مدونة

كلمتي في حفل توقيع كتاب “حارس الذاكرة” عن غبطة البطريرك نصر الله بطرس صفير

البطريك صفير
العيش المشترك / مؤتمرات / مدونتي

كلمتي في حفل توقيع كتاب “حارس الذاكرة” عن غبطة البطريرك نصر الله بطرس صفير

للحديث عن غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير نكهة خاصة ومذاق تشعر بحلاوته عندما تلامس شفتاك اسمه، فهو هامة تربعت على أعلى قمة من قمم المرجعيات الدينية التي مرت على لبنان، ولا يخلو حديث عن عبق ذكرياته منذ تربعه على مرجعية لبنان وانطاكية وسائر المشرق إلا واستتبعه دعاء بأن يطيل الله عمره ويمنحه الصحة والعافية.

 لا أخفي عليكم القول وقد سبق لي أن لازمت عن قرب مرجعيتي الدينية لفترة ثلاثة عشر سنة سبقتها سنوات عديدة كنت ممثلا ومعتمدا دينيا لها في فرنسا، بأن أول ما استوقفني حينما قرأت كتاب “حارس الذاكرة”، هذه الأمانة العالية التي يتحلى بها غبطته. لم يضع هذه الأمانة عند أمين سره وكبار موظفيه ليكتبون ويدونون ويمحصون ويسجلون، وإنما دفعه هذا الإحساس بعمق الأمانة والمسؤولية إلى أن يكتب بنفسه ويدون ويمحص ويسجل. ولعمري كم هم قليلون الذين تربعوا على رأس الهرم الديني شعروا بمثل هذه الأمانة فأفرغوا وقتهم للتدوين والكتابة بكل شاردة وواردة قالها المسؤولون أو همس بها القادة والممثلون الدبلوماسيون الذين زاروهم وتوقفوا على آرائهم ومواقفهم.

أي شعور بالمسؤولية، بل وأي دقة وحرص على حمل أمانة نقل مجريات الأحداث والمواقف التي حدثت خلال عهده، ليسلمها الى من سيخلفه على سدة الرئاسة الدينية، إن لم يكن مؤمناً بأنه إن سبق ووصلت اليه فلأنها لم تستمر عند غيره. وحتى تصل الى غيره كان لا بد له من تدوين وتسجيل كل شاردة وواردة وصلت الى مسمعه.

سيحمل كتاب “حارس الذاكرة” إلى الباحثين والمطلعين على تاريخ لبنان بل وتاريخ المنطقة، مادة غنية لاستنباط المواقف والروءى الواضحة الجلية للسياسة التي اتبعها غبطة البطريرك صفير في تسيير أمور الطائفة وتدوير الزوايا وشبك العلاقات المتنوعة من أجل لبنان الواحد المستقل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني ترفض التبعية بكل صورها، وأيضاً من أجل تدعيم وتثبيت الوجود المسيحي المتمسك بجذوره على هذه الأرض الطيبية المعطاءة، ومن أجل إرساء قواعد العيش المشترك الواحد الإسلامي المسيحي، في بلد ليس ككل البلدان، إنه بلد رسالة العيش المشترك الى العالم بأسره.

أقول ذلك وقد استوقفتني في قراءة إنجازاته التاريخية زياراته المكوكية مبتعثا من قبل من سبقه على سدة بكركي الى دار الفتوى وباقي المرجعيات الدينية والى المدن والقرى التي عانت مشاكل الحرب الأهلية ليرأب الصدع ويضمد الجراح ويطمئن الأهالي بكلماته الهادئة وفكره النير.

مما استوقفني في سجل تاريخ غبطة البطريرك صفير الحافل بالإنجازات ما قاله حين انتخبه مجلس الأساقفة بطريركا على الموارنة في لبنان والعالم. فأطل بتواضعه المعهود ليقول: ” انتخبتموني بطريركا وأنا لست بأعلمكم ولا بألمعكم ولا بأحكمكم، ولكنها إرادة الله”. هذه الكلمات الصادقة لا يشعر بها الا من كان كساءه التواضع وزهده البعد عن الرياء والكبرياء. كلمات سجلها التاريخ لنا حين تولى الخليفة الأول للمسلمين حين قال: إِني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم فإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُوني.

دون أنسى في معرض خطابات البطريرك صفير العامة جمال كلماته المنمقة وما تميزت بألفاظها من عمق في المعاني وعبق في المباني. موهبة أقر بها صنديد اللغة العربية الشيخ عبد الله العلايلي وأقر باتزانها القادة السياسيون والوطنيون.

وأما عن علاقة غبطة البطريرك صفير بالمفتي الشهيد الشيخ حسن خالد فحدث ولا حرج عن عمق الصداقة والثقة التي كانت تربطهما ببعضما البعض، ويكفي بأن يكون من انجازاتهما اللبنة الأولى لما توصل اليه اللبنانيون في اتفاق الطائف عند تحرير وثيقة الثوابت الإسلامية التي أعلن عنها في دار الفتوى إذ حرص المفتي الشهيد قبل صدورها، على تفويض الأستاذ محمد السماك لعرضها على غبطته للوقوف على رأيه منها وليس مجرد الإطلاع عليها مبدياً الانفتاح على أي تعديل أو اضافة يقترحها غبطته.

 كتب محمد السماك متحدثاً عن هذه الثقة التي كانت تميزهما في علاقاتهما مع بعضهما البعض مذكراً بما حصل خلال أول قمة اسلامية – مسيحية التي عقدت في الكويت في شباط 1989، إذ أحس غبطة البطريرك بخطورة عدم صدور أي بيان عن المرجعيات الدينية، فكلف الأستاذ السماك بإعداد بيان يحظى بموافقة الجميع، وبعد كتابته أصر البطريرك صفير على أن يقرأه المفتي الشهيد أولا وبعد قراءته أعاده الى غبطته الذي وافق عليه مباشرة.

إذا كانت الصداقة قد جمعت بين غبطة البطريرك صفير والمفتي الشهيد الشيخ حسن خالد فليس عجباً أن يصيب سيد بكركي الحزن الشديد خبر استشهاد المفتي فيسارع غبطته إلى فتح أبواب بكركي للتعزية باستشهاده ويتصل بسماحة الشيخ غسان اللقيس ليتقبل التعازي معه.

بقي لي أن أذكر الفضل الكبير لغبطة البطريرك صفير لما قدمه لنا ولابن ريفون صديقي وعزيزي ريمون صفير الذي توفاه الله هذه السنة من أجل دعم مشروعنا بتأسيس الملتقى الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال والذي لاقى نجاحاً كبيراً من خلال مؤتمره الدولي الذي عقدناه في بيروت سنة 2014 بحضور خمسمائة مشارك دولي من ضمنهم رؤساء وزراء أوروبيين سابقين وممثلاً عن الفاتيكان وعن جلالة ملك السعودية وبرعاية من رئاسة الجمهورية اللبنانية.

 ختاماً لا يسعني الا أن أحيي الأيادي البيضاء التي تبني وتؤسس وتتضامن وتتشارك في إرساء العيش الواحد الإسلامي المسيحي. لقد أعلن لبنان سنة 2010 عيد بشارة امنا العذراء مريم عيداً وطنياً إسلاميا مسيحيا، وتعالت أصداء فخامة رئيس الجمهورية في أروقة الأمم المتحدة لإعلان لبنان بلداً للحوار العالمي، وها نحن ننادي ونضم الصوت مع رئيس مجلس بلدية جبيل من أجل إعلان جبيل عاصمة الحوار الإسلامي المسيحي ومن أجل تأسيس الشراكة الحقيقية الإسلامية المسيحية انطلاقاً من جبيل بلاد الزهاد والنساك وإضفاء الصفة القانونية لانطلاقة هذا المشروع العالمي.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare