المفهوم الإسلامي للحرية الدينية
في كتابه Tristes Tropiques كتب العالم الإجتماعي الشهير Levi-Strauss بأن الإسلام وهو مخترع التسامح في الشرق الأوسط يغفر بصعوبة لغير المسلمين عدم تركهم لدينهم واعتناقهم الدين الإسلامي لكونه احترم معتقدهم الديني وتركهم على ما يدينون به. فكان هذا التسامح الذي أبداه الرسول محمد إزاء غير المسلمين بمثابة انتصار دائم عليهم يضعهم بموضع متأزم ومستمر بسبب التناقض بين االتوجه العالمي للوحي الإلهي في أديانهم وبين التسامح الذي ابداه الإسلام إزاء المعتقدات الدينية الأخرى”.
أضيف إلى هذه الشهادة الإيجابية عن موقف الإسلام من الحرية الدينية ما كتبه الأستاذ الكبير الدكتور أدمون رباط في تقديمه لكتاب الوزير جورج قرم عن المجتمعات المتعددة الأديان: ” بأن موقف الإسلام من الأديان الأخرى لا يمكن وضعه تحت خانة التسامح غير المحدد والذي يمكن تعديله والتراجع عنه في كل لحظة بل إن هذا الموقف مترسخ في الفقه الإسلامي الثابت والذي لا يمكن تغييره”.
لا شك بأنه إذا عدنا إلى الوراء، إلى الماضي الغارق في القدم، لوجدنا أن الأديان التي سبقت الأديان التوحيدية كانت تؤمن بالتنوع التوافقي المتساهل إزاء الأديان الأخرى الذي أدى إلى الإنصهار بين كافة هذه الأديان، فعند نهاية كل حرب تنشا بين مجتمعاتها، كانت المجتمعات الغالبة والمنتصرة تبقي على أديان الشعوب المغلوبة وتضيفها الى آلهتها وتضعها داخل المعبد الرئيسي للمدينة مع احتفاظها بموقع الصدارة لإلهها الوطني، وتبقي بذلك على شعائرها وطقوسها دون أي تحذير منها أو تحريم لها أو تجريم للمؤمنين بها.
هذا الموقف المتراخي في قبول دين الآخر والذي أدى إلى إنصهار الأديان بعضها ببعض لم يدم طويلاً، فمع ظهور الأديان التوحيدية وضع حد فاصل وصلب لا يمكن خرقه بين الأديان المختلفة داخل المدينة الواحدة. فجاءت اليهودية وفرقت بين شعب الله المختار وبين الشعوب الأخرى بين الغوييم وبين المينيم، فحرمت أي اتصال وأي انخراط وأي تزاوج واي مشاركة في المطعم والمشرب بين اتباع الدين اليهودي وبين هذه الشعوب. ثم جاءت المسيحية واتبعت الكنيسة موقفاً صلباً ومتشدداً مع وجود الأقليات الدينية في مجتمعها التي اعتبرت وجودها تحدياً للمجتمع المسيحي الذي يدعو كما الإتحاد في جسد المسيح إلى وحدة المجتمع المسيحي. حتى أن كلمة الدين كما اشار بذلك قاموس Antoine Furetière سنة 1690 لا تعني الا الدين الكاثوليكي الروماني والرسولي، وأما باقي الأديان فلا يطلق عليها كلمة الدين الا مجازاً وتجاوزاً. هذا الموقف الرافض للآخر لم يتغير ويتبدل إلا في المجمع الفاتيكاني الثاني في عام 1963 حيث تكلمت الكنيسة ولأول مرة عن اديان أخرى تسعى الى عبادة الله الواحد والإيمان بالانبياء المرسلين وبالبعث والحساب ويوم القيامة كما هو الحال بالنسبة لليهودية والإسلام.
ثم جاء الإسلام واتبع منحى وسطاً بين المذهب التوافقي الإنصهاري للمجتمعات القديمة التي كانت على استعداد بأن تضحي بالمعتقد الديني الواحد والحصري للأغلبية من اجل بناء الدولة وتماسكها، وبين حصرية الأديان السماوية التوحيدية – خلال عصور الإنغلاق على الأقل – التي كانت تضحي ببناء الدولة وتماسكها من أجل المحافظة على وحدة المعتقد الديني. من خلال هذا التوجه استطاع الإسلام كما يقول عالم الإجتماع الشهير Levi-Strauss الخروج من التناقض الذي نشأ بين المنحى العالمي للوحي الإلهي التوحيدي والحصري وبين قبول التنوع الديني داخل المجتمع الواحد. فرغم تفريق الإسلام ما بين المسلمين واهل الكتاب والمشركين، إلا أنه إتبع منهجية انفتاحية ثنائية : أولها اعتبار أهل الكتاب والقبائل العربية الوثنية غير المحاربة التي كانت تسكن المدينة (يثرب) أمة واحدة مع المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، بشرط مساهمتهم في الإنفاق على مصاريف الدولة والزود عنها بالمال والروح. هذا التوجه انبثق عن صحيفة المدينة التي جاء فيها:
. بأنّ يهود المدينة على اختلاف انتماءاتهم ” أُمّة مع المؤمنين، لليهود دِينهم وللمسلمين دِينهم، مَواليهم وأنفسهم إلا من ظلَم وأثم، فإنه لا يُوتِغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيتِه.
. وأنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأنّ بينهم النصر على مَن حاربَ أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم. .
. وأنّ اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وثانيها : هو ترك أهل الكتاب ومايدينون به في حال امتناعهم عن الدفاع عن الدولة مقابل دفع ضريبة موازية لما يدفعه المسلمون من مال الزكاة وتعهد المسلمين بالدفاع عنهم في أحوال الحروب الخارجية والغزوات. وهذا ما عرف بعهد النبي مع قبيلة نجران المسيحية، وقد جاء فيها :
هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين بشيراً ونذيراً ومؤتمناً على وديعة الله فى خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين النصرانية من مشارق الأرض ومغاربها قريبها وبعيدها فصيحها وعجميها معروفها ومجهولها كتاباً جعله لهم عهداً فمن نكث العهد الذى فيه وخالفه إلى غيره وتعدى ما أمره كان لعهد الله ناكثاً ولميثاقه ناقضاً وبدينه مستهزئاً وللّعنة مستوجباً سلطاناً كان أو غيره من المسلمين المؤمنين- لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شئ من بناء كنايسهم فى بناء مسجد ولا فى منازل المسلمين فمن فعل شئ من ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبد جزيةً ولا غرامة وأنا أحفظ ذمتهم أين ما كانوا من بر أو بحر فى المشرق والمغرب والشمال والجنوب وهم فى ذمتى وميثاقى وأمانى من كل مكروه – ولا يجادلوا إلاّ بالتى هى أحسن ويحفظ (ويخفض) لهم جناح الرحمة ويكف عنهم أذى المكروه حيث ما كانوا وحيث ما حلوا – ويعاونوا على مرمّة بيعهم وصوامعهم ويكون ذلك معونة لهم على دينهم وفعالهم بالعهد “.
سواء كان الخيار الذي اتبعه الإسلام ما بين صحيفة أو دستور المدينة أو بين معاهدة نجران فقد كانت القاعدة دائماً وخلال كل العصور : ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” و ” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” .