الشيخ الشهيد صبحي الصالح[1]
يعتبر الشيخ صبحي الصالح من أبرز الشخصيات التي تركت بصماتها على صفحات التاريخ الديني في لبنان. رافق الشيخ الشهيد صبحي الصالح سماحة مفتي الجمهورية الأسبق الشهيد الشيخ حسن خالد في مسيرته الإصلاحية والتنظيمية للمؤسسات الدينية والإجتماعية للمسلمين في لبنان مما جعلهما الممهدان الحقيقيان لمأسسة دار الفتوى وإعادة تنظيم هيكلتها الإدارية وتطوير أنظمتها التشريعية. بفضل هاتين الشخصيتين الدينيتين، ارتقت دار الفتوى – وهي المرجعية العليا التي تمثل المسلمين اللبنانيين – إلى جانب البطريركية المارونية، إلى مرتبة المؤسستين الدينيتين الأكثر نشاطاً وتأثيراً وتداولاً في النشرات الإعلامية في تاريخ لبنان.
في بداية حديثنا عن الشيخ صبحي الصالح لا بد لنا من الحديث عن منشأه في مدينة طرابلس ودراسته قبل الجامعية التي أتمها في مدارسها. من المعلوم إذا استنطقنا كتب التاريخ بأن المماليك أبدوا اهتماماً كبيراً في إنشاء المدارس الدينية في طرابلس والتي تخرج من على مقاعدها ثلّة من العلماء المشهورين الذين أثْروا تاريخ لبنان السياسي والديني. بفضل هذا الاهتمام سميت طرابلس “مدينة العلماء”. كانت هناك في حينها ثلاثمائة وستون مدرسة منتشرة في جميع أحياء المنطقة، يرتادها الطامحون إلى التعليم العام، والى المناصب القضائية والدينية. في بداية القرن العشرين، استمرت بعض المدارس في توفير التعليم الديني التخصصي، ومن بينها المدرسة المعروفة باسم دار التربية الإسلامية التي تأسست عام 1924. من هذه المدرسة تلقى الشيخ صبحي الصالح، المولود في طرابلس عام 1926، تعليمه الديني الابتدائي والثانوي.
حرص الشيخ صبحي الصالح خلال دراسته الإعدادية والثانوية منذ سن الثانية عشرة من عمره، على ارتداء زيه الديني، وقد مكّنه ذكاءه المتقد أثناء دراسته من أن يُستدعى للخطابة في صلاة الجمعة في مساجد طرابلس. وكان المصلون يأتون من جميع أنحاء المدينة للاستماع إلى خطبه التي تميزت بسعة أفقه وفصاحته، وقدرته على إعطاء الحجج والإقناع.
بعد تخرجه وحصوله على الثانوية العامة الشرعية، واصل الشيخ صبحي الصالح تعليمه الديني في جامعة الأزهر بالقاهرة. من بين الكليات الثلاثة المتاحة لحاملي شهادة الثانوية الشرعية لدار التربية ولأزهر لبنان وهي : كلية الشريعة والقانون، وكلية أصول الدين، وكلية اللغة العربية، اختار صبحي الصالح كلية أصول الدين. في عام 1947 حصل على درجة الليسانس في أصول الدين، ثم في عام 1949 حصل على درجة العالمية (الدكتوراة) وفي عام 1950 أضاف إلى شهاداته الدينية المرموقة شهادة الليسانس في الآداب من جامعة القاهرة.
بعد تخرجه سافر الشيخ صبحي الصالح إلى فرنسا لمتابعة دراسته العليا في جامعة السوربون. وفي عام 1954 ناقش ونال أطروحة الدكتوراه في الأدب في موضوع ”الدار الآخرة في القرآن الكريم“.
في باريس، ساهم الشيخ صبحي الصالح مع صديقه الحيدرابادي محمد حميد الله في تأسيس أول مركز ثقافي إسلامي في عام 1952. خلال إقامته في باريس، واصل الوعظ والإرشاد أثناء صلاة الجمعة في مسجد باريس الكبير في منطقة Censier والذي بني سنة 1922 على أنقاض المسجد الخشبي الذي أنشأ سنة 1916 . كما شارك في العديد من المناسبات العلمية التي أقيمت في باريس، حيث قدم الإسلام على أنه دين العدل والمساواة والإخاء. وكثيراً ما أعرب عن رأيه بأن الإسلام يقدم استجابة مناسبة لتحديات عصرنا. في باريس تعرف على طالبة الدكتوراه عفت عكاري التي أصبحت فيما بعد زوجته، وعادا معاً إلى لبنان ليتفرغا للتدريس الجامعي، هو في مجال الشريعة واللغات والآداب، وهي في تدريس اللغة الفرنسية.
ما إن عاد إلى لبنان عام 1955 حتى استدعي إلى الخارج للتدريس في عدة جامعات. عمل بالتدريس لمدة اثنين وثلاثين عاماً، أولاً في كلية الشريعة في بغداد (1954-1956)، ثم في كلية الآداب في دمشق (1956-1963)، وفي الجامعة اللبنانية حيث كان رئيساً لقسم اللغة العربية وآدابها ومديراً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية. كما كان أستاذاً زائراً ورئيساً لقسم الشريعة الاسلامية في الجامعة الأردنية. شارك في وضع مناهجها الدراسية (1971-1973). وكان أستاذاً زائراً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض عام 1980م. وفي جامعة الزيتونة في تونس. وكان أيضاً مديراً لأبحاث طلبة الدكتوراه في جامعتي ليون الثالثة وباريس الثانية. كما كان عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع المملكة المغربية، والمجمع العلمي في العراق. كما كان عضواً في الموسوعة العربية الكبرى، وعين خبيراً في الدراسات العربية الإسلامية في اليونسكو.
في بيروت، كان بانتظاره سماحة المفتي الشيخ حسن خالد الذي وجد فيه نعم الصديق الوفي الذي كان من إحدى مميزاته تقريب العلماء الصادقين وإبعاد المتزلفين، فعينه نائباً لرئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى – الذي هو بمثابة برلمان مصغر للطائفة الإسلامية السنية مهمته التشريع في الشؤون الدينية والأوقاف للمسلمين – منذ هذا التعيين، أصبحت نيابة رئيس المجلس مخصصة لأحد العلماء من طرابلس.
أولاً – مؤلفاته :
هناك سبعة عشر مؤلفا لصبحي الصالح، بعضها يركز على العلوم القرآنية والأحاديث النبوية وبعضها على الدراسات الفقهية : مثل مباحث في علوم القرآن، أثر الدراسات التاريخية في علوم القرآن، علوم الحديث ومصطلحه : عرض ودراسة ، مقاييس النقد عند المحدثين، منهل الواردين : شرح رياض الصالحين للنووي، أصول الفقه وتاريخه والاجتهاد وبعض النوازل الفقهية المعاصرة، معالم الشريعة الإسلامية، النظم الإسلامية: نشأتها وتطورها، الأمة ثم الدولة، أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية (تحقيق وتعليق) ، شرح الشروط العمرية (مجرداً من أحكام أهل الذمة لابن القيم)، ضبط وتحقيق وفهرسة نهج البلاغة، المؤسّسات الإسلاميّة تكوّنها وتطوّرها، وتناولت مؤلفات أخرى الدراسات الفلسفية : فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية بالإشتراك مع لويس غرديه، جورج قنواتي؛. وفي مجال الفكر الإسلامي العام : رد الإسلام على التحديات المعاصرة (بالفرنسية)، الإسلام والمجتمع العصري، الإسلام ومستقبل الحضارة، تجربة التقريب في المشرق العربي، المرأة في الإسلام، كما شارك مع دنيس ماسون في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، ومع سهيل إدريس في نشر القاموس العربي والقاموس الفرنسي. ونشر العديد من المؤلفات العلمية والأكاديمية باللغتين العربية والفرنسية في العديد من المجلات والموسوعات.
ثانياً – أفكاره :
عُرف صبحى الصالح بأنه كان خطيبًا مفوّهًا، وقد اشتهر بقدرته على الإقناع والبرهنة من خلال بناء أفكاره بطريقة جدلية وجريئة. وكثيراً ما كان يشارك في المناظرات العامة في لبنان وخارجه، مهتماً بالحوار والحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين. من هنا برز تقارب أفكاره مع أفكار الأب يواكيم مبارك. في هذا التقارب الفكري، أكد الشيخ صبحي الصالح على اتفاقه مع الأب مبارك على لقاء إنساني مبني على التراث الإبراهيمي المشترك. يقول في إحدى لقاءاته : ”نحن لا نطمح – في الشرق العربي – إلى طفرة ديموغرافية تتحقق من خلال اعتناق الإسلام، بل نعمل على أن يحترم بعضنا بعضًا، وأن يفهم بعضنا البعض، وأن يتعلم بعضنا من تعاليم بعضنا البعض، كما يجب علينا أن ننسى مآسي الماضي والظروف المؤسفة التي أضعفت روابطنا. كما يجب أن نعمل على أن نبني تعاوننا على أساس الكرامة الإنسانية كبشر يحميهم إله التوحيد، إله إبراهيم أبو الأنبياء. “
ومن أوجه التشابه الأخرى في تفكير الأب يواكيم مبارك والشيخ صبحي الصالح، إنشاء ”مجلس إسلامي – مسيحي“ يتمتع بسلطة معنوية عالية. من بين أهداف هذا المجلس، يؤكد صبحي الصالح على رغبته في الحد من نفوذ الزعامة الطائفية أو المذهبية التي يتقاسمها بعض رجال الدين، بمن فيهم المشايخ والقساوسة، مع الزعماء السياسيين. ومع ذلك، فهو يبتعد عن رأي الأب مبارك الذي كان يؤيد هدفًا ثانيًا يضمن الفصل بين الروحي والزمني. بالنسبة للصالح، لا يجب أن يعني هذا المجلس أن نتبنى الفصل بين الزمني والروحي، باعتبار أن الإسلام يتجاهل هذا التمييز بشكل عميق. وإذا ما تتبعنا فكر صبحي الصالح، يبدو لنا أنه يرفض اقتراح ”الفصل“ التام والجامد لصالح ”تنسيق“ بين ”شؤون ما هو زمني” وشؤون ما هو”روحي“.
هناك مواقف أخرى في كتاباته وخطاباته يتميز بها فكر صبحي الصالح :
– الأصالة والحداثة: على الرغم من ثقافته المزدوجة، فإن صبحي الصالح، رغم تمسكه بالإسلام التقليدي، يوفق بين الأصالة والحداثة من خلال التأكيد على نقاء الإسلام وحيويته، وقدرته على مواكبة العصر ودعوته الى اللحاق بعلوم المستقبل.
– في الفلسفة، يشير صبحي الصالح إلى اختلافه مع كتابات ابن سينا وابن رشد وغيرهما من فلاسفة الإسلام دون أن يرغب في التقليل من مزاياهم كمفكرين عظام، فإنه يظل حذرًا منهم لأنهم مجرد انعكاس للفلسفة الهيلينية. أما الفلسفة الإسلامية الأصيلة فهي ليست تقليدًا ولا تلفيقًا للفلسفة اليونانية، فهي غريبة عن تصورهم الفلسفي، إذ أنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية وكتابات المصلحين الإسلاميين الكبار تتجلى الملامح الأساسية للفكر الفلسفي الإسلامي“.
– في رفضه لنزعة الإنتقام : يدعو صبحي الصالح أيضًا الى الحد من اللجوء الى الانتقام. ويقول في هذا الموضوع : إن تحريم الانتقام ليس فقط بما يسببه من اضطرابات اجتماعية، بل لإنه يؤدي أيضاً الى تعقيدات نفسية لدى الطرف المعتدى عليه. ويعترف القرآن الكريم بحق الطرف المعتدى عليه في طلب القصاص من المعتدي، ولكنه يوصي بالعفو والتسامح. ويترك تنفيذ العقوبة للحاكم أو من ينوب عنه. والغرض الوحيد من الإقتصاص هو أن يكون عبرة للمجتمع.
– في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : أكد صبحي الصالح أن قيمته الأدبية ”كانت ولا تزال أكبر من قيمته القانونية الفعلية“. ومع ذلك، فهو لا يزال يتحفظ على الكثير من بنوده خشية أن تُستخدم كأساس للتهجم على خصوصيات الشريعة الإسلامية السمحاء.
– المجتمع المثالي الإسلامي اليوم لا يزال مجرد مشروع، لم يصل بعد إلى نموذج المجتمع الإسلامي الذي رسمت خطوطه الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
– نظام الخلافة: ليس الشكل الوحيد للحكم في الإسلام : ”يجب أن نتوقف عن الاعتقاد بأن هذا النظام التاريخي الذي قام على مبدأ الإجماع فقط هو الشكل الوحيد للحكم في الإسلام“.
– الوحدة : في مقدمة كتاب ”نهج البلاغة“ للإمام علي يدعو صبحي الصالح المسلمين جميعًا إلى التوحد تحت راية التوحيد، ويدعو المؤرخين إلى تسليط الضوء على الحقائق، ليس انتصارًا لطرف على طرف، بل دعوة خيّرة لنسيان المآسي الدامية.
– اللجوء إلى الإجتهاد بالنسبة لصبحي الصالح لم ينقطع، فالقول بأن الإجتهاد قد أغلق في نهاية القرن الهجري الثالث وهمٌ بقي في أذهان الناس. إذ أنه لم تتوقف محاولات الإجتهاد خلال القرون العشرة من القرن الرابع الهجري إلى يومنا هذا. ويضيف أنه لم يعد ينبغي أن نهتم بالقلة القليلة في مجتمعنا المعاصر التي لا تزال تعارض الإجتهاد جهلاً أو كفراً أو عناداً، فتنقص من نعمة الله على المتقدمين من السلف وتنكر أي فضل للمتأخرين من الخلف. بدلاً من ذلك، علينا أن نتوقف عن تمجيد الماضي والحزن عليه، وأن نبدأ بالتخطيط للمستقبل.
– المرأة : تبتعد أفكار صبحي الصالح التقدمية حول المرأة عن الرؤية التقليدية التي يتقاسمها العديد من العلماء المسلمين. فهو يؤكد في عدة مناسبات على أن التقاليد السلبية الثقيلة المتعلقة بالمرأة لا تزال تلقي بثقلها على الأعراف والعادات اليوم، فهناك فجوة اتسعت على مر العصور بين حقيقة القرآن الكريم والحياة العملية، مما أثار لدى البعض ظناً بالتناقض بين النصوص والوقائع. يدعو الصالح المرأة إلى التخلص من السلبيات الظلامية للماضي والانطلاق إلى المستقبل، لتكون حرة متسلحة بقيمها الخاصة، يداً بيد مع الرجل. إن الإسلام الذي يهدف إلى إنسانية شاملة، لم يعد يحتمل تأخير تطور المجتمع بحرمان المرأة من المشاركة المتكافئة على جميع مستويات الحياة العامة.
بعض الأفكار حول المرأة:
- يرتبط تحرير المرأة بظهور الإسلام.
- إن المجتمع الإسلامي، كغيره من المجتمعات البشرية الأخرى، قد هيمن عليه الرجل وبُني على صورته. وبإنزال المرأة إلى دور ثانوي، فقد عجل بانحطاطه.
- عندما خلق الله المرأة، لم يأخذها من ضلع من أضلاع الرجل.
- ليس هناك ما يبرر أفضلية الرجل على المرأة بدعوى أن القرآن الكريم يعطيه هذا الامتياز بدليل قوله تعالى (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) وكلمة ”درجة“ التي ترجمت بـمعاني تفيد السلطة والهيمنة لا تعني غير درجة معينة من التكليف أو مستوى معين من الواجبات والتكاليف.
- الإرث كما ينظمه القرآن الكريم لا يعطي حقوقًا للبنت فقط بل أيضًا لأقارب المتوفى من النساء.
- لا يجوز للأب أن يفرض إرادته على اختيار من يشاء من أزواج لابنته، فلها أن تختار زوجها المستقبلي بحرية. ويجوز للمرأة أن تشترط على زوجها جميع أنواع الشروط المشروعة عند إبرام عقد الزواج.
- إن الإكتفاء بزوجة واحدة في الإسلام هو القاعدة وتعدد الزوجات هو الاستثناء فقط. وإذا كان تعدد الزوجات من خصائص الرجل، فالمرأة حرة تماما في قبول التعدد أو عدم قبوله.
- المرأة ليست أداة جنسية ولا آلة لتكاثر النوع. فالمرأة هي أولاً وقبل كل شيء رفيقة الرجل، كما أن الرجل هو رفيقها.
- ليس في القرآن الكريم ما يمنع تحديد النسل. ولذلك يجوز للمرأة أن تستخدم وسائل منع الحمل إذا لم يعترض زوجها.
- يجب أن تكون التعامل مع ما يسمى بجرائم الشرف في مواجهة المرأة الزانية بايقاع أقصى أنواع العقوبة على المجرم القاتل.
ثالثاً – استشهاده :
حرص الشيخ صبحي الصالح في خطاباته وخطبه في صلاة الجمعة بإدانته بشدة للمظالم والمآسي والتجاوزات التي يتعرض لها الشعب اللبناني وخاصة الأحياء ذات الغالبية المسلمة نتيجة استباحة الميليشيات المسلحة للمدينة وارتكابها كل أنواع الفواحش من سرقة واغتصاب وإذلال وانتهاك للمقدسات. وكان يشير بأصابع الاتهام إلى نظام الوصاية والقيادات التي تحمي العناصر المنفلتة.
كان يرفض في مناسبات عدة وجود ميليشيات مسلحة تنتهك حرمة لبنان وتنتقص من سيادته. ويدعو الجيش اللبناني وباقي القوى المسلحة الرسمية إلى القيام بدورها في حماية السلم الأهلي والدفاع عن لبنان، لأن الجيش الرسمي وحده هو الدرع الواقي لأمن لبنان والسد المنيع الذي يحفظ وحدته ويمنع الفتنة.
وبسبب مواقفه الوطنية كان يتلقى تهديدات عديدة لاغتياله. ففي صباح يوم ٧ تشرين اﻷول/أكتوبر ١٩٨٦، عندما تأخر في الوصول إلى مدرسة اﻷيتام التي كان يشرف عليها بسبب ذهابه لتخفيف كرب أحد اﻷطفال ومساعدة أحد طلابه الفقراء، أطلق عليه رجلان مقنّعان على دراجة نارية ثلاثة رصاصات في رأسه بينما كان يهم بالنزول من سيارة أجرة كانت تقله إلى دار اﻷيتام التي كان يشرف عليها. وبمجرد وصوله إلى المستشفى، توفي متأثراً بجراحه.
كان من المقرر أن تعقد مائدة مستديرة تنظمها دار الفتوى في 18 و19 يونيو 1988 بمناسبة ذكرى استشهاد صبحي الصالح. وقبل يومين من الموعد المقرر لعقد المائدة المستديرة ألغاها زعماء الأمر الواقع الذين كانوا يتصرفون بالنيابة عن السلطات الرسمية دون إبداء أي سبب.
الخاتمة :
أجمعت الآراء على وصف صبحي الصالح بالعالم المجدد، والمفكر الجريء، والخطيب الذي أسر العقول ببلاغة خطبه، والمحاور والمفكر الذي أرسى أسس الحوار الديني بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة. كان رائداً من رواد الانفتاح على الحضارات والثقافات، عالمي بأفكاره النهضوية حيث لم يذكر اسمه إلا مقروناً بها، كدعوته إلى إحياء الاجتهاد وجعل القرن الخامس عشر الهجري قرن الاجتهاد تمهيداً لليوم الذي ينجح فيه المسلمون في إقامة ”مجتمع اجتهادي جماعي“ على مستوى العالم الإسلامي“.
كان صبحي الصالح حلقة وصل بين الإسلام وروح العصر والحداثة. داعية لإسلام يتفاعل مع المكان والزمان في عصرنا. إسلام يشارك بكل ثقة وفخر بما لديه من فكر ديني وسياسي واجتماعي، دون أن يصرخ بانبهاره بمنجزات الآخرين، أو يتوارى خوفاً من أن يوصف ظلماً بالانغلاق وعدم القدرة على مواكبة التقدم المنشود.
وحذّر الجيل الجديد من علماء الدين من أن يكونوا أناسًا يفتخرون بألقابهم ورتبهم، بل بصفاتهم وأفكارهم وتخصصهم. ويجب أن لا يكونوا عوائق تضيف شروطاً تعجيزية وإضافية تفرض على المجتهد المستقل عندما يختار أن يبتكر لنفسه مناهج خاصة به، من أجل النهوض بجوانب التشريع الإسلامي.
ويتطلب الأمر من هذا الجيل الجديد من العلماء أن يتقنوا لغة حية بالإضافة إلى لغتهم. وبفضل هذه اللغة الأجنبية يستطيعون أن يطلعوا على الثقافات الأخرى، وأن يكونوا أكثر انتباهاً إلى كل قضية مستجدة في العالم.
هناك جانب آخر من شخصية الشيخ صبحي الصالح لا يعرفه الكثيرون وهو ميله للعمل الإنساني والاجتماعي. فقد كان مؤسس مدرسة للأيتام في بيروت، وصاحب فكرة إنشاء صندوق نقدي أطلق عليه اسم ”بيت مال المسلمين“. وكان لهذا الصندوق شخصية اعتبارية يهدف الى ”النهوض بالمستوى الديني والثقافي والاجتماعي والصحي للمسلمين في جميع مناطق لبنان“. وعلى الرغم من اقرار نظام هذا الصندوق بموجب قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم 36 الصادر في 21 كانون الأول/ديسمبر 1978، إلا أنه استُبدل لاحقاً بنظام آخر له نفس الأهداف باسم ”صندوق الزكاة“.
كان آخر لقاء جمعني بصبحي الصالح بعد أن أنهيت دراستي في جامعة الأزهر وقبل أن أغادر إلى فرنسا لمواصلة تعليمي العالي، ما أخبرني به عن تجربته خلال إقامته في فرنسا لأتعلم منها. وأنهى حديثه معي بقوله: كن متفهمًا ومنفتحًا مع احترام العادات المعمول بها في فرنسا، ولا تتردد في الاندماج مع السكان والحياة في هذا البلد. واعلم أن عمق الالتزام الديني الواعي المبني على العلم لا يتعارض أبدًا مع الحداثة الملتزمة، المهتمة برفاهية الأفراد.
[1] ألقيت هذه المحاضرة باللغة الفرنسية في معهد العالم العربي في باريس في شهر تشرين الثاني سنة 2024 في إطار ندوة “طرابلس عاصمة الثقافة العربية” ونشرت في صيغتها الفرنسية بتاريخ 8 كانون الثاني 2025 في جريدة L’Orient le Jour .