من مقابلاتي الصحافية
السؤال الاول:
دكتور نقري، اليوم هناك نقلة نوعية تشهدها المملكة السعودية من خلال اتجاهها نحو اصلاحات متعلقة بحق المرأة في قيادة السيارة إضافة الى الاصلاح في الاسلام. برأيكم لماذا جاءت هذه الخطوة الاصلاحية في هذا التوقيت والى اي مدى يمكن الرهان على نجاحها في حين ان العالم الاسلامي شهد العديد من المحاولات الاصلاح الديني وثورات فكرية وتنويرية وباتت بالفشل وانكفئت؟
ان الربيع العربي حصل فيه خلاف بين من نظروا الى سلبياته فانتقدوه ومن استهوتهم ايجابياته فمدحوه، بعكس النظرة الى الحركات التكفيرية التي باتت مصدر استنكار باجماع دولي-عربي. ان الخطوة الإصلاحية السعودية جريئة ولا تراجع عنها والخطوة الثانية التي تليها قد تكون فك الارتباط بين الحركات المتشددة والنظام السعودي فهذه الحركات كانت مساعدة لانتشار نوع جديد من هذه الحركات المتشددة وهي الحركات الجهادية السلفية التكفيرية. كما يمكننا القول بأن ما خططت له بعض الدول الغربية في التسريع من وجود وانتشار هذه الحركات تحملها مسؤولية كبيرة، إذ يمكن القول باختصار شديد بان مفعول السحر الذي أرادوا حصوله انقلب عليهم خاصة بعد أن باتت هذه الجماعات التكفيرية تشكل خطراً مباشرا على مصالح الغرب وتزعزع أمنهم حيث أنها طالت كل من فرنسا واميركا وبريطانيا وأميركا وغيرها من البلدان الاوروبية. في السابق اخترعت اميركا القاعدة لضرب الاتحاد السوفياتي، فانقلب عليها ما كانت تخططه ونالت القاعدة من مركزي التجارة في نيويورك ثم صنعوا داعش لضرب المنطقة العربية في كل من العراق وسوريا وتركيا بهدف تفتيت المنطقة والحصول على الموارد النفطية والسيطرة على المواقع الإستراتيجية، فانقلبوا عليها في أوروبا وأميركا بعد أن نخروا في الجسم العربي وشوهوا صورة الإسلام بحرفية متقنة وبظلم أعاد الإسلام كما لو كان ظهر في العصور الحجرية.
السؤال الثاني:
هذه الخطوة الخجولة ، اي نوع من الاصلاحات يمكن تشمل على مستوى النص القرآني والتأويل؟
هذا الاصلاح يهدف الى لملمة الانشقاق السني وإعادة التقارب والإندماج بين مذاهبه على غرار التوصيات التي صدرت عن مؤتمر غروزني عبر احياء اهدافه الجوهرية من خلال فصل الوهابية عن مذاهب السنة واعادة بلورة الاسلام التجديدي الإصلاحي لا التقليدي وعبر تنقية النص الديني بما يترافق مع متطلبات العصر الحديث مما يحتم تعديل المناهج الدراسية-التربوية واعادة بلورتها على اساس الفكر التنويري كما كان يدعو اليه الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا وعبد الرحمن كواكبي وشيخ الأزهر محمود شلتوت وغيرهم من الإصلاحيين الجدد. اضافة الى تطور النظرة السعودية كنظام دولة وحكم ونبذها الحركات المتشددة، فعلى سبيل المثال، هناك حوار منفتح مع المسيحيين واليهود غير الاسرائيليين ومع باقي الأديان والثقافات الأخرى كالبوذية والهندوسية والكونفوشوسية وهو الدور الذي يقوم فيه مركز الملك عبد الله للحوار، لذلك فإن السعودية تسعى جاهدة الى اقامة حوارات مع كافة الثقافات والاديان في العالم ومع الشعب اليهودي المسالم كحركات من اجل السلام والعيش المشترك بين الفلسطينيين والاسرائيليين والحركات الدينية الارذوكسية التي تعترف بحق الفلسطيني والرافضة لقيام دولة إسرائيل، والمناهضة لسياسة الاستيطان وللصهيونية واليمين المتطرف. ان هناك منعطف مهم في مستوى الفهم السعودي للحوار مع الاخر حيث باتت هذه النظرة ناضجة وواعية ومواكبة للقرن الواحد والعشرين. اننا لا نريد ان نكون خارج التاريخ ولا مرفوضين من الغربونريد الدخول في سلام مع كل قوى السلام في العالم بما فيها ايران والدول العربية التي شهدت قطع علاقات وارتباط مع السعودية.
السؤال الثالث:
الى اي حد يمكن ان تفك المملكة العربية السعودية ارتباطها مع المؤسسة الدينية في السعودية غلى غرار التجربة الاروبية؟
ايام الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز كان هناك تحذير لهذه الاراء والفتاوى المتشددة وتم سجن بعض المتشددين من علماء الدين الى أن جاءت المراسيم الجديدة بإباحة قيادة السيارات للمرأة فلم تصطدم مع المؤسسةالدينية بل كان هناك تأييد لذلك المنحى من المؤسسة الدينية على قاعدة “وجوب طاعة السلطان او الحاكم او ولي العهد” باعتبارهم أولياء الامر.
السؤال الرابع:
على ضوء محاولات غير الرسمية للتطبيع الخليجي مع اسرائيل، هل يمكن ان تترافق هذه الاصلاحات ايضاً كمدخل لتحسين العلاقات بين اليهود والمسلمين وتخطي مرحلة العداء اليهودي كمقدمة من اجل تحقيق سلام في الشرق الاوسط؟
إن اي كلام في هذا المسار هو عبارة عن قبضة في الريح، لان تطبيع العلاقات مع الكيان الاسرائيلي لم تطرح رسميا ولا شعبيا لا في السعودية ولا مع دول الخليج العربي. فالمحاولات الخجولة في التطبيع التي قامت بها بعض الدول العربية، لم ترق الى المستوى المطلوب على صعيد الشعوب العربية، وقد شهدنا سلسلة احتجاجات وردود فعل عربية معادية ورافضة للتطبيع سواء عما صدر مؤخرا من موقف احتجاجي ضد مخرج سينمائي قام بتصوير فيلمه داخل فلسطين المحتلة. يوجد هناك حركات يهودية تُوهم العالم بأن هناك محاولات لتطبيع العلاقات العربية او الخليجية مع اسرائيل ولكن يدخل ذلك ضمن الشكوك والإشاعات. لسنا نحمل كرها لليهود كأصحاب دين سماوي ولا انطلاقا من نص قرآني معين بالعكس، فالقرآن الكريم أنصف أهل الكتاب واعطاهم امتيازات وحافظ على وجودهم سواء كان ذلك في العهد الاموي والعباسي والاندلسي والذي استمر مع السلطنة العثمانية. الموقف الذي تبناه الرسول في بداية دعوته من اليهودي الذي كان يرمي عليه احشاء الإبل أثناء سجوده للصلاة تنم عن مدى تقبل النبي لليهودي ومقابلته الإساءة بالإحسان، فعندما توقف اليهودي عن رمي النجاسات سأل النبي عنه فأخبروه بأنه مريض طريح الفراش فذهب اليه ليطمئن على صحته ويتمنى له الشفاء. كذلك لم يكن موقف النبي من طرد اليهود ومحاربته لهم بسبب كراهة أو حقد، وانما كان بسبب تواطؤ اليهود مع مشركي مكة وخيانتهم في نقض العهد الذي كان بينه وبينهم. فالأصل الذي يعوّل عليه في علاقة المسلمين مع اليهود أو مع غير المسلمين إنطلاقا مما جاء في صحيفة المدينة – اول دستور مكتوب في التاريخ البشري – الذي حدد فيه النبي محمد أسس المواطنة الحقيقية على أساس التلازم بين الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الدين والعرق والنسب. عند انهيار الدولة الاموية في دمشق أقام عبد الرحمن الفاتح دولة الأندلس في اسبانيا مع ما رافق ذلك من حضارة ورقي في جميع المجالات. وقد استفاد الغرب من هذه الفترة التي امتدت الى ثمانية قرون وكانت اهم مرحلة عرفت بالتسامح بين اليهود والمسلمين من حيث الاندماج وتفاعل الثقافات بين الحضارة العربية الاسلامية والغرب المسيحي والامور العلمية. كما شهدت الخلافة العباسية نفس هذا الرقي في العلاقات مع غير المسلمين من مسيحيين ويهود وحصلوا فيها على امتيازات ومكاسب ومن ضمنها تعيينهم في مناصب عليا كمستشارين للخليفة ووزراء وأطباء. الامر نفسه حصل في عهد السلطنة العثمانية حيث صدر نظام الملل الذي ساهم في احترام حقوق غير المسلمين وحماية هويتهم و محافظته على قوانين احوالهم الشخصية وعلى مؤسساتهم التربوية ومؤسساتهم الدينية، ولم يعكر صفو هذه العلاقات الا اطماع بعض الدول الغربية التي ارادت عن طريق ذريعة حماية الأقليات بالتدخل في شؤون السلطنة العثمانية. من هنا أذكر ما قاله الحقوقي اللبناني ادمون رباط من أن هذا التسامح بصيغته الفريدة كان بفضل تعاليم القرآن التي كانت تأمر المسلمين بعدم التعرض الى خصوصية اهل الكتاب من حيث تمتعهم بحرية عقيدتهم وبالاحتكام الى أمور دينهم فان حصلت اضطهادات لم تكن مطلقا بسبب العقيدة الدينية وانما بسبب تدخل أوروبا بمسألة الأقليات وهذا ما ذكره الوزير جورج قرم في كتابه عن المجتمعات متعددة الأديان وما ذكره عالم الاجتماع الكبير ليفي ستروس بأن الإسلام هو من اخترع التسامح في الشرق الأوسط,
في الختام، هناك كلام عن ان المجتمعات الغربية فقدت روحها وجوهرها المسيحي واصبحت ملحدة بعكس المجتمعات الاسلامية حيث اذ يجري اي انتهاكات تطال العقيدة او الرموز الدينية عندهم قضايا متعلقة بالشرع لديهم كالبوركيني والحجاب والبرقع يثارون وينتفضون بتوحش وبربرية كصرخة عالية دفاعاً عن وجودهم وهويتهم اكان في فرنسا بين علمانيين والمسلمين الجزائريين والمغاربة بينما بالنسبة الى المجتمع المسيحي الكاتوليكي فهناك صرخة واستنكاراً ضد الاجهاض والمثلية وغيرها لكنها خجولة وبالكاد ان نسمع بها. برأيكم ما مؤشر ذلك وهل انتهى الوجود المسيحي؟
ان التفكير الغربي القديم او التفكير المسيحي القديم يقوم على فكرة وجود الاقليات الأخرى غير المسيحية بمثابة تحدي للمجتمع المسيحي فكما جسد المسيح واحد كذلك المجتمع المسيحي يجب أن يكون واحدا. هذا الموقف تغير عند اقرارات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي نادى بالاعتراف بالاديان وبالمعتقدات الفلسفية الاخرى وتكلم بشكل خاص عن المسيحية والاسلام واليهودية بحيث انها اديان تؤمن بالاله واحد. الجدير بذكره هنا ان الاديان جميعها مرّت بحقبات مظلمة وتعصب ديني وتطرف وعنصرية سواء اكانت الكثلكثة المسيحية في الغرب ام الصراعات بين الكاثوليك والبروتستانت وغيرها من تيارات الاصلاح الدين. اليوم يمر العالم الاسلامي بفترة من أحلك الفترات تريد أن تشده الى حقبة القرون الوسطة رغم محاولات الإسلام الحقيقي المعتدل الخروج منها. وما الإصلاحات التي نادى بها ولي العهد السعودي الا محاولة لإعادة صورة الإسلام النقية والبعيدة الى أقصى الحدود مع الفكر الاستقصائي التكفيري.
لذلك أقول بأن هذه الحمية الإسلامية في الدفاع عن المعتقد وعن المبادئ الدينية والأخلاقية يجب أن تترافق مع استنهاض همة المسيحيين للدفاع عن شعاراتهم ومبادئهم الأخلاقية السامية التي تلتقي مع الإسلام. هذه المحاولات ما زالت خجولة في المجتمعات الغربية العلمانية خاصة في ظل الهجمات الممنهجة من اللوبي الصهيوني ضد كل المظاهر الدينية غير اليهودية في الغرب. هذا الغطاء المتصهين تحميه قوانين معادات السامية التي أصبحت سيفا مسلطا على الرقاب من اجل الدفاع عن الدين اليهودي.