الفصح مناسبة للتفاهم
هل نستطيع أن نستثمر خلافاتنا العقائدية بمزيد من التفاهم ؟ سؤال طالما طرحته على نفسي عندما كنت أسمع انتقادات من هنا وهناك عند كل مناسبة دينية لا تتوافق عقيدتها المبنية عليها مع عقيدة الآخر.
“المسيح قام حقا قام” تقابلها عند المسلمين عبارة : “المسيح قائم مازال الى الآن بروحه وجسده في السماء”. للوهلة الأولى يجب أن لا تكون هاتان العبارتان مصدر تخوين يؤدي إلى أحقاد ومنازعات واتهامات. المسلم عندما يقول بأن المسيح قائم إلى الآن فهذا يعني بأن الله ( الواحد الأحد) لم يشأ أن يتخلى عن المسيح عليه السلام في أحلك الظروف عندما صب اليهود جام حقدهم عليه وأرادوا تسليمه تمهيداً لصلبه، هذا التدخل الإلهي الذي يؤمن به المسلمون لإفشال مخطط اليهود هو شهادة حب منقطع النظير للسيد المسيح الذين يربأوا بإيمانهم أن يهان ويصلب ويطعن بالسهام، والمسيح هو من هو عند المسلمين : هو بشارة الملك جبريل الى مريم سيدة نساء العالمين، كلمة الله وروح منه، هو من تكلم بالمهد ليعلن أمام الملأ بطهارة أمه وبأنه من المرسلين، واحد من خمسة يطلق عليهم أولي العزم من الرسل، هو من أحيا الموتى وأبرأ المرضى بإذن الله ، هو من سيعود ويهبط من السماء في مسجد من مساجد المسلمين المغلّقة أبوابها خشية من الهجوم المحتم لليهود عليهم، هو من الذي سيؤمن بعودته المسلمون والمسيحيون على حد سواء ويسيرون معاً لمناصرته، هو من سيتبع المسيح الدجال وينال منه في مدينة اللد، هو من الذي يختتم الحياة على الأرض ويكون الإشارة الأخيرة للقيامة.
هذا المقام الرفيع الذي ينفرد به سيدنا المسيح عليه السلام يؤمن به المسلمون إيمانا جازماً كما يؤمنون بأن الله لم يمكن اليهود للنيل منه، وإنه قبل أن يصعد الى السماء صلب مكانه من (الخائنين أو من المجرمين المستحقين أصلا للموت) وقد ظهر على حوارييه وتلامذته وأخبرهم بنجاته، وإن صعد الى السماء بجسده وروحه فلأن رسالته مستمرة وسيأتي دورها قبل نهاية الحياة على الأرض.
وأما المسيحيون فلهم عقيدتهم المعروفة وهي القيامة بعد الصلب، وهذه العقيدة أسست على شهادة المحبة التي جاء بها المسيح باعتباره المخلص، والمسيحيون يؤمنون بها إيمانا جازما، كمثل إيمانهم بالأقانيم الثلاثة (الأب والإبن والروح القدس)، ويتشاركون مع تعاليم السيد المسيح في إعلان محبتهم لكافة الناس.
فسواء كان إيمان المسلم بأن المسيح قائم إلى الآن في السماء وان وجوده لم يزل ولم ينقطع، أو إيمان المسيحي بأنه قام حقا من بين الأموات، فكلتا العقيدتين مبنيتان على المحبة الصادقة لشخص المسيح، وليس مطلقاً على بغضه وتحقيره، وإن كانتا متباعدتين من تأسيسهما العقائدي أو اللاهوتي.
بل لو كان هذا التراشق بالاتهامات العقائدية بين المسلمين والمسيحيين مجتمعين وبين اليهود الذين لم يأمنوا أصلاً بأنه المسيح المنتظر، ويعتبرون المسيح الذي نؤمن به سوياً كاذب ودجال – معاذ الله – وقد تآمروا حقاً عليه وأرادوا تسليمه تمهيداً لصلبه وقتله، لكان هذا التراشق بالإتهامات والتخوين أقرب للواقع وأكثر إقناعا في موازين العقائد الدينية المتنافرة.
فلتكن هذه المناسبات رغم اختلافاتها العقائدية الجوهرية خالية على الأقل من حملات التخوين والإتهامات باعتبار : ” لكم دينكم ولي دين”.