروع الإسلامي هو عدم أخذهم بعين الإعتبار لفئة الملحدين ففي المجتمع كل مجتمع أناس لا يؤمنون بأي دين وإرغامهم على الخضوع لقوانين شرعية وروحية يتنافى مع مبدأ الحرية المكفول بالدستور وشرعية حقوق الإنسان، فكان لا بد من استبدال هذه القوانين المستمدة من التشريعات الدينية بقانون مدني موحد. إضافة إلى أن التشريعات الدينية للأحوال الشخصية تحول دون تكون وحدة وطنية حقيقية فهي تثبت الانقسامات الطائفية وتعمقها وتؤدي في آخر المطاف الى تفتيت الوحدة الوطنية. وتؤدي ايضاً إلى حصر القدرة على تكوين العائلة في داخل كل طائفة بابناء تلك الطائفة وتحول دون تكون وحدة نسبية بين أبناء المجتمع الواحد تقوم على صلاة الدم والقربى وتبقي هذه التشريعات كل طائفة معزولة عن الطوائف الأخرى.
وفي طبيعة الحال وبعد استعراض بعض وجهات النظر المبينة لمدى عمق الهوة التي تفصل بين المنهجين الإسلامي والعلماني فإن كل منهج يدحض الاراء التي ادعاها الطرف الآخر، ولا مجال هنا لذكرها، ولكن نكتفي بالقول بأن مفكرين من كلا الطرفين وانطلاقاً من إيمانهم بمنهجهم الذي ينتمون اليه سعوا وما زالوا يسعون لرأب الصدع ومحاولة تقريب وجهات النظر من أجل بناء مجتمع واحد مبني على أسس العدل والمساواة بين جميع أبناءه, يقول الصادق المهدي : إن الإيمان المنكفئ والعلمانية المتعدية لحدودها التي تحول العلم للعلموية وتحكّم العقل في خارج حدوده، نظرتان تشتبكان، ولا مناص من التوفيق أو التعايش بينهما، وهما تغذيان بعضهما الآخر، وتدخلان مجتمعاتنا في حوار طرشان عقيم.
فأوجه الإلتقاء بين المنهجين العلماني والإسلامي دفع بعض العلمانيين إلى التسليم بعدم وجود تماثل بين الحالة الأوربية وسلطتها الدينية الكنسية والحالة العربية الإسلامية، وبالتالي فوصف الدواء سيختلف بالتأكيد عن الوصفة الأوربية، بمعنى أن النسخة العلمانية لديهم ستختلف بالتأكيـــــد عن اللايكية الفرنسية وحتى السيكولارية الألمانية والبريطانية فهذه العلمانية لا تدعو إلى تتحييد وتهميش الدين وإنما تترك له مجال فعله وتترك له حريته الكاملة ولا تصادر على أحد معتقداته والأهم أنها لا تقيم الأفراد بحسب أديانهم ومعتقداتهم، والمجالات التي تحاول الإستقلال بها ليست بالتأكيد ما رسخ من إيمان بالقرآن والملائكة والرسل، والغيبيات فحقل العلمانية الأساسي هو الفكر السياسي والمجال الذي تحاول الإستقلال به هو مجال السلطة والحكم والتشريع والإستقلالية هنا تعني الطابع المدني والإنساني الذي يجب أن يكون عنوان الدولة.
وأما في الجانب الإسلامي فيذهب الإمام محمد مهدي شمس الدين مثلاً الى القول بأن المعركة حول مدنية الدولة الإسلامية ودينية الدولة الإسلامية هي معركة أشباح فنرسم مخططا لدولة اسلامية لا تفترق اطلاقاً عن أي دولة مدنية حديثة فلنسمها علمانية إذن مع التحفظ على الخلفية الفلسفية لهذه الكلمة . يمكن ان نبني مؤسسات المجتمع الحديث انطلاقا من حاجاته مع الحفاظ على السمات العامة التي تميز المسلم عن غيره. إن ما أنشىء فعلا في العهود الإسلامية هو مؤسسات مدنية بكل معنى الكلمة تولاها اشخاص مدنيون بل في بعض العهود المتأخرة تولاها غير مسلمين، فالإسلام لم ينشأ دولة دينية، الإسلام عقيدة عامة وشريعة عامة، ولا يمكن أن ندعي بأن الفقه التاريخي المدون يصلح كله كأساس قانوني وحقوقي للدولة المقترحة، فلا بد من تقديم مقترحات تجريبية لقوانين ودساتير إسلامية فقد يكون الفراغ في الفقه العام الجديد هو الذي يسبب في جانب منه السجال العقيم والمعارك الوهمية بين سوء فهم للعلمانية وسء فهم للمشروع الإسلامي.
وذهب الأستاذ جمال البنا الى القول بأن الإسلام لا يعترف بالمؤسسة الدينية التي تحتكر التفسير والتأويل والتحريم والتحليل وتكون واسطة بين الفرد والله وتؤدي وظائفها داخل مبنى له شروط معينة وأن تقرير حرية العقيدة والفكر وبساطة فكرة الألوهية ابعد الإسلام عن الثيولوجية قدر ما قربها من العلمانية، وأن تطور المجتمعات الإسلامية البسيطة الى مجتمعات امبراطورية فرض عليها درجة من التخصص الديني في المعرفة ثم أدى إلى تحول علماء الدين بعد ذلك الى رجال دين يشكلون طبقة اكليروس يهدفون الى احتكار المهنة الدينية. ومع تقارب الإسلام مع العلمانية في رفض الدولة الثيولوجية والإيمان بالعقد الإجتماعي كأساس للحكم وبجعل معظم النشاط الإقتصادي كما الزواج قائما على مبدأ التعاقد المدني بدون اسرار أو اشتراط وجود رجل دين ، واهتمام الإسلام بأمور الحياة والعزوف عن الرهبانية إلا انه يهتم بما وراء الموت والآخرة وما يتنظر الإنسان من ثواب أو من عقاب.
كما أن من أوجه تلاقي العلمانية مع الإسلام هو التصور الإسلامي الديناميكي للحياة الذي يقوم على مبدأ التدافع القريب من مبدأ الصراع والجدل ما بين قوى الخير والشر. وإن كان يختلف الإسلام مع العلمانية في بناء المجتمع على القيم الدينية وما هو مقدس ومدنس مما يلزم المؤمن درجة من الانضباط لكبح جماح شهواته الا انه يختلف مع المسيحية ويتقارب مع العلمانية في نظرتهما للعلاقات الجنسية المشروعة فالإسلام لم ير فيه شهوة الجسد واللحم بل رأى فيه غريزة اراد الله بها حفظ النوع البشري وان صاحبها اذا وضعها في موضعها المشروع اثيب عليها وان انحرف عوقب عليها.
ويلاحظ جمال البنا في خاتمة كتابه بأن المجتمع الإسلامي الذي تتقارب فيه القيم الإسلامية من العلمانية حتى وان تعارضت في الأصول يحدث شد وجذب وصراع نتيجة أن كل فريق يريد ان يستحوذ على الصدارة ولا يؤمن بمعايشة جدلية تكاملية، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يعيش هذا الحاضر الشكس طويلا، لذلك فهو يتوقع أن تظهر هذه المماحكة بظهور صورة شرقية من العلمانية تحتفظ بالقيم الإسلامية ويستلهما المجتمع بنوع من التوازن بين عناصر الحفاظ والثبات وقوى التقدم والتطور. وحينئذ ستصبح قضية العلمانية قضية حضارية وليست مؤسساتية تنبثق عن المجتمع وليس عن الدولة ويفسح المجال لوجود علمانية اسلامية فيها تحرر العلمانية وعقلانيتها مع الإحتفاظ برأس ومحور العقيدة – الإيمان بالله وما يشعه ذلك من ايمان بالرسل والقيم الحضارية الإسلامية.
هذه هي بعض الآراء المتفارقة والمتلاقية ما بين المنهج الإسلامي والمنهج العلماني، وهي بهذا الإستعراض السريع تركتنا أمام خيارين أثنين : إما التعايش ما بين المنهجين وهذا الخيارله مؤيدوه من كلا الفريقين وتعتريه مصاعب كثيرة ، وأما التصارع والتشابك إلى أن ينتهي بانتصار فريق على آخر. وبانتظار النتيجة يتعين على العقلاء في كل من الفريقين التدبر ومحاولة البحث عن أرضية مشتركة، وعدم الانزلاق جزافاً. فهل استفاد المسلمون والعرب من التجربة العلمانية في دول الغرب أو في الدول العربية والإسلامية التي طبقتها مثل تركيا وتونس . وهل هذان المثلان الأخيران هما من الأمثلة التي يحتذى بهما، فتركيا التي طبقت العلمانية الضيقة والحصرية فشلت في ايصال نفسها الى مصاف الدول الراقية والديمقراطية، ولذلك ابتدأت بالدخول بمرحلة جديدة تكون فيها العلمانية أكثر ملائمة لبيئتها الإسلامية. وأما تونس فهل تعتبر تجربتها في مجال الأحوال الشخصية من التجارب الناجحة وهل حالة المرأة هي بأفضل حال من مثيلاتها في باقي الدول العربية .
وبالمقابل هل استفاد العلمانيون العرب من المبادىء السامية التي جاء بها الإسلام وأقرتها الشريعة السمحاء في مجالات الحكم والتشريع والإقتصاد, ألا نحتاج نحن أيضاً كمسلمين إلى فهم واع ودقيق للنص الديني، وإعمال الآراء الفقهية بدل القراءة الواحدة. في مطلق الأحوال لا يجب أن يدفعنا هاجس الحفاظ على الهوية إلى نهج سياسة الإحتراز وسد الأبواب والخوف من القادم، في عالم كالذي نعيش فيه، صارت قيم الآخر تسائلنا وتطرق أبوابنا بقوة، فإما أن نقيم الدليل على صلاحية تشريعاتنا ومبادئنا أوالإعتراف بتقصيرنا والاستفادة مما صلح من تشريعات الغرب مما يتوافق مع مبادى ديننا ومع الأسس الأخلاقية التي جاء بها الإسلام والمسيحية.