اليوم الأول في التقاعد : زمن الحرية
اليوم الأول من زمن الحرية
صبيحة هذا اليوم، أبتدأ في احتساب تقويم زمني جديد لدي، بجعله اليوم الأول لانطلاقة شعوري بالحرية الذي طالما انتظرته فيما مضى. سأبتدأ متحدثاً معترفاً دون رغبة في إحداث صدمة سلبية لدى من يعرفني حين اعترف لأول مرة بأنني أخطأت في مسيرة حياتي باختياري الإستمرار في العمل طوال هذه السنين في المؤسسة الدينية مع علمي بأنه انتهى بها المآل إلى ما انتهى اليه في الزمن الحالي. فبشخصيتي الثائرة المنتفضة والناقدة غير الجارحة، والحرة الطليقة غير المستعبدة أوالمرهونة والمتنافرة تماماً مع صفات النفاق ومسح الجوخ، لم أكن لأعلم بداية – كما الكثير – بأنه أصبح لهذه المؤسسة خصوصيتها في تفضيلها للصفات الشخصية التي يشترط أن تتوافر في كل من يريد أن ينضوي تحت لوائها من شروط المبايعة والإذعان في السراء والضراء، في الصلاح كما في كثرة الأخطاء، فلا قابلية للنقد والإعتراض، ولا قابلية أيضاً للتجديد والتطوير، خشية البدعة والوقوع في خانة المحظور وغير المألوف.
قديماً حاول الإمام محمد عبده تحريك الساكن في منهج التعليم الأزهري فأصابه ما أصابه من هجوم شنيع من ذوي العمائم، فأنشد قائلاً على سرير الموت :
ولست أبالي أن يقال محمد أبلّ أم اكتظت عليـــــــــــه المآتم
ولكن ديناً قد أردت صلاحـــه أحاذر أن تقضي عليه العمائم
وحاول الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه : أين الخطأ، أن يتجرأ على مخالفة بعض الأحكام الفقهية المتعارف أو المجمع عليها، فرمي باتهامات مغرضة أقرب الى التكفير والإخراج من دائرة الايمان. كتبت فيما مضى عن فكره : “حين نتصارع مع نصٍّ دينيٍّ نعتقدُهُ دخيلًا ومشوَّشًا وغير ثابت، أو هو ينافي العقل السليم، فإنَّ هدفنا هو تنقية الدين والدفاع عنه. وحين يتمسَّك أصحاب الجمود والعقول المغلقة بهذه النصوص ويأبون المساس بها أو تأويلها، فإنَّنا نقول – مُحسنين الظن بهم – إنَّما هدفهم هو الدفاع عن الدين والمحافظة على ثوابته وموروثاته، حتَّى على هزيلها وضعيفها. فمن وحي أفكار العلَّامة الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله قوله : ليس من باب المحافظة على التراث الحرصُ على تقليده مع العلم بأنَّه خطأ، أو التوهُّم بأنَّ البحث فيه قد يوقعه بالمحظور؛ وليس خروجًا عن المألوف المتوارث التصحيحُ الذي يعيد للمبادئ أصوليتها وأنفعيَّتها للناس ومواكبتها للتجدُّد المنضبط المبني على الإيمان والعلم والمعرفة والحكمة. يحضرني في هذا المجال قول الشيخ محمد الغزالي: “إنَّ أمتنا غنية بأولي الألباب؛ ولكنِّي لا أعرف أمَّةً تضع السدود أمام عقلائها كالأمَّة الإسلاميَّة”.
بعد ثلاثة عشر سنة انتفضت في المؤسسة الدينية الأولى التي عينت فيها في الفئة الأولى في ملاك الدولة، على ما آلت إليه الأمور من إضاعة المال العام وتبديد أموال الوقف والمساجد، فقدمت استقالتي بعد أن أودعت الوثائق في عهدة كبار المسؤولين في الدولة. لم أكن أعلم في حينها بأن بعض الأمثلة الشعبية التي لست بحاجة الى أن أرددها تنطبق تماماً على حالة من تذهب اليه للشكاية فيكون هو الآخر مصاباً بالوهن وعدم الرغبة في الدراية. فاتهمت حينها بخيانة إفشاء “أمانة” الصمت، ولكني آثرت القاعدة الشرعية لا طاعة لمخلوق في معصية خالق. أردفتها بمقالات في الصحف عن مسؤولية المرجعية الدينية في تبديد المال العام الوقفي والضمان فعوقبت بنقلي الى ما وراء الجبال والوديان.
في المؤسسات الدينية الحديثة عموماً، كما في الهيكلية الحزبية، علمت دون أن أدنى إقتناع واذعان بأنه لا مكان فيها لمن يتجرأ وينتقد صاحب المقام الأعلى والمرجعية العظمى، فالمقربون هم من المتقنين تماماً لمهنة مسح الجوخ والذين يبرعون في نقل بندقيتهم من كتف الى كتف. والمبعدون هم نقيض ذلك من الأوفياء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم. فإن كان من خطأ في هذا المجال فهو في هذه الهوة بين النظرية والتطبيق، وفي المجال الديني، بين ما تتعلمه على مقاعد الدراسة، وبين ما تطبقه في العمل داخل المؤسسة الدينية : “فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”، “رحم الله من أهدى إلي عيوبي”، ” الساكت عن الحق شيطان أخرس”….
وها أنذا في نهاية الطريق أسلّم هذا الصباح الأمانة الى من يليني في المؤسسة الثانية التي عملت بها لمدة ثلاثة عشر سنة أيضاً، وأعني بها المؤسسة القضائية، بكل راحة ضمير ونزاهة وتفاني في احترام أوقات العمل والهدوء، دون شطط أو تزلف أو توسط أو مراعاة لمسؤول أوقبولاً لرشوة أو عطية.
صباح هذا اليوم أسدلت عن كاهلي ما حملته طوال سنوات من الضنى والنكد والعناء، كنت خلالها مثبت الضمير رافضاً لكل أنواع المزايدات والعطاءات والتزلفات. أصبحت هذا اليوم حراً طليقاً غير مقيد بأصفاد التبعية لمؤسسة طالما ارتقى بها فكري لمصاف وراثة الأنبياء فإذا بها تهوي الى منحدر المؤسسات البشرية حين تتصارع بداخلها وفق تبدل الأشخاص والمسؤولين عليها : ازدواجية الفساد والصلاح، فتغلب فيها الأطماع البشرية والأنفعية حيناً في مواجهة إحقاق الحق وإرساء العدل والأريحية أحياناً أخرى، فترى فيها تبعية الزعماء والأزلام وتدخل الوكلاء والوسطاء لصالح الذين يجيدون البذل والعطاء وتقديم المكرمات، لتواجهها في المقابل عند كثير من زملائي القضاة الشرفاء صولجان العدالة وصوابية الأحكام وخشية الرحمن.
في مقام حريتي المنشودة منذ هذا الصباح لن أقف بعد الآن موقف المدافع مطلقاً فـ (كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشورا) ولعلي أكون أنا في بعض الأمور قد أخطأت وجافاني الصواب بلا تعمد خلال انضوائي في موقع المسؤولية. ولن اهاجم أيضاً فلقد تعلمت من تجربتي السابقة حين قدمت استقالتي اعتراضاً على سلب مليون وبعض مئات الوف الدولارات من أموال الوقف : بأن الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير.