مدونة

بين العدالة والضمير نزاع أم تناغم

العدل والضمير
مؤتمرات / مدونتي

بين العدالة والضمير نزاع أم تناغم

يروى من روائع تاريخ القصص الإسلامي أن قيصر ملك الروم أرسل إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رسولاً إليه ، فلما دخل المدينة سأل عنه وقال : أين ملككم ؟ فقالوا : مالنا ملك بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة ، فخرج في طلبه فرآه نائماً فوق الرمل تحت ظل شجرة دون حرس أو حجاب، وقد توسد عصاه الصغيرة ، فلما رآه على هذه الحال وقع الخشوع في قلبه وقال : رجل تخشاه الملوك ولا يقر لهم قرار من هيبته ، وتكون هذه حالته ، ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت قرير العين.

ويروى في عصر آخر عن الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز رفضه كل مظاهر الملك التي كانت لمن قبله من الخلفاء، وإقامته في بيت متواضع بدون حـرس ولا حجاب، ومنع نفسه التمتع بأمواله، وجعلها لفقراء الناس، وتنازله عن كامل أملاكه التي ورثها عن أبيه، ورفضه أن يأخذ راتبًا من الأموال العامة ، كما جرَّد زوجته فاطمة بنت الخليفة الذي تولى قبله الخلافة عبد الملك بن مروان من حليها وجواهرها الثمينة، وطلب منها أن تعطيها لبيت المال، فقال لها:  اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت ومعك هذه الجواهر في بيت واحد، فأنت تعلمين من أين أتى أبوك بتلك الجواهر، فقالت: بل أختارك يا أمير المؤمنين عليها وعلى أضعافها لو كانت لي، فأمر عمر بتلك الجواهر فوضعت مع الأموال العامة للدولة.

أحببت من خلال القصة الأولى أن أطل على هذا الموضوع لأقول بأن النتيجة الحتمية لإشاعة العدالة بين الناس هي حصول الساعي اليها على السكينة والطمأنينة الداخلية التي مصدرها الضمير والوجدان، وأن النتيجة الحتمية لإشاعة الظلم هي القلق والخوف ونغص العيش الذي يعانيه الظالم في كل لحظة من لحظات حياته. وأحببت من خلال القصة الثانية أن أقول بأن الإنسان الذي يحركه ضميره لا يهنأ له عيش ولا رغد ولا سعة في المال والأولاد إلا في إشباع أريحيته وتحقيق العدالة في حياته الخاصة والعامة. وإنه لو خير بين أن يستملك خيرات الدنيا كافة  أو ينصت إلى نداء ضميره لاختار إرضاء ضميره ولو عاش بسيطاً فقيراً يجعل الأرض فراشه والسماء غطائه.

قبل الدخول في جوهر هذا الموضوع لا بد من تحديد معنى هاتان المفردتان : العدالة والضمير. فالعدل في أبسط معانيه كما عرفه الفيروزبادي : ماقام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور ، وعرفه الجرماني هو الاعتدال والاستقامة وهو الميل إلى الحق، وأما الضمير أو ما يسميه البعض بالوجدان ويسميه الإسلام القلب فهو ما يضمر في النفس ويصعب الوقوف عليه وهو استعداد نفسيّ وباطني لإدراك الخبيث والطيِّب من الأعمال والأقوال والأفكار، والتوصل الى التفرقة بينهما، من خلال استحسان الحسن ، واستقباح القبيح ، وينتج عنه قبول أو رفض ما يعمله الفرد أو ما ينوي القيام به.

هذا التعريف قريب مما قاله “جون جاك روسو” فهو يقول : يوجد في النفس البشرية منحى فطري نحو العدالة والفضيلة، رغم ثوابتهما الخاصة لدينا، فاننا نحكم على أفعالنا وأفعال الآخرين بكونها جيدة أو سيئة. هذا المنحى أسمه الضمير. وكذلك “بلزاك” حين يقول بأن الضمير هو القاضي الذي لا يخطئ عندما لا نكون قد قمنا باغتياله.

فالضمير بهذه المفاهيم لا يخضع لأي سلطة أو رقابة من أي طرف خارجي على نطاق صلاحياته، فهو يكمن داخل النفس ليعلمها الصواب والخطأ، الحق والباطل. جاء في حديث عن النبي محمد أنه قال : (البرّ ما سكنت إليه النفس واطمأنّ إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئنُّ إليه القلب وإن أفتاك المفتون) وفي حديث آخر جاء فيه :  (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).

        فهناك ترابط وتلازم بين مفهومي العدالة والضمير من حيث كونهما قائمين في النفس بالمعني الفطري للكلمة وأنهما ينشدان الإستقامة ويرفضان الجور والظلم. فلا ضمير حيث لا عدالة تترجم على أرض الواقع ومن خلال الممارسة الفعلية، ولا عدالة في غياب الضمير حيث يطيح أصحاب الغايات والأهواء بالعدالة ويجعلونها عوناً للظالم على المظلوم وانحيازا للقوي على الفقير. كما أن الضمير الحي الواعي يساعد اعلى إرساء العدالة والإبتعاد عن الظلم فالإحساس بالخطأ والشعور بالذنب واللذان ينتجهما الضمير الحي يتفاعلان داخل الشخص من أجل ردعه عن ارتكاب الظلم والتمادي فيه.

فالعدالة ركيزة اساسية لإشاعة الاستقرار وهي مستقاة من عدالة الله ومن أسمائه الحسنى وهي مطلب الأديان كافة على مر العصور. جاء في الحديث القدسي عن رب العالمين قوله : “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا” ، والعدالة لا تبرر الظلم كردة فعل على  ظلم الظالمين حيث لا محيص عن العدالة في مطلق الأحوال والوقائع، جاء في القرآن الكريم : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى “.

        والعدالة والضمير وردتا في أكثر من موضع في القرآن الكريم، فذكر العدل أربعاً وعشرين مرة ، مثل قوله تعالى في القرآن الكريم : (اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بالعدل)، (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، (إنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، وكذلك القلب الذي يتضمن من ضمن معانيه الكثيرة  الضمير والوجدان فقد ذكر اكثر من مائة مرة مثل قوله تعالى : (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُم فَهُمْ فيِ رَيْبِهِم يَتَرَدّدُونَ)، (وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لَّلذيِنَ آمنوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤوفُ رَّحيمٌ) كما ذكر في الحديث الشريف : (ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

        فمبدأ العدالة مطلق لا يحده حدود ولو كان التغاضي عنه في سبيل الإستحصال على مصلحة لأصحاب النفوذ والسلطة أو لكسب المعارك في الحروب إلا أن تطبيقه أولى وأقوم لأنه مبدأ مستديم لا ينقطع بعكس المصلحة لا تكون إلا آنية. في رواية أجمع عليها المؤرخون عن الفتح العربي لمدينة سمرقند، أنه بعد فتحها أرسل كبير كهنتها رسالة الى الخليفة عمر بن عبد العزيز يشكو فيها قائد الجيوش قتيبة بن المسلم الباهلي بأنه دخل بجيوشه سمرقند دون أن ينذر أهلها ثلاثة أيام حسب ما تقتضيه تعاليم الإسلام فأرسل عمر ابن عبد العزيز رسالة الى القاضى للنظر فيها فعقد القاضى جلسة محاكمة لقائد الجيوش أمام كبير الكهنة وأقر قائد الجيوش قتيبة بما فعله متذرعاً بأنها الحرب والخديعة فرد عليه القاضي قائلا يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل ثم قال : قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء وأن تترك الدكاكين والبيوت، وأنْ لا يبقى في سمرقند أحد من المسلمين، وبعد ساعات قليلة من صدور قرار القاضي سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو وأصوات تعلن خروج الجيوش  فسألوا فقيل لهم إنَّ حكم القاضي قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب ، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر، حتى خرجوا أفواجاً وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يطلبون عودة الجيوش نظراً لما وجدوه من عدل ورحمة لديهم.

        ومع كون العدالة والضمير مطلبان الهيان الا انهما يدركان في الفطرة التي جبل عليها الإنسان. فمع أن الإيمان بالله يشحذ الشعور بالعدالة والضمير إلا أن الإنسان بطبيعته البشرية يستطيع أن يدرك معانيهما ويتحرك وفق إشارتهما. غير أنه على عكس هذه النظرية فقد ظهرت نظريات اخرى تقول بأن ميل الإنسان إلى العدالة و الإستماع إلى صوت وتأنيب الضمير ليسا إلا انعكاسان لما يتعلمه الإنسان ويتربى عليهما في بيئته وفي مجتمعه ومع أقرانه.

        على عكس مبدأ التلازم والترابط بين العدالة والضمير هناك اختصاص وتفارق بينهما حين يتصارع الضمير مع القوانين النافذة في المجتمع فيثق الإنسان بضميره وبقناعاته الشخصية ويغلبها على سلطة القانون الذي يعتبره قد تجاوز الحدود المعقولة التي رسم الضمير إطارها فيصبح بالتالي خارجاً عن القانون وعن العدالة. خاصة وأن الضمير يتطور وفق مراحل النضج عند الفرد فما يبدو في مرحلة المراهقة محقاً يصبح في مراحل النضج سيئاً ومضراً. وهنا لا بد من الوثوق في القوانين النافذة العادلة باعتبار طبيعتها العامة وغير الشخصية.

وهناك أيضاً تفارق وتعارض بين العدالة وبين الضمير حينما يواجه القاضي موضوع قناعاته الذاتية التي كونها في ملف الدعوى الذي ينظر به وبين الأدلة المادية والشهادات التي يبرزها الطرف الأقوى في الدعوى. فهنا ينشأ نزاع بين الأدلة المادية التي توضع امام القاضي والتي يتذرع بها الطرف الأقوى لأثبات دعواه والتي قد تكون غير محقة وبين الصواب الذي يعلمه القاضي ويزعزع ضميره لعلمه بصواب رأيه وقناعته الذاتية وبأحقية دعوى الطرف الضعيف ولكنه يعجز عن رد دعوى خصمه أو الحكم لغير صالحه لقوة أدلته فيحكم ظلماً على الطرف الضعيف. هذا التمرد الإكراهي على منطق الضمير أراده القانون وأشار اليه حين طلب من القضاة عدم إصدار أحكامهم وفق علمهم وما تمليه عليهم ضمائرهم وإنما وفق الأدلة التي ييرزها الأطراف في دعواهم.

هذه الثنائية في الإحتكام إلى منطق القانون أو منطق الضمير والقناعة التي يواجهها القاضي ليست وليدة اليوم ففي العصور الوسطى وفي ظل سيادة القوانين الرومانية كان يتعين على القاضي إصدار أحكامه وفقاً للقانون وللأدلة التي يبرزها أطراف الدعوى وليس وفقاً لعلمه وقناعاته، في حين أنه كان نفس هذا القاضي يقسم اليمين عند توليه المنصب على خضوعه لله ولنداء ضميره. للحد من هذا التناقض الذي يعترض مجال عمل القاضي أعطيت لجان التحكيم صلاحيات ابداء الرأي في الدعاوى التي يطلب فيها الوقوف على رأيهم وفق قناعاتهم ونداء ضميرهم وليس وفق الأدلة التي يستدل بها الخصوم في الدعوى.

هذا التعارض بين منطق العدالة ومنطق الضمير عرفه الإسلام أيضاً منذ نشأته، وقد أشار إليه الفقهاء في معرض كلامهم عن قضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقالوا بأن قضائه ليس وحياً ولا يرتكز على الوحي بأي شكل من الأشكال وإنما هو مبني على سماع الأدلة والحكم بظاهرها وما تبديه من حجج أثناء جلسات الدعوى، وأن قضائه لم يكن مبنياً على علمه وقناعاته وإنما على قوة الأدلة التي يبرزها أطراف الدعوى. وهذه الآراء مستمدة من سياق الحديث الذي يروى عن النبي حذر فيه المستقوين بأدلتهم غير المحقة من أن ما يستقطعونه من أحكام لصالحهم إنما يستقطعونه ليكون لهم في الآخرة حطباً في جهنم. جاء في الحديث : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار يأتي بها يوم القيامة.

وهذه الآراء الفقهية المبنية على هذا الحديث وإن كانت خلافية إلا أن أكثرية الفقهاء اعتمدتها ولم يخالفها منهم الا القليل من الذين استشهدوا بواقعة حكم النبي لهند التي كان زوجها لا ينفق عليها فحكم لها النبي بالنفقة بلا بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها، وكذلك ذهب الإمام الأكبر أبو حنيفة بأن ما كان من حقوق الله أي الحق العام لا يحكم القاضي فيها بعلمه لأن الحقوق االعامة مبنية على المسامحة ، وأما حقوق الناس فما كان يعلمه القاضي قبل توليه القضاء لا يحكم بعلمه وما علمه في ولايته حكم به.

  ومن ضمن منازعات العدالة والضمير مسألة المواجهة بين التشريعات الآلهية والتشريعات الوضعية ففي حين يعتقد المؤمنون بتفوق التشريعات الآلهية يعتبرون بأن القوانين والأحكام الصادرة عن السلطات المدنية جائرة وغير جديرة بالإحترام إذا ما تعارضت مع التشريعات الآلهية، وعلى العكس أيضاً يعتقد غير المؤمنين بأن القوانين الدينية ظالمة وغير صالحة للتطبيق ولا تجاري التقدم والتطور، كما هو الصراع الدائر حالياً في لبنان بين دعاة الزواج المدني ودعاة الحفاظ على الزواج الديني، وكذلك في بعض الدول العربية التي تطالب بإبعاد الشريعة عن نطاق الحكم والتشريع أو على العكس بالمطالبة بجعل الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا للتشريع أو مصدراً من مصادر التشريع.

العدالة والضمير متلازمان ومتناغمان في إرساء الطمأنينة والإستقرار في المجتمع فإذا كانت العدالة ضامنة لحقوق الناس كافة بلا تمييز ولا تعصب كان الضمير الحي مسانداً ومؤيداً لها في بناء المجتمع المتكافل الواعي الذي يكون كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وقد يفترق نداء الضمير عن مبدأ العدالة ويتنازع معها في حال أحس بعدم تلبيتها لأولوياته التي بنى عليها قناعاته الذاتية سواء كانت دينية أو علمانية أو أخلاقية.

كلمة أخيرة أختتم بها هذه المداخلة وهي عبارة عن جملة تعودت دائماً أن أختتم بها رسائلي الألكترونية : خير لك أن تتخلى عن امتيازاتك من أن تتخلى عن نداء ضميرك.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare