تدنيس رمزية العذراء مريم
فتية أهل الكهف كما ورد ذكرهم في تفاسير القرآن الكريم وفي النصوص المسيحية القديمة تحكي قصة فتية التجأوا الى كهف خشية اضطهاد الملك الوثني لهم بسبب إيمانهم برسالة سيدنا المسيح عليه السلام وبمحبتهم لوالدته مريم البتول، فبنى الملك عليهم جداراً مكثوا فيه نائمين الى ما شاء الله. لم تمض على قصة هؤلاء الفتية ألفا سنة إلا نيف حتى انبرى مؤخراً بعض الفتية المنتسبين إلى الإسلام وقاموا عن جهل بتدنيس رمزية مريم عليها السلام، فكان ما فعلوه ليس إلا محاولة فاشلة لزج المسلمين والمسيحيين داخل كهوف ظلامية تحجب عنهم نور المعرفة والتسامح والعيش المشترك الواحد.
فمن هي مريم عليها السلام في عقيدتنا الإسلامية : يسميها القرآن الكريم الصديقة ويصفها بأنها طاهرة وأن الله اصطفاها على نساء العالمين وأنها أفضل نساء العالمين، وترفعها الأحاديث المروية عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى المراتب وتصفها بأنها سيدة نساء أهل الجنة. وقد أفرد الله تعالى في القرآن إسمها دون سائر النساء وسمى سورة بأكملها تحمل إسمها المبارك عليها السلام . وقد ورد إسمها في القرآن الكريم سبعاً وثلاثين مرة (أحد عشر مرة منفصلة أي باسمها غير مضاف إلى اسم آخر، مرتين مسبوقتين بكلمة إبن أي ابن مريم، ثلاث مرات مسبوقين بكلمة المسيح عيسى أي المسيح عيسى ابن مريم، خمس مرات مسبوقين بكلمة المسيح فقط أي المسيح ابن مريم، ستة عشر مرة مسبوقين بكلمة عيسى فقط أي عيسى ابن مريم)، كما دلت عليها بعض الآيات بالإشارة دون ذكر اسمها مثل (والتي أحصنت فرجها) أو بأنها أم المسيح ووصفتها (بالصديقة) وذلك في الآية الكريمة : (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) ويقول القرآن أيضاً عنها متحدثاً عن أم مريم : ” فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ “.فهذه الآية تشير إلى ما يعتقده المسلمون وهو أن مريم طاهرة من أي تأثير شيطاني منذ ولادتها، وهذه العقيدة تتباين وتختلف في بعض المواضع مع عقيدة الحبل بلا دنس التي أقرتها الكنيسة الكاثوليكية في روما بتاريخ 8 كانون الأول 1854 .
كما يرفعها الرسول محمد إلى أعلى مقام فيقول في حديثه : ” حسبك من نساء العالمين أربع : مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة عليهن السلام .”وقد اعتبر العلماء دلالة تقديمها في الإسم تقديم لمقامها أيضاً.
إن ثقافة مريم المشتركة بين المسلمين والمسيحيين قد أصبحت عالمية بعد أن تنادينا اليها في احتفالياتنا الوطنية الجامعة، وطالبنا بها لتصبح عيدا وطنيا جامعا ليس من شأنه إقامة صلوات مشتركة بل أدعية من أجل صون البلاد ودعم عيشه الوطني، وليس من أهدافها إنشاء دين جديد بل تعريف الآخر بما يحمله دينه من مكانة ومحبة وتقدير لسيدة نساء العالمين. وقد أدخلت هذه الثقافة بفضل ما قمنا به في لبنان من جهود في مناهج مدرسية وجامعية في كثير من البلدان الأجنبية، وكان آخرها مشروع إدخالها في مقررات المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية في فرنسا ابتداء من العام المقبل.
ومن روحية هذه الإحتفاليات المريمية المشتركة كان قرار قاضية التحقيق في لبنان الشمالي جوسلين متى مصيباً ومحققاً ومتمماً للهدف الذي تداعينا اليه حينما طلبت من المتهمين الثلاثة بتهمة إهانة السيدة العذراء حفظ قسم من سورة آل عمران ، وذلك “لكي يتعلموا التسامح بين الأديان ومحبة المسلمين للسيدة العذراء، خلافاً للأفكار البشعة التي يزرعها المتطرفون في أذهانهم”.
تلك هي مريم البتول سيدة نساء اهل الجنة بل سيدة هذا الكون بما فيه وبمن فيه، سيدة ذات حياء منقطع النظير، ذات إيمان وخلق تعلمنا منها كيف تكون المحبة وكيف يكون الإمتثال والتواضع والخضوع لله الخالق. هذه المكانة العالية التي لم يبلغها أحد من النساء قبلها ولن يبلغها أحد من النساء بعدها، ذكرها القرآن الكريم فكان اسم مريم إسماً لسورة بأكملها وكانت مريم هي المرأة الوحيدة التي ذكرها الله تعالى باسمها في القرآن الكريم حتى لايشاركها أحد في هذا الشرف فتبقى لمريم شرفية الذكر الإسمي وحدها دون أية امرأة أخرى على الإطلاق.
هذه مريم المؤسِّسة والمؤسَّسة والتي سارت على منهجها قوافل المؤمنات الصادقات القانتات العابدات في كل زمن وفي عصر وفي كل حين. منهجها عنوانه : العفة والتعبد والتسليم لمشيئة الله والإخلاص التام له .