المولد النبوي بين عبرة المناسبة وابتهاجية الإحتفال
المولد النبوي بين عبرة المناسبة وابتهاجية الإحتفال
بشارة ظهور نبي يخرج من بلاد العرب من أبناء إسماعيل لم ترتبط بأي حدث كوني أو ظهور نجم أو حدوث خسوف قمري أو كسوف شمسي وإنما كانت بشارة تكلم عنها من سبقه من الأنبياء في الكتب السماوية تلميحاً تارة ونصاً باسم “أحمد” حيث ذكرها القرآن بأنها من بشارات سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إلى قومه : (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). فالظواهر الكونية التي يستبشر بها الناس ويربطونها بظهور الأنبياء أو بحدوث نكبات أو فواجع ليست إلا دليلاً على عظمة الله وإبداعه وليست مطلقاً دليلاً على ولادة أحد ولا على موته.
سبق أن حصل في شبه الجزيرة العربية كسوف للشمس – أظهرت دراسات تاريخية وفلكية أنه كان يوم ٢٧ كانون الأول – يناير سنة ٦٣٢م الموافق (٢٩ شوال ١٠ هـ)، واقتضت مشيئة الله أن يصادف ذلك الحدث موت إبراهيم ابن نبينا محمد من ماريا القبطية. وحصل أن هرع الناس لرؤية هذا الحدث الكوني ولربطه بالفاجعة التي أصابت النبي فأخذتهم أطراف الحديث ليقولوا : “كسفت الشمس لموت سيدنا إبراهيم”، فسمع النبي ذلك وعَيْنَاه تَذْرِفَانِ دمعاً حزناً على وفاة ريحانته، فقال لمن تعجب لبكاءه : “إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ”، ثم وقف ليعلن لأصحابه وللأجيال القادمة أن هذا الدين لم يُبنَ على الخرافة، ولم يُشَيَّد على الوهم، وأن عليهم تحرير عقولهم من أغلال الأوهام، ووضْع المعيار الدقيق في العلاقة بين الأسباب الكونية والمسببات القدرية، فخاطبهم قائلاً : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» [رواه مسلم].
مفارقة حصلت في منتصف هذا الشهر – ونحن في القرن الواحد والعشرين – حين شدّ انتباه العالم رؤية كسوف الشمس الكامل في بعض المناطق الشمالية، إذ إنبرى لهذا الحدث استطلاعات رأي لكثير من المنجمين والسياسيين وأصحاب المال والثراء اللاهفين وراء الإشارات الكونية ليروا فيها تحقق أحداث مفرحة وسعيدة تبشرهم بمزيد من التألق والشهرة، وآخرون رأوا فيها إشارات لحدوث مزيد من الزلازل والفيضانات والإغتيالات.
إن كانت هناك إشارات لولادة نبينا محمد وبعثته، فليست إذن بناء على مظاهر فلكية – لا تدخّل لها أصلاً في أحداث البشر – وإنما بناء على أحداث توالت في شبه جزيرة العرب تستعجل في حينها ولادة نبي منتظر من أبناء إسماعيل بعد أن تحولت في معظمها الى الوثنية. فاتخذ العرب في ذلك الوقت ثلاثمائة وستون صنما يعبدونهم من دون الله أو مدّعين بأنهم يعبدونهم ليقربوهم الى الله زلفى. ولكنهم في حياتهم الاجتماعية لم يكن الله حاضراً فيما بينهم فكانوا يتقاتلون ويسبى بعضهم نساء بعض، ويدفنون بناتهم أحياء ويسرقون وينهبون. فكيف يكون هؤلاء من نسل إسماعيل وهو الذي بارك الله ذرية أبيه إبراهيم سواء أكانوا من أبناء إسحق الذين ذخر وجودهم بوجود أنبياء كثر أرسوا قواعد التوحيد لديهم، أو من أبناء إسماعيل الذين تحولوا الى الوثنية ؟ أليس إسماعيل من هذه الذرية المباركة ؟
كان الشرق كله كما كتب جواد بولس في موسوعته عن شعوب الشرق الأدنى وحضاراته متلهف إلى البحث عن إله أوحد تكون له المكانة العظمى كما كانت لمردوخ إله بابل في زمن حمورابي، ولنبي الله موسى وعيسى، وهو نفس هذا الشرق الذي كرس فيه الأنبياء عبادة الله الواحد الأحد الخالصة حيث يكون التوحيد بأصفى صورة من صوره : إلها واحداً سرمدياً صمداً. فكان لا بد أن يرسل الله نبياً يأتي من أبناء إسماعيل ليكمل الرسالات السابقة ويختتمها ويعيد إلى أبناء إسماعيل الإيمان بإله واحد غير متعدد يحمل في طي رسالته العدالة المفتقدة.
من سلالة إسماعيل ومن أبناء قريش الهاشميين تزوج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب في مكة وأنجبا محمداً صبيحة يوم الإثنين في الثاني عشر من شهر ربيع الأول في السنة الأولى من عام الفيل على الأرجح وهو ما يقابله يوم العشرين أو الثاني وعشرين من شهر نيسان سنة 571 ميلادية، وكان قد توفى والده في رحلته للتجارة الى الشام. ولما ولدته آمنة أرسلت الى جده عبد المطلب تبشره بحفيده فانطلق به إلى الكعبة وشكر الله مستبشراً بولادته واختار له إسماً لا عهد للعرب به فيما قبل فسماه محمد فهو محمد ابن عبد الله وهو محمد ابن الذبيحين إسماعيل وعبد الله، أفضل خلق الله وأحبهم إليه.
لإن مرت على ولادة النبي محمد خمسة عشر قرناً تقريباً، إلا أن الجدال ما زال قائماً بين المسلمين يتجدد في كل مناسبة عن مشروعية الإحتفال بمولده. فمن افتراءات التعصب التي كتبت أسطرها في أقبية الظلام خرج من اعتاد تتبع البدع ليستنكر ويستكثر على المسلمين إظهار البهجة في المناسبات الدينية إلا بعيدي الفطر والأضحى. فالإحتفالات بالمناسبات الدينية الأخرى وما يرافقها من عادات وتقاليد تستدعي لديهم تقطيب الجباه وشحذ الحناجر وتستوجب عليهم الإنقضاض عليها لمحاربتها تحت شعار مكافحة البدع وإلحاقه بمظاهر الشرك. وهذا ما جعل كثيراً من المسلمين ينسون ويهملون تماماً الإحتفال بذكرى ولادة نبيهم أو بذكرى رأس السنة الهجرية ويستبدلونه بتقليد إخوانهم المسيحيين باحتفالاتهم ووضع أشجار الميلاد المجيد في بيوتهم.
حتى نضع حداً لهذا الجفاف الإحتفالي والإستعراضي في أعيادنا ومناسباتنا الدينية، لا بد من إعادة رونق الإحتفالات بمناسبتي ذكرى المولد ورأس السنة الهجرية في المجتمع والأسرة. فلنبدع في وضع رمزية تتناقلها الأجيال وتبعث في أطفالنا البهجة والشوق إلى ذكرى ولادة نبينا المجتبى وقصة هجرته إلى المدينة، فتكون مناسبة ننتظر قدومها في كل سنة تتربى عليها أجيالنا الصاعدة على محبة رسولنا الكريم وقراءة سيرته العطرة وفق أحدث تقنيات العلم الحديث، ومحطة أساسية متطورة ننقل فيها إلى العالم مقومات شخصية نبي السلام والمحبة والرحمة.
هذه الرمزية الإحتفالية التي ينفر منها أصحاب التشدد والإنغلاق وتغفل عنها وتخشاه مؤسساتنا الدينية، ليست وثنية ولا جاهلية كما سيحلو للبعض تسميتها، وإنما هي حاجة تربوية ونفسية واجتماعية يؤكدها علماء التربية والنفس والإجتماع تتناسب مع حضارة ورقي اسلامنا وتطور مجتمعاتنا ومع وضعيتنا وخصوصيتنا كمجتمعات متعددة الأديان والطوائف ومنفتحة على اخواننا في الوطن ممن ينتمون الى الديانات الأخرى. ما الضير لو تزينت بيوتنا وحاراتنا في مناسبتي المولد النبوي ورأس السنة الهجرية برمزية النخلة العربية والغار الذي تغطي بابه خيوط العنكبوت والحمام الراقد على مدخله، وبتهاليل موسيقية “لطلع البدر علينا” وبقصة المولد المقروءة والمنشودة والمغناة والملحنة. نحن بحاجة – إلى جانب ما نقوم به من مهرجانات خطابية حيث تكرر وتعاد وتردد على مسامع من تعودوا على سماعها في كل المناسبات والخطب الدينية – إلى غرس الفرح والسرور في نفوس الأطفال والناشئة وإلى رؤية وسماع أصوات بهجتهم وهم يحتفلون بذكرى مولد نبيهم وبهجرته، فتصدح بيوتنا وحاراتنا بأنغام الأعياد والمناسبات الإسلامية ولنغني فرحين بمولد “أحمد” و ب “طلع البدر علينا من ثنيات الوداع”.