مدونة

الإنجيل في النظرة الإسلامية

الإنجيل والقرآن2
العيش المشترك / مؤتمرات / مدونتي

الإنجيل في النظرة الإسلامية

قبل الخوض في صلب موضوعنا عن الإنجيل من وجهة النظر الإسلامية، لا بد لي من التحدث بداية عن موقع الإنجيل في الإيمان الإسلامي، بمعنى هل موقع هذا الإيمان هو مجرد التصديق اللفظي المجرد الذي لا ينبني عليه أي أمور أخرى في الحياة الايمانية للمسلم أو أن موقع هذا الإيمان أساسي لما يترتب عليه من أمور باعتباره جزءاً لا يتجزء من الإيمان الإسلامي.

 يقوم الإسلام على خمسة أركان وأسس ظاهرية أي بمعنى أنها تؤدى بشكل ظاهري وخارجي وهي: النطق بالشهادتين اللتين تقران بأن الله واحد لا اله ولا معبود غيره، وبأن محمداً هو نبي الله ورسوله، وإقامة الصلوات الخمسة اليومية، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان والحج الى بيت الله الحرام في مكة. في هذه الأركان لا نجد أي إشارة خاصة إلى الإيمان بالإنجيل أو المسيحية سوى أن القرآن تضمن آيات تشير إلى النصارى وبأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر يعملون العمل الصالح[1].

كما يقوم الإيمان – وهو غير الإسلام – على خمسة أركان وأسس أيضاً وهي أركان باطنية، أي مركزها العقل والقلب دون أن تكون لهذه الأسس مظاهر خارجية يعبر عنها بأشكال وطقوس معينة : وهي الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب السماوية وبالانبياء والرسل وبيوم القيامة.

هنا يدخل الإنجيل باعتباره من ضمن الكتب السماوية كما يدخل الإيمان بالسيد المسيح عليه السلام باعتباره من الرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله خلال الحقبات التاريخية، ضمن أسس الإيمان الإسلامي. فالإيمان بهما يعتبر جزءاً من هذا الإيمان الإسلامي الشامل المتماسك فلا نستطيع فصلهما عن باقي الأركان الثلاثة الباقية، واللذين بغيرهما لا يكتمل ايمان المسلم، بل ويعتبر خارجا عن دائرة الإيمان كل من لا يؤمن بالإنجيل وبباقي الكتب السماوية وبالمسيح عليه السلام وبباقي الأنبياء الذين أرسلهم بوحي منه لتبليغه للناس.

كما يقسم علم التوحيد وهو ما يقابله علم اللاهوت إلى ثلاثة أقسام رئيسية : الإلهيات، النبوات والغيبيات.

هنا يدخل موضوع الإنجيل في القسمين الأول والثاني : الإلهيات والنبوات. ولا يدخل في القسم الثالث وهو الغيبيات إلا إذا اعتبرنا بأن موضوع عودة المسيح عليه السلام في آخر الزمان هي من مواضيع الغيبيات التي يدخل فيها الإيمان بعلامات يوم القيامة.

  ففي الإلهيات يدخل موضوع الإنجيل من حيث أن مواضيع هذا القسم تتناول ذات الله تعالى وصفاته وأن من بين صفات الله الأزلية : الكلام. فالإنجيل كما التوراة هما كلام الله تعالى بلا أدنى شك.

وفي النبوات يدخل موضوع الإنجيل من حيث أن مواضيع هذا القسم تتناول الأنبياء والرسل والكتب التي أوحى الله بها اليهم وكيفية تلقي الأنبياء الوحي من الله.

نبتدأ بموضوع الأنجيل هو كلام الله :

ما هو الكلام أولاً ؟ :  ينقسم الكلام الى :

  1. ألفاظ معبرة عن المعنى القائم بالنفس : فتقول هذا كلام فصيح وبليغ وواضح
  2. المعنى القائم بالنفس قبل أن يعبر عنه بألفاظ، مثل أن تقول : إن في نفسي كلاما أريد أن أذكره لكم.

موضوع كلام الله[2] يعتبر من المواضيع الخلافية عند المفكرين المسلمين بين مذهب أهل السنة من جهة وهم الأشاعرة، وبين المعتزلة من جهة ثانية وبين الإمام أحمد ابن حنبل. ولكن المتفق عليه هو أن صفة الكلام ثابتة لله تعالى باجماع الآراء أي أن الله متكلم. غير أن المعتزلة ذهبوا الى القول بأن ما أجمع عليه المسلمون على اثباته لله بأنه متكلم إنما هو أصوات وحروف يخلقهما الله في غيره كاللوح المحفوظ (باعتباره وديعة مقادير الخلق ومحتوى كلام الله)  والملاك جبريل (باعتباره الرسول المؤتمن على الوحي المبلغ عن الله) فالكلام هنا حادث وليس بقديم، وهذه هي صفة الكلام الوحيدة لديهم. أما المفكرون السنة أي الأشاعرة فقالوا بأنهم ايضاً يقولون بذلك ولكن هذا الكلام الذي تقول به المعتزلة نسميه كلاماً لفظيا وهو حادث وليس قديم وغير قائم بذات الله، ولكن هناك صفة قائمة بالنفس والتي نسميها بالكلام النفسي وهي التي يمكن التعبير عنها بالألفاظ هي صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى. هنا افترق المعتزلة عن جمهور أهل السنة فهم لم يعتقدوا بأن هناك كلام نفسي ولا صفة قديمة بهذا المعنى وإنما قالوا بأن ما يقول به السنة أنه كلام نفسي هو بالحقيقة مرده الى صفة ” علم الله ” إن كان المدلول خبراً والى صفة ” إرادة الله ” إن كان أمراً أو نهياً.

والتطبيق العملي لهذه المسألة وهو أن كلام الله المذكور في القرآن وفي الكتب السماوية يدل قبل ان يوحي الله به الى رسله، على المعاني الموجودة في ذات الله قبل الألفاظ التي تشير الى ما سيكون عليه الأمر من ناحية التزام الناس الذين سيصلهم الوحي بالقواعد والانتهاء عن المحرمات والإخبار عن مواضيع معينة. هذه المعاني هي قديمة قائمة بذات الله تعالى، فماذا نسميها ؟ المعتزلة يسمونها العلم إذا كان إخباراً والإرادة إذا كان التزاما وأمراً  أو نهياً، واما جمهور السنة فقالوا بأن اسم هذه المعاني هو الكلام النفسي وهو غير صفتي العلم والارادة. وما نسمعه من خلاف في هذا الموضوع غير هذا الأمر فهو الخلاف القائم بين المعتزلة والإمام أحمد ابن حنبل الذي يقول بأن هذه الحروف والأصوات هي أيضاً قديمة.

وما يهمنا هو أن نقول في مجال الموضوع الذي نتكلم فيه هو أمران :

  1. أن ما يوجد ما بين دفتي القرآن والإنجيل والتوراة من حروف وألفاظ وصفحات هي مخلوقة وليست أزلية، أما ما تحتويه هذه الكتب من كلام أي معاني نفسية موحى بها هي أزلية قائمة بذات الله تعالى وهو ما يسميها المعتزلة العلم والارادة الصفتان القديمتان القائمتان بذات الله تعالى.
  2. الأمر الثاني وهو : إن قيل لنا بأن ما جاء في القرآن الكريم من أن المسيح هو رسول الله وكلمته، فإن الكلمة قديمة وقائمة بذات الله فيكون المسيح قديم إزلي وأنه أقنيم من الأقانيم الثلاثة الذي تؤمن به المسيحية. حتى أزيل سريعاً اي التباس بهذا الموضوع أقول بأن الكلمة هنا معناها الكاف والنون أي أمر الله بالخلق ” كن” فالمسيح متعلق الكلمة كما يتعلق الكون المخلوق بارادة الله حين قال الله له في القرآن الكريم : “كن” (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)، فلم يقل أحد بأن الكون أزلي مع أنه متعلق من متعلقات الكلمة، وكذلك المسيح هو متعلق كلمة الخلق ” كن”، وإنما أشار اليه بالكلمة لشد الذهن إلى أن خلقه إنما كان بمحض ارادة الله التي تمثلت في قوله “كن”. وهو ما تستخدمه اللغة العربية، فيقول القرآن بأسلوب لغوي عن الشخص الذي كان يصاحب النبي يوسف في السجن والذي كان يقص عليه منامه (إني أراني أعصر خمرا) والواقع هو أنه يعصر العنب ليكون خمرا، فاستخدم متعلق الكلمة للدلالة على النتيجة الحتمية التي يريدها وهي الحصول على خمر.

الإنجيل كتاب سماوي

الإنجيل هو من بين الكتب السماوية التي أوحى الله بها الى سيدنا المسيح عليه السلام .

وردت كلمة الإنجيل في القرآن الكريم 12 مرة على الشكل الآتي :

آل عمران-3 :

  1. (الم 1 اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ 2 نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ 3 مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ)
  2. (46 قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ 47 وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ 48 وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 49 وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ 50)
  3. (63 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 64 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 65 هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ 66 مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

المائده – 5 :

  1. (45 وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ 46 وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

3 . ( 64 وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ 65 وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ)

  1. (66 يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ 67 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ)
  2. (109 إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ 110 وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ 111)

الأعراف – 1:

(156 الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

التوبه – 1:

(110 إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 111 التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

الفتح – 1 :

(28 مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)

الحديد – 1 :

  (26 ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)

من خلال قراءة هذه الآيات القرآنية قد يكون البعض لاحظ ما استخدمه القرآن من عبارة للتدليل على الفرق بين تنزيل القرآن الكريم وإنزال الإنجيل. القرآن لم يستخدم نفس اللفظ وإنما استخدم كلمة “تنزيل” للدلالة على القرآن، وكلمة “أنزل” للدلالة على الإنجيل. هل هناك فرق بين اللفظين ؟

أولاً وردت كلمة ” أنزل الإنجيل ” أو ” أنزل”  للدلالة على الانجيل ست مرات، والفرق بين الإنزال والتنزيل إنما للدلالة على أمر خاص ذكره بعض المفسرين : “التنزيل” تفيد التكثير والمبالغة غالبا نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق….الخ )، ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراقُ وقت أطول، وأنه يفيد تلبثا ومكثا، فالقرآن نزل على مدى ثلاثة وعشرين سنة وفق أحداث معينة، وأما الإنجيل فهو نزل كما يقول بعض هؤلاء المفسرين دفعة واحدة. لا أعتقد شخصيا بهذا الرأي، وإنما اعتقد بأن هناك فرقا خاصا وأساسيا يفرق ما بين نزول الإنجيل وتنزيل القرآن، فلو كان الأمر كما يقولون بأن الإنجيل والتوراة نزلا دفعة واحدة لما سخر القرآن من طلب اليهود بأن ينزل عليهم كتابا من السماء، جاء في القرآن الكريم :

( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)[3]

لمعرفة الفرق بينهما انطلاقا من المعنى اللغوى للفظين حيث يفيد التنزيل بصيغة التفعيل المبالغة في الفعل، إنما يكون في البحث عن مفهوم القرآن لمعرفة خصائصه التي تفرقه عن الإنجيل حيث أنه يعرف بانه (كلامُ الله تعالى، المُنَزَّلُ على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المُتَعبَّدُ بتلاوته، المكتوبُ بين دفّتي المصحف، المتحَدَّى بأصغر سورة منه، المنقولُ إلينا بالتواتر) بمعنى أن القرآن بمعانيه وحروفه هو كلام الله تعالى وليس كلام جبريل، ولا كلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولا كلام الملائكة ولا أحد من البشر، وقد نقل الينا بطريقتين : عن طريق الكتابة منذ نطقه من فم النبي وعن طريق الحفظ من لحظة نزول الوحي وسماعه مباشرة من النبي إلى الآن حيث ما زال مئات الالوف من المؤمنين يحفظونه عن ظهر قلب كما تلقوه مشافهة عبر سلسلة من الحفاظ يتلقونه جيلا عن جيل. وهذا الحفظ الشفهي متطابق تماما مع المكتوب كتابة. هناك فرق آخر بأن القرآن معجز فكل الأنبياء كانت لهم معجزات في زمانهم الذي مضى وأما معجزة النبي محمد فهي ما يضمه القرآن من أوجه إعجازية باقية إلى الآن، فرق آخر وهو أن القرآن الكريم يتعبد بتلاوته وحفظه. وأما كلام النبي فلا يدخل ضمن النصوص القرآنية، وهو ما يؤكده نهي النبي عن تدوين كلامه سوى ما كان يوحى اليه عند تنزيل القرآن وذلك كي لا يختلط كلامه مع القرآن الكريم. وأن تدوين الحديث جاء بعد ذلك بمدة طويلة.

فإذا كانت هذه هي خصائص القرآن الكريم المنزّل، فإذا طابقناها على الإنجيل المنزَل لنتج عن ذلك بعض الأسئلة التي نطرحها :

  1. هل الإنجيل هو كلام الله بحروفه ومعانيه ؟
  2. هل الإنجيل دون أدنى تقليل من شأنه باعتباره كلام الله الذي فيه هدى، هو معجز بمعنى هل نستطيع أن نضيف الى معجزات السيد المسيح التي قام بها حقا وصدقا من إحياء الموتي وإبراء المرضى، معجزة كلامية وبلاغية وعلمية منصوص عليها في الإنجيل؟
  3. هل الإنجيل نقل الينا بالتواتر، بمعنى أنه تمت كتابته فوراً حينما نطق به المسيح وتم حفظه وانتقاله – بشكل متوازن – من جيل الى جيل الى هذا الوقت عن طريق شبكات من القراء والحفاظ، ينقل كل جيل منهم ما حفظه عن الجيل السابق الى الجيل الذي سمعه من فم المسيح عليه السلام مباشرة ؟
  4. هل الإنجيل يتعبد بتلاوته ويحفظ عن ظهر قلب، إضافة الى الالتزام بتعاليمه؟
  5. هل الإنجيل إذا لم يكن كلام الله المباشر الذي أنطق به المسيح فهل هو كلام المسيح باللفظ واما المعنى فهو من عند الله بوحي وإلهام منه ؟ هذا السؤال الأخير أطرحه من زاوية الإعتقاد الإسلامي.

الردود على هذه الأسئلة ستعلمنا لماذا استخدم القرآن لفظ “أنزل” عندما تكلم عن الإنجيل و” تنزَّل” عندما تكلم عن القرآن. إضافة إلى أن القرآن شدد على ملاحظة التنزيل في ثلاثة مواضع أخرى مستقلة وخاصة بالقرآن بأن قال : (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)[4] و (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى)[5] و (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا)[6]

مع ملاحظة أن الوحي القرآني لم ينزل على سمع النبي محمد، بل على قلبه (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)[7] و (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)[8].

مما نستطيع أن نستخلصه مما سبق بأن الإسلام يؤمن بأن الإنجيل كتاب أوحى الله به وأنزله على سيدنا المسيح عليه السلام، ومعنى نزوله من عند الله لا يتوافق مع تنزيل القرآن بل يختلف عنه، فإن كان التنزيل معروفا ومعلوماً عند المسلمين بما وضحه الوحي، فإن نزول الإنجيل غير معلوم لديهم لا من ناحية كيفيته ولا من ناحية زمانه ولا من ناحية مدته، وإن كل ما ذكر في هذا الموضوع عند المسلمين إنما هو تأويلات صادرة عن بعض العلماء المسلمين. بمعنى آخر أن القرآن موحى به بلفظه وحروفه ومعانيه ومنزل عن طريق الملك جبريل على قلب النبي محمد وفق أحداث وفترات امتدت لثلاثة وعشرين سنة، وأن ما نستطيع أن نجزم به انطلاقاَ من ايماننا الإسلامي بأن الإنجيل هو وحي من عند الله منزَل على سيدنا المسيح عليه السلام، دون أن نعلم تفاصيل هذا الوحي وصفة نطقه وكيفيته.

هل الأنجيل أصابه التحريف والتبديل : 

جاء في القرآن الكريم في معرض ذكره لليهود : (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) و (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) و (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِ  يلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) و (وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) كما ذكر القرآن بأن الإنجيل بشر بمقدم نبي بعد المسيح فقال : (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) و (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)

فهذه الآيات تشير الى وقوع التحريف من قبل اليهود كما تشير إلى إهمال الإشارة بنبي الإسلام في الإنجيل.

فهل وقع التحريف في التوراة والإنجيل في اللفظ أو المعنى أو في كليهما ؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال :

أولها : أحدها أنها بدلت كلها وهو إفراط وينبغي حمل إطلاق من أطلقه على الأكثر وإلا فهي مكابرة والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل من ذلك ما جاء في القرآن: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين }

ثانيها : أن التبديل وقع ولكن في معظمها .

ثالثها : أن التحريف وقع في اليسير منها ومعظمها باق على حاله وأيد هذا الرأي بن تيمية في كتابه الرد الصحيح على من بدل دين المسيح .

رابعها: إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ وقد أيد هذا القول إمام المحدثين البخاري في صحيحه إذ أنه ليس لأحد أن يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه : يتأولونه عن غير تأويله .

وقد قال ابن تيمية ملخصاَ ذلك (مجموع الفتاوى 13|104)[9] :  ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة أو الإنجيل باطل ليس من كلام الله، ومنهم من قال بل ذلك قليل ، وقيل لم يحرف أحد شيئا من حروف الكتب وإنما حرفوا معانيها بالتأويل وهذان القولان قال كلا منهما كثير من المسلمين، والصحيح القول الثالث : وهو أن في الأرض نسخا صحيحة وبقيت إلى عهد النبي ونسخا كثيرة محرفة، ومن قال أنه لم يحرف شيء من النسخ فقد قال ما لا يمكنه نفيه، ومن قال جميع النسخ بعد النبي حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ، والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ويخبر أن فيهما حكمه، وليس في القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ، وفي معرض آخر يقول ابن تيمية : فإن قيل فإذا كانت الكتب المتقدمة منسوخة فلماذا ذم القرآن أهل الكتاب على ترك الحكم بما أنزل الله منها في الآية التي تقول ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم ) قيل النسخ لم يقع إلا في قليل من الشرائع وإلا فالإخبار عن الله وعن اليوم الآخر وغير ذلك لا نسخ فيه.

الذي أعتقده شخصيا وهو رأي الإمام التابعي وهب بن منبه (34 هـ – 114 هـ) ، وكان من أعلم أهل زمانه في التوراة وهو رأي ابن عباس ابن عم النبي المعروف عنه بأنه ترجمان القرآن، وهو اختيار الإمام  البخاري : بأن الإنجيل وقع فيه التبديل والتغيير في المعاني وليس في الألفاظ، ومما يؤكده الآيات القرآنية التي ذكرتها في بداية حديثي والتي ذكرت بأن الانجيل فيه هدىً ونور ومنها أيضاً الآية التي تطلب من المسيحيين الإحتكام الى الإنجيل (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وقول الله في القرآن (153 وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)

وأما معنى أن يكون التبديل في الألفاظ وليس في المعاني فهو المرادف للمثل الفرنسي Traduire c’est trahir فنحن ابناء القرن الواحد والعشرون ما زلنا نواجه مشاكل أثناء الترجمة من لغة الى لغة ولو انتقلنا في مختلف البلاد العربية والبلاد الاجنبية لوجدنا أخطاء أو أمثلة مضحكة عن مشاكل الترجمة في الاعلانات والنصوص والكتب والمجلات والصحف. هذه المشاكل كانت أكثر بكثير لو عدنا الى الوراء قرنا بقرن إلى أن نصل الى فترة ترجمة الأناجيل من الآرامية والعبرية الى اليونانية ومنها الى الآرامية والسريانية والعبرية وإن كانت من ناحية الإيمان المسيحي ليست كذلك بفضل العناية الربانية، الا أنني من زاوية الإيمان الإسلامي أعتقد بأن هناك اختلافاً في التراجم مما أدى إلى إعطاء بعض الكلمات معاني محددة مخالفة لألفاظها. سوف أسوق بعض الأمثلة والتي حرصت على أن تكون مصادرها غير إسلامية:

المثال الأول : وهو عدم توسعة بعض النصوص المذكورة في العهد القديم لتشمل الإيمانين المسيحي والإسلامي:

يستشهد المستشرق المعروف هنري كوربان Henry Corbin 1903 – 1978)) بما جاء في سفر التثنية آية 33 ليقيم الحجة على اليهود بأن التجلي الآلهي الثاني Théophanie سيحمل البشرى بولادة السيد المسيح وبأن التجلي الثالث سيحمل البشرى برسالة النبي محمد . نص الآية التي تعرفونها : أقبل الرب من سيناء وأشرق من سائير وتلألأ في جبل فاران. باعتبار ان التجلي الأول كان عندما تكلم الله مع موسى.  والتجلي الثاني عندما ظهر الملك جبريل على السيدة مريم في “سائير”، وأما التجلي الثالث فهو تجلي الملك جبريل على النبي محمد في جبل فاران. ووجه الدلالة بأنه لم يظهر في جبل فاران وهي البلاد التي نشأ فيها اسماعيل ابن ابراهيم أي تجلي يذكر لنبي الا النبي محمد عندما ظهر له الملك جبريل في غار حراء من جبال مكة، وأوحى له بالقرآن. خاصة وأن فاران هي المكان الذي تفجر فيه الماء ليسقي اسماعيل وامه هاجر وينقذهما من العطش كما جاء في العهد القديم، وهذا البئر موجود الى الآن قرب الكعبة، وان العرب المستعربة وهم غالبية العرب ينتمون الى اسماعيل[10].

المثال الثاني :

وتستشهد فيه استاذة اللغة الأغريقية في السوربون  Eva de Vitray Meyerovitch في كتابها L’Islam l’autre visage[11]، إذ تقول بأنها أثناء ترحالها في دول المشرق استوقفها ما ينادي به الناس بعضهم بعضا لإظهار الاحترام بحيث كان الكبير ينادي من لا يعرفه ممن هو أصغر منه : يا إبني ، وأن الصغير ينادي الكبير الذي لا يعرفه على جهة التقدير والاحترام : يا والدي أو يا بابا. تقول بأن هذا الأسلوب في المخاطبة غير موجود في دول الغرب قاطبة وتخلص بأن لغة المسيح كانت تعرف هذا الاحترام وان المسيح استخدمها لمخاطبة الله وأن اللغة اليونانية لا يوجد فيها هذا الأسلوب الخطابي فنقلت الترجمة بحرفيتها في الأناجيل وقد يكون بنى فيما بعد آباء الكنيسة عليها فكرتهم عن الثالوث.

المثال الثالث :

ويستشهد به القسيس دافيد بنجامين الكلداني الذي أصبح اسمه فيما بعد عبد الأحد داوود في كتابه محمد في الكتاب المقدس[12] والذي يخلص فيه الى أن آيات كثيرة في الإنجيل الحالي تبشر بالنبي محمد وأن تراجم هذه الكلمات لم تعطها حقها في تحديد معانيها، والكتاب يذخر بالدلائل اللغوية اليونانية والآرامية والعبرية والعربية التي يستشهد بها المؤلف ليخلص فيها الى أن اسم النبي محمد وصفاته مذكورة في الانجيل الذي بين ايدينا ولو أمعنا النظر فيها لوجدناها مطابقة لما سبق وذكره القرآن بأن المسيح عليه السلام بشر بنبي ياتي من بعده إسمه محمد . وإني إذا لم أنقل أمثلته الكثيرة التي يستشهد بها فلانني لا أدعي معرفة باللغات اليونانية ولا الآرامية ولا العبرية تمكنني من الوثوق بها وذكرها بالتالي أمامكم.

ختاماً لموضوع هذه المحاضرة ، وأخذا بالاعتبار ايماني بأن روحانية الإنجيل تدل على أن الكلام الذي جاء به المسيح هو وحي وإلهام من الله تعالى فيه هدى ونور، وإيماني بالمسيح الكلمة والمعجزة والذي هو من روح الله ، وإيماني بأن القرآن هو وحي منزّل من الله بكلماته ومعانيه، وإيماني بأن محمداً هو نبي أرسله الله لهداية الناس وأنه بشر بعودة المسيح في آخر الزمان الذي سوف يجمع المسلمين والمسيحيين على دين واحد ، فأنه لا يسعني إلا أن أردد الآية القرآنية التي تقول (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) ثم يقول (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)

      فالحقيقة التي ننشدها نحن وأنتم ليست هنا ولن تكون هنا وإنما مردها الى الله تعالى وهو الذي سيحكم بيننا فيما اختلفنا ونختلف فيه، في يوم الدينونة ويوم الحساب… فلم العجلة ؟ وقد بشرنا الله بأن من آمن منا وعمل العمل الصالح فسيوفى أجره عند رب العالمين .

*  محاضرة ألقيت في كلية اللاهوت للشرق الأدني في كانون الثاني 2014 وحملت العنوان “الانجيل في الاسلام والمسيحية” ضمن أعمال منتدى الفكر المسيحي الاسلامي.

[1] (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) القرآن الكريم، سورة البقرة آيه 62

[2] [2] أنظر بهذا الموضوع كتاب مبادئ العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر للشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، منشورات جامعة دمشق، 1999

[3] القرآن الكريم، سورة النساء، آية (153)

[4] القرآن الكريم، سورة الإسراء، آية 106

[5] القرآن الكريم، سورة طه، آية 1 وما بعدها

[6] القرآن الكريم، سورة الإنسان، آية 23

[7] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 98

[8] القرآن الكريم، سورة الشعراء 193

[9] مجموع الفتاوى لابن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية 1995م

[10] « La théophanie sur le Sinaï réfère à la mission prophétique de Moïse ; la théophanie sur le Mont Sair réfère à celle de Jésus. La Théophanie sur le Mont Pharan réfère à la mission prophétique de Mohammed » H. Corbin, Harmonia Abrahamica.

[11] L’Islam, L’autre Visage – Eva de Vitray-Meyerovitch, entretien avec Rachel et Jean Pierre Cartier, Editions Albin Michel, Collection Espaces Libres.

[12] عبد الأحد داود، محمد في الكتاب المقدس، ترجمة فهمي شما، مراجعة وتعليق أحمد محمد الصديق، دار الضياء للنشر والتوزيع، قطر 1985.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare