أبناء إسحق وإسماعيل بين الإيثار والإستئثار
ليس من باب الجرح والتعديل أو الإنتقاد والتأييد موضوع هذا المقال، فهو بحث في بعض النصوص الدينية ومدى تأثيرها النفسي على شعبين ينتميان في أصلهما المتباعد إلى جد مشترك وأبوين جمعتهما أخوة الأبوة وفرقتهما اختلاف الأمومة، فتباعد نسلهما وتفارقت طبائع سلوكهما لتجعل من أحدهما متصفاً بصفات الجود والكرم وإغاثة الملهوف والأنس لكل من سكن الجوار أو تباعدت به الديار. عاشت ذريتهم ردحاً من الزمن في مضارب الخيام حيث لا ملكية تحدهم وتحجزهم على جهة الحصر فامتداد الصحارى والواحات والوديان لا يملكها أحد فهي تدخل في ملك الله الواحد الأحد. في المطل الآخر تبدلت الحال عند أبناء الأخ غير الشقيق فاستقرت في طبائعهم نزعة الإستئثار لا حب الإيثار، وانطبعت في ذريتهم رويداً رويداً صفات الشح والإدخار، فمالوا إلى الإعتقاد بأن ملكية الأرض وإن غادروها منذ آلاف السنين هي حق لهم دون غيرهم على جهة التخصيص والتأبيد، سيان لديهم طرد من سكن فيها وتشريد أو قتل من تشبثت جذوره عليها منذ القدم. مثالهم فيها طرد سارة لجدة إبناء إسماعيل إلى الصحراء القاحلة. فتنادوا إلى إقامة مجتمع لهم ينبذ مفاهيم العيش المختلط والمتنوع.
في نصوص العهد القديم نقرأ عن طرد سارة زوجة نبي الله ابراهيم لزوجته الثانية “هاجر” وابنهما إسماعيل إلى صحراء فاران. هذه الحادثة كما يذكر العهد القديم كان بهدف حماية سارة لابنها اسحق وحرمان اسماعيل من مقاسمة إسحق تركة والده باعتبار انه “ابن الجارية”. من نصوص العهد القديم :
(وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ، 10 فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ. في المقابل صفات الكرم والجود والضيافة في أعمق ما يتصف به إنسان على الأرض والتي عرف بها أبناء إسماعيل).
غالبية أبناء إسحق ورثوا عن سارة هذه الصفات وحملوا في جيناتهم التي توارثوها عنها طبيعتهم الإقصائية التي تعتبر بأن من حقهم في كل العصور طرد الشعوب الأخرى إلى ” الصحراء” ولو أدى ذلك الى هلاكهم، رافضين أن يتقاسموا مع السكان الأصليين الأرض التي عاشوا هم فيها ردهة من الزمن ثم رحلوا عنها مشتتين في بقاع الأرض منذ آلاف السنين
خلال كل العصور التي عاش فيها معظم أبناء إسحق ومن بعدهم ذريتهم بجوار من لم يكونوا من سلالتهم ولم يشاركوهم في معتقدهم، لم يركنوا إلى تعاليم السماء، فنادوا بالإنغلاق على الآخر بحجة أنهم أحق بوراثة إبراهيم وإسحق من أبناء إسماعيل وذريته في فترات كان فيها الإنفتاح والعيش المشترك والتنوع الديني مطالب أساسية تبعث الأمل للإنسانية جمعاء بعد ظهور ديانات توحيدية إلى جوارهم من مسيحية وإسلام. ولكنهم فسروا وحرفوا الخطاب الديني لصالحهم ولصالح أتباع دينهم بشكل انتهكت به حقوق الشعوب الأخرى.
في المطل الآخر ورث أبناء إسماعيل من أمهم هاجر صفات الكرم والضيافة وحب المشاركة وأن الأرض هي ارض الله وليست ملكاً لأحد. تروي الأحاديث المروية عن النبي محمد ما يستنبط منها من قصة ما جرى مع إبراهيم حين ترك هاجر وابنهما يخاطران في سيرهما نحو صحراء قاحلة، إنتظاراً لأن تأتي إشارة السماء لهما بالمكوث والاستقرار في البقعة المباركة. تذكر روايات الأحاديث بأن إبراهيم َوضَع عند هاجر واسماعيل جِرَابًا فِيه تَمرٌ، وسِقَاء فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فتَبِعتْهُ أُمُّ إِسْماعِيل فَقَالَتْ: يَا إِبْراهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهَذا الْوادِي الَّذِي ليْسَ فِيهِ أَنيسٌ ولاَ شَيءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلكَ مِرارًا، وَجَعَلَ لاَ يلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَه: آللَّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَت: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا، ثُمَّ رجعتْ. وهنا يشير القرآن الكريم إلى دعاء ابراهيم ربه ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). “غير ذي زرع” حيث كانت قوافل العرب تمر إلى الشام بهدف التجارة عبر هذا الوادي القاحل دون توقف لعدم وجود الماء في تلك البقعة الجرداء من الصحراء . تحققت الإشارة حين فرغت القربة من ماءها وأصاب العطش إسماعيل وكادت هاجر تفقد صوابها فإذا بها رائحة غادية بين مرتفعين لتشهد من ينقذ ابنها من عطش الصحراء وما كادت تهبط حتى رأت عين الماء تتفجر من تحت قدمي اسماعيل. أصاب هاجر الهلع من رؤية الماء تمتصه رمال الصحراء العطشى، فغرفت بكلتا يديها تزمّه زمّا كي لا يفيض وينساب في الرمال فشرب ابنها حتى ارتوت، وكان لا بد لها أن تفهم بأن نبع الماء في الصحراء القاحلة هي الإشارة الأولى من السماء.
في صحراء العرب وفي هذا المستقر الذي اختاره الله لهاجر وإسماعيل والمحاط بين جبال جرداء قاحلة صرخ قائد إحدى قوافل القبائل العربية المتجهة إلى الشام فرحاً ليشير بيديه الى طيور تحلق وتغط في هذا الوادي القاحل، فلا بد من وجود ماء. توقفت القافلة فإذا بهاجر وإسماعيل قد ضربا خيمتهما بقرب الماء فاستأذنت القافلة هاجر في الإستراحة، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَلفى ذلكَ أُمَّ إِسماعِيلَ، وَهِي تُحِبُّ الأُنْسَ، فاستقرت قبيلة “جرهم” بجوار الماء وتبعتها بعد ذلك قوافل وقبائل أخرى، فأنبت الماء الارض اليابسة شجراً ونباتاً وثمراً، وأصبحت مهبطاً للناس وسكناً. وكان ان دعا ابراهيم ربه بأن يجعل من ذريته ذرية مباركة كما جاء في القرآن الكريم وسبقه العهد القديم، مبشراً بأن الله سيبارك اسماعيل ويثمره ويكثره كثيراً جداً اثني عشر رئيسا يلد ويجعله امة كبيرة.
صفتان متلازمتان متعاكستان ورثهما أبناء إسحق وإسماعيل عبر آلاف السنين : حب الإستئثار الذي عليه أبناء إسحق أو أغلبهم، بملكية ما يدعوه زوراً بأن الله أقطعهم هذه الأرض دون سواهم وأن لهم مطلق الحق في إعلان العداء على كل من يرفض مقولتهم ويدعي عكس ذلك ولو أدت عداوتهم لهم إلى طردهم وتشريدهم وقتلهم الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير منازلهم دون أدنى شعور بالإنسانية، حتى باتت هذه الصفات مضرب أمثال شعوب العالم عنهم في شحهم وتكنيزهم المال. في المقابل صفات الكرم والجود والضيافة في أعمق ما يتصف به إنسان على الأرض كانت لصيقة بما يتصف به أبناء إسماعيل. حتى في مضرب أمثالهم الكثيرة، ومن طريفها أن الكلاب التي لا تنبح هي دليل على أن المنزل الذي يحرسونه بيت جود وكرم.
في الإشارة الى سارة كانت عبارة العهد القديم الطرد كإجراء أساسي للإحتفاظ بما يعتبرونه ملكاً لهم وحدهم، وفي السنة النبوية إشارة الى كون هاجر تحب الأنسة، وأنها في تطبيقها لصفة الإستئناس بالناس سمحت لقبيلة جرهم ولباقي القبائل العربية بالإقامة بجوارها ومشاركتها الماء. سؤال ما زلت أتخيل عواقبه فيما لو كانت سارة هي الطريدة في صحراء قاحلة، وهي التي أنبع الله الماء بجوارها، فهل كانت ستتركه مشاعاً لباقي القبائل للشرب منه والإقامة بجواره أو طرد من يقترب منه ؟