مدونة

أي لاهوت وفقه للسلام في المسيحية والإسلام ؟

لاهوت
أفكار وتأملات في الدين والحياة / مؤتمرات / مدونتي

أي لاهوت وفقه للسلام في المسيحية والإسلام ؟

ليس بالطبع هو لاهوت العصور الوسطى ولا فقه بعض السلاطين المكتوبين في أزمنة الجهل والتعصب وعلى وقع طبول عصور الظلام والتشكيك والتخوين. فهذا اللاهوت وهذا الفقه عكسا في نصوصهما الأحداث والأفكار التي كانت سائدة في مجتمعاتهما والتي أدت إلى حروب طاحنة مع كل من خالف توجهاتهما ووقف حائلاً دون تحقيق آرائهما في التوسع والسيطرة على مقادير الأمم والشعوب. فهذه الآراء المتعصبة والتي لا أسلم جدلاً أنها كانت متوافقة كلها مع التعاليم الدينية والمبادئ الأساسية التي قام عليها الإسلام والمسيحية، كانت نتاج ظروف العصور التي نشأت وترعرعت فيها.

إذا تكلمنا عن اللاهوت فيكفي أن نذكر بأن فهم بعض النصوص وتطويعها لخدمة الأطماع السياسية والتوسعية أدت الى نشوب الحروب الصليبية لأكثر من مائتي سنة وإلى حروب المائة سنة بين الكاثوليك والبروتستانت واذا قفزنا سريعاً فوق الأحداث فإننا سنجد بأن المبررات التي ساقها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش توحي بأن الحرب الامريكية على العراق كانت ضمن هذا السياق اللاهوتي الذي ينادي به التيار المسيحي الجديد المتصهين في الولايات المتحدة الأمريكية.

قديماً كانت النظرة اللاهوتية الكاثوليكية ترى في وحدة جسد المسيح مبرراً لحمل كل المسيحيين الى الإنضمام الى هيكلية واحدة يكون فيها التفرق واعتناق الأفكار المسيحية الأخرى خروجاً عن تعاليم الكنيسة ومبرراً لشن الحروب عليها وعدم السماح لها بالتعبير حتى عن وجهة نظرها، بل إن هذه النظرة التي كانت سائدة في العصور الوسطى لم تعتبر حتى الأديان والمعتقدات الأخرى هي أدياناً، فيذكر قاموس Furetière في سنة 1690 بأن كلمة الدين تطلق فقط على المسيحية الرسولية الرومانية وأن كل الفرق الباقية لا يطلق عليها تعبير الدين الا تجاوزاً.

هذه النزعة اللاهوتية ومن خلال مساهمة بعض الشخصيات الرائدة في مسائل الحوار الديني من أمثال لويس ماسينيون الذي لقبه البابا بولس السادس بالكاثوليكي المسلم، والمستشرق لويس غارديه ومكسيموس الرابع تطورت بشكل أساسي وجوهري لتصبح نظرة لاهوتية منفتحة على العالم وعلى الأديان والثقافات وذلك من خلال مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، وما تبعه بعد ذلك من البيانات اللاهوتية مثل البيان اللاهوتي  الذي قدمه لويه غارديه سنة 1966، وقد أشار فيه إضافة إلى ضرورة دعوة المسلمين والمسيحيين إلى تبديل الأفكار الزائفة وتغيير سوء التفاهم المتبادل بينهما، إلى موضوع عظمة وسمو الله تعالى والعلاقة بين الله والإنسان وبين الله والعالم، كما يعتبر موقف الكنيسة الرسمي مشجعاً لاستتباب السلام في العالم ومناصرة الحقوق المشروعة للشعوب، كما تضاف الى قائمة المساهمات الكنسية من أجل السلام في العالم أو في بلاد الشرق الأوسط ما جاء في الإرشاد الرسولي الأخير الذي وقع في بيروت من إنَّ مفهومَ السَّلام، وفقاً للكتاب المُقَدَّس، ليس مجرَّدَ اتّفاقٍ أو معاهدةٍ تسمح بعيش حياةٍ هادئةٍ مطمئنةٍ، ولا يمكن أن يقتصر تحديدُه على غيابِ الحربِ وحسب. السَّلام يعني أن نكون كاملين، محميِّين من الأذى، يعني تحقيق شيء ما لبلوغ الطُّمأنينة التّامَّة. السَّلام هو حالة الإنسان الَّذي يعيش بتناغم مع الله، ومع ذاته، ومع قريبه ومع الطَّبيعة. السَّلام باطنيِّ قبل أن يكون ظاهريَّاً. إنَّه نِعْمَة. إنَّه تَوقٌ إلى واقع ما. السَّلام أمر منشود كثيرا لدرجة أنَّه تَحَوَّل، في الشَّرق الأوسط، إلى تحيِّة، والسَّلام أيضاً هو عدالة.

يمكن القول بشكل عام بأن توجه الانفتاح على الأديان الأخرى والدعوة إلى بناء أسس للسلام لم يكن أمرا شخصيا حددته شخصية البابا بمقدار ما كان اتجاهاً عاماً للكنيسة الكاثوليكية منذ منتصف الستينيات، وخير دليل على ذلك هو أن حظوظ الباباوات اللاحقين من هذا التفاعل كانت واضحة وفاعلة، ولا ننسى في هذا المضمار ما قام به البابا الطيب الذكر “يوحنا بولس الثاني”  من أجل دعم السلام العالمي والمساهمة الحقيقية في إقصاء الشيوعية عن بولونيا وعن سائر بلاد أوروبا الشرقية، ولا ننسى على صعيد العلاقات الاسلامية المسيحية من أنه البابا الأول في تاريخ الكنيسة الذي جال العالم شرقا وغربا وخلع نعليه على عتبة مسجد وسأل الصفح والغفران عن أخطاء وخطايا الماضي تجاه العالم العربي والإسلامي شفاهة في العديد من المناسبات والزيارات التي قام بها.

غير أن النصوص اللاهوتية للمسيحية الجديدة المتصهينة التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية تتناقض تماماً مع هذه الروح الرحبة والداعمة للسلام ، حيث يرسم المسيحيون المتصهينون سياستهم الدولية وفق قاعدة جماهيرية تؤمن بحرب المقدسات لإعادة أمجاد أورشليم ارض الميعاد حيث تبلورت عقيدة شعب الله المختار وأبناء الله وأحبائه كما أعطتهم الشرعية التي يدعونها لقيادة حرب مقدسه لاستعادة المقدسات في فلسطين خصوصا والشرق الأوسط عموما.

وأما من الجانب الإسلامي فإن الأمر يختلف عما كان سائدا في تعاليم الكنيسة بخصوص وحدة جسد المسيح بأنها تعني وحدة العالم، فالإسلام نظر الى تعددية الآراء واختلاف المعتقدات الدينية بأنها آية من آيات الخلق وأن إرادة الله شاءت هذا التنوع في الجنس واللغة والمعتقد، كما شاءت أن يكون هناك شعوباً ودولاً وجنسيات متفرقة ليتعارفوا فيما بينهم. غير أنه ما كان يشغل الفكر السياسي الإسلامي في ذلك الوقت هو عدم وضع المعوقات للحؤول دون نشر الدعوة الى الدين الجديد وعدم وضع الدول المجاورة للعوائق التي تحول دون إعلام الناس والشعوب بعقيدة الإسلام، مما كان يعتبر مبرراً للفتوحات الإسلامية. أما وإن الأمر قد أصبح دون جدوى باعتبار أن رسالة الإسلام قد وصلت إلى كل شعوب العالم ولم يبق أمام الأفراد والجماعات إلا الاستماع والمشاهدة والقراءة ليصلوا إلى أي معلومة تخص الإسلام وهذا ما بشر به النبي محمداً عندما ذكر بأنه لا تقوم الساعة حتى يدخل الاسلام كل مضر وحضر فلم يعد هناك مبرراً للتقسيم القديم للعالم إلى دار حرب ودار إسلام، وقد أصبح هذا التقسيم مرفوضاً باعتبار المواثيق والمعاهدات الملزمة بين الدول بل وإن المفهوم الحديث للدولة وللقوانين الدولية قد تطور وتغير بشكل اساسي مما ينتج عنه اعتبار هذا التقسيم غير ذي فائدة ويتوجب إهماله. وكذلك فإن مفهوم الجهاد الذي نادى به جل الفقهاء لإرضاخ دار الحرب وتخيير سكانه بين الدخول إلى الإسلام أو دفع الجزية قد أصبح وراء أظهرنا لنفس الأسباب المذكورة آنفاً مما يحتم علينا استبداله بمفهوم أكثر واقعية وتطوراً بحيث لا يبقى منه إلا ما كان متوافقاً مع الجهاد الدفاعي في حال الدفاع عن النفس والعقيدة والممتلكات، إضافة إلى اعتبار أن عقد الذمة كان عقداً تفاوضياً تاريخياً وقعه النبي مع بعض المسيحيين في شبه الجزيرة العربية وبانتهاء الدولة الإسلامية التي أبرمته فإن هذا العقد ينتهي، خاصة وأن المسيحيين الحاليين تشاركوا مع المسلمين في مقاومة الأطماع الخارجية للإستعمار الأجنبي ودافعوا عن البلاد  ونشأت عن مقاومتهم دول اليوم التي تقوم على شكل جديد من أشكال السيادة الوطنية لم يكن معروفاً في الإسلام حيث كانت السيادة سابقاً تقوم على انتصار منتصر وانهزام منهزم أما السيادة الحالية فهي قائمة على المشاركة الفعلية التي يتساوى طرفاها في الحقوق والواجبات.

وأما عن علاقة المسلم مع الآخر فيجب إظهار إطارها الفقهي السليم بشكل أكثر وضوحاً بحيث يتأكد المسلم وغير المسلم بأن أصلها دائماً المودة وحسن الصلة وعدم الإكراه في الدين واحترام المعتقد وعدم الإستهزاء به. والإستثناء على ذلك حين تقوم دواعيه من عداوة حربية يعلنها غير المسلمين على الإسلام سواء بسبب الدين والمعتقد أو بإخراجهم وطردهم من ممتلكاتهم ومساكنهم. جاء في القرآن الكريم في سورة الممتحنة : ﴿8 إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ فالمسلم مطلوب منه ألا يتخذ الذين يقاتلون المسلمين في دينهم ويخرجوهم من ديارهم ويتظاهروا على إخراجهم مناصرين لهم وأعوان، والمثال الذي تتضح به صورة هذا النهي في هذه الآية القرآنية هو العلاقة التي يجب أن تكون بين مسلم اليوم وبين الصهاينة من اليهود الذين يحتلون أرضنا في فلسطين ويقتلون أهلنا ويشردونهم بإخراجهم من ديارهم بغير حق. فهؤلاء تجب معاداتهم والوقوف موقف الإنكار والشجب لكل ما يفعلون. وهذا يمتد أيضاً على حركة المسيحيين المتصهينين الذين يعادون الإسلام ويستهزؤون بمبادئه ويزورون تعاليمه ويساعدون الصهاينة الإسرائيليين في شتى المجالات سواء في تقوية وشرعنة الإحتلال أو في تزويدهم بالمال والعدة أو في مؤازرتهم على أعلى مستوى على صعيد الإعلام الدولي المتحيز لإسرائيل. وأما اليهود العرب وغيرهم الذين يعيشون في بلادنا أو في البلاد الأجنبية وهم مواطنون في هذه الدول فنحن لا نعاديهم ولا نحاربهم ولا نصد الآخرين عن  التعامل معهم.

 مسألة أخرى يجب توضيحها عن موالاة غير المسلمين الذي نهى القرآن عنه في مواضع متعددة فقد جاء مرتبطاً بحوادث تاريخية مثل المحادة لله والرسول أو مرتبطاً بإخراج الرسول والذين آمنوا به من مكة . أو في حالة الحرب والعدوان من جانب غير المسلمين فيكون النهي مقترناً في هذه الحالة بكون هذه الموالاة من جانب بعض المسلمين الذين يتولون غير المسلمين من دون موالاتهم للجانب الآخر من المسلمين. والموالاة المنهي عنها أيضاً هي للذين يتخذون دين الإسلام مادة للعبث والإستهزاء وحتى أن القرآن ينهي المسلمين عن مجرد مجالسة الذين يخوضون بغير علم في القرآن الكريم استهزاءً به ولو كانوا من المسلمين المتظاهرين بإيمانهم بهذا الدين، فمن باب اولى أن يكون هذا النهي مع الذين يخالفونهم دينهم إذا جرى الإستهزاء والفتنة على السنتهم.

هذه الأمور التي ذكرها القرآن الكريم في مجال النهي عن موالاة غير المسلمين ليس له علاقة بالصلة اليومية المعتادة بين شركاء الوطن سواء من أهل الإسلام أو من الأديان الأخرى. فإن الراشدين العاقلين لايعادون من يتقاسم معهم أوطانهم في سبيل مؤازرة قوة أجنبية معادية أو يسلكون مسلك الجاهلين السفهاء الذين يهزؤون بديانة شركاءهم في الوطن ويلعبون برموزه وشعائره. ومن يتصف بهكذا مواصفات فإن المسلم الذي يتخذه ولياً من دون المؤمنين سواء بمعنى النصرة أو بمعنى الصداقة يكون آثماً باختياره جانب عدوه أو جانب المستهزئ بدينه على حساب عقيدته. وهذا مبدأ لا يعارضه أي إنسان سليم سواء كان مسلما أو غير مسلم . حتى أن الإسلام يمنع أتباعه من سب آلهة المشركين كي لا يسب المشركون دين المسلمين :﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾  إذا كان هذا سلوك المسلم مع دين المشركين فكيف إذا كان الأمر مع أديان أهل الكتاب الذين يؤمن بهم المسلم ويبجل أنبياءهم ويذكرهم في صلاته ويتسمى بأسمائهم ويقتضي بأقوالهم وافعالهم. (من كتاب : الدين والوطن للدكتور محمد سليم العوا).

وأخيراً فإن بيان الأزهـــــــر والمثقفـين ( عن منظومة الحريات الأساسية ) الصادر في 8 كانون الثاني سـنـة 2012م يعتبر عن حق اساساً لبناء فقه إسلامي جديد قائم على احترام الحريات العامة وممهداً لنظرة جديدة عن إسلام ينقي كتابة نصوصه الفقهية من الأفكار الزائفة أو البائدة ويعيد كتابتها بشكل تظهر بوضوح آرائه ومواقفه الداعمة دوماً للسلام العالمي القائم على قيم العدالة والإخاء والمحبة.

أي فقه للسلام نريد، ليس بالتأكيد هو الفقه الذي يقدم تربية اللحى وتقصير الثوب على الأمور الحياتية العامة والهامة، وليس هو الفقه التكفيري الذي يقسم الناس إلى مسلمين يجب تقويمهم وكافرين يجب محاربتهم، وليس هو الفقه الجهادي الذي لا يرى إلا دارين في العالم دار الحرب والسلام، ويشهر السيف على دار الحرب لإذعانه إلى سلطة الإسلام ودفع الجزية، وليس هو إسلام القشور والتغطي بالمظاهر الدينية لإخفاء ما في النفوس من أطماع مادية رخيصة، وليس هو فقه : ما كان لغير المسلمين فيجب أخذه والتلاعب به، وليس هو فقه الوجوه العابسة والحاقدة والعابثة بقوانين الدول التي تستضيفها.

هو بلا شك الفقه التجديدي الذي نادى به الإصلاحيون في كل العصور، هو الفقه القائم على الفكر التجديدي للباكستاني محمد إقبال، ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، والشيخ الشلتوت، والدكتور يوسف القرضاوي و محمد الغزالي ومحمد حسين فضل الله ومحمد مهدي شمس الدين، والسيد علي الأمين ومحمد سليم العوا، هو بلا شك الفقه التجديدي الذي يدعو اليه الأزهر الشريف في وثائقه وبياناته.

وأي لاهوت نريد للسلام، هو بلا شك لاهوت المجمع الفاتيكاني الثاني، والإرشاد الرسولي، وما نتمناه نحن العرب مسلمين ومسيحيين أن تكون هناك خطوات أكثر جرأة في العلاقة مع الإسلام، وأن تكون هناك ثقافة لاهوتية مشتركة مع المسلمين كما هي بين المسيحية واليهودية، انطلاقاً من ثقافة “إسماعيلية”، وليست فقط ثقافة “إسحقية” وانطلاقاً من ثقافة مريمية مشتركة وجامعة بين الإسلام والمسيحية، وأيضاً انطلاقاً من ثقافة لاهوتية ضمن المعايير المشتركة مع الإسلام على صعيد الإقتصاد والتجارة والمؤسسات من أجل أنسنة الإقتصاد، وأخيراً إعطاء قضية فلسطين حقها من الإهتمام والدفاع عن حقوق ابنائها في العودة والإستقرار فيها بكامل حقوقهم المشروعة والعادلة.

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare