العمل السياسي والعلم – كلمتي في مؤتمر دير سيدة البئر
العمل السياسي والعلم
ابتدأ مداخلتي بقصة روتها باحثة جزائرية قدمت الى لبنان وبيدها اطروحة علمية عملت على كتابتها عدة سنوات وعند وصولها إلى مطار بيروت طلب منها سائق التاكسي عندما علم بأنها جزائرية عن معنى كلمة لا تنتمي إلى أية لغة من لغات العالم جاء ذكرها في أغنية مطرب جزائري صاعد “دي دي وا”، كان من الممكن أن تمر هذه القصة دون أدنى تعليق لولا أنها تكررت معها في جولاتها في بيروت المدينة الثقافية بامتياز. هي تقول بأنها أمضت سنوات عديدة في كتابة هذا البحث ذو القيمة العلمية والوطنية، وتتساءل كيف يتعاطى العالم العربي بأسره من محيطه إلى خليجه بمواضيع البحوث العلمية وبتكريم الباحثين والمثقفين. في حين أن هذا المغني الذي لا يتقن حتى فن المحادثة يلقى الحفاوة والتكريم على جميع المستويات الرسمية والشعبية. ثم تروي مشاهدتها لمناضلة كبيرة كان لها الفضل في تحرير وطنها تستقل طائرة مخفضة التكاليف وبالدرجة السياحية في حين يفاخر فرخٌ وُلد لتوّه علا بلاتوهات إحدى البرامج التلفزيونية بأنه لا يتنقّل إلاّ بطائرة حكوميّة خاصة، وُضِعَت تحت تصرّفه. في موقف مماثل تروي الباحثة ايضاً ما حصل مع أسير مصري سجن في اسرائيل اثنتين وعشرين سنة لكفاحه ضد العدو وعندما عاد لم يكن أحد باستقباله في مطار القاهرة بينما اضطر مسئولو الأمن في المطار إلى تهريب احد الناجحين في مسابقة تلفزيونية بعد وقوع جرحى جرّاء تَدَافُع آلاف الشبّان والشابّات، الذين كانوا في استقباله.
هذه القصة تتكرر أيضاً مع كثير من المثقفين اللبنانيين خلال تجوالهم في لبنان او في البلاد العربية، حين يسألون ليس عن أبحاثهم وانجازاتهم العلمية وإنما عن كلمات أغنيات لبنانية مماثلة لما يغنيه هذا المطرب الجزائري الصاعد.
لست هنا في معرض تناول الفن السلبي والمبتذل والذي أفصله عن الفن الهادف والراقي وإنما أتكلم عن مدى مسؤولية الذين يتعاطون السياسة في عدم إعطاء الحوافز للباحثين وعدم التشجيع على العلم، مما يترتب عليه عدم تقدير وتشجيع المثقفين الذين يفنون حياتهم من أجل رفع مستوى الناس في كافة ميادين الحياة، ثم يمضون في حياتهم دون أن يسمع عنهم أو يذكرهم أحد. كم من أطروحة كتبت وأبحاث علمية أو أدبية سطرت وسهر على كتابتها وتمحيصها الباحثون آلاف الليالي ثم أفادت المجتمع وأثْرَتْهُ في كافة مجالات الحياة ولم نسمع عن أصحابها ومؤلفيها شيئاً بسبب إخفاق هؤلاء المسؤولين السياسيين من شد أنظار الناس إلى هؤلاء الباحثين عبر تكريمهم ومنحهم فرص الظهور الإعلامي.
أحببت أن تكون هذه مقدمة مداخلتي عن موضوع العمل السياسي والعلم. وأول ما أطرحه من تساؤل : هل هناك تناقض بين العمل السياسي والعلم.
في محاضرتين ألقاهما الإقتصادي وعالم الإجتماع الألماني المشهور ماكس فايبر بعنوان «العلم بوصفه حرفة» و«السياسة بوصفها حرفة»، يقول في محاضرته الأولى : بأن المرء يمارس العمل العلمي لأغراض عملية بحتة والأكاديمي يمارسه من أجل العلم ذاته. وليس لينتفع به شخصيا ، ثم يطرح “فيبر” السؤال عن مهمة العالم أو الأستاذ في قاعة الدرس : «هل عليه أن يتخذ موقفا سياسيا أو اجتماعيا حتى لو كان ذلك داخلا ضمن نطاق اختصاصه؟». ويجيب : «إن اتخاذ موقف سياسي وعملي هو شيء، والقيام بتحليل علمي للبنيات السياسية ومواقف الأحزاب شيء آخر تماما. الموقف السياسي من وقائع راهنة من مهام الداعية السياسي ولا مكان له على المنبر الجامعي. فالمهمة الأولى للمعلم النافع هي في تعليم طلابه الاعتراف بحقائق غير ملائمة ذاتياً والإقرار بوجودها. والطلاب الذين يتطلبون من أساتذتهم مواقف إنما يتوقون إلى قائد وليس إلى معلم. فالمساهمة الإيجابية التي يسديها العلم إلى الحياة العملية هي إلقاء الضوء على كافة جوانبها والعمل على زيادة إيضاحها على كافة المستويات. وهذه هي حدود النزاهة في تأدية الواجب وتوليد الإحساس بالمسؤولية. بينما السياسة كما يقول في محاضرته «السياسة بوصفها حرفة» فهي مهنة تتناول أنماط النشاط في مجال إدارة الاجتماع السياسي الذي يسمى دولة والتي يعرفها بأنها جهاز يحتكر العنف المشروع في إقليم معين. وبذلك فإن السياسة تكون: مجمل الجهود المبذولة بهدف المشاركة في السلطة أو التأثير في توزيعها. وهكذا فإن السياسي هو كل إنسان يمارس العمل العام طموحا للسلطة، إما لأنه يعتبرها وسيلة لخدمة أهداف أخرى مثالية أو أنانية، أو لأنه يريدها لذاتها على سبيل الاستمتاع. ويخلص الى القول بأن السياسة هي مثل جهد دائم ومتحرك، فهو يتطلب النظرة الثاقبة التي تعتبر أن القفز في المستحيل ليس جنونا. إنما الرجل القادر على بذل هذا الجهد ينبغي أن يكون زعيماً، وإن السياسي الحق هو الذي يبقى قادرا بعد كل شيء وجهد ونتائج على القول : “ومع ذلك، أو رغم ذلك سأظل أحاول”.
إذا كانت المهمة الأولى للمعلم النافع هي في تعليم طلابه الاعتراف بحقائق قد تكون مخالفة لآرائه والإقرار بإمكانية صحتها، كما كان يردد الإمام الشافعي دائماً : كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب، فإن السياسي وخاصة المتحزب يجعل من أتباعه يميلون معه إلى ما يراه هو صواباً، ويدعوهم إلى مقاطعة الآخر ومهاجمته لأن رأي الآخر لا يمكن إلا أن يكون خطئاً، وخاصة إذا أراد هذا السياسي الوصول إلى الحكم، وما يتبعه ذلك من منافع ومصالح له ولإتباعه.
هناك اختلاف إذاً بين الوسائل التي يتبعها العالم والسياسي، و فرق بين منهجية العمل السياسي والعمل العلمي، وإمكانية الإلتقاء بينهما ليست مستحيلة بل إن ذلك لا يتأتي إلا عبر القيم والأسس الدينية التي يدعو اليها الإسلام والمسيحية على حد سواء.
من هذه القيم أن يستمع ويستجيب السياسي إلى هذه ألأسس والمبادئ التي ارستها الديانات السماوية وخاصة الإسلام والمسيحية، وأيضاً في المقابل على العالم أن لا يخشى غطرسة رجل السياسة وتعنته، في حديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: “افضل الجهاد كلمة حق أو كلمة عدل فى وجه سلطان جائر”. يحضرني في هذا الموضوع ما جرى مع الإمام مالك والخليفة هرون الرشيد : فقد روي الإمام مالك هذه الحادثة قائلاً :” دخلت على هارون الرشيد ، فقال لي : يا أبا عبدالله ينبغي أن تختلف إلينا (أي ان تأتي إلينا) ، حتى يسمع صبياننا (أي أولاد الخليفة) منك “الموطأ” (وهو كتابه الشهير)، قال : أعز الله امير المؤمنين ، إن العلم منكم خرج ، فإن أعززتموه عزّ ، وإن ذللتموه ذلّ ، والعلم يُؤتى ولا يَأتي ، فقال : صدقت ، وقال لأولاده أُخرجوا إلى المسجد ، حتى تسمعوا مع الناس، فاشترط عليه الإمام مالك حينئذٍ ألا يتخطى أبنائه رقاب الناس في مجلسهم وأن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس.
القصة الثانية مستوحاة من موقف الإمام الأوزاعي في دفاعه عن مسيحيي جبل لبنان اثناء ولاية صالح بن علي العباسي حيث شهدت هذه الفترة تنكيلا وعنفا لم يسبق له مثيل في التاريخ الإسلامي ضد معارضيهم فثار في حينها أهل المنيطرة المسيحيين ضد الوالي العباسي الذي أرهقهم بالضرائب الباهظة فأمر جنوده بوضع حد لهذه الثورة عن طريق استخدام العنف والقسوة مع الأهالي بل وطردهم من قراهم ومصادرة أموالهم، فما كان من الإمام الأوزاعي إلا أن نهره برسالة مطولة على ما اقترفه جنوده وطالبه بعودة الأهالي إلى قراهم وتسليمهم أموالهم مذكراً أياه بحديث رسول الله : من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ، ومن كانت له حرمة من دمه فله في ماله، والعدل عليه مثلها . فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة. ولكنهم أحرار أهل ذمة ..” ويروي الإمام الأوزاعي عندما استدعاه الوالي العباسي ومثل بين يديه، فيقول بأنه كان يتهيأ في كل لحظة برفع يديه حتى يستبق وقوع رأسه على الأرض فيمسكه في حال أمر الوالي بقطع رأسه.
إن هذه المبادئ الدينية كانت السباقة في تحذير المهتمين بالشؤون السياسية بمدى قوتهم و مقدرتهم السريعة على إفساد الناس بل وإفساد العلماء أنفسهم. يروى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله : “اذا رأيت الامراء على ابواب العلماء فنعم العلماء ونعم الامراء.. واذا رأيت العلماء على ابواب الامراء فبئس العلماء وبئس الامراء”. وفي حديث آخر يقول : ” اثْنَانِ مِنَ النَّاسِ إِذَا صَلَحًا صَلَحَ النَّاسُ، وَإِذَا فَسَدَا فَسَدَ النَّاسُ: الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ”.
ومن الأسس والمبادئ الدينية قبول النصيحة والتواضع من قبل رجل السياسة في تقبلها، فمن امور الدين النصيحة التي يقدمها العالم الى المسؤول في الدولة فيتقبلها ولا يجعلها سبباً في إقصاء المختلف معه ونفيه أو سجنه. كم من مرة نقلت الينا المصادر التاريخية الصحيحة قصص كبار الأئمة من أمثال أبي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل الذي ضربوا وعذبوا وأهينوا وسجنوا لمجرد مخالفتهم رأي صاحب الدولة والسلطان. من ارقى أنواع قبول المسؤول السياسي بالرأي المخالف عندما يعتقد بأن إختلاف الرأي معه بل ومعارضته هو ضرورة أساسية لتحريك العمل السياسي ولدفع عجلته إلى الأمام. جاء في القرآن الكريم : (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ، البقرة 251 )، وروي عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أنه قال لمن كان معه عندما أرادوا ردع من أساء إليه بالكلام : “دعوه فوالله لا خير فيكم إن لم تقولوها (أي ان تنتقدونا) ولا خير فينا أن لم نسمعها”
من ضمن هذه المبادئ الدينية أن يعلم العامل بالسياسة أن عمله بالسياسة وبالشأن العام هو خدمة وليس من قبيل التسلط على رقاب الناس وظلمهم، فالقائم على شؤون الناس هو في المقام الأول خادمهم، كما يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : سيد القوم خادمهم، وفي حديث آخر : “أخوانكم خولكم أي (خدمكم) جعلهم الله تحت ايديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم”.
وفي حال تعارضت سلطة المسؤول السياسي مع قواعد العدل والأخلاق فالقاعدة الشرعية تنص على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق. في حديث ذكره الإمام أبن القيم في كتابه الجواب الكافي في حكاية عن الشيطان في محادثة له مع اتباعه من الغاوين أن الشيطان يقول لهم :” المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم” وأما ” الساكت عن الحق فهو أخ لكم أخرس كما أن الاول أخ لكم ناطق ، وربما كان الاخ الثاني أي الساكت عن الحق أنفع إخوانكم لكم ، أما سمعتم قول الناصح المتكلم بالباطل شيطان ناطق ، والساكت عن الحق شيطان أخرس “.
من ضمن هذه المبادئ أيضاً وفي إطار مفهوم الإسلام للسلطة السياسية بأنها حقوق وواجبات متبادلة بين المسؤول السياسي وأفراد الشعب، وانطلاقاً من واجب إطاعة هذا المسؤول في الأمور المحقة والعادلة ، فإنه يتعين على هذا المسؤول احترام كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية وتأمين أسباب معيشته وتوفير العدالة له والإستقرار الأمني والمساواة بين جميع المواطنين على اختلاف اجناسهم واديانهم، ورعاية الضعفاء منهم والمسنين وذوي الإحتياجات الخاصة وحمايتهم من تعسف أرباب عملهم واحترام حريتهم الفكرية والدينية إلى جانب العديد من الواجبات التي يتعين على المسؤول السياسي مراعاتها والتي تذخر فيها كتب الفقه.
ولعلي لا أنسى في موضوعنا اشتراط الفقه الإسلامي لتولي كافة المناصب العامة والسياسية صفة العلم والتي تعتبر من الشروط الأساسية لتولي المراكز القيادية في الدولة، تصل إلى درجة العلم الكامل الذي يتصف به المجتهدون بالمعنى الديني، إلى جانب صفة الحكمة حيث يقول القرآن الكريم : ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، ويقول عن النبي داوود : (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)،
وإذا كانت صفة العلم واجبة لتولي المناصب السياسية، فإن المبادئ التي قام عليها الإسلام تلزم المسؤول السياسي في تأمين سبل العلم للمواطنين. تحقيق هذا الإلتزام يتم عبر تأمين العلم المجاني لكافة الناس إذ جعل الله لطالب العلم سهم من اسهم الزكاة الثمانية، وتحدث القرآن الكريم في أيات كثيرة عن فضل العلم والعلماء، فيقول : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، كما أعلت الأحاديث النبوية من درجة العلماء بحيث أنها تفوق بكثير درجة المتعبد في صومعته : فضل العالم على العابد – يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم – كفضلي على أدناكم، بمعنى أن مقام العالم كمقام الأنبياء وأن مقام العابد فيما إذا قيس مع العالم هو في ادنى مرتبة، إن الله وملائكته – يتابع النبي – وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير، ويقول أيضاً : من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع. وإن العالم ليستغفرُ له مَنْ فى السموات ومن فى الأرض حتى الحيتانُ فى الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. ويبين شراح الحديث بأن العابد والمنقطع في صلاته ينفع نفسه وأما العالم فإن نور علمه ينعكس على كافة الناس.
كلمتي في ختام هذه المداخلة قراءة في سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز والذي يعتبر بعد سيدي الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام الخليفة الخامس. هذه القراءة اسوقها في هذا المجال من اجل ان يعتبر كل من يدخل العمل السياسي، وخاصة في العمل السياسي في لبنان.
في القصة الأولى : حيث يذكر بأن عمر بن عبد العزيز قال لزوجته يومًا : تشتهي نفسي عسل لبنان، فأرسلت زوجته فاطمة إلى أمير لبنان ابن معد يكرب، أمير لبنان، وذكرت له أن أمير المؤمنين يشتهي عسل لبنان، فأرسل إليها بعسل كثير، فلما رآه عمر غضب، وقال لها: كأني بك يا فاطمة قد بعثتِ إلى ابن معد يكرب، فأرسل لك هذا العسل؟ ثم أخرج عمر العسل إلى السوق، فباعه، وأدخل ثمنه بيت المال (أي الخزينة العامة للدولة) ، وبعث إلى عامله على لبنان يلومه، ويقول له: لو عُدْتَ لمثلها فلن تلي لي عملا أبدًا، ولا أنظر إلى وجهك.
القصة الثانية تقول بأنه لما اشتد على عمر بن عبد العزيز المرض دخل إليه مسلمة بن عبد الملك وقال له : يا أمير المؤمنين، ألا توصي لأولادك، فإنهم كثيرون، وقد أفقرتهم، ولم تترك لهم شيئًا ؟ فقال عمر: وهل أملك شيئًا أوصي لهم به، أم تأمرني أن أعطيهم من مال المسلمين؟ والله لا أعطيهم حق أحد، وهم بين رجلين: إما أن يكونوا صالحين فالله يتولاهم، وإما غير صالحين فلا أدع لهم ما يستعينون به على معصية الله، ثم جمع أولاده، وأخذ ينظر إليهم، ويتحسس بيده ثيابهم الممزقة؛ حتى ملئت عيناه بالدموع، ثم قال: يا بَنِي، إن أباكم خُيِّر بين أمرين: بين أن تستغنوا (أي تكونوا أغنياء) ويدخل أبوكم النار، وبين أن تفتقروا، ويدخل أبوكم الجنة، فاختار الجنة.. يا بَنِي، حفظكم الله ورزقكم، وقد تركتُ أمركم إلى الله وهو يتولى الصالحين. ثم توفى من بعدها.
أسرد هذه القصة وأنا أستمع بحسرة في نهاية هذا العام الدراسي إلى طلابنا الذين أنهوا دراستهم ويتهيئون لدخول التخصصات الجامعية، كم من هؤلاء الطلبة سيدخل بقناعته الذاتية للتخصص الذي تميل إليه نفسه ويعتقد بأنه سيفيد به المجتمع، وكم منهم سيبحث عن التخصص الذي يهيئ له الربح السريع وجني المال الوفير. إن المقاربة بين هاذين المنحيين يعطينا فكرة عما تنتظره أجيالنا القادمة من تضحيات ومصاعب اجتماعية وإنسانية، ويضع العاملين بالشأن السياسي والعام أمام مسؤلياتهم الجسيمة في إعادة التوازن بين المنحى الأريحي والعلمي الرصين، والذي يجب ان تتصف به أجيالنا الصاعدة، وبين الرغبة في تحصيل الأنفعية المادية الذي يجب الحد منه وتخفيف جشع المنحازين له.