البابا فرنسيس الإنسان
فقد العالم أحد أبرز القادة الروحيين في العصر الحديث، البابا فرنسيس، الذي رحل عن عمر يناهز 88 عاماً بعد صراع مع مضاعفات التهاب رئوي حاد، تاركاً إرثاً إنسانياً ودينياً استثنائياً. لا ننسى بأنه خلال أيامه الأخيرة دعا أتباعه إلى “الصلاة من أجله”، مؤكداً امتنانه للدعم العالمي ولجهود الفريق الطبي الذي عالجه. رحيله يُعتبر خسارة ليس فقط للكنيسة الكاثوليكية وإنما للمسلمين بمرجعيتهم الدينية في الأزهر ومرجعيتهم الشيعية في النجف، وهو خسارة للإنسانية جمعاء، فقد كان صوتاً داعياً للسلام والعدالة، ورمزاً للتواضع في زمن التعصب والانقسام.
إن خيم الحزن علينا جميعاً فإننا بنفس الوقت يبقى لنا رجاء وأمل في أن يكون من يخلفه على كرسي البابوية حاملاً لنفس أفكاره ورؤيته في التقارب الديني والإنساني. فكلنا يعلم بأنه واجه داخل الفاتيكان أصواتا مخالفة ومناقضة لاتجاهه الإنفتاحي على الأديان والمعتقدات ، وخاصة لصياغته مع شيخ الأزهر أجمد الطيب وثيقة الأخوة الإنسانية وأكملها بزيارته الى النجف للقاء المرجعية الشيعية في العالم، بل ان أحد الكرادلة الأمريكيين صرح بخلافه الشديد مع البابا فرنسيس، ويخشى فعلاً أن ينتخب خلفاً للبابا فرنسيس ، بل وان كاردينال الرباط كريستوبال لوبيز روميرو صرح لنا في احدى المؤتمرات التي عقدناها في اسبانيا منذ عدة أشهر بأنه كان جالساً مع البابا فرنسيس الذي أخبره بأن هناك بعض رجال الدين المسيحيين يقيمون الصلوات من أجل رحيله.
يبقى أن نتذكر إنجازات البابا فرنسيس بأنه أحدث ثورة في إدارة الفاتيكان المالية بعد فضائح الفساد السابقة، حيث أعاد تنظيم الرقابة المالية عبر إنشاء هيئات مستقلة لمراقبة الإنفاق، ووضع نظماً شفافة للإدارة. كما نجح في إدراج الفاتيكان على “القائمة البيضاء” للمؤسسات المالية الموثوقة عالمياً.
كرس جهوده للدفاع عن الفقراء والمهمشين، معارضاً “ثقافة الهدر” وداعياً إلى إعادة تقييم قيمة الإنسان فوق الماديات. أشرف شخصياً على مبادرات الإغاثة في مناطق الأزمات، ودعا إلى توفير فرص عمل للشباب كحل جذري لمشاكل البطالة بدلاً من المساعدات المؤقتة.
سعى إلى توحيد الكنائس المسيحية عبر مبادرات مثل “أسبوع الصلاة من أجل الوحدة”، ودعا إلى اعتماد تاريخ مشترك لعيد القيامة بين الطوائف. كما أكد على أهمية التراث المشترك للمسيحيين، مستلهماً إياه من مجمع نيقية قبل 1700 عام.
على الرغم من تحفظات الكنيسة التقليدية، عين ثلاث نساء في مناصب إدارية رفيعة بالفاتيكان، وندد بالعنف ضد المرأة ووصفه بأنه “جرح مفتوح في جسد الإنسانية”. كما دعم تعليم الفتيات وتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً.
أدخل تعديلات تاريخية على قوانين الكنيسة لتشديد العقوبات على رجال الدين المتورطين في الاعتداءات الجنسية، وألزم الكهنة بالإبلاغ عن أي شبهات فوراً. وصف هذه الجرائم بأنها “عارٌ على الكنيسة”، وعمل على تعويض الضحايا وحمايتهم.
كان صوتاً صارخاً ضد الحروب، مثل الأزمة الأوكرانية، وناشد بإنهاء النزاعات عبر الحوار. كما حذر من مخاطر التغير المناخي، ووصف الإهمال البيئي بأنه “انتحار جماعي”، داعياً إلى احترام الطبيعة كجزء من الإيمان.
في خطابه الأخير خلال “أسبوع الصلاة من أجل الوحدة”، استذكر قصة مرثا ومريم، مؤكداً أن “الرجاء يولد من رماد اليأس”. مذكراً إياهم بأن الوحدة الإنسانية تبدأ من الاعتراف بالآخر واحترام اختلافه.
البابا فرنسيس لم يكن مجرد زعيم ديني، بل مُصلحاً اجتماعياً ورائداً للتعايش الإنساني. ترك بصمته في قلوب الملايين بتواضعه وشجاعته في مواجهة التحديات، من الفساد إلى الحروب. كما قال ذات مرة:
“الدين ليس أداة للسلطة، بل ضميرٌ يُذكِّرنا بأننا خلفاء الله في الأرض”.
رحل جسدُه، لكن رسالته ستبقى نبراساً للأجيال القادمة.