مدونة

!!!حديقة المفتي حسن خالد : “المهم أن نأكل عنباً وليس أن نقتل الناطور”

الحديقة
مدونتي

!!!حديقة المفتي حسن خالد : “المهم أن نأكل عنباً وليس أن نقتل الناطور”

!!!حديقة المفتي حسن خالد : “المهم أن نأكل عنباً وليس أن نقتل الناطور”،

على وقع الخصوصية اللبنانية التي تفضل تطبيق المثل الشهير : “المهم أن نأكل عنباً وليس أن نقتل الناطور”، على أن يطبق المسؤول في أي موقع كان الحديث النبوي الشريف : “إنها أمانة وإنها خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”. والأمثال كثيرة على الصعيد الشعبي اللبناني، مما جعل منه شعباً مؤهلاً لاستقبال المشاريع الفضفاضة والكاذبة والإفتراضية والإحتيالية دون خشية المسؤول أو المروّج أو المتعاقد أو المتعهد من الملاحقات القانونية.       ليست مداخلاتي المتعددة في هذا المجال والتي دفعتني منذ سنوات إلى ترك لبنان والعودة إلى فرنسا بمثابة قبض اليد على الريح العاتية، بل وسبق لي أن ترجمته إلى واقع عندما كشفت الإختلاسات في المؤسسة التي شغلت فيها لمدة أربعة عشرة سنة منصب المدير العام في ملاكات الدولة، وآثرت تقديم استقالتي باعتبار منهجيتي في العمل : “خير لي أن أخسر كل امتيازاتي ومكاسبي على أن أخسر ضميري”. قبل أن أختتم حديثي بموضوع حديقة المفتي حسن خالد، أضع أمامكم هذه الحيثيات :

المعلومات الرسمية المتاحة تؤكد أن حديقة المفتي حسن خالد دخلت فعلاً في مشروع إعادة تأهيل جديد ضمن مشروع SIMA المموّل من الحكومة الألمانية عبر KfW والمنفّذ بواسطة UNOPS، وأن حفل إطلاق إعادة التأهيل أقيم في 14 نيسان 2025 بحضور المحافظ ورئيس بلدية بيروت وأعضاء من المجلس البلدي. كما تقول UNOPS رسمياً إن تصميم الحديقة أُنجز مع أخذ آراء المجتمع المحلي في الاعتبار.

تبعاً لذلك سأقسّم الحديث إلى واقعيتين مستقلتين:

المرحلة الأولى لإعادة التأهيل من خلال توقيع العقد الأول الذي أبرمه المجلس البلدي السابق مع المتعهد، وهدم الحديقة ثم توقف المتعهد عن التنفيذ وإعادة الأموال بالليرة بعد انهيار قيمتها.

المرحلة الحالية المرتبطة بمشروع إعادة التأهيل الألماني UNOPS، ومسؤولية الجهات اللبنانية المعنية عن متابعة المشروع وحماية الغاية العامة من الحديقة.

وهذا الفصل بين هذين الواقعتين ضروري حتى لا تختلط مسؤولية المتعهد الأول بمسؤولية البلدية أو المجلس البلدي والمحافظ بشكل أساسي.

بالنسبة للمجلس البلدي السابق: هنا توجد نقطة قانونية قوية جداً من ديوان المحاسبة اللبناني” في القرار بتاريخ 7 أيار 2024 بشأن أشغال جسر سليم سلام.  والتشابه حتى وإن كان موضوعه جسراً وليس حديقة.

ديوان المحاسبة اعتبر أن موافقة رئيس وأعضاء المجلس البلدي على نتيجة المناقصة، رغم وجود مؤشرات تستوجب التدقيق، شكّلت تقصيراً وإهمالاً واضحين أديا إلى هدر كبير في المال العام، ورتب المسؤولية المالية على أعضاء المجلس البلدي

والأهم أن القرار لا يقول إن المجلس البلدي مسؤول عن كل شيء يفعله الجهاز التنفيذي، بل يميز بين: مسؤولية المجلس في الرقابة والمتابعة ومسؤولية الرئيس والدوائر التنفيذية في التنفيذ اليومي والإشراف، ومسؤولية المهندسين ولجان الاستلام عن الأعمال الفنية التي استلموها أو أثبتوا تنفيذها. بل إن القرار يؤكد أن الرقابة لا تكون شكلية، وأن وجود خلل في الإشراف والمتابعة يمكن أن يرتب مسؤولية عندما يثبت التقصير والضرر والعلاقة السببية.

وبموضوع حديقة المفتي حسن خالد، هناك واقعة أخطر من مجرد عدم المراقبة وهي وفق المعلومات التي أثيرت اعلامياُ :

  • المجلس السابق تعاقد مع المتعهد قبل الانهيار المالي بأشهر.
  • المتعهد تسلّم مبالغ بالدولار.
  • بدأ فوراً بهدم الحديقة، أي أنه نفذ الجزء الذي أزال الوضع القائم، ثم توقف عن إعادة البناء.
  • بقيت أمامه مدة تعاقدية كان يستطيع خلالها شراء المواد والمستلزمات.
  • بعد الانهيار المالي أعلن إلغاء/فسخ العقد وأعاد الأموال المتبقية بالليرة اللبنانية بعد أن فقدت العملة جزءاً هائلاً من قيمتها.

المسألة لا تعود إلى مجرد خلاف عادي بين بلدية ومتعهد. بل يصبح السؤال القانوني:

هل كان المحافظ والمجلس البلدي، والرئيس، والدوائر المختصة، على علم بالمخاطر التي كان ينطوي عليها تنفيذ العقد؟ وهل اتخذوا الإجراءات القانونية اللازمة لحماية المال العام والمرفق العام عندما توقف المتعهد عن التنفيذ.

وهنا بالذات يمكن أن تظهر مسؤولية مستقلة عن مسؤولية المتعهد. ولكن هناك نقطة مهمة جداً: انهيار العملة لا يعفي المتعهد تلقائياً، لذلك يجب فحص العقد ودفتر الشروط لمعرفة:

  • العملة التي حدد بها بدل العقد؛
  • طريقة الدفع؛
  • هل كان الدفع بالدولار النقدي أم بالليرة على أساس سعر معين؟
  • هل كان العقد يتضمن بنداً عن القوة القاهرة أو الظروف الطارئة؟
  • هل كان هناك بند لمراجعة الأسعار؟
  • ما مدة التنفيذ؟
  • متى صدر أمر المباشرة؟
  • متى بدأ المتعهد الهدم؟
  • كم يوماً/شهراً كان متبقياً أمامه؟
  • هل اشترى مواد أو جهّزها؟
  • هل طلب تعديل العقد قبل التوقف؟
  • هل وجهت إليه البلدية إنذاراً رسمياً؟
  • هل فسخت البلدية العقد أم أن المتعهد هو الذي أعلن الانسحاب؟
  • هل احتفظت البلدية بحقوقها في الضمانات والتعويضات؟

هذه التفاصيل قد تقلب الملف بالكامل. والأكثر أهمية: ماذا فعل المجلس بعد توقف المتعهد؟

إذا كان المتعهد قد هدم الحديقة وتركها، فكان يفترض أن تظهر في الملف البلدي سلسلة من الإجراءات:

إنذار → محضر مخالفة → تقييم نسبة الإنجاز → تقييم الأضرار → تفعيل الضمانات → فسخ أو إنهاء العقد وفقاً للأصول → المطالبة بالتعويض → إعادة طرح المشروع أو إيجاد حل قانوني لإتمامه.

أما إذا حصل العكس: المتعهد توقف، ثم أعاد مبلغاً بالليرة بعد انهيار قيمتها، وانتهى الأمر دون مطالبة جدية بالتعويض عن الضرر أو دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة الحديقة، فهنا يصبح البحث في تقصير الإدارة نفسها، وليس فقط تقصير المتعهد.

 

ماذا عن المجلس البلدي الحالي؟ هنا يجب أن نكون أكثر دقة.

لا يمكن تحميل المجلس الحالي مسؤولية العقد القديم لمجرد أنه مجلس جديد. لكن يمكن أن تنشأ مسؤوليته عن أفعاله أو امتناعه بعد توليه مهامه. فمثلاً إذا كان المجلس الحالي يعلم أن:

  • العقد القديم انتهى أو تعثر؛
  • هناك أموال أو حقوق مالية للبلدية؛
  • هناك ضرر مستمر بالمرفق العام؛
  • المشروع الجديد لا يعيد الحديقة إلى وظيفتها العامة على النحو المطلوب؛
  • أو توجد مخالفات في التصميم أو التنفيذ؛
  • أو أن هناك مبنى/منشأة تشغل جزءاً غير متناسب من المساحة؛
  • أو أن مطالب السكان التي أخذت بها الجهات المنفذة لم تُنفذ؛

ثم لم يتخذ أي إجراء ضمن صلاحياته، فهذه مسألة مختلفة تماماً عن مسؤولية المجلس السابق.

والاجتهاد حيث أن ديوان المحاسبة لا يعتبر المسؤولية الشخصية تلقائية لمجرد وجود مخالفة؛ بل يبحث أيضاً عما إذا كان الشخص المعني يعلم أو كان ينبغي أن يعلم بالمخالفة، وما هو دوره الفعلي فيها. وهذا يمنع تحميل أعضاء المجلس الحاليين مسؤولية أفعال لم يرتكبوها، ولكنه في الوقت نفسه يسمح بمساءلتهم عن تقصيرهم الخاص إذا ثبت.

هناك أيضاً سؤال مهم جداً حول  UNOPS : المشروع الحالي ليس ببساطة “عقداً بين البلدية ومقاول لبناء حديقة”. المصادر الرسمية لـUNOPS  تقول إن مشروع SIMA ممّول من ألمانيا عبر KfW ومنفذ بواسطة UNOPS وإن حديقة حسن خالد إحدى المساحات العامة الثماني التي يشملها المشروع.  لذلك لا ينبغي أن نوجه دعوى مباشرة ضد UNOPS قبل الاطلاع على:

اتفاقية البلدية ـ UNOPS نفسها، هذه الوثيقة ستكون حاسمة. لأننا نريد أن نعرف:

  • من هو صاحب المشروع؟
  • من يملك القرار الفني؟
  • من يوافق على التصميم؟
  • من يراقب التنفيذ؟
  • من يستلم الأشغال؟
  • ما دور البلدية؟
  • ما دور UNOPS؟
  • ما دور KfW؟
  • من يحدد المساحات الخضراء؟
  • من يوافق على المنشآت؟
  • هل للمجلس البلدي حق الاعتراض؟
  • هل هناك التزام تعاقدي بإشراك السكان؟
  • هل ملاحظات السكان ملزمة أم استشارية؟
  • من يتحمل مسؤولية عدم تنفيذ التصميم المتفق عليه؟

UNOPS  نفسها تقول في بيانها الرسمي إن تصميم حديقة حسن خالد أنجز مع أخذ آراء المجتمع المحلي في الاعتبار، وإن الهدف هو توفير فضاء عام متاح وآمن وشامل للسكان.

هل يمكن رفع دعوى على «المجلس البلدي السابق والحالي»؟: نعم، يمكن قانونياً بحث هذا المسار، ولكن الأدق أن تكون هناك ثلاثة مسارات محتملة:

المسار الأول — المسؤولية المالية : أمام ديوان المحاسبة اللبناني، إذا كان هناك ضرر أصاب الأموال العامة نتيجة خطأ أو إهمال أو تقصير.  وهذا هو المسار الذي يجعل قرار جسر سليم سلام مهماً جداً بموضوع الحديقة. ففيه لم يكتفِ الديوان بمساءلة الموظفين، بل بحث مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس البلدي أنفسهم.

المسار الثاني — القضاء الإداري للبحث في:

  • مشروعية القرارات الإدارية؛
  • مسؤولية الإدارة عن الضرر؛
  • العقود الإدارية؛
  • القرارات المتعلقة بالمشروع؛
  • ومدى احترام القواعد القانونية.

المسار الثالث — المساءلة الجزائية: وهذا لا ينبغي اللجوء إليه إلا إذا كشفت الوثائق عن عناصر جرمية حقيقية، مثل اختلاس أو تبديد أو تزوير أو منفعة غير مشروعة أو تواطؤ، وليس لمجرد سوء الإدارة.

وأرى أن لدينا الآن فرضية قانونية قوية جداً، يمكن بناء الملف على ثلاثة أضرار متتابعة:

الضرر الأول هدم الحديقة وإفشال العقد الأول.

الضرر الثاني خسارة القيمة الحقيقية للأموال التي أعيدت بالليرة بعد الانهيار، إذا كان ذلك قد أدى إلى خسارة فعلية للبلدية وكان يمكن تجنبها قانوناً.

الضرر الثالث استمرار حرمان سكان المنطقة من حديقة عامة ذات وظيفة خضراء تراعي فيها المعايير الدولية للمساحات الخضراء في الحدائق العامة، وتحويلها إلى مساحة يغلب عليها الإسمنت، مع إنشاء مبنى كبير داخلها، إذا ثبت أن ذلك يخالف الملكية أو المخطط أو التصميم أو شروط المشروع.

وهذه الأضرار ليست بالضرورة مسؤولية الشخص نفسه. يجب تحديد المسؤولية لكل مرحلة.

والأهم الآن: عدم الإكتفاء بالتحليل النظري. فهل نقترح أن تحول هذه القضية إلى ملف قانوني متكامل عن حديقة المفتي حسن خالد، ونبحث تحديداً عن:

  1. قرار المجلس البلدي السابق بالموافقة على العقد.
  2. العقد الأصلي ودفتر الشروط.
  3. قيمة العقد والعملة التي دُفع بها.
  4. تاريخ الدفع.
  5. أمر المباشرة.
  6. تاريخ هدم الحديقة.
  7. المدة الأصلية للتنفيذ.
  8. كتاب المتعهد بالانسحاب أو فسخ العقد.
  9. كيفية إعادة الأموال ومقدارها.
  10. موقف البلدية من فارق قيمة العملة.
  11. أي قرار للمجلس البلدي بشأن فسخ العقد.
  12. اتفاقية بلدية بيروت ـ
  13. التصميم الأصلي والتصميم النهائي.
  14. محاضر اجتماعات السكان.
  15. الجهة التي وافقت على المبنى الموجود داخل الحديقة.
  16. المساحة التي يشغلها المبنى مقارنة بمساحة الحديقة.
  17. الوضع القانوني للمبنى: هل هو جزء من المشروع أم منشأة مستقلة؟
  18. وأخيراً: من كان ملزماً قانوناً بالمراقبة في كل مرحلة؟

لا بد  إذاً من ضرورة مراجعة العقد القديم، قرار المجلس البلدي، اتفاقية UNOPS، المخططات، أو حتى صور الحديقة قبل وبعد. وأن نبدأ بالعقد القديم وقرار المجلس البلدي وقبله تحديد مسؤولية المحافظ السابق بشكل أساسي؛ فهما على الأرجح مفتاح الجزء الأكبر من المسؤولية.

العبرة الختامية لهذه الدردشة القانونية السريعة وغير المكتملة، والتي هدفت بها هزّ ضمير المسؤولين وكل أصحاب الأقلام والأغلبية الصامتة للعلم بها واتخاذ ما يرونه متوافقاً مع أحكام القانون بعيداً عن التشهير والتلفيق ….ولكن وبعد خبرتي بطبيعة الشخصية اللبنانية التي يتشارك بها أكثر اللبنانيين : “الذي يهمنا أكل العنب وليس قتل الناطور” …. ولو كان الناطور نهب ثلاثة أرباع مشتل العنب وترك لنا عن خبث ودهاء وسبق معرفة بطبيعة نفسيتنا المتوارثة بأننا لن نحاسبه عملاً بالمثل الشعبي المذكور، فأنا على يقين بأنه سيُطوى هذا الملف وتُمسح متعلقاته من ذاكرة الأجيال القادمة، التي سوف تترحم على مصممي هذا المشروع….. ومبروك لكل النواطير اللبنانيين الماضين والحاضرين والمستقبلين.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare