دردشة في قاعة المحاضرات عن ليلة القدر
سألتني راهبة في إحدى حلقات التدريس عن القضاء والقدر في معرض تناولي حديثاً عن ليلة القدر فيما لو أنه يفيد التسيير لا التخيير مؤكدة ما يجنح اليه الإعتقاد الشعبي بتسميته ” المكتوب”. وما نتداوله في أحاديثنا حين نردد على الدوام كلمتي إن شاء الله وبإذن الله. أجبتها بأن الإنجيل يقول : “أَما يُباعُ عُصفورانِ بِفَلْس؟ ومعَ ذلِك لا يَسقُطُ واحِدٌ مِنهُما إِلى الأَرضِ بِغَيرِ عِلمِ أَبيكم * أَمَّا أَنتُم، فشَعَرُ رُؤُوسِكم نَفسُه مَعدودٌ بِأَجمَعِه”، وأيضاً : “فلا تسقط شعرة واحدة من رؤوسكم من دون علم أبيكم الذي في السموات”، والقرآن لدينا يقول : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} فالله يعلم دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء. وهو يعلم خفايا صدورنا ونوايانا قبل أن يخلقنا بمقتضى علمه الأزلي القديم، فسجله وكتبه قبل تحققه ، بل سجله بمقتضى هذا العلم أي تغيير في إرادتنا وسعينا الى استبداله وتغيير مساره ووجهته فيما لو راجعنا انفسنا قبل حدوثه. وهذا ما أكدته كلمة « Omniscience » التي تفيد علم الله المطلق بكل الأمور.
توقفت على هذا التفسير الذي يتوافق فيه القرآن والإنجيل متمنياً أن أكون قد بددت مصدر الشك لدى البعض باعتبارأن هناك التباساً بتقدير الله وقضائه بمقتضى سبق علمه الأزلي مع مفهوم الحرية المطلقة للشخص في تسيير اموره. ثم استكملت حديثي عن ليلة القدر عند المسلمين التي أوصلتني الى هذه المداخلة عن المسير والمخير عند الإنسان.
في قاعة الجامعة استكملت محاضرتي عن ليلة القدر فآثرت تداول هذا الموضوع عن طريق الأسئلة والاستيضاحات. فكان السؤال الأول عن سر تسمية ليلة القدر؟ فأجبت بوجود خمسة لطائف تأويلية مختلفة تندرج تحت هذه التسمية :
- أن ليلة القدر وصفها الله بأنها ذات قدر وشرف لنزول القرآن فيها، حيث تنزّل الملائكة والروح وهو جبريل بالرحمة وبكل أمر قدره الله وقضاه فى تلك السنة.
- أن الإنسان الذى يحيى هذه الليلة هو المقصود بوصف القدر، وليس الليلة فى ذاتها. فيكون الإنسان العابد والطائع لله الذى يحيى هذه الليلة بالعبادة والعمل الصالح هو صاحب القدر والشرف.
- أن الليلة فى ذاتها ذات قدر لم يصل الى مرتبتها أي تقدير آخر من كل الليالي عند الله،
- أن ليلة القدر جاءت بذلك الاسم لأن الله يقدر فيها للعباد من الارزاق والآجال والأعمال،
- ومنها من أشار الى معنى القدر بالضيق كما في الآية الكريمة “ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله”، والقدر في هذه الليلة يدل على ضيق الأرض بنزول الملائكة في تلك الليلة على جهة الخصوص .
السؤال الثانى: ما الفرق بين ليلة القدر والليلة المباركة التي وردت في سورة الدخان بقوله تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ»
فأجبت بأن أكثر المفسرين يذهبون الى القول بأن أن الليلة المباركة هى نفسها ليلة القدر؛ لأن المقصود بالنزول هو القرآن الكريم. فكما وصفت في سورة الدخان وصفها الله كذلك فى سورة القدر وأعطاها اسم ليلة القدر : «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ. فمرة وصفها الله بإسمها “ليلة مباركة” ، ومرة وصفها بالاسم. وتعدد الأسماء للشىء الواحد يدل على العظمة.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالليلة المباركة هى ليلة النصف من شعبان التى ورد فى شأنها حديث الطبرانى: «إن الله ليطلع فى ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن «
السؤال الثالث: ما أفضل طريقة لإحياء ليلة القدر؟ فأجبت باتباع مسلك تعبدي خاص في تلك الليلة :
. البدء منذ صلاة الفجر بقول أذكار الصباح، وقول الباقيات وهي سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له
. الإكثار من التصدق في كافة ليالي العشر الأواخر من رمضان، باعتبار أن موعد ليلة القدر ليس بشكل معروف على جهة التاكيد
.الحرص على الدعاء قبل غروب شمس العشر الأواخر، أن يوفقنا الله في قيام ليلة القدر، ويرزقنا فضلها
. المواظبة على السنن النبوية، سواء عند الإفطار بذكر الدعاء المخصص للإفطار : “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت وبك آمنت وعليك توكلت ذهبَ الظمأ وابتلَت العروق وثبُتَ الأجرُ إن شاءَ الله”، أو ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع الأذان
ذكر أكبر قدر ممكن من قول : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
الحرص على بر الوالدين، وتقديم المساعدة لهم.
.الخشوع في الصلاة واستشعار آيات القرآن الكريم بها، مع الحرص على صلاة النوافل.
. تعطير اللسان بذكر الله سبحانه وتعالى، سواء بالأسماء الحسنى كلها، أو صيغ التهليل والحمد والتكبير والاستغفار.
. الحفاظ على الصلاة في أوقاتها، دون أي تأخر أو تأجيل
. قراءة القرآن الكريم، والتدبر في معانيه والبحث عن تفسيرات كل آية، مع الدعاء بكل ما في قلبك من دعاوي وأمنيات ترغب في تحقيقها.
السؤال الرابع : هل يُشترط فى ليلة القدر أن تكون فى رمضان أم يمكن أن ترد فى شهر آخر غير رمضان؟ وفيه قولان للفقهاء:
- بعض العلماء، ومنهم عبدالله بن مسعود -رضى الله عنه- ورواية مشهورة عن أبى حنيفة، يرى أن ليلة القدر منحة سماوية تنزل بحسب إرادة الله فى جميع السنة، فقد تكون فى رمضان وقد تكون فى غير رمضان.
- جمهور الفقهاء يرى أن ليلة القدر تكون حصرياً فى شهر رمضان؛ لقوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (البقرة: 185)، مع قوله تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (القدر: 1).
السؤال الخامس : إذا اخترنا القول بأن ليلة القدر فى شهر رمضان فقط ففى أى يوم بالتحديد؟
اختلف الفقهاء فى تعيين ليلة القدر من شهر رمضان على أقوال كثيرة :
القول الأول : يرى أن ليلة القدر هى ليلة معينة من جميع ليالى رمضان، وخاصة في العشر الأواخر في ليالي الوتر.
القول الثاني : يرى أن ليلة القدر هى ليلة معينة من العشر الأواخر من رمضان. للحديث المروي عن ابن عمر أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال عن ليلة القدر: “التمسوها فى العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقى”.
القول الثالث : يرى أن ليلة القدر هى ليلة متنقلةغير مستقرة على جهة التحديد فى شهر رمضان. فقد تأتى فى أى يوم منه من كل عام.
القول الرابع : يرى أن ليلة القدر هى ليلة معينة من ليالى العشر الأواسط من رمضان.
وأما الأقوال المحددة بتعيين ليلة معينة من ليالى رمضان لتكون هى ليلة القدر، فمن أشهرها:
- أن ليلة القدر هى أول ليلة من ليالى رمضان..
- أن ليلة القدر هى ليلة السابع عشر من رمضان، لأنها الليلة التى كانت فى صبيحتها وقعة بدر الكبرى، ونزل فيها قوله تعالى: «وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ» وهو ما يتوافق مع قوله تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»
- أن ليلة القدر هى ليلة التاسع عشر من رمضان. وهذا القول مبنى على اختلاف الرواية فى تحديد وقعة بدر الكبرى.
- أن ليلة القدر هى ليلة السابع والعشرين. وهذا القول هو الأشهر عند الفقهاء حيث رُوي عن أُبىّ بن كعب، قال عن ليلة القدر: والله إنى لأعلم أى ليلة هى. هى الليلة التى أمرنا بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقيامها وهى ليلة صبيحة سبع وعشرين.
ويرى الإمام الشافعى أن ليلة القدر هى ليلة الحادي والعشرين، وفى رواية ليلة الثالث والعشرين من رمضان.
السؤال السابع : هل توجد علامات لليلة القدر؟
- من علامات ليلة القدر الصحيحة :
- سطوع الشمس دون أشعة في صباح اليوم التالي لليلة القدر .
- الشعور بنسيم معتدل في درجات الحرارة فلا حرارة شديدة ولا برودة قاسية.
- الإحساس بصفاء السماء ونقاء الجو وسكينة الروح والنفسية.
- الإقبال على الله عز وجل في هذه الليلة والاسترسال في دعاء لم يقوله العبد من قبل.
السؤال الثامن : هل يفضَّل لمن عرف ليلة القدر أن يستر على نفسه أم يتحدث مع الناس فيما رأى؟
بالتأكيد من يظن أنه قد رأى ليلة القدر يدرك أنه ليس على يقين قاطع؛ لذلك اتفق الفقهاء على أنه يُستحب لمن يظن رؤية ليلة القدر أن يكتمها على نفسه من باب الستر فى العبادة وعدم المزايدة على الآخرين، ومن باب عدم تمكين الفُساق من تأليف القصص والحكايات، خاصة أن طريق العبادة مع الله يستلزم الخصوصية، ولا يليق معه الثرثرة أو الرياء