رسالة مفتوحة إلى القادة الدينيين في العالم الإسلامي
وقفت على عتبة القرن الواحد والعشرين أسأله في وجل، ولم يكن يفصلني عنه في ذلك الوقت إلا عشر سنوات، فيما إذا سيصبح هذا القرن لا دينيا لو نجح المخططون في توجيه ضرباتهم ضد المارد الإسلامي وتحجيمه حتى لا يخرج ثانية من قمقمه ولا تقوم له قائمة ولا يحسب له حساب. لم تكن تمر في حينها تحليلات السياسيين الدوليين والضالعين في خبايا الأمور دون أن تشير الى هذه المخططات المرعبة والتي تتمحور في تهيئة الأجواء بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وهدم جدار برلين إلى استكمال ما كان معداً له منذ زمن وهو التشكيك في الإسلام وعزله عن الحياة العامة وضرب مؤسساته والنيل من معتقداته الدينية. بل وما يستتبع ذلك بجعله العدو الأول للغرب ضمن إطار الرؤية المجمع عليها بحتمية وجود هذا العدو لضمان ابعاد شبح الحروب عن الغرب وتوحيده نحو فكرة الخطر المحدق والشر الأكبر القادم من بلاد الإسلام. في الإطار الموازي لهذه الأفكار كانت الأطماع الاقتصادية والجيوستراتيجية للشرق الأوسط هي المحرك الرئيسي غير المعلنة “لشيطنة” العالم العربي والإسلامي.
ظننت وقتها ومن كان معي على مقاعد الدراسة التخصصية في فرنسا بأن هذه الخطابات المتكررة وقرع طبول الحرب على الدين الإسلامي ستستدعي وقفة عاجلة ولكن واعية ومخططة وممنهجة منكم أيها القادة الدينيون. عنوانها على الأقل دراسة هذه الأخطار ومواجهة هذه التشكيكات، والأهم منها رسم سياسة مستقبلية مستشفة للأحداث ومفعمة بالحلول والأبحاث للحيلولة دون زعزعة الثقة ببعض المؤمنين الحيارى، وللحؤول دون التشكيك بقيم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته وطواعيته للتقدم والتطور ليكون في مصاف الحضارات الإنسانية الرائدة الداعية للسلام.
ولكنكم في مواجهة هذه الأفكار لم اسمع منكم أيها القادة الدينيون إلا بعض الأصداء الخطابية الرنانة والتي في جلها متباكية على أطلال الماضي المجيد ولكنها بلا شك غير متحضرة للمستقبل البعيد ولا مكترثة بالحاضر الجديد. الخطب جلل أيها القادة العلماء وما يحاك في الظلام قد أصبح يرى في وضح النهار والوحيدون الذين لا يقدرون على الرؤية هم الذين غشت قلوبهم غشاوة الأنانية والإسترخاء على مقاعد المناصب والرخاء.
مرت السنوات وولى القرن العشرون بعد أن قطع فيه المخططون أشواطاً كبيرة في محاربة الإسلام حيث أدخل العرب في حروب داخلية سبق الإعداد لها بذكاء فائق التدبير وتم تنفيذها على العرب بغباء منقطع النظير. وكانت العراق هي المدخل وشرارة الإنطلاق. وتوالت من بعدها الأحداث حتى وصلت الى أعماق المعتقدات الدينية للمسلمين، مشككة بكل ما يمس الإسلام في عقيدته وفقهه وتفسيراته وتأويلاته وفتاويه. وأما أنتم أيها القادة الدينيون فلم يتحرك لكم جفن ولم ينبس لكم بنت شفه إلا لعقد بعض المؤتمرات الخجولة التي لا تروي الغليل ولا تشفي العليل.
والمحير المفجع في هذا الأمر هو أنه تم القضاء منذ ما يقارب المائة سنة على مؤسستكم الدينية الجامعة التي كانت مقراً للإفتاء ومرتكزاً للعلماء، وأنتم ما زلتم تعيشون إلى الآن في تخبطكم وضياعكم. دولكم وقفت أمام هذا التخبط لتتبّع حلاً من ثلاثة : إما ضمكم إلى رقابتها واخضاعكم لتشريعاتها، وإما تجاهلكم وتهميشكم حتى ابعادكم عن أي قرار وشأن، وإما منحكم بعض الإستقلالية في تشريعاتكم المتعلقة بشؤونكم الدينية والوقفية. فأما الحل الأول فقد أدى الى تقليص دوركم واتهامكم بأنكم “علماء السلطان” فأبْعدتم عن دائرة التفاعل الاجتماعي والتأثيري مع كافة شرائح المجتمع. وأما الحل الثاني فقد حلت مكانكم الجمعيات والروابط حتى أضحت مرجعا لكثير من المسلمين يلجئون اليها في الاستشارات والفتاوى حتى في أمور المجتمع ومتطلبات الحياة. وأما الثالثة فتطبعت نزعتكم الى الإستقلالية بشؤونكم الدينية وإدارة أوقافكم الخيرية وفق الشخصانية الفردية لمن اخترتموه ليكون المرجعية الدينية العليا لكم فأعقب ذلك نجاح أو تقهقر حسب قدرة المرجعية على إدارة الشؤون والجرأة في التعاطي مع الأمور وتدوير الزوايا بعيدا عن الكيدية والظنون ومخالفة المحظور.
وفي كل هذه الحالات الثلاثة تم سلب صلاحياتكم في إصدار الفتاوى وإرشاد المجتمع والدفاع عن العقيدة ضد حملات التشكيك والإتهام، من قبل زعماء التجارة والتدين الذين يحسنون تقصير الثوب وإطالة اللحى وتكفير المخالفين، والتفتيش في ضمائر المؤمنين. مرجعيتهم في ذلك الكتب الصفراء التي كتبت في عهود الفتن والحروب والكراهية وعدوهم ما جاء في قواعد الفقه من “تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان”، وما خطه الإمام مالك في أنه ” إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان ولا يجوز حَمْلُه على الكفر” و قاعدة ” إذا تعارض العقل والنقل قُدَّم العقل وأُوِّل النقل ” تغليباً للمصلحة، المعتبرة وإعمالاً لمقاصد الشريعة.
أخجل بأن أسطر لكم – وأنتم أعلم بذلك – ما يتناقله العامة والخاصة والجاهلون والباحثون على حد سواء من أمثال هذه الفتاوى التي تنتشر كالهشيم في المجتمع. وهذا التخبط في الفكر الديني وفي التشكيك بآيات السلام والعدل والرحمة، وهذا الجهل في إعمال القواعد الشرعية واستنباط الأحكام والفتاوى من مصادرها الفقهية والترجيح بين مؤيدي ومعارضي الناسخ والمنسوخ…إلى درجة أن الإسلام بات متهما بأنه رديف الفوضى والجهل والتخلف والإنحطاط والركود، وأنه مصدر كل شر وتقوقع وجمود بل ومروع الأبرياء وحاصد الأرواح دون قيود.
المخجل المذري في كل هذه الأحوال أيها القادة الدينيون، أننا نساق سوقا ونقاد إلى حيث أرادوا الإيقاع بنا. وهم يعلمون بأن ذكائنا العاطفي يستجيب لكل شرارة إشعال وصراخنا وتهويلنا يصدح عند كل نِزال. ألم نتعلم من تاريخنا وأئمتنا فن السكوت عند كل استدراج، والمواربة عندما نتيقن أن السؤال ليس للمعرفة وإنما للإحراج. وما أخال ” لا أدري ” التي كان يقولها الإمام مالك إلا لخشيته من خبث السائل فكان رده عن الإستواء بأنه معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ثم يطلب من السائل الخروج بلا رجعة.
أيها القادة الدينيون :
ألا يقف الإرهابيون الإنتحاريون عند كل مفترق طريق ينتظرون “فتوى” متمشيخ للكبس على حزامهم الناسف فيقتلون الأبرياء معتقدين بأنهم يثابون كلما تضاعف عدد المقتولين بضعف الثواب والأجر العظيم وضمان الدخول الى جنة النعيم. حتى بات الخوف يطال المصلين في المساجد ورواد المقاهي والسائرين على الطرقات والمسافرين في الطائرات والساعين في أرزاق أطفالهم وعائلاتهم. أي إجرام باسم الدين هذا الذي نشهده وأي سكوت مريب عن مجريات هذه الأمور نلحظه؟
سؤالي اليكم أيها القادة الدينيون، ولن يكون لي سؤال غيره ، فمنه ستكون بداية الإنطلاق للدخول ولو متأخرين في القرن الواحد والعشرين :
هل استرعى انتباهكم بأنه كانت لدينا مشيخة الإسلام الجامعة وإنها وإن ألغيت بعد انهيار الدولة العثمانية إلا أنها أسست لوجود سلطة دينية مركزية تمنع الفوضى وتنظم أمور المسلمين الدينية والوقفية والتعليمية والإجتماعية. لقد بات من الغباء الإستشهاد بالمقولة التي حرف البعض معناها القرآني : “لا رهبانية في الإسلام”. وبات من المستهجن أن يدّعوا هؤلاء بأنه “لا سلطة دينية في الإسلام”. العالم الإسلامي بأسره ينتظر هذه الخطوة الجريئة لتستعيدوا صلاحياتكم في إصدار الفتوى والتصدي لحملات التشكيك والتكفير والتهميش. لا تدعوا مناصبكم وجلوسكم على كراسي الإفتاء والتوزير تحول بينكم وبين إعادة بناء مؤسستكم المشيخية المركزية. فإننا وإن فشلت دولنا في لم شمل راوبطها السياسية الضائعة، فلتكن الإنطلاقة بوحدتنا الدينية المؤسساتية الجامعة.
إن القرن الواحد والعشرين لن يرحم فإما أن يكون دينياً أخلاقيا آمناً مسالماً أو لا يكون. فلتكونوا بناة هذا العالم المحافظ على قيمه ومبادئه وانسانيته ولا تكونوا بصمتكم وسكوتكم وتفرقكم معولا لهدم ما تبقى من قيم دينية سامية. ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)….اللهم اني بلغت اللهم فاشهد.