مدونة

كلمتي في لقاء مع مجموعة من الآباء بعد تخرجهم من أحد المعاهد اللاهوتية سنة 2007 في دار الفتوى

Bureau Dar Al Fatwa et Moi
مدونتي

كلمتي في لقاء مع مجموعة من الآباء بعد تخرجهم من أحد المعاهد اللاهوتية سنة 2007 في دار الفتوى

بداية باسم صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية أرحب بكم في داركم دار الفتوى التي هي دار اللبنانيين جميعاً، أرحب بكم مثمناًً هذه المبادرة التي تقومون فيها بزيارة دار الفتوى والإستماع إلى الكلمة السواء بيننا وبينكم، هذه الكلمة المشتركة التي نتذاكر فيها الخالق سبحانه وتعالى الذي نعبده نحن وانتم، والتي نتصارح فيها ونتناصح أخوة متحابين وأصدقاء متعاونين وشركاء وطن متضامنين يدفعنا في ذلك حب الله أولاً وحب انبياءه جميعاً وحب وطننا لبنان الذي نعيش على أرضه ونقتات من نباته ونستنشق من هوائه. أرحب بكم أيضاً لما اعربتم به عن رغبة في هذا اللقاء رغم هذه الظروف الصعبة التي نعيشها نحن ابناء هذا الوطن. هذه الرغبة بهذه الظروف المماثلة ذكرتني بكلام قاله نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم علمنا فيه كيف نتفاءل حين يكون كل ما حولنا وكل من حولنا يدعونا إلى التشاؤم، علمنا كيف نُغِّلب إرادة الحياة على حتمية الموت، كيف ننهض ونشمر عن سواعدنا ونهرع إلى العمل بدل أن نستكين ونتراجع ونستسلم منتظرين قضاء الله وقدره ولو كان هذا الإنتظار يمر في أحلك الظروف وهو هلاك الكون، ففي هذا الحديث النبوي يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ” لو قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها” والفسيلة هي النبتة أي في هذا المشهد المروع والكوارث الكونية المحققة والتي تُعْـلن فيها نهاية الكون وبداية الحساب الأخروي ، يقول لنا النبي محمد إذا كان بيد إنسان في هذا الوقت زرع أو نبت فعليه أن يزرعه أولاً ولا ينتظر دمار الكون وقيام القيامة.

  1. كيف نفهم الآخر

أول ما أحب أن أبدأ به حديثي معكم هو كيف نفهم كمسلمين أومسيحيين الآخر الذي لايشترك معنا في المعتقد الديني. بدايةً، هذا الإتصال مع الآخر إما أن يتمخض عنه تقبلاً تاماً لمعتقده وهذا ما نسميه باعتناق الدين الآخر وهو يخرج عن موضوعنا، أو رفضاً تاماً له. وما بين التقبل والرفض خيار ثالث هو تقبل بعض معتقدات الآخر واعترافنا بما تحمله من مبادئ سامية وقيم عليا وقبل كل شيء بما تشتمل عليه من ومضات إيمانية تشعرنا بأن معتقداتنا الدينية السماوية تخرج كلها من مشكاة واحدة.

تتنوع مواقفنا في نظرتنا للمعتقد الديني للآخر وفق ثقافتنا الدينية وحسب شخصيتنا وتربيتنا، فقد نَحْكُم مسبقاً على المعتقد الآخر بالرفض التام دون أن نبحث بل ودون أن نستنفذ طرق البحث كافة للوصول إلى معرفة الآخر وإلى حقيقة معتقده، ويتوقف الأمر بالنسبة لعلاقتنا مع هذا الدين عند هذا الحد، وقد نتوصل إلى هذا الرفض بعد الدرس والتمحيص في دين الآخر ومعتقده. وفي كلتا الحالتين إما أن نعيش بعد ذلك إيماننا الإسلامي أو المسيحي على أكمل وجه ولكن داخل صومعتنا المعنوية أو الحسية بعيدين عن التفاعل مع هذا المعتقد الآخر. وإما أن نتفاعل مع هذا المعتقد سلباً أو إيجاباً. فمن الجانب السلبي أن نهاجم المعتقد الآخر ونستهزئ به ونتحين الفرص لنقده بأسلوب لاذع وساخر وكأننا ملكنا الحقيقة كلها دون سائر الناس، ومن الجانب الإيجابي أن نؤمن بصوابية معتقدنا ونجزم بخطأ معتقد الآخر ولكننا مع ذلك نحافظ على احترامنا له ونبذل ما في وسعنا من أجل تمكينه من التعبير عن رأيه ومعتقده، كما يقول الإمام الشافعي : “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب”، وكما يقول فولتير مع اختلافنا مع فلسفته : “قد اختلف معك نعم ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا مقابل حقك  في الرأي. وبالتالي فتكون نظرتنا إلى المعتقد الآخر نظرة تفهم، وإن تكلمنا عنه فنتكلم بما نعرفه عنه بموضوعية وأمانة علمية ونمتنع عن ذكر ما لانعرفه عنه أو ما ينافي عقيدته وآراءه.

إنطلاقاً من هذا المنحى الأخير يمكن أن تتطور مواقفنا من الآخر فنعترف بإيجابيات معتقده الديني دون أن نتخلى عن موقعنا الإيماني بديننا. فننظر مثلاً إلى الجانب الروحي السامي في سيرة سيدنا المسيح كما جاءت في الإنجيل وإلى أبعادها الإيمانية وتعاليمها في المحبة والتسامح فتشدنا سيرته إلى السير على منهجه وتتبع خطاه، بل ومحبته القوية الصادقة.

ولهذا المنحى الأخير درجات تبتدأ باحترام المعتقد الآخر والإيمان بصدقية إيماننا مع إمكانية خطأنا والإيمان بنفس الوقت بخطأ معتقد الآخر مع إمكانية صوابه، كما قال الإمام الشافعي، والدرجة الأخيرة في هذا المنحى أن يتسع قلبنا لاحتواء كل شيء وكل الحقائق بل كل المعتقدات وكل الأديان، وهذا ما  صل إليه الصوفي والفيلسوف الإسلامي الكبير محي الدين ابن العربي حين قال :

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي      إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

فقد صار قلبي قابلاً كل صورة        فمرعى لغزلان وديــــر لرهبــــان

وبيت لأوثان وكعبــــة طائف       وألـــواح تــوراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهـــت        ركائبــه فالـــحب دينـي وإيماني

    أعود إلى الفرضية الأولى وهي موقف الرفض التام دون محاولة التفهم والإطلاع بكل تجرد على دين الآخر، فأسوق هذه القصة التي تدور أحداثها في محيط من المحيطات في ليلة حالكة الظلام وعلى متن سفينة حربية يبصر أحد البحارة نوراً ينبعث من مكان في البحر فيسرع إلى قبطان السفينة ويخبره بالأمر، فيسأله القبطان : هل النور الموجود هو في سفينة ثابتة أم متحركة ؟ فيقول له البحار : بل ثابتة ، فيقول القبطان : إرسل لهم إشارة كي تبتعد سفينتهم 20 درجة ، فيرسل الإشارة ، فيرد عليه أحدهم من المكان الذي ينبعث منه الضوء : بل الأفضل أن تحرك سفينتك وتغير اتجاهك 20 درجة  فيقول البحار للقبطان: إنهم يطلبون تغيير اتجاهنا ، فيغضب القبطان ويطلب من البحارة الإستعداد لقصف السفينة ويوجه إنذاراً لهم يخبرهم فيه بأنه أميرال السفينة البحرية وأنه سيقصفهم في حال عدم إذعانهم للأمر فيأتي الرد : نحن منارة بحرية ، ونحن بحارة عاديون غير مسارك 20 درجة ، فيخفض القبطان رأسه ويطلب من البحارة تغيير مجرى السفينة .

    مغزى هذه القصة أن علينا التأكد من الموضع الذي يشغله الآخر ومن كل المعطيات التي تحيط به وبنا وألا نسارع إلى الحكم عليه بما يرضي عنفواننا وكبرياءنا وموقعنا الإجتماعي دون أن نستنفذ طرق البحث للوصول إلى معرفته أو إلى الحقيقة المجردة، وهذا الخطأ يقع فيه للأسف كثير من رجال الدين من مختلف الأديان والمعتقدات، فيتكلمون عن المسيحية أو عن الإسلام من منطلقهم الإيماني دون مراعاة مطابقتها للواقع الإيماني للآخر بما يوحي أيضاً بأنها مسلمات يؤمن بها الدين الآخر ، وفي الحقيقة ليست هي إلا مفاهيم خاطئة أو مختلقة عن هذا الدين أو ذاك، فمثلاً عندما يتحدث أحد رجال الدين المسيحيين عن إنجيل برنابا ويذكرون بأن الإيمان به هو في صميم العقيدة الإسلامية، والحقيقة بأنه ليس كذلك، وليس لدينا أي دليل على كونه إنجيلاً. أو أن حرية الإنسان غير معتبرة في الدين الإسلامي أو أن الحب الإلهي الخالص لايعرفه المسلمون. وفي المقابل أيضاً يوجد عند المسلمين من لم يقرأ الإنجيل ولم يعرف المسيحية إلا من خلال قراءته للقرآن الكريم فيتحدث من وجهة نظر المسيحي بأمور غريبة ومختلقة ودخيلة على الإعتقاد المسيحي.

وأما الفرضية الثانية وهي موقف الإنسان الذي يسخر ويستهزئ بقصد أو بغير قصد بمعتقد الآخر ويجرح أتباعه وينعتهم بكثير من الصفات السلبية فأتذكر في هذا السياق تلك القصة التي رواها لنا بعض مشايخنا وقد أثرت في بناء شخصيتي منذ أن كنت على مقاعد الدراسة الدينية الثانوية : فتروي هذه القصة أن ملكاً من الملوك استفاق من نومه مذعوراً من منام رآه في نومه مفاده أن كل أسنانه قد وقعت ولم يبق له سن ولا ضرس واحد، فاستقدم المفسرين والمنجمين في مملكته لمعرفة تأويل هذا المنام ، فأجمع المفسرون كلٌّ بدوره على أن أفراد عائلته سيموتون جميعاً من وباء أو من حادثة معينة، فكان الملك يغتاظ ويغضب كثيراً عند سماعه هذا التأويل ويأمر بسجن هذا المفسر وهذا المنجم، إلى أن أتى آخر المفسرين وأذكاهم وقد هالته هذه العقوبة فقال للملك بذكاء : إن تفسير منامك يا جلالة الملك هو أنك ستكون أطول أهلك عمراً،  فسر الملك كثيراً لهذا الجواب وأكرمه بعطية وسمح له بمغادرة قصره.

مغزى هذه القصة والتي تبين لنا نجاة المنجم الأخير الذي قال مثل ما  قاله الآخرون ولكن بأسلوب مختلف وحكيم، أن علينا بعد أن نتأكد من موقفنا ورؤيتنا العلمية أن نجيب عنها بكل حكمة وحسن خلق بحيث لا نستهزئ من الآخر أو نجرحه أو ننال من ذكاءه وسعة علمه، وأن علينا أن نعي بأن لكل مسألة طرق عديدة متنوعة لإيصالها إلى الآخر فعلينا أن نبحث عن أفضلها وأقلها تجريحاً ووقعاً على نفس المحاور الآخر، ومن هذا القبيل أن ننتبه إلى ما يضايق الآخر المحاور فلا ننعته بما لايحب أن يتصف به فلا نقول عن المسيحية نصرانية إذا لم يحب أخي المسيحي أن أسمي دينه بها ولا المسيحي أن يصف الإسلام بأنه الدين المحمدي، ولا نقول للآخر أنت كافر بل أقول له أنت غير مؤمن من حيث اختلاف مفهومي ومفهومك للإيمان أو أنت خرجت عن دائرة إلإيمان كما يحدده ديني. ومن الأمثلة في هذا السياق : تحذير القرآن للمسلمين من سب آلهة المشركين العرب وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله ، وذلك كي لا يسـب المشركون دين الله :  (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) سورة الأنعام : ١٠٨. إذا كان هذا سلوك المسلم مع دين المشركين عبدة الأصنام  فكيف إذا كان الأمر مع أديان أهل الكتاب الذين يؤمن بهم المسلم ويبجل أنبياءهم ويذكرهم في صلاته ويتسمى بأسماءهم ويقتضي بأقوالهم وافعالهم.

    وأما الفرضية الثالثة وهي أن يرى في المعتقد الآخر ايجابيات وقواعد ايمانية صالحة يمكن أن يتبعها وتكون له نهجاً في حياته، فسأتكلم بها من زاويتين، من زاوية تجربتي الشخصية ومن زاوية المبادئ الإسلامية :

  • من واقع تجربتي الشخصية عندما كنت طالباً في السنة الأولى في جامعة الأزهر في القاهرة درسنا مادة علم الإجرام، ومن بين النظريات التي درستها هي نظرية Lambrozo التي تتحدث عن المجرم بالشكل والهيئة فأعجبتني نظريته إلى أن درسنا النظرية الإجتماعية التي تعود بالجريمة إلى عوامل إجتماعية وتربوية واقتصادية ، فأعجبتني أيضاً، ثم درسنا النظرية التي تربط بين الجريمة والعوامل المناخية فأعجبتني كثيراً إلى أن درسنا النظرية التكاملية التي لا تستبعد أي من العوامل السابقة بل تقول بأن الجريمة ممكن أن تنتج من اجتماع عوامل كثيرة ومتنوعة. دراسة هذه النظريات ولدت لدي منهجية في قبول الآخر والإستفادة من ايجابياته وعدم حذفه واستبعاده، فأنى وجدت الحقيقة فهي مذهبي، فإذا قرأت المسيحية مثلاً وجل قلبي لما أجده فيها من سيرة سيدنا المسيح وأقواله بل اشراقاته الإيمانية، وإذا قرأت اليهودية أو البوذية أو أي دين آخر أكبرت فيهم تعاليمهم ومبادئهم السامية.
  • وأما من الجانب الإسلامي فإن مبادئ أصوله التشريعية تأخذ بأحكام ومبادئ المسيحية واليهودية حين لا يوجد تشريع أو نص في الإسلام، فالقاعدة الفقهية عند علماء المسلمين تقول : شرع ما قبلنا (وهم اليهود والمسيحيين) شرع لنا ما لم يأت به أمر ينسخه في الإسلام ، وهذه القاعدة الفقهية لها تطبيقاتها في كثير من المجالات.

ويبقى من موضوعنا هذا أن أذكر بأنه عند مقاربة المعتقد الديني للآخر يمكن أن تكون منهجيتنا منهجية جامدة ومنغلقة ورافضة لتقبل الحقيقة الأخرى والرأي الآخر، وهذه المنهجية هي نفسها التي واجهها السيد المسيح أثناء دعوته إلى بني اسرائيل ، وهي نفس المنهجية التي اتبعها مشركو العرب في تصديهم لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بل هي نفس المنهجية التي واجهها أنبياء الله كافة أثناء دعوتهم قومهم إلى عبادة الله وتبشيرهم بالدين الذي جاؤوا به من عند الله. وقد وصف القرآن هذه المنهجية في كثير من الآيات : (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: ١٧٩ (َأفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لأ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور)ِ   الحج: ٤٦

وأما المنهجية الأخرى فهي التي تزيل الغشاوة عن قلب صاحبها وتجعل قلبه وعقله معلقان بين يدي الله تعالى يسألانه أن يعينهما على تقبل الحقيقة الإيمانية. ومن هذا القبيل ما أردده دائماً وأدعو الله به : اللهم إني  آمنت بك إيماناُ لا يتزعزع وآمنت بجميع أنبياءك ورسلك آمنت بإبراهيم خليل الله وبموسى كليم الله وبالمسيح  روح الله وبمحمد خاتم رسل الله آمنت بهم جميعا أنبياء ورسل لم يفرق الله بين أحد منهم ، اللهم إني جعلت قلبي معلقا بين يديك خالصا لك وحدك وجعلته مرهفا مطيعا لتقبل الحقيقة الايمانية التي أرسلت بها سيدنا المسيح  إلى خراف بني اسرائيل الضالة والتي أنطقت بها سيدنا محمد لهداية الناس إلى الصراط المستقيم ، اللهم اهدني إليها ووفقني إلى تقبلها ولا تجعلني متعنتاً مغلق القلب ، ولا عنيدا متصدياً لمعرفة الحق ، ولا حاقدا كارهاً لمن خالفني في الدين والرأي بل اجعلني مخلصاً صادقاً له ولجميع المؤمنين.

  1. 2. لماذا نختلف

         أسلّم أولاً بأن المسيحية والإسلام والأديان السماوية على العموم تتضمن إيماناً مشتركاً بالله والرسل وبناء الإنسان والحساب واليوم الآخر. فلماذا تختلف وتتصارع وتتقاتل وتتراشق التهم بالكفر وإخراج الآخر من دائرة الإيمان.

إذا استعرضنا مضمون الخطاب الإلهي الموحى به إلى الأنبياء والرسل في الديانات السماوية، لوجدناه شاملاً لمواضيع كثيرة منها على سبيل العرض لا الحصر: المجالات الغيبية الإعتقادية، والتعبدية الإيمانية، والأسس الأخلاقية، تضاف إليها فيما يخص الإسلام واليهودية المبادئ القانونية العامة والمعاملات الاجتماعية. من هذه المواضيع ما أشار إليها الله تعالى بالتلميح والإيجاز ومنها ما ذكره بالتفصيل والتكرار لحكمة هو يعلمها. إذا أمعنا النظر في هذه المواضيع فإننا سنجد بأن هناك أموراً أساسية وهامة، أشار الله إليها على جهة التلميح والإيجاز في حين انه كان يقتضي – من منظورنا الإنساني الضيق والقاصر – التوسيع والتفصيل. وفي مواضع أخرى أشار اليها بالتفصيل والتكرار حين اقتضى الأمر التبسيط والإيجاز. إنطلاقا من هذه الفرضية فإننا لن نجد في الإنجيل أو في كلام سيدنا المسيح مثلاً ما يكرس عقيدة التثليث والإيمان بالطبيعة الإلهية للمسيح إلا ما فسرته الكنسية وبنت عليه إيمانها الإساسي المستقى من روح الإنجيل وكلام تلامذة المسيح . علماً بأن هذا المبدأ هو ركيزة الإعتقاد المسيحي والموضع الأهم في الخلاف الإسلامي المسيحي بل واليهودي أيضاً. وكذلك الأمر في الجانب الإسلامي فلو أخذنا مثلاً موضوع الإختلاف السني الشيعي حول مبدأ النص على وصاية الإمام وهو من أهم الأسس الدينية عند الشيعة ومن أصول الدين لديهم لايجوز السكوت عنه بل لابد من التدخل الإلهي فيه عن طريق النص ، يقابله عند السنة الإستخلاف عن طريق الإختيار والشورى بين المسلمين والذي يؤدي إلى المبايعة للخليفة الذي يتم اختياره ، فإننا لن نجد تفصيل ذلك في القرآن الكريم أو في كلام رسول الله إلا بالقدر الذي يرغب كل فريق بالدلالة عليه. وما قول الرسول للمسلمين في حديث غدير خم ” من كنت مولاه فعلي مولاه” تصلح لتكون حجة لأصحاب هذا الرأي أو ذاك باعتبار أن كلمة مولى تفيد النصر والتأييد كما فهمها أهل السنة و تفيد الولاية والحكم كما جزم بها الشيعة.

أقول ذلك لأبني عليه رأياً مفاده أن الله لم يكن ليجهل بأن فريقاً من البشرية  لن يشاطر المسيحيين في إعتقادهم بالتثليث وبالطبيعة الإلهية للسيد المسيح انطلاقا من واقعه الإيماني بالدين الآخر الذي يؤمن بالمسيح كإنسان ونبي مرسل من عند الله. وأن فريقاً من البشرية لن يؤمن برسالة محمد انطلاقاً من عدم قناعته بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى ليتمم الرسالات السماوية السابقة ويختمها فبالمسيح انتهت واكتملت الرسالات والأنبياء. ألم يكن الله قادراً من منظور الآخر غير المسلم، أن يقيم الدليل الذي يجمع عليه العالم بأحقية وصدق رسالة الإسلام التي جاء بها سيدنا محمد . وأخيراً ألم يكن الله قادراً – من منظور الآخر غير المسيحي – من أن يفصِّل ويدعِّم عبر كلام المسيح نفسه المبدأ الإيماني الأساسي لكل مسيحي في التثليث والطبيعة الإلهية للمسيح بشكل لايترك فيه مجالً للشك أو التأويل. خاصة وأن كل مبدأ من هذه المبادئ الإيمانية يعتبرعند مؤمنيه بأنه الخلاص الذي لا يتم إلا به .

    وإذا كنا كمؤمنين مسيحيين أو مسلمين ، نؤمن بكمال الله تعالى وأنه لا يعتريه النقص والنسيان كباقي البشر ، فما هي حكمته في ذلك. من موقع إيماني الإسلامي أقول بأن حكمة الله الظاهرة في كل هذه الأمور هي أن نكون مختلفين (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)  هود: ١١٨ – ١١٩ وحين نختلف فإن حكمة الله تتجلى في امتحانه لنا ليرى كيف سنتخاصم ونتحاكم، هل سننصب أنفسنا حكاماً من دون الله : (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الحج: ٦٩  وحين نتجادل هل سيكون شعارنا الإحترام المتبادل ونصل إلى أسمى ما يكون فيه التحاور مع بعضنا البعض : (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلأ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت: ٤٦ وإذا تجادلنا كيف نتعايش مع بعضنا البعض وهل سنعيش أخوة متحابين متجاورين ومتضامنين رغم اختلافنا العقائدي ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة: ٨ وحين يتحقق كل ذلك فينا هل سنصل أخيراً إلى الهدف الأسمى والغاية التي من أجلها خلقنا جميعاً حين نعترف مسلمين ومسيحيين بربوبية الله الواحد لنا جميعاً : ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت: ٤٦

  1. خصوصية الحوار عند المسلم

    مرد هذه الخصوصية إلى عدة أمور :

  1. الإعتقاد بأن الإختلاف و التنوع البشري في اللون والجسد والفكر واللغة هو مقصود في ذاته وهو هدف رباني أراده المولى جل جلاله ، يقول الله تعالى في القرآن الكريم : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) الروم: ٢٢ ويقول أيضاً ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين َ) هود: ١١٨  ويقول أيضاً : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات: ١٣
  2. الإختلاف في الدين هو أمر بديهي ولو شاء الله لجعل كل الناس مؤمنين . يقول الله في القرآن الكريم : (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) يونس: ٩٩
  3. ينبني على ما سبق بأن الإسلام يعترف بالتنوع العقائدي عند البشر ويضع أحكاماً فقهية تتعلق بالعلاقة مع غير المسلمين ، وهو إذ يؤمن بهذا التعدد يحارب الفكر المبني على النقاء العرقي وعلى أفضلية شعب وجنس ولون على آخر : يقول الله في القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: ١٣ ويقول الحديث النبوي الشريف : “يا أيها الناس ألا أن ربكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” .
  4. يعترف الإسلام بالكتب المقدسة وبالأنبياء الذين أرسلهم الله في كافة العصور إلى البشر لهداية الناس وإرشادهم إلى عبادة الله الواحد الأحد . بل وإن أركان الإيمان عند المسلم تشمل الإيمان بالكتب المقدسة كلها وبالأنبياء الذين اصطفاهم الله جميعاً . فمن أنكر نبياً من الأنبياء أو ذمه معتقداً بذلك فقد خرج عن مفهوم الإيمان والإسلام . يقول الله تعالى في القرآن الكريم : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). سورة البقرة: ٦٢.
  5. أمر الله تعالى المسلمين بمحاورة أهل الكتاب بأفضل ما يكون به الحوار معتبراً أن الجامع بينهم هو عبادة الله تعالى وهو نفس الإله الذي يعبده اليهود والمسيحيون والمسلمون . يقول تعالى في القرآن الكريم : (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت: ٤٦ “.
  6. موقف الإسلام من المسيحية :

هذا الموقف كما يعبر عنه الأستاذ الكبير الدكتور أدمون رباط  في تقديمه لكتاب الوزير جورج قرم عن المجتمعات المتعددة الأديان وفي معرض حديثه عن مفهوم الذمة ” بأن موقف الإسلام لا يمكن وضعه تحت خانة التسامح غير المحدد والذي يمكن تعديله والتراجع عنه في كل لحظة بل إن هذا الموقف مترسخ في الفقه الإسلامي الثابت والذي لا يمكن تغييره”. هذا التسامح دفع أيضا العالم الإجتماعي والأنتروبولوجي المشهور ليفي ستروس في كتابه  Triste Tropiqueإلى القول :  ” بأن الإسلام وهو مخترع التسامح في الشرق الأوسط تفوق بشكل منقطع النظير على غير المسلمين باحترامه لهم ، فكان هذا التسامح الذي أقره الرسول بمثابة انتصار دائم يضع فيه غير المسلمين بوضع متأزم ومستمر مع ذاتهم ناتج عن التناقض بين المنحى العالمي للوحي الإلهي لديهم وبين السماح في وجود معتقدات دينية مختلفة”. هذا المنحى التسامحي وغير المتعصب للإسلام عبر العصور لاينفي وجود أزمات من الإضطهاد ضد المسيحيين غير أنه وفاءً للتاريخ كما يذكر ذلك كثير من المستشرقين المسيحيين مثل Gibb et Bowen بأنه لم يكن اضطهاداً دينياً وإن استخدم الدين كغطاء له وإنما كان في كل مرة بسبب ارتباط المسيحيين وعلاقاتهم بالدول التي كانت في حروب مع الدول الإسلامية ، والدليل على ذلك كما يجمع المؤرخون اليهود بأن التسامح الإسلامي اتجاه اليهود لم يكن له مثيل في أي دين ومجتمعات أخرى غير إسلامية وذلك بسبب عدم وجود علاقات تربطهم بدول أجنبية كما هو الحال مع كثير من المسيحيين ، رغم أن الآيات القرآنية التي تحذر من علاقة المسلمين باليهود كثيرة عكس الآيات القرآنية التي تحبذ العلاقات الإسلامية المسيحية وتصف المسيحيين بأنهم أقرب مودة إلى المسلمين من غيرهم وأن فيهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.

هذا الموقف الإسلامي الواعي من المسيحية بشكل عام لم يكن وليد آراء وأفكار يرددها المسلمون عبر الأجيال وإنما كان منهج حياة و نظام دولة وشريعة يلتجأ اليها كل من اغتصب حقه ونيل من كرامته وسخر من معتقده ، وحقوق وواجبات يلتزم بها المسلم إزاء المسيحي والمسيحي إزاء المسلم ، ومبادئ أخلاقية سامية يتعامل بها المسلمون الصادقون مع غيرهم من اتباع الديانات السماوية السابقة والذين كان أقربهم لقلوب المسلمين اتباع المسيح عليه السلام.

أساس هذه العلاقة هو البر والمودة وحسن الصلة والجوار وعدم الإكراه في الدين واحترام المعتقد وعدم الإستهزاء به والجدال بالتي هي أحسن، والمصاهرة والقرابة والمشاركة في المأكل والمشرب ، والدفاع والزود عنهم إذا حصل أي مكروه أو اعتداء عليهم لدرجة أن الفقهاء ذكروا بأن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله ورسوله”.

وفي هذا الإطار ننوه بدور الأئمة والعلماء والقضاة المسلمين الذين كانوا في مختلف العصور يهبون لنصرة إخوانهم المسيحيين عندما يقع عليهم ظلم أو اعتداء من حاكم مسلم.

هذا الموقف الإسلامي اتجاه المسيحية والمسيحيين لم يكن نابعاً من النصوص فقط وإنما أيضاً مغروساً في النفوس . من منا لم يقرأ في القرآن الكريم في سورة الروم ليقف على هذا المعنى الجميل الذي ذكره الله في شعور المسلمين بالحزن الشديد عندما غلب جيش الفرس جيش بيزنطة المسيحي، فنزل الوحي على سيدنا محمد بمعجزتين أولاهما بوعد من الله للمؤمنين بانتصار جيوش الروم المسيحية بعد سنوات قليلة من هزيمتهم وحينها تتم فرحة المسلمين بهذا الإنتصار لأنه انتصار الإيمان على الشرك ، وثانيها تحديد موقع المعركة مسبقاً ليس فقط جغرافياً وإنما علمياً حيث سماها القرآن الكريم بأنه أخفض موقع على الأرض وهو حوض البحر الميت . حيث قال تعالى (الٓمٓ (1) غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (2) فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ (3) فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (4) بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (5) وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ)  الروم: ١ – ٦

ومن منا لم يقرأ سورة آل عمران وسورة مريم والسور التي تحدثت عن المسيح ورسالته التي أرسله الله بها إلى بني اسرائيل. والإنجيل الذي اعتبره القرآن هدى ونور . ومن منا لم يضطلع على المنزلة الرفيعة التي أنزل الله بها أمه البتول الصديقة مريم والتي اصطفاها على نساء العالمين كما في الدنيا كذلك في الآخرة حيث اعتبرها الرسول محمد سيدة نساء أهل الجنة ، ومن منا لم يقرأ الأحاديث الكثيرة التي تحدثت عن نزول المسيح في آخر الزمان وعن تصديه مع المسلمين لقوى الشر المتمثلة في المسيخ الدجال وجحافل اليهود الذين يؤيدوه . ومن منا لم يقرأ توصيات الصحابة للتابعين ومنهم عبر الأجيال إلى يومنا هذا : ايكم ادرك عيسى بن مريم فانه شاب احمر حسن الوجه فليقرأ عليه مني السلام ، كما قال بذلك الصحابي أبو هريرة. ومن منا لم يقرأ بأنه في نزول المسيح فسيصبح المسلمون والمسيحيون أمة واحدة وعلى دين واحد، ويعيشوا بأمان حتى تقوم الساعة. ومن منا ايضاً لم يسمع بهذه الرغبة التي أبدتها عائشة أم المؤمنين وزوجة الرسول محمد حين قالت له في مرضه الأخير : إني أرى أن أعيش من بعدك فتأذن لي أن أدفن إلى جنبك فقال وأنى لي بذلك الموضع ما فيه إلا موضع قبري وقبر أبي بكر وقبر عمر وقبر عيسى بن مريم. وقد ذكر بأن موضع قبر رسول الله في المدينة المنورة لم يبق فيه إلا موضع قبر واحد .

هذه هي المسيحية التي نحبها وهؤلاء هم المسيحيون الذين نحبهم والذين تربطنا بهم أمور كثيرة نشترك فيها معهم بحبنا للمسيح ولأمه الطاهرة البتول الصديقة ، وللإنجيل الذي يقول عنه القرآن الكريم بأن فيه هدىً ونور ، ولرجال دينهم الذين يذكرهم الله في القرآن الكريم بأنهم لا يستكبرون. وقبل هذا وذاك إيماننا وإيمانهم الراسخ بالله تعالى : ﴿ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾.

  1. 5. أدب الحوار الإسلامي :

أولاً : الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن :

وقد جاء الأمر بهذا الأدب في آية من القرآن الكريم وهي قوله تعالى : (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)  النحل: ١٢٥ والجدل بالتي هي أحسن يكون بعدم التحامل على المخالف ولا تجريح آراءه ولا تقبيحها .

ثانياً : التحلي بمحاسن الإخلاق وذلك يتأتى بما يلي :

  1. الحلم والصبر فلا يغضب المحاور أو ينفعل لأتفـــه الأسباب ، وبهذا يقول القرآن ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران: ١٣٤
  2. الصدق فلا يجوز الكذب في الحوار ولا في غيره مطلقاً يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة: ١١٩
  3. التواضع : فلا يجوز التكبر على الآخرين وازدرائهم فإن هذا ليس من صفات المؤمنين فضلاً عن أن يكون من صفات الدعاة والمحاورين في دينه .
  4. الرحمة فالمحاور يلتزم بهذه الصفة ولا يدعوا على الآخرين إذا لم يستجيبوا وقد ورد في الحديث أنه قيل للرسول عليه الصلاة والسلام أن دوساً عصت وأبت فادع الله عليها فقيل هلكت دوس ، فقال عليه الصلاة والسلام : اللهم إهد دوساً وأئت بهم “. وحادثة اضطهاد سكان الطائف للنبي صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له وأمرهم غلمانهم بملاحقته وضربه دليل آخر على الدعوة للآخر بالهداية والعفو ، إذ دعى رسول الله لهم قائلاً : أللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون، عسى أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله، وكذلك عفوه عن كفار قريش بعد فتح مكة وهم الذين قاتلوه وقتلوا كثيراً من أصحابه إذ قال لهم ” إذهبوا فأنتم الطلقاء”

ثالثاً : إحترام الطرف الآخر فينبغي على المسلم أن يراعي في حواره مع غير المسلم الإحترام والتوقير والتقدير فيعطي كل ذي حق حقه وينزل الناس منازلهم . وسيرة الرسول مليئة بأمثلة إحترام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لمحاوريه المشركين وتقديره لأهل الكتاب ، ففي حديث الحوار مع عتبة بن ربيعة وكان سيداً لقومه لم يقابله النبي بجفاء بل احترمه ، ولم يقاطعه في كلامه بل استمع إليه حتى فرغ ، ثم طلب منه الإستماع ، وكان النبي في كل مرة يناديه بكنيته لتطمينه واحترامه .

رابعاً : الإنصاف وقبول ما لدى الآخر من الحق فإن من آداب الإسلام بل من واجباته إنصاف الآخرين وإن كانوا من غير المسلمين وقبول ما لديهم من حق وإعطاؤهم ما لهم من الحق المشروع كاملاً من دون إجحاف أو إنقاص بل وإنصافهم وإن كانوا أعداء. يقول الله تعالى المائدة: ٨ والمتأمل في القرآن الكريم يرى إنصافه لأهل الكتاب ومن ذلك قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)  آل عمران: ١١٣ – ١١٥

وقد فهم الصحابة والتابعون هذا الأدب الإسلامي الرفيع والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ، فها هو الإمام الأوزاعي  يدافع عن مسيحيي جبل لبنان اثناء ولاية صالح بن علي العباسي الذي ثار ضده بعض المسيحيين في قرية المنيطرة القريبة من أفقا لفرضه الضرائب الباهظة عليهم فكتب الإمام الأوزاعي للوالي رسالة طويلة يحتج فيها على معاملته المسيحيين بهذه الطريقة ، ومما قاله : ” وقد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان ممن لم يكن ممالئاً لمن خرج على خروجه ، ممن قتلت بعضهم ، ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت . فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة ، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم . وحكم الله تعالى : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ” وهو أحق ما ُوقف عنده واقتُدِي به . وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال : من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه “

” ومن كانت له حرمة من دمه فله في ماله، والعدل عليه مثلها . فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة. ولكنهم أحرار أهل ذمة ..”

وإذا كان الأمر كذلك من احترام الحرية الشخصية وحرية العقيدة وواجب الوفاء بالعهود فإن ذلك يطبق أيضاً على الحوار ، ولذا فإنه يتعين على المحاور أن يكون منصفاً فلا يرد حقاً ، بل عليه أن يبدي تفهمه وإعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجديدة التي يوردها محاوره لما في ذلك من أثر عظيم في قبول الحق والتسليم به .

6 . ما الذي يؤذي مشاعر المسلم

قلنا فيما سبق بأن أصل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين هو المودة وحسن الصلة وعدم الإكراه في الدين واحترام المعتقد وعدم الإستهزاء به. والإستثناء على ذلك حين تقوم دواعيه من عداوة حربية يعلنها غير المسلمين على الإسلام سواء بسبب الدين والمعتقد أو بإخراجهم وطردهم من ممتلكاتهم ومساكنهم.

يقول الله تعالى في القرآن في سورة الممتحنة : (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الممتحنة: ٩ فالمسلم مطلوب منه ألا يتخذ الذين يقاتلون المسلمين في دينهم ويخرجوهم من ديارهم ويتظاهروا على إخراجهم  مناصرين لهم وأعوان ، والنهي عن اتخاذهم أولياء ليس بوصفهم شركاء وطن أو جيران سكن أو زملاء عمل أو أصدقاء في الدراسة أو في العمل أو في أي جانب من جوانب الحياة الإجتماعية ، ولكنه نهي عن مناصرتهم بوصفهم جماعة معادية لجماعة المسلمين تحاربها بنفسها أو تمالئ عليها أعداءها المحاربين لها . وبوصفهم جماعة تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به قوى المناوأة للمسلمين والمحادة لله ورسوله.

والمثال الذي تتضح به صورة هذا النهي في هذه الآية القرآنية هو العلاقة التي يجب أن تكون بين مسلم اليوم – سواء كان موطنه في دولة عربية أو إسلامية أو غربية أو حتى في فلسطين المحتلة – وبين الصهاينة من اليهود الذين يحتلون أرضنا في فلسطين ويقتلون أهلنا ويشردونهم بإخراجهم من ديارهم بغير حق ، وحتى بإقفال ما تبقى لهم من متنفس نحو الخارج . فهؤلاء تجب معاداتهم والوقوف موقف الإنكار والشجب لكل ما يفعلون. وهذا يمتد أيضاً على حركة المسيحيين المتصهينين الذين يعادون الإسلام ويستهزؤون بمبادئه ويزورون تعاليمه ويساعدون الصهاينة الإسرائيليين في شتى المجالات سواء في تقوية وشرعنة الإحتلال أو في تزويدهم بالمال والعدة أو في مؤازرتهم على أعلى مستوى على صعيد الإعلام الدولي المتحيز لإسرائيل. وأما اليهود العرب وغيرهم الذين يعيشون في بلادنا أو في البلاد الأجنبية وهم مواطنون في هذه الدول فنحن لا نعاديهم ولا نحاربهم ولا نصد الآخرين عن  التعامل معهم .

وأما عن موالاة غير المسلمين الذي نهى القرآن عنه في مواضع متعددة فقد جاء مرتبطاً بحوادث تاريخية مثل المحادة لله والرسول أو مرتبطاً بإخراج الرسول والذين آمنوا به من مكة . أو في حالة الحرب والعدوان من جانب غير المسلمين فيكون النهي مقترناً في هذه الحالة بكون هذه الموالاة من جانب بعض المسلمين الذين يتولون غير المسلمين من دون موالاتهم للجانب الآخر من المسلمين. والموالاة المنهي عنها أيضاً هي للذين يتخذون دين الإسلام مادة للعبث والإستهزاء وحتى أن القرآن ينهي المسلمين عن مجرد مجالسة الذين يخوضون بغير علم في القرآن الكريم استهزاءً به ولو كانوا من المسلمين المتظاهرين بإيمانهم بهذا الدين، فمن باب اولى أن يكون هذا النهي مع الذين يخالفونهم دينهم إذا جرى الإستهزاء والفتنة على السنتهم. وقد سبق وذكرنا بأن القرآن الكريم ينهي المسلمين عن سب آلهة المشركين حتى لايسبوا بدورهم دين الله.

وهذه الأمور التي ذكرها القرآن الكريم في مجال النهي عن موالاة غير المسلمين ليس له علاقة بالصلة اليومية المعتادة بين شركاء الوطن سواء من أهل الإسلام أو من الأديان الأخرى . فإن الراشدين العاقلين لايعادون من يتقاسم معهم أوطانهم في سبيل مؤازرة قوة أجنبية معادية أو يسلكون مسلك الجاهلين السفهاء الذين يهزؤون بديانة شركاءهم في الوطن ويلعبون برموزه وشعائره. ومن يتصف بهكذا مواصفات فإن المسلم الذي يتخذه ولياً من دون المؤمنين سواء بمعنى النصرة أو بمعنى الصداقة يكون آثماً باختياره جانب عدوه أو جانب المستهزئ بدينه على حساب عقيدته. وهذا مبدأ لا يعارضه أي إنسان سليم سواء كان مسلما أو غير مسلم .

غير أن الأمر يختلف عندما نتناول موقف بعض المسيحيين وخاصة الغربيين من الإسلام ومن المسلمين. لن نعود إلى التاريخ ونقوّم هذه العلاقة في هذه المحاضرة فليس هنا مجالها وإنما يمكننا أن نتساءل هل أنصف بعض هؤلاء المسيحيين الإسلام والمسلمين وهل أنصف المسلمون المسيحيين كما يجب عليهم أن يقوموا به حقاً وصدقاً. هل تربت الأجيال المسيحية او الإسلامية لصاعدة على حب التعرف على الدين الآخر ونبذ التعصب والأحكام المسبقة، هل ساهمت العائلات في المنازل والمعلمات في المدارس بإزاحة الستار ليتعرف الأبناء والطلبة على الوجه الحقيقي للمسيحية والإسلام ، وهل ساهمنا جميعاً وهي مسؤولية تقع علينا أيضاً كمسلمين في أيضاح الصورة الحقيقية لنبي الإسلام الذي عذب وشرد من قبل مشركي العرب في الجاهلية من أجل إرشاد الإنسان إلى عبادة الله الواحد الأحد. هل قرأنا حب النبي لباقي الأنبياء ومناداته في أحاديثه عن المسيح بأخي عيسى . هل قرأنا أيضاً قول الرسول لإصحابه  “كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها”   إشارة إلى عودة المسيح  في آخر الزمان ونصرته للمؤمنين به.

  1. ما هي الأسس المشتركة التي يجب أن تجمعنا مسلمين ومسيحيين حتى نعيش أو نتعايش معاً.

في البداية لا بد أن افرق بين مفهومين نتداولهما دائماً في مداخلاتنا بموضوع العلاقات الإسلامية المسيحية : مفهوم العيش الواحد ومفهوم العيش المشترك أو التعايش .

مفهوم العيش الواحد كما حدده الدكتور محمد سليم العوا في كتابه للدين والوطن فصول في علاقة المسلمين بغير المسلمين : يعني المشاركة في الحياة داخل الوطن وحمل همومه والسعي في تخليصه منها والإسهام في تقدمه ونمائه والرضا بما يحققه أبناؤه له من نجاحات في أي مجال والعمل يداً واحدة على تخليصه من نقائصه وزيادة كمالاته. وهذا يستدعي أن يكون الصديق صديق لأهل الوطن كافة مسلميهم وغير مسلميهم وأن العدو عدو لهم أجمعين، وأن الخيرات في الوطن حق للجميع بقدر ما تشمل المعاناة أهله بلا استثناء.

ومفهوم العيش المشترك أو التعايش فهو يستخدم في حالة وجود علاقة بين مسلمين وغير مسلمين ينتمون إلى حضارات شتى وبلاد تعيش ثقافات متنوعة وهذا المفهوم يستدعي قبول الطرفين بفكرة اتساع الدنيا وفضل الله ونعمه فيها لخلق الله كافة، وأن التعاون على استثمار خيراتها واعمارها هو الغاية الجامعة للناس أجمعين دون تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة داخل الدين.

وهذا المفهوم باتساعه وأهميته ليس موضوع محاضرتنا التي نتكلم فيها عن محيطنا العربي المشرقي والذي ينتمي إلى حضارة وثقافة ولغة واحدة هي العربية مع وجود أقليات عرقية يجب احترامها والإعتراف بها. ولكن وبما أن هذان المفهومان يلتقيان على أسس مشتركة فلابأس من ادراجهما معا :

إذا أسسنا لهذا المفهوم أو ذاك فإننا نلاحظ بأنهما يستندان إلى أسس أربعة :

الأساس الأول : الإرادة الحرّة المشتركة، بحيث تكون الرغبةُ في العيش المشترك أو التعايش نابعةً من الذات، وليست مفروضةً تحت ضغوط، أيّاً كان مصدرها، أو مرهونةً بشروط، مهما تكن مسبباتها.

الأساس الثاني : التفاهم حول الأهداف والغايات، حتى لا يكون العيش فارغاً من أي مدلول عملي، أو لا يحقّق الفائدة للطرفين، بحيث يكون القصدُ الرئيسي من التعايش، هو خدمةَ المصالح العليا للوطن، وفي مقدمتها استتبابُ الأمن والسلم الأهلي والعدل الإجتماعي.

الأساس الثالث : التعاون على العمل المشترك من أجل تحقيق الأهداف المتفق عليها، ووَفقاً لخطط التنفيذ التي يضعها الطرفان الراغبان في التعايش، المصمِّمان عليه.

 الأساس الرابع : صيانة هذا التعايش بسياج من الاحترام المتبادل، ومن الثقة المتبادلة أيضاً، حتى لا ينحرف التعايش عن الخط المرسوم، لأي سبب من الأسباب، وحتى لا تُغلَّب مصلحةُ طرفٍ على مصلحة الطرف الثاني، مهما تكن الدواعي والضغوط، وذلك بأن يتمَّ الاحتكام دائماً إلى القواسم المشتركة، وإلى القدر المشترك من القيم والمثل والمبادئ التي لا خلاف عليها ولا نزاع حولها.

هذا إضافة إلى أسس أخرى من أهمها: الإعتقاد الراسخ باستحالة إزالة الآخر وتصفيته: بحيث ينبغي أن يدرك المسلم بأنه لن يستطيع التخلص ممن ليس مسلما، وينبغي أن يدرك المسيحي بأنه لن يستطيع التخلص ممن ليس مسيحياً .

ومنها أيضا الاتفاق على استبعاد كل كلمة تخدش عظمة الله وجلاله؛ فالمسلم والمسيحي متفقان على أن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأنه لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه ليس متصفاً بالنقائص والعيوب التي تشيع بين البشر. إلى جانب استبعاد أي كلمة تستهزئ في معتقد الآخر وتجرح بأنبياءه ورسله.

ومنها أيضاً الإلتزام بالقواعد والمبادئ الأخلاقية في مجال الدعوة والتبشير إلى الدين الآخر بحيث لا تستغل أوضاع الطرف الآخر وضعف إمكانياته المادية والإجتماعية والنفسية  لحمله على اعتناق الدين المقابل. وهنا أحب أن أسجل ملاحظة بضرورة قيام حملات التبشير أو الدعوة إلى توجيه مساعداتهم المادية إلى المراجع الدينية التي تنتمي إليها الجهة التي تحصل على المساعدة أو توجيه هذه المساعدات إلى الجهات الحكومية، مع احتفاظها بحقها عن الإعلان عن الجهة المانحة.

ومن هذه الأسس  أيضاً ضرورة إعادة النظر في الخطاب الديني : وهذه المراجعة يجب أن تشمل -وهي ضرورية- جميع الخطب الدينية سواء كانت في مساجدنا أو في كنائسنا .

  1. بعض المصاعب في مسائل الحوار من الجانب الإسلامي :

ينظر كثير من المسلمين والمسيحيين إلى الحوار على أنه وسيلة من الوسائل الحكيمة والرشيدة لتعريف الآخر بقيمهم الدينية وخاصة وأن نزعة الحوار بين الأديان والثقافات آخذة بالإتساع على حساب نزعة الصراع والصدام بين الحضارات لما أفرزه هذا الصراع من مخاطر وحروب .  إلا أن بعض الجهات لدى كل طرف لا زالت تنظر إلى الحوار بعين الريبة والوجس وترى فيه محاولة من الطرف الآخر لهيمنة ديانته وثقافته على حساب الآخر وإلغاء إنتماءه الديني . يقابل ذلك تيار عالمي كبير يرى بأنه نتيجة لتجارب الأمم المريرة قديماً وحديثاً قد بعثت إقتناعاً حقيقياً لدى الكثير من عقلاء العالم وحكمائه ، هذا الإقتناع يتمثل في ضرورة الحوار والجلوس مع الآخر وتفهم خصوصياته الدينية والثقافية والحضارية ، ومن ثم السعي لإيجاد معايير مشتركة لا لإلغاء الآخر والمساومة على العقائد أو لانصهار الديانتين بل لآمكانية توفر عيش مشترك كريم لكل الأديان .

وإذا كان الأمر كذلك فإن البعض في الجانب الإسلامي يرى أن الحوار عند الآخر يأتي في سياق استراتيجية متكاملة ومدروسة ، فهو يمارس الحوار برؤى وآليات وضوابط منسقة تخدم أهدافه وغاياته بكل جدارة وموضوعية ، بينما الطرف الإسلامي المحاور مازال يتعامل مع الحوار من منطلق عفوي ، وهذا يتطلب ترتيب البيت الداخلي ووضع استراتيجية وخطط مرحلية تحكمها منطلقات وثوابت على اساس قيمنا الدينية وأنه بغير هذا التنظيم فإن المشاركة في الحوار سيكون لها آثار سلبية على المسلمين .

ويستطرد بعض المسلمين قائلين بأن هذه الإستراتيجية عند الطرف المسيحي تتكامل مع المقاصد الإستراتيجية العامة للهوية السياسية والحضارية للمجتمعات الغربية، بينما لا تزال الجهات الإسلامية تحتاج إلى مزيد من التنسيق والتعاون الاستراتيجي بينها لمواجهة الأطماع الغربية ، خاصة وأن مواقف الغرب و الولايات المتحدة الأمريكية في الطليعة متأثرة بالتيارات اليهودية المناوئة للعرب والمسلمين ، فيكون الحوار بهذه الحالة مضيعة للوقت وهدر للطاقات والإعتراف بكل مايمارسه الغرب ضد الإسلام والمسلمين من ظلم وعدوان .

ويلاحظ بعض المفكرين المسلمين بأن الطرف المسيحي يستند إلى مرجعية دينية وسياسية محددة تملك كامل الصلاحية فيما تقرره وهي تتحاور مع الآخر ، بينما تفتقر الجهات الإسلامية المحاورة  إلى وجود المرجعية الدينية الموحدة لذا فإنها لاتملك صلاحية القرار النافذ فيما تريده أو ترفضه وهي تتعامل مع الطرف الآخر. لذا فإنهم ينادون بوجود شكل من اشكال المرجعية الدينية الموحدة.

وعلى كل فإن المسلمين أمام خيارات ثلاثة وهي : إما الحوار مع الآخر أو الصدام معه أو مقاطعته والغياب عن ميادين التفاعل الحضاري بين الناس والمجتمعات . علماً بأن هذا الخيار الثالث لم يقل به أحد صراحة وهو مرفوض بكل المعايير لتناقضه الكلي مع رسالة الإسلام وقيمه ومبادئه العالمية في عمارة الأرض وإشاعة ألأمن والرخاء لكل الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم وأجناسهم . أما خيار الصدام والصراع مع الآخر فهو في ضوء قيم الإسلام ومنهجيته خيار استثنائي تمليه ضرورة رد العدوان . لذلك فإن خيار الحوار يبقى الأصل الذي يدعو إليه الإسلام انطلاقاً من الآيات القرآنية الكريمة التي تدعو إلى الحوار وتعلم المسلمين أدب الحوار: ” ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ” وانطلاقاً أيضاً من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسى قواعد الحوار وحث عليه ودعى بالهداية والرحمة لكل من اختلف معه ولم يستجب لدعوته .

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare