مدونة

الملتقى الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال – لقاء في الجامعة اليسوعية

اقتصاد اسلامي
استراتيجيات التعليم / مؤتمرات / مدونتي

الملتقى الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال – لقاء في الجامعة اليسوعية

في البداية أرحب بالمشاركين في هذا اللقاء باسم الملتقى الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال م أ م، وأوجه الشكر الى جامعة القديس يوسف لاستضافتها هذا اللقاء ولما تمارسه من مهام أساسية في مجال تدعيم العلاقات الإسلامية المسيحية سواء في مناهجها الدراسية أو في الدورات التدريبية التي تنشئها أو في المؤتمرات التي تدعو إليها.

إن لقاءنا اليوم هو أولاً للإستماع إليكم ولما تحملونه من أفكار تزودونا بها في مجال المسؤولية الإجتماعية للمؤسسة، نظراً لإقتراب موعد المؤتمر الدولي الذي نقوم بتنظيمه في العام المقبل بالمشاركة مع تجمع أرباب العمل الكاثوليك في العالم UNIPAC.

إن اختيار لبنان من بين دول العالم لإقامة هذا المؤتمر ليس هو محض صدفة، فلبنان هو بلد الرسالة وفق ما كان يردده دائماً الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني، ولبنان هو بلد العيش المشترك الإسلامي المسيحي. ليس هناك دولة في العالم يكون فيها الحوار الديني خبزها اليومي كفاف يومها إلا لبنان، ليس هناك بلد آخر في العالم غير لبنان يكون فيه الحوار الإسلامي المسيحي حواراً عملياً وتطبيقياً، حوار حياة مشتركة، وحوار عيش مشترك، وليس حواراً منغلقاً داخل نظريات وكتب. ليس هناك بلد في العالم إلا لبنان يجتمع فيه المسلمون والمسيحيون معاً في كل عام ليحتفلوا به في تكريم السيدة العذراء مريم بالصلوات والأدعية والتواشيح الإسلامية والترانيم الكنسية حيث أصبحت هذه المناسبة عيداً وطنياً جامعاً لكل اللبنانيين. ليس هناك بلد في العالم إلا لبنان وفي هذه الجامعة بالذات تعطى فيها الدروس مشاركة في آن واحد بين رجال دين مسلمين ومسيحيين وأمام طلاب ينتمون الى الديانتين السماويتين. هذا هو لبنان المتنوع والمنفتح على الأديان والثقافات والأفكار الذي سيستضيف بإذن الله هذا المؤتمر في العام القادم.

إن القيم الإسلامية المسيحية المشتركة في مجال أنسنة الإقتصاد والدفع به الى التفكير والعمل من أجل أن يكون الإنسان هو الهدف وليس فقط الى تحقيق الربح، هي كثيرة جداً. عندما ابتدأنا بالإلتقاء حول هذه الأفكار منذ عدة سنوات كانت تستحضر المسلم قيم العمل والمساواة واتقان الإنتاج والابعاد الإنسانية للإقتصاد والمسؤولية الإجتماعية التي يدعو اليها الإسلام في كل مرة كان يتحدث عنها المسيحي، في حين إنه بنفس الوقت الذي يتكلم فيه المسلم عن هذه القيم كان المسيحي يبحث عن مرادفاتها في نصوصه المقدسة وفي تعليم الكنيسة الإجتماعي. ألم يقل الله تعالى في القرآن الكريم : “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” وقال أيضاً  ” ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها فاستبقوا الخيرات”، ألم يقل النجاشي عظيم الحبشة لقساوسته وللوفد الذي أرسله النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه : إن ماجاء به القرآن وما جاء به الإنجيل ليخرج من مشكاة واحدة.

إذا كان أرسطو كما يقال قد أنزل الفلسفة من السماء الى الأرض، فإن الرسالات السماوية والأنبياء الذين أرسلهم الله قد أنزلوا الدين من السماء الى الأرض ليسخروه للعمل على إصلاح الفرد والمجتمع، لإصلاح الرئيس والمرؤوس، ولإصلاح رب العمل والعامل.

من ضمن الأسئلة التي تواجهنا سؤال يتعلق بمدى افادة هذه القيم للإقتصاد ومدى إلزاميتها له. إن بعض المفاهيم المتشعبة للمسؤولية الإجتماعية وخاصة الأنجلوسكسونية ترى فيها أولاً وقبل كل شيء احترام لما ينص عليه القانون في هذه المجالات، مع ما يستلحقه من واجبات أدبية، وبعضها وخاصة الأوروبي يرى فيها أنها تصّرف اكثر من قانوني بفضل وعي أخلاقي متجدد، والسؤال الذي يطرح هل ستتحول هذه القيم وهذه المسؤولية الإجتماعية الى قوانين ملزمة. في كتاب كنت أعاود قراءته بعنوان اين الخطأ للعلامة الكبير الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله وجدت فيه بعض إشراقات هذه القيم ومدى إلزاميتها للتطبيق : فهو يخالف نظرة الفقهاء مثلاً في مفهوم استحباب القرض الحسن للعامل، للمناداة بإلزاميته على رب العمل ، وكذلك بإلزامية إعطاءه فرصة مسامحة لوفاء دينه. وهو يدعو ايضاً الى منع عزل الأموال عن محيط العمل، والى إلزامية الحركة في تداول الاموال. فهذه القيم الدينية لا تتطلع الى مجتمع ثري متخم يشيع فيه الترف وكثرة الفائض بل الى مجتمع غني مكتفٍ يشيع فيه الرضا والطمأنينة والأمان.

إن عالمنا اليوم هو بأشد حاجة الى هذا التعاون المشترك بين أكبر ديانتين في العالم، فالجشع الذي أصاب كثير من الأغنياء ممن يسعون الى الربح السهل، والأنانية المقيتة التي أبعدت افراد المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، والفردية الأنانية التي شجعها التقدم الحضاري المادي على حساب الإنفتاح وتقوية الروابط الإنسانية، والعشوائية التي تستأثر بالموارد الطبيعية دون الإهتمام بالبيئة والنظر إلى الأضرار الناجمة عنها، كل ذلك ينذر بعواقب سيئة جداً يعود ضررها على كافة الناس وفي كل المجتمعات التي تعيش على كرتنا الأرضية.

   لا بد للشعوب المؤمنة بهاتين الديانتين السماويتين من التعاون معاً من أجل إرساء قواعد مشتركة تجيب عن هذه المخاوف وتحد من هذه الآفات التي تصيب الأفراد و المجتمعات والمؤسسات وتعطي الحلول العملية الإنسانية المستقاة من القيم الدينية والأخلاقية.

نأمل أن يتحقق هذا التعاون وهذا الإلتقاء بفضل أرائكم وابحاثكم وإرشاداتكم ومن خلال النشاطات التي نسعى جميعاً الى ترجمتها عملياً لربط الأفكار والمبادئ العليا السامية بالحياة اليومية التي يعم خيرها على الناس جميعاً. جاء في القرآن الكريم : فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

الحوار المثمر والنافع ليس هو الحوار اللاهوتي ولكنه هو حوار الحياة والقيم المشتركة التي تحقق قبول الآخر وتبني معه مجتمعات تشاد على الحب والمشاركة في الحقوق والواجبات، على المشاركة في الأفراح والأطراح، وعلى المشاركة في حال الفقر والغنى. إن هذه القيم المشتركة التي نتكلم عنها اليوم أمانة نسلمها الى الأجيال القادمة ومنهم الى الأجيال التي تليهم حتى تستمر الحياة ويسود العدل والتعاون والتضامن والرحمة بين شعوب العالم.

وفقكم الله الى تحقيق هذه الأمنيات والتطلعات، وشكراً لكم لحضوركم ولمشاركتكم.

                                                   الشيخ محمد نقري

                                  رئيس اللقاء الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare