مدونة

خطة سير مستعرب أندريه ميكال (26 أيلول 1929 – 27 كانون الأول 2022)  

arabisant
مدونتي / من الصحف

خطة سير مستعرب أندريه ميكال (26 أيلول 1929 – 27 كانون الأول 2022)  

خطة سير مستعرب

أندريه ميكال

(26 أيلول 1929 – 27 كانون الأول 2022)

 

ليس الكتاب مسار طريق ولا خطة سير بالمعنى الدقيق، فالأول يعني تحديد مكان الإنطلاق والوصول وفق معايير ثابتة ومحددة، بينما الثاني يفيد إمكانية الإختيار بعد الإنطلاق بين احتمالات متعددة تصل في نهايتها الى المكان المحدد للوصول. ما تحمله صفحات هذا الكتاب هو بمثابة خط طويل ينفذ منه خيارات كثيرة للخروج، أو حتى للقفز نحو المجهول. فليس الكتاب سيرة ذاتية الا جزئياً بحيث أنه لا يتناول مواضيع عن العائلة والأصدقاء بل يأتي على ذكر عدة لقاءات جمعت المؤلف مع أصدقاء لايتناولهم جميعاً بذكر أسمائهم باستثناء شريكة حياته “جانين”. هدف الكتاب هو تبيين كيف أن مسار الطريق أو خطة السير أعطت معنى لعلاقة المؤلف مع الآخرين سواء كانوا من الذين يشاركونه في الانتماء الى الوطن من خلال رغبته في توضيحه لحضارة مازالت مجهولة أو غير واضحة لهم كما يجب، او الى العرب الذين يرغب المؤلف في تحميلهم رسالة رغم ما يعانونه من اضطرابات مفادها التأمل في ماضيهم دون خشية من قول كلمة “قيمهم”.

لم تكن حديقة بالمعنى المألوف للكلمة تحتوي على المزروعات التي أحبها المؤلف من التين والمشمش واللوز، بل كانت صفوف متراصة من مزروعات العنب، حيث كان يعمل والداه مدرسيْن في تلك المدينة في أقصى الجنوب الفرنسي، فمزروعات العنب تحتاج الى سقاية تضخها قنوات الري من مكان  ضيق الى مكان ارحب، وهذه الصورة اكتملت لديه مما كان يحكى عن الحدائق في اسبانيا تحت الاسم السحري من الحمراء الى غرناطة.

ومهما يكن فانه انطلق الى الجنوب ومن جنوب أبعد من هذا الجنوب حيث شاطئ البحر ومرافئ المراكب حين كان يزورها مع والديه، فيما أطلق عليها من الجانب الآخر تسمية “المنصور” وما استتبعها من قراءات عن علي بابا، وعلاء الدين، وعن الجن، وعن الشرق الذي كان يحلم به، بل ما كان يطوق اليه داخل نفسه لمستشرق يفك اسرار العالم… انمحى كل ذلك في حياته الطلابية.

في تموز يوليو 1946 كانت السنة الأخيرة للمؤلف في الثانوية، وشاءت الصدف ان يقترح الوزير الشيوعي للتسليح الحربي مكافأة المتفوقين بالدراسة من المرشحين في المباراة العامة في الجغرافيا الذين نالوا أعلى درجات في امتحاناتهم للسفر الى أجاكسيو في جزيرة كورسيكا وتونس والجزائر والرباط ومراكش عن طريق الإبحار في احدى القطع البحرية التي استولت عليها فرنسا من الجيش الألماني. فتم اختيار 14 طالب وطالبتين من المتفوقين بينهم المؤلف.

حققت هذه الزيارات أحلامه من رؤية المساجد والمآذن والأسواق، ولكنها كانت تجتابها ضبابية كفيلة بمسح كل شيء، حيث كانت تغلبها ملامح الفتاة التي كانت ضمن فريقهم من مدينة كليرمون، والتي انتهى بها المطاف لأن تكون شريكة حياته وأكثر.

بعد عودته الى مدينة مونبلييه واجتماعه مع أستاذ مادة التاريخ والجغرافيا الذي سبق له أن اقترحه لهذه المباراة نصحه بأن يكمل دراسته في الآداب بدل الرياضيات. وهكذا كان   فما إن بدأ في الدراسة حتى تبين له بأن منهجها يلخص في كلمتين “ثقافة عامة”، إذ اشتملت المواد التي كانت تدرس ابتداءً من المواد الإجبارية الى مباراة المعهد العالي للتعليم على : التاريخ، الأدب الفرنسي، اللغة اللاتينيةـ اليونانية أو أي لغة من اللغات الحية، وما بقي يترك لما يرغب به الطالب وفقاً لميوله الذاتية. وقد أضيفت الى شهيته لهذه العلوم ذكرياته التي أمضاها في افريقيا الشمالية، حيث كان قد اقتنى نسخة من ترجمة قديمة للقرآن لمترجمها “سافاري”، فما استهواه فيها ليست في المقام الأول الآيات التي تتحدث عن المجتمع الإسلامي الجديد، وإنما السور التي أوحيت الى النبي محمد وفق التسلسل التاريخي، حيث تحولت اللغة بفضل هذا الإلهام الإلهي رغم قراءتها  مترجمة، الى لغة شاعرية جياشة مليئة بالمعاني والأحاسيس، وهذا ما أدخل المؤلف في نفسه تمام القبول والرضى كمهتم بالدراسات الأدبية.

انقضت سنة 1949 مع ما مرّ به المؤلف من أحداث في مجال دراسته حيث اختار اللغات الفرنسية اللاتينية اليونانية الألمانية مضيفا الإيطالية بفضل زياراته اليها في مرحلة طفولته مع أهله ومع “جانين”، والاسبانية بفضل تشجيع والده الذي كان قد اكمل دراسته في المعهد العالي للمعلمين في مدينة مونبلييه الجنوبية، إلا أنه لم يجد أي انجذاب الى اللغة الإنجليزية، وأما بين اللغات الهندو أوروبية فكان يميل الى اختيار اللغة الفارسية. أتى عام 1950 ليكون عاما مباركا له فقد تمت خطوبته الى “جانين” ونجح في مباراة المعهد العالي للتعليم بعد رسوبه به في العام الذي مضى.

خلال سنته الأولى في المعهد العالي للمعلمين قام المؤلف بزيارة رئيس كرسي اللغة الفارسية في معهد اللغات الشرقية هنري ماسيه حيث أبدى له رغبته في التخصص بهذه اللغة مدعوما بما يحمله من كتب في القواعد والقواميس، فنصحه بتغيير تخصصه الى اللغة العربية، لعدم وجود وظائف شاغرة في تخصص اللغة الفارسية، ونصحه بأخذ موعد مع أستاذ اللغات الشرقية بلاشير. وهكذا كان اجتماعه مع بلاشير الذي طلب منه التسجيل في معهد اللغات الشرقية ومقابلته في نهاية العام. الا أن منهج الدراسة البطيئ في اللغة العربية جعله يترك الدراسة ويستقر في دراسته في المعهد العالي للمعلمين. وفاء لوعده لبلاشير فقد عاد لمقابلته في شهر حزيران 1951. في تلك المقابلة دفع بلاشير للمؤلف كتابا في اللغة العربية وطالبه بقراءته، فقرأ منه ما تيسر بدافع فضولي لمعرفة صاحب هذا الكتاب، فأخبره بلاشير بأنه عالم الجغرافيا من القرن العاشر يدعى ابن حوقل، وما عليه الا أن يطالعه في أشهر الإجازة الصيفية.

خلال ذلك الصيف الذي قضاه مع والديه و”جانين” في إحدى المخيمات الصيفية، كان يقضي معظم وقته في قراءة كتاب الجغرافيا مضيفا اليه كتابا آخر في الجغرافيا لشمس الدين المقدسي. وكما كانت تقتضي عادات ذلك الزمن كانت “جانين” تنام في سرير داخل مقطورة التخييم مع والديه بينما هو ينام داخل خيمة انفرادية. بعد انتهاء الاجازة وافق المعهد العالي للمعلمين على انتقاله الى تخصص اللغة العربية بدلاً من التخصص في اللغات الأخرى التي سبق ذكرها، وكان اختياره لموضوع البحث : ترجمة فصل من كتاب المقدسي. وهكذا تولد لديه شعور بأنه أصبح مستعرباً بعد أن فتح له المقدسي وغيره آفاق التعمق في الجغرافية الإنسانية للعالم الإسلامي، مما تمخض عنه تأليف أربعة أجزاء ضخمة من مصنفات المؤلف خلال سنوات 1960 الى 1980.

بعد تخرجه من المعهد العالي للمعلمين سنة 1952 وحصوله على رتبة الاستاذية تبعاً لاجتيازه مباراتها في تخصص النحو، عاوده سؤال عما اذا سيكمل تخصصه في اللغة العربية، خاصة بعد أن كان قد هجرها خلال اعداده لمباراة الاستاذية.

خلال الصيف الذي تبعه، تزوج المؤلف بخطيبته “جانين” وانتقلا للسكن في مدينة فيشي، فحدثته ذات يوم بشيء من التأنيب عن ضرورة استكماله لدراسة اللغة العربية، وأن عليه أن يزور بلاشير في منزله الريفي. لم تأخذ هذه الكلمات وقتاً للتفكير حيث انطلقا الى منزل بلاشير الريفي في سيارتهما الجديدة المهداة لهما من قبل الاهل والأصدقاء، وما أن اجتمعا ببلاشير حتى نصحه بالتقدم الى منحة في العلاقات الثقافية التي تقدمها وزارة الشؤون الخارجية مما سيسمح له بالتسجيل في معهد الدراسات العربية في دمشق، إضافة الى متابعة الدراسة في الجامعة والتدرب على العربية في الحياة العملية والأسواق واللقاءات. أعجبته الفكرة وأتم كل الإجراءات اللازمة بعد حصوله على المنحة فتوجه مع زوجته في سنة 1953 الى إيطاليا ومنها بالباخرة مصطحبا سيارته الى القاهرة حيث مكث لفترة وجيزة ثم السفر الى بيروت والوصول ليلا والتوجه الى دمشق حيث كانت اقامته في معهد الدراسات العربية. وعملاً بنصيحة بلاشير قام بالتسجيل في الجامعة في قسم فقه اللغة. غير انه لم يعرها كل اهتمامه. في دمشق قام هة وزوجته بزيارة تدمر وحلب وأور وبغداد، فأعادته الى ذكرياته القديمة وسفره الأول الى شمال افريقيا، إذ كانت الأوضاع السياسية مقلقة في سوريا فبعد الانقلاب على الدكتاتور الشيشكلي من قبل مجموعة من الشيوعيين والاشتراكيين والبعثيين العروبيين كانت المظاهرات تهتف ” اننا سوريون”، جال في خاطره بعد استعراضه لهذه السنين الطويلة الماضية بأن هذه العبارة هي تعبير عن الإنتماء الى العروبة التي حافظت عليها شعوب المنطقة مطالبة بالوحدة والتي بقيت تدرج كمغامرة. وكذلك الامر بالنسبة لتعلم العربية المحكية فبعد الجلاء الفرنسي عن سوريا منذ سبع سنوات الا ان الشعب ما زال يحمل في ذهنه عبء الانتداب، فقرر المؤلف التخلي عن اتقان العربية المحكية لصالح العربية المكتوبة. وتنفيذاً لنصيحة بلاشر توجه الى ترجمة مجموعة كتب كليلة ودمنة لابن المقفع المنقولة عن الفارسية والهندية حيث وجد في انكبابه على هذه الترجمة باباً للدخول الى الآداب المقارنة…خلال تلك الفترة سافرت “جانين” للولادة في مدينة فيشي الفرنسية.

بعد دمشق توجه الى فرنسا ليلبي نداء الوطن في خدمة العلم الإلزامية لمدة سنة وليكون بقرب زوجته وطفلته، خلال تلك الفترة لم يكن ليستغني عن كتاب كليلة ودمنة وعن القاموس ففي نهاية كل تدريب عسكري يعود الى الكتابة والترجمة. ما ان انتهت فترة خدمته العسكرية في أيلول 1955 حتى سافر الى باريس ليقترح نقله الى القاهرة في معهد الدراسات العربية، ولكن أحد زملاءه سبقه اليه، إضافة الى أنه لا يحمل درجة الاستاذية في اللغة العربية، فاقترحوا عليه الذهاب الى أديس ابابا كمسؤول في قسم الآثار للمركز الملكي للدراسات والأبحاث فوافق بعد استئذان زوجته التي أسرها أن تستعيد جو افريقيا بعد قضاءها أربع سنوات في مدغشقر في طفولتها. خلال تواجدهم في العاصمة الاثيوبية بعد ولادة طفلهم الثاني عملت “جانين” في الارسالية العلمانية، وأما هو فكان يقضيها في ممارسة الرياضة مع موظفي السفارة الفرنسية والسياحة الى أن ابتدأ في مساءلة نفسه عن مستقبله فهل يدرس اللغة الاثيوبية ام تاريخ اثيوبيا المرتبط بتاريخ جنوب الجزيرة العربية وبلغتها. فقرر الكتابة الى وزارة خارجيته ليخبرهم بأن وجوده في اثيوبيا لا يفيد أحداً، فقرروا أعادته الى فرنسا حيث عينته وزارة التربية مدرسا في ثانوية بليز باسكال في مدينة كليرمون فارون لتدريس الفرنسية واللاتينية وكذلك زوجته عادت الى المدرسة التي كانت تعمل بها خلال فترة خدمته العسكرية.

مرة أخرى…وأين اللغة العربية من كل هذا ؟ خلال هذه السنة أرسلت له وزارة الخاجية رسالة تطلب فيها الالتحاق في باريس للعمل لديهم كمشرف على المدارس في آسيا وأفريقيا، فوافق على الفور بعد موافقة زوجته التي أسرها جدا الانتقال الى باريس. وصودف أن قابل المسؤول عن القسم في وزارة الخارجية والذي هو خريج المعهد العالي للمعلمين فنصحه بأن يحصل على درجة الدكتوراة وأن يتقدم الى مباراة لوظيفة دبلوماسية، خاصة وان المتقدمين اليها من الذين يتقنون العربية هم قلائل. خلال الأربع سنوات التي قضاها في باريس كانت ساعات العمل كثيفة في وزارة الخارجية والتي كان يعود فيها متأخرا الى البيت بعد نوم أطفاله، تخللها زيارة لغينيا التي نالت استقلالها عن فرنسا والى أديس أبابا. لم يكن هناك وقت كافي للعربية الا من خلال أطروحة الدكتوراة التي اختارموضوعها عن عالم الجغرافيا المقدسي وما تخللها عن دراسة العالم العربي وبلاد الشام. بعد الانتهاء منها تمت طباعتها في المعهد الفرنسي في دمشق. وحتى يدعم اعتباره متخصصاً في هذا المجال كتب خمسة مقالات عن العالم العربي باسم مستعار بسبب واجب التحفظ الذي كان عليه مراعاته في الوظيفة. في صيف 1961 وبعد انقطاع العلاقات بين فرنسا ومصر بسبب تأميم قناة السويس تألفت بعثة على أثر معاهدة زيورخ من ضمن أعضائها مسؤول العلاقات الثقافية. وقد عين فيها وسافر مع عائلته على أثرها الى القاهرة في شهر أيلول 1961 قبل أيام من الانفصال بين مصر وسوريا.

تحقق هذا الحلم أخيراً بالسفر الى القاهرة والسكن في احدى الشقق التابعة للسفارة السويسرية، الى جانب السياحة في مدنها التاريخية. الوظيفة كانت تشمل الالتقاء بالمسؤولين المصريين لتوطيد دعائم التبادل الثقافي بشكل تام، والبت في طلبات المنح الدراسية الى فرنسا بعد التأكد من شرط الاجازة الجامعية واتقان اللغة الفرنسية وتوفر التخصص المطلوب. عكر صفو الإقامة في القاهرة زيارة افراد من المخابرات المصرية لشقته في ثيابهم السوداء في منتصف الليل حيث اقتادوه الى السجن بتهمة التجسس وتهديد الأمن القومي، مع خشيته الحكم عليه بالإعدام. بعد المفاوضات التي أعادته الى فرنسا والخروج من السجن في شهر نيسان 1962، اقترحت وزارة الخارجية تعيينه في البرازيل …فأعاد طرح السؤال على نفسه : وأين مكان اللغة العربية ؟  فقرر العودة الى التعليم الجامعي حيث عين أستاذا في جامعة مونبلييه لمادتي فقه اللغة والأدب المقارن مع عقده النية لفتح قسم للغة العربية، إلا أن جامعة اكسونبروفنس طلبت منه أن يدعم قسم اللغة العربية الموجود سابقا في تخصصها الاكاديمي. وأما في مجال الأبحاث العلمية فما زال اهتمامه قائما بعلماء الجغرافيا العرب. وقد منحته جدران السجن في القاهرة القدرة على فهم منهجية هذه الجغرافية البشرية إذ أن الأولوية لدى علمائها العرب كانت في دراسة الانتشار البشري على مساحة البلاد الممتدة من آسيا الوسطى وغرب الهند الى اسبانيا وإعطاء القيمة العلمية للعلماء اليونانيين الذين ساهمت كتبهم المترجمة في إثراء البيئة العلمية. ويطرح سؤال عما كان يبحث عنه هؤلاء العلماء في مؤلفاتهم : السفر أو تدوين مشاهداتهم أو وسيلة أخرى للاعلام. هل أرادوا إضافة شيء جديد في زمنهم. هل هي الثقافة حيث كانوا يحلمون بالوصول اليها عن طريق المعرفة.

مضت سنتان في تدريسه في جامعة أكس من 1962 الى 1964 حيث قام بكتابة عدة مقالات عن العالم العربي الحديث وخاصة عن كتاب نجيب محفوظ وعلاقة كليلة ودمنة بكتاب “اساطير النافورة”…ومن خلالهما العودة الى الأدب المقارن، ثم العودة الى الجغرافيا عند العلماء العرب، ولكن هذه المرة مع الصعوبات الجمة للوصول الى المكتبات التخصصية. وفي خضم هذه الاهتمامات يرده اقتراح من المدرسة التطبيقية للدراسات العليا والتي أصبحت تسمى فيما بعد “مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية”. مما استدعى منه الانتقال مرة أخرى الى باريس بعد ان كانت قد استقرت زوجته في مونبلييه وأبدعت في التدريس في معاهدها.

في باريس أصبح “عالم اجتماع” او هكذا صنف، حيث كان يقضي بضع ساعات أسبوعية في محاضراته مع الباحثين من طلاب المدرسة العليا، ومعظم وقته في كتابة المقالات التي تتوافق مع منحاه الاكاديمي الجديد وفيما يتعلق بالمصطلحات العربية في النسب والميراث وفق احكام الشريعة، الى جانب تدريب الكادر التعليمي في البلاد النامية والبلاد العربية، والآداب المعاصرة، وكتابة عشرين مقالا في الموسوعات. أضاف اليهم ترجمة لرحلة من القرن العاشر الميلادي قام بها يهودي اسباني إبراهيم بن يعقوب الى مختلف البلاد الأوروبية.  كذلك أصدر كتابا عن الحضارة الإسلامية من القرن السابع الى القرن العشرين، والاطروحة عن الجغرافيين العرب التي توجت الاكاديمية الفرنسية إصدارها. من لطائف ما كان يتمتع به دراجته النارية التي أصبحت عدة شغله كمستعرب، فمن مكان سكنه على حافة مدخل العاصمة الفرنسية كان كثيرا ما يمتطيها متوجها الى مدن أكثر بعدا حيث يمضي وقته في الكتابة في احد المطاعم التي تتقبل مكوثه فيها لفترة طويلة. خلاصة عمله في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا نتج عنها عنوانا جديدا له كدكتور في الآداب وتعيينه أستاذا في جامعة باريس الثامنة حيث كانت تقع على عاتقه مع باقي زملائه الأساتذة تنظيم قسم الدراسات العربية ودمجها مع اقسام أخرى كقسم فقه اللغة والآداب المقارنة والتاريخ.

 

في خريف 1968 أراد المتشددون الذين قاموا بالثورة الطلابية إجراء تغيير شامل في مناهج الدراسة في الجامعة إلا أنهم فشلوا فعادت الجامعة الى ارتداء حلتها القديمة وتم إنشاء قسم للغة العربية. لم تكن المهمة الجديدة في الجامعة لتتيح له استكمال ابحاثه إلا أنه تمكن من تأليف كتاب عن تاريخ الأدب العربي وتجميع وثائق عن الجغرافيا فيما ذكره الجغرافيون العرب عن أهمية الأرض والشعوب خارج حدود العالم الإسلامي. أصابته مأساة في مرض ابنه الذي كان يبلغ الأربعة عشر سنة فبترت ساقه، ورغم آلامه كان يصطحبه معه الى إيطاليا لتقديم عدة برامج تلفزيونية عن الإسلام. هذه الانشغالات حالت بينه وبين إعطاء كامل طاقته في الجامعة تاركا كثيراً من المهام الى زملاءه.  وقد كانت خاتمة أحزانه وفاة ابنه. في نهاية العام الجامعي تم تعيينه في جامعة باريس الثالثة مسؤولا في الكرسي الجامعي التي كان يشغلها استاذه بلاشير.

أحدثت وفاة ابنه صدمة له ولزوجته ولابنته جعلته ينكب على استكمال كتباته ومهنته التدريسية، إذ أصبح أستاذ كرسي رغم انه لا يحمل الاستاذية في اللغة العربية كباقي المرشحين لهذا المنصب الاكاديمي الرفيع، قد يكون بسبب ان القسم الذي يشغله لا يتضمن مستعربين فقط وانما أيضا متخصصين في التركية والفارسية. كذلك اختتم العشرين سنة التي أمضاها وقد طوى صفحة الآداب المقارنة ليستقر في كتب الجغرافية البشرية عند المسلمين حتى القرن الحادي عشر. قبل اصدار الجزء الثاني من كتابه في هذا المجال باشر في الكتابة الوصفية للمواقع الطبيعية للعالم الإسلامي. تقاطعت مع ترجمة لأشعار بدر شاكر السياب وعشرات المقالات عن علماء الجغرافيا العرب القدماء والحديثين، وكتاب “ألف ليلة وليلة”. مجموعة هذه المقالات نشرت في موسوعات أو مجلات تخصصية. مما جعله مسروراً في تدريسه في هذه الجامعة وجود الطلبة والطالبات الذين ما انفكوا يسألونه فيما لو طالع هذا الكتاب أو ذاك المرجع، فيجيب بالنفي دون أن يعلموا بأنهم أثاروا في نفسه الفضول لمطالعة هذه الكتب لدرجة انه كان يشعر بالسعادة بإحساسه أنه هو الذي يتلقى ويتعلم أكثر من شعوره بالسعادة في كونه أستاذاً. شجعه أحد الأصدقاء يوما الى الترشح في “الكوليج دا فرنس” فتمت الموافقة على قبوله. في هذه المؤسسة الرفيعة يبتدأ الأستاذ بطرح مشروعه التعليمي من خلال نقطتين أساسيتان الأولى أن تتحقق لديه المعرفة فوراً ولاحقاً بحيث يتعين ان تكون مبتكرة بموضوعها كما في الخطوات التي تليها. فالكوليج لا تمنح شهادات ولا إفادات، إذ يأتي اليها أي مستمع في أي وقت يشاء، والثانية متعلقة بالوقت عندما تنتهي مواضيع البرنامج المعلن عنها، لا يضاف اليها مواضيع “حشوة” فسياسة الكوليج المنحوتة بالرخام : “هنا ندرس ما نبحث عنه”. طبيعة العمل في الكوليج تتطلب تفرغاً من التدريس من الجامعات باستثناء متابعة اطروحات المسجلين لدى الأستاذ في الدكتوراة، كما تتطلب السفر دائماً والالتقاء بشخصيات علمية ذائعة الصيت. التدريس الجامعي يعني منح المعرفة مع الالتزام الحصري بالبرنامج، بينما في الكوليج تعني البحث بحرية أولاً والتكلم لاحقاً بشرط الحفاظ على نفس الموضوع. بينما المحاضرات فهي أمام جمهور مستمع بدون نقاش، وأما النقاشات فكانت مخصصة في ورشات الدراسة لمواضيع ثانوية او مكملة أو جديدة.

عندما يسأل عن مواضيع محاضراته ومنشوراته وكتبه، فهي عبارة عن مئات المقالات المتنوعة وعن الجغرافية البشرية للعالم الإسلامي، حيث تم نشر الجزء الثالث المخصص للأماكن الطبيعية في العالم العربي سنة 1980 ويقوم بتحضير الجزء الرابع والأخير عن المجتمعات والتصرفات الذي صدر بعد ثمانية سنوات. وبعد فتح شهيته على الكتابة نشر طبعة مصورة عن بعض المواضيع التي كتب عنها في الجزئين الثاني والرابع، ترجمة مذكرات أسامة ابن منقذ وهو أمير سوري في العهد الصليبي، والسورة رقم 56 من القرآن الكريم ودراسة حيوان الدب عند العرب  وثلاثة كتب من مقابلات مع زملاءه الأساتذة.

غير ان ترجمته لقصائد الشعر العربي جعلته يتسائل عن مقدار الأمانة العلمية في نقل المعاني الى الفرنسية، مما ولد اليه الرغبة في تطويع اللغة الفرنسية لتصبح مقفاة وموزونة مما أثار نقد زملائه الذين يفضلون الشعر بلا قيود ولا أوزان. وهذا ما قاده الى قصة مجنون ليلى ومقارنته لها بقصص مماثلة في الأدب الفرنسي مثل روميو وجولييت. هذه الشهية نحو هذه القراءة جعلته يشعر بسعادة القفز بين رواية وقصة وقصيدة وفكرة أنسته لبعض الوقت كتاباته عن الجغرافية البشرية.

 

سنة 1984 تم تعيينه لمدة أربع سنوات في الإدارة العامة للمكتبة الوطنية مع ما جلبته له هذه الوظيفة من امتيازات في السكن والخدمة المنزلية والسفر والاستقبالات وحضور المهرجانات. غير أنه بعد اطلاعه على طريقة عمل المكتبة والمصاعب التي ممكن التغلب عليها بإضافة بعض التحسينات على عملها وفرز ما يمكن فصله عنها من موجودات وآثار وأزياء تاريخية قديمة الى أماكن أخرى، تقدم بمجموعة اقتراحات منتظراً موعداً مع وزير الثقافة، بعد طول الانتظار تقدم باستقالته من هذا المنصب.

كان قد مضت عشر سنوات على عمله في “الكوليج دا فرنس” من بين واحد وعشرين سنة قضاهم في التعليم الجامعي وتأليف الكتب. عين على أثرهم بناء على اقتراح زملاءه في وظيفة مدير للكوليج مع مساعدين تحت امرته، وهذا ما دفعه الى التفكير في تنظيم وتطوير الكوليج التي كانت مقصداً للجمهور بشكل كثيف، لم يعد بنائها القديم يتحمل استيعاب المزيد، فتقدم بمشروع الى رئاسة الجمهورية لإعادة تأهيلها ، فتمت الموافقة عليه. بعد انتهاء الترميم كان التوجه الى عقد اجتماعات وندوات حول مواضيع يلقى فيه الضوء على احداث معاصرة في حديقة “تالام”. فكان الاجتماع الأول في اللوفر تحت مبنى الهرم الزجاجي حيث تم استقبال شخصيات مشهورة وباحثين اكاديميين من مختلف الجامعات الأوروبية، والأهم من كل ذلك موافقة رئيس الجمهورية على استقبال مثل هذه الشخصيات ليس فقط من أوروبا بل من كل لى رئاسة الجمهورية دول العالم ليكونوا أعضاء في الكوليج وليسوا زوار، مع اعطائهم الحرية في تحديد فترة اقامتهم ومواضيع محاضراتهم، والمشاركة في التصويت الانتخابي للهيئة التعليمية. وأما اللغة العربية فما زال يعطيها وقته في التأليف الى ان يحين موعد التقاعد.

آخر فصول الكتاب خصصها لزوجته التي أحبها والتي تحملت معه التنقلات ومراجعة ما يكتبه وولدهما اللذان فقداه، مع ذكرى البلاد والمدن التي زاراها، وأخيراً التقاعد بعد تأليف خمسة عشر كتابا خلال ثلاثة وعشرين سنة مع ما كان يرغب به من جمعها والتعليق على بعضها وما يراوده من أفكار حول الحياة والموت والايمان ورجاء القيامة…وهل يقال بأنه يتناسى بعد كل هذا اللغة العربية ؟ لا وإنما وفاءه لها أخذ منحى آخر إذ أراد أن يذكر بها، وبتاريخها الذي رغب في ارتقاءه الى الأعلى، كما فعل الخليفة المأمون الذي أراد في القرن التاسع أن يجعل منها حضارة جديدة، نهضة تسبق نهضة أوروبا. التراث العربي الذي أغنته تراجم كبار المفكرين اليونانيين القدماء. “مقابلات بغداد” التي وجدت طريقها في صميم فكره هي قطعة من التاريخ ونموذج لتأمله في الزمن الحاضر. إضافة الى شهرزاد التي رآها محررة القيود بعد موت زوجها مع إرادة كإرادة المأمون في تحديث المجتمع. وأخيراً ما قام بتأليفه من شعر نقله الى العربية أو بالعكس عن فقدان ابنه بعد أن جمعها أحد زملاءه من الأصدقاء. ومن قال بأن حلمه في الآداب المقارنة انتهى بل أخذ منحى آخر.

من هو المستعرب ولماذا وكيف، استثنى من ذلك كتباً ثلاثة قيد الإصدار، المثل الذي أراد اتباعه هو على هيئة الثقافة العربية في القرون الوسطى والتي كانت تميل الى الاعتقاد بأنه لا قيمة للمعرفة الا بنقلها الى الآخرين، لذلك فما أراده هو تأليف ما استطاع اليه سبيلا بأسلوب سهل والذي تطلب منه بذل جهد قليل. ولكن هل يتعلق الامر بالمعرفة فقط في وقت يشغل فيه العالم العربي موقعا أساسيا. كيف لا نندهش بجهل الآخرين له. فجميع كتبه ومقالاته كانت بالنسبة له عبارة عن مهام يقوم بتحقيقها. هذه المعرفة منحها العالم العربي في فترته الأخيرة للعالم. هذه الرسالة أراد توجيهها الى الفرنسيين والى العرب في هذا الوقت رغم الاحداث الأليمة والأزمات الحالية التي يعيشها كي يعاد الى دراسة هذا التراث بهدف الوصول الى عالم يكون مشتركاً للجميع. وهذا ما أراد أن يلعبه في نقل هذا التراث وهذه الأحداث التي كان شاهداً عليها.

 

 

 

 

 

 

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare