رؤية في مسألة الخلق (استكمالاً لموضوع نظرية استقامة القامة)
رؤية في مسألة الخلق
لفضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ عبد الصبور شاهين أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر
(انطلاقًا من قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه : وبعد، فقد سبق أن قلت في حديث مضى: هذا مقام يمتحن فيه العلم، وما يخشى الإنسان في حياته العلمية إلا أن يتعرض لهذا المقام الذي جعل الله قوامه في يد أمير المؤمنين، وجعل شهوده أولئك العلماء الكبار الأجلاء، هو امتحان صعب، يحاول الإنسان أن يستجمع فيه كل قوته، ليبدو على درك من الحق، وعلى قدر من الصواب، وأنت يا مولاي سننت هذه السنة أن يمتحن العلماء في مقامك، وأن تشهد الدنيا هذا الامتحان، ليرى الناس كيف يعيش المسلمون دينهم، وكيف يحيون حياة العلم والمعرفة الإلهية الموصولة بالقرآن كتاب الله المنزل.
هذا الدرس في الواقع أشبه بحقل ألغام، يخوضها الإنسان إذا استطاع أن يدرك مسالكها، وأن ينجو بنفسه من مهالكها.
درس قصة الخليفة، وقصة الخليفة كما نعلم جاءت في القرآن على مراحل متعددة، بدأت بالإشارة الأولى في قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ثم قفزت إلى محطة في سورة «ص»، وأنا هنا أتحدث على أساس ترتيب النزول، تأتي سورة «ص» تلك الآية التي اخترتها عنوانًا وانطلاقًا لهذا الدرس: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، ونزلت بعدها مباشرة سورة الأعراف، التي تتحدث عن نفس القصة في بداياتها، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾، وجاءت بعد ذلك آيات كثيرة تحكي هذه القصة، وتقف أمام العبرة فيها. ولقد وجدت في الواقع عند ترتيب آيات القصة، بحسب النزول، أن كل قصة منها أو كل مجموعة آيات تروي قصة وتتحدث عنها تضيف جديدًا، فليس هناك تكرار بالمعنى الحرفي، ولكن هناك دائمًا تكامل وزيادة وإفادة حتى آخر حديث عن هذه القصة في سورة الحج، وهي السورة الثالثة بعد المائة في المدينة، وجدناها تتحدث في خطاب شامل، وكأنها تذكر تقريرًا عن الموقف بأكمله، وربما أشرنا إلى ذلك بعد قليل.
المهم أن هذه القصة خضعت لكثير من التأويلات، وأكثرها مأخوذ عن الإسرائيليات، وهناك رواية في العهد القديم، حرصت كتب التفسير على ذكر محتواها ومضمونها، وهي رواية تصل بالخلق وأجيال الخليفة منذ آدم إلى أيامنا هذه مثلًا، إلى حوالي سبعة آلاف سنة، فالحياة كلها منذ آدم حتى الآن سبعة آلاف سنة أو تزيد قليلًا، وهذا التقدير في الواقع يدل على أن المسألة وجهة نظر شخصية، هو لا يطابق الواقع، ولا يقول الحقيقة ولكنه يذكر شيئًا من أساطير وورثت عن أهل الكتاب الذين حرفوا الكلم عن مواضعه كما قرر القرآن، ولذلك نجد أن هذه الروايات عندما تذكر في تفسير القرآن تتخذ سبيلًا للنيل من القرآن، فيقول بعض العلمانيين المجترئين على الإسلام وفكره، إن الإسلام دين أساطير، وقائم على الأساطير، وإن في القرآن أساطير عندما تجرأ قائلهم إلى درجة معينة فاضحة، وكل ذلك يعتمد على ما استمد في التفاسير من كتب الإسرائيليات، فأصبنا بهذا الكلام، أو بهذا الرشاش الذي يلوث سمعة التفسير القرآني. والواقع أننا عندما ننظر إلى هذه القصص في جانب، وننظر إلى العلم الحديث (فيزيولوجيا وأنثروبولوجيا) في علوم الأرض، نجد أن العلماء عثروا على أحافير أي قطع من العظام رؤوس وأذرع وسيقان وبالطريقة العلمية التحليلية استطاعوا أن يردوها هذه الأحافير إلى تاريخ بعيد جدًا، يدل على أن الإنسان على هذه الأرض منذ خمسة ملايين سنة، وبعضهم من علماء الغرب الثقاة رد وجود الإنسان على الأرض إلى عشرة ملايين سنة، ما معنى ذلك؟ ما معنى هذا الفرق وهذه المسافة؟ بينما ما يقول به العلم الحديث وهو على درجة قطعًا من الصواب العلمي، الذي يقوم على التحليل والأجهزة، والحسابات الدقيقة بقدر الإمكان، والمسافة الأخرى أو الطرف الآخر وهو اقتراب جيل آدم أو ذرية آدم من سبعة آلاف أو عشرة آلاف سنة، كيف يمكن اللقاء بين هذين الطرفين، هل يمكن أن نقول مثلًا كما يقول بعض الناس إن هذه الخليقة مرت بأدوار كثيرة واستخدموا في ذلك كلمة آدم وأوادم، وقالوا سبق آدم أوادم كثيرة إلى آخره. وأنا أرى أن هذا كلام يخطئ في العشواء، لأن القرآن عندما تحدث عن مشروع واحد، هو أن الله قال للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ إذن فهو مشروع واحد لا يمكن أن يتعدد كما هو نص القرآن، كيف يمكن إذن أن نجمع قراءة القرآن بطريقة دقيقة، وربما تهدي إلى شيء من الحق، تعيينًا إن شاء الله على ذلك، فالآية القرآنية التي اخترتها منطلقًا لهذا الحديث، تشمل على: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، بهذه الكلمات يمكن أن ندرك الحقيقة إن شاء الله كاملة، وتتعاون الآيات الأخرى على بيان الموقف القرآني، فالله قال للملائكة إني خالق بشرًا، خالق يمكن أن تكون خلقت بشرًا من طين، فدلالة اسم الفاعل قد تكون للماضي، وقد تكون للحاضر، وقد تكون للمستقبل، وهي هنا قطعًا في ظني أو في إحساسي بمعنى الجملة للماضي، إني خالق، إني خلقت بشرًا، من طين، كلمة بشر هذه، كلمة مذهلة، هي تعني في اللغة العربية مخلوقًا ظاهر مع حسن وجمال، فهل الظهور يعني أنه ظاهر عكس ما خلق الله من المخلوقات غير المرئية، كالملائكة والجن؟ هذا معنى، أو الظهور معناه أنه سيد وظاهر على كل الكائنات في هذه الأرض؟ هذان معنيان، لكن العجيب أني لم أجد لهذه الكلمة نظيرًا في اللغات التي عرفناها، لم أجد لها نظيرًا مثلًا في الفرنسية، وأنتم أعلم الناس بالفرنسية، وقد فتشت في تراجم القرآن إلى آخر ترجمة لـ (جاك بيرك) إنه يستخدم (L’Etre Humain) أو (Homme)، يستخدمون في لفظ كلمة إنسان (L’Human) وربما استخدموا (Human) وربما استخدموا كلمة بشر (Homme) كما فعل حميد الله، وربما استخدموا (Mortal) بمعنى: فإن أو هالك، هذا هو مدى ما في هذه اللغة، كذلك في الإنجليزية (Man) أو (Man Kind) أو (Human Being) ولا شيء أكثر من هذا./
فلننتقل من اللغات الغربية إلى اللغات الشرقية لن نجد لهذه الكلمة وجودًا لا في العبرية ولا في السريانية ولا في الآرامية ولا في الحبشية، بل لم أجد لها نظيرًا في الفارسية هم لا يعرفون كلمة بشر إنما يعرفون كلمة (مرد) بمعنى رجل أو إنسان ثم يستخدمون الكلمات العربية كنفر ورجل وشخص وإنسان. هذا مدى ما وصلت إليه هذه اللغات. معنى ذلك، أن هذه الكلمة خاصة بهذه القصة منذ كانت القصة – والله أعلم – كأنما استملت العربية من الغيب، هذه الكلمة التي تفردت بها لكي تتحدث عن هذه المرحلة، أو عن هذه البداية لوجود النوع الإنساني على الأرض.
كذلك يلاحظ شيء آخر، هو أن البشر لم يخاطبوا في القرآن وقد أشرت لذلك في حديث سبق، وكانت إشارة سطحية سريعة، لكن البشر لم يخاطبوا في القرآن، لم يأت في القرآن يا أيها البشر، وهي كلمة جامدة، أي أنها لا تتصرف فهي لا تأتي من فعل، ولا يخرج منها مشتقات، أو صور اشتقاقية كبشير ومبشور، كل ذلك لا يأتي في العربية، وإنما قد تثنى فيقال: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ وقد تجمع في نادر الاستعمال على أبشار، لكن القرآن ما استخدم أبدًا الكلمة إلا مفردة بهذه الصورة، ما معنى هذا؟ معنى هذا أن البشر بداية مشروع لهذا الخلق، سوف يستمر عبر مراحل سوف تأتي: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا إِلَيْهِ سَاجِدِينَ﴾، إنهم ليسوا مطالبين بالسجود الآن، ولكنهم مطالبون به عندما تتحقق مراحل التسوية، والنفخ في الروح، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، النفخ من روح الله، وملاحظة ينبغي أن نلفت إليها هي أن قول الله تعالى إني خالق أي خلقت فقد أصبح البشر هنا شيء آخر هو ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ بمعنى قومت ظاهره وشكله وهيبته ثم ﴿نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ بمعنى زودته بالملكات العليا التي بها يتميز عن سائر الحيوانات والكائنات المخلوقة على ظهر الأرض، إذن هذا ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وربما كان المراد بالملكات العليا قطعًا، وليس ربما: العقل واللغة والدين، هذا المخلوق يحتاج إلى ثلاث أدوات: العقل، اللغة، الدين. والله عز وجل ما امتن على الإنسان بنعمة أعظم من العقل، لكن ما حقيقة هذا العقل؟ شيء لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، فنحن ندرك أن لنا عقولًا، بآثار هذه العقول وليس بالحقيقة، العقل كالهرماء لا يعرف أحد حقيقتها ولكن تعرف بآثارها عندما تضيء المكان، أو تدير الماكينات، كذلك العقل كذلك لروح الإلهي، كذلك النفس هي ملكات إلهية زود الله بها هذا البشر منذ قال له: أنت مسؤول، وسوف تكون مسؤولًا، لكنه يهيئه لهذه المسؤولية بالعقل.
ثم باللغة، اللغة، هذا أمر غريب، لأن اللغة الآن، فيما نرى في واقع الحياة الإنسانية عددها لا يقل عن ألفي لغة، وألفا لغة تتكون من حروف بعدد محدد، هي طاقات هذا الجهاز النطقي، من أول الشفتين إلى الحنجرة لا أكثر، تخرج عددًا في حدود الثلاثين أو الخمسة وثلاثين حرفًا هي حروف متفق عليها في كل اللغات، ولكن ألفي لغة تختلف في مفرداتها، في تراكيبها في صورها الاشتقاقية في كتبها وتراثها وأساليبها، كل ذلك في حساب الله تبارك وتعالى، كان أمرًا ينبغي أن يتحقق لهذا البشر وهو نفخة من روح الله أيضًا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَسِنَتَكُمْ وَأَلْوَانُكُمْ﴾، فاختلاف الألسنة أية من آيات الله تعدل خلق السماوات والأرض./
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَسِنَتَكُمْ وَأَلْوَانُكُمْ﴾ بل إن بعض الفهم لهذه الآية يرى أن اختلاف الألسنة لا يعني فقط اختلاف اللغات بين قبائل البشر وشعوبه، وإنما يعني شيئًا آخر، هو اختلاف كل فرد فرد في البشرية عن أي فرد آخر، فلا يوجد من يتحدث العربية كمتحدث بها آخر لم يحدث، ولن يتحدث، وهو من آيات الله المعجزة التي لا يتصور العقل أنها تخضع لصناعة أو لتكلف، وإنما هي أية من آيات الله، أو هي قبس من روح الله عز وجل.
لكن كيف تعلم هذا الإنسان؟ وكيف توصل إلى اللغة؟ هذا أمر يحاول العلماء أن يفهموه، أو أن يقدروا له صورة من الصور، فهم يرون مثلًا أنه ربما كانت لمواضعات، ربما كانت تقليدًا لأصوات طبيعية، وربما كانت تعبيرًا عن أصوات غريزية، وكل ذلك فعلا في خلق اللغة، لكن ليست المسألة سهلة، لأن اصطلاح قوم على صوت معين يعبر عن رضى أو عن غضب، هذا أمر قد يقتضي مئات الألوف من السنين، المسألة ليست سهلة وليست هينة، ولا ينبغي أن نأخذها فنصور مثلًا أن البشر كانوا في مدرسة، وجلسوا وحفظوا بعض الأصوات، ورددوها ثم اصطلحوا عليها، وصارت لهم لسانًا. هذا لم يحدث. إن البشر كانوا أقوامًا ومخلوقات منتشرة على ظهر الأرض، لا شك أن أعدادها كانت مما يعلمه الله تبارك وتعالى، لكن حسبة بسيطة ترينا ما معنى هذا الذي نقول.
إن زوجين رجل وامرأة ينجبان مثلًا عشرين بطنًا، كل بطن من ذكر وأنثى، ثم تنجب هذه البطون بنفس المعدل إلى اثني عشر جيلًا فقط، يتحصل لدينا من أعداد البشرية ما لا يقل عن ثمانية مليارات من الكائنات المخلوقة ومن المواليد، ثمانية مليارات عبر اثني عشر جيلًا فقط، فما بالنا إذا كانت الحياة قد استمرت ملايين السنين، ما معنى هذا؟ معنى ذلك أن الأرض قطعًا تتولى تعديل الحساب، والأقدار تتولى تعديل وخلق التوازن في الوجود، فهناك الموت، وهناك الأوبئة، وهناك الجرائم، وهناك الضياع، وهناك إلى آخره، وكل ذلك يحفظ التوازن على هذه الأرض، وتتفاعل حركة الناس ومساعيهم للتفاهم، واقترابهم بعضهم من بعض، كل ذلك يتفاعل لخلق نوع من العلاقات، لأن اللغة ليست إلا علاقات، ليست إلا اتصالات وإلا ما كان هناك داع للغة، إن الله عز وجل أعطى لكل كائن لغة، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ثم نقول في آية أخرى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. كل طائر، كل كائن علمه الله صلاته وتسبيحه، وهو تعبير في منتهى الجرأة والدقة، لا يقوله إلا رب العزة. هو الذي يعلم ماذا يعلم العصفور، وماذا تعلم النملة، وماذا يعلم الحوت، ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. فاللغة أيضًا هي تحقيق لوجود هذا المخلوق البشر على هذه الأرض.
ثم كان بعد ذلك الدين، بعد أن تم للإنسان نوع من التفاهم، لكنه مازال لا يألف الحياة الجماعية، ولا يعيش في شكل أقوام وشعوب، لقد جعل الله ذلك فيما بعد، لكنه مازال، فحان أوان السجود الذي يطلب من الملائكة.
قال الله لملائكته اسجدوا لكن لكي ينفذوا السجود لا بد من موقف يقتضيهم أن يسجدوا، ويفرض عليهم السجود، قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
بالطبع ينبغي أن نتصور أن خطاب الله للملائكة ليس خطابًا بصوت ولا حرف، فكلام الله النفسي يحدده علماء الكلام بأنه لا بصوت ولا حرف، ولكنه إلهام يضعه الله تبارك وتعالى في نفس المخاطب، فقال الله لهم في علاه وفي تمجيده ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾./
كان البشر آنذاك فعلًا يعيشون متفاتكين يفترس بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، والله عز وجل علم وقدر ما لا تعلمه الملائكة، ولذلك عندما تساءلت الملائكة لا تساءل اعتراض، ولكن طلب فهم، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فاصطفى من هذا الوجود البشري آدم، وعلمه أي أوحى إليه، كما علم الله عز وجل محمدًا، فقال له: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ﴿وَعَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾./
وهذا هو الموقف الذي أصبح فيه آدم أول من تألقت فيه الملكات الإلهية، والقدرات الإنسانية، فكان أول إنسان على هذه الأرض يعتبر طليعة لجيل التكليف، جيل التكليف هو الجيل الذي بدأ بنبوة آدم، ثم استمر إلى يوم القيامة، قبل آدم لا تكليف، لأنه لا نبوة ولا شريعة، ولا دين، لا بد أن نفترض أن الأسماء كلها مأخوذة من اللغة، ولغة مصطلح عليها، ولغة معروفة، فالله علم آدم الأسماء كلها أي ما يتصل برسالته ودينه الذي سيتحمل أمانته بموجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ فقد اصطفاه وعلمه كل الأدوات، والحاجيات والمصطلحات التي تلزمه في خلافته على الأرض ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ظهر تفوقه وجدارته بأن توظف الملائكة في خدمته، وهذا هو السجود، ليس السجود في هذا السياق مجرد انحناءة ولمس للجبهة على الأرض، ولكن السجود هنا هو الإخضاع لخدمة هذا المخلوق الجديد، الذي اصطفاه الله، وقال الله عز وجل لملائكته اسجدوا بعد هذا المشهد، واقرأوا إن شئتم السورة السادسة والثمانين وهي سورة البقرة، وسورة البقرة تأتي بمشهد الخطاب على الخلافة، ثم تأتي بعد ذلك ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، لقد سجدوا لآدم النبي، لأنهم سيكلفون بعد ذلك بحياطة هذا المخلوق، سيكلفون بالحفاظ على آدم وذريته ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
فهؤلاء الملائكة مكلفون بالسجود إلى يوم القيامة، هم ساجدون بمعنى خاضعون لأمر الله عز وجل في الحفاظ على هذا المخلوق، وهدايته للخير، في مقابل تمدد إبليس الذي يدل على الشر، ويحرف مسيرة الإنسان بهذا التمرد الخطير، وبذلك قامت الحياة، كان آدم هو مركز لتأثيرات من حوله، وهو بموجب نبوته وشريعة الله إليه، وهداية الله له، يختار ما يكون خيرًا له، وما يكفل له توحيد ربه وعبادته، أو يقع بعض بنيه فيما يسمى بالمعصية أو بالخطيئة أو بالحرام أو في الشر، وتلك هي الحياة كما أرادها الله تبارك وتعالى.
سوف أعود مرة أخرى إلى مسألة اللغة، لأنها تثير كثيرًا من الأسئلة المقلقة، مثلًا عندما يقول إبليس لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾، هذا القول يثير قضية الخلود، هل هناك معنى للخلود إلا إذا قابله معنى الفناء، ثم يكون المعنيان مفهومين لدى المخاطب؟ لقد رأى آدم أولئك البشر يتفانون ويموتون ويختفون ومن ذهب لا يرجع، فمعنى الخلود هنا معنى لغوي مفهوم لدى المخاطبين، لو كانت المسألة أنهم البداية لتساءلا ما معنى الخلود، وما معنى الملكية، لأنها معان جديدة لكنها ليست بجديدة، إنها مألوفة بحكم تضمن اللغة التي يعرفانها، هذه المعاني المجردة. بل لننتقل مثلًا إلى قصة ابني آدم ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ، قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.
القصة هنا تتضمن كل المعاني الأخلاقية الحضارية وطبقًا للدين الحق، الله رب العالمين، وليس رب قوم بأعيانهم ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، معنى العدالة، ومعنى الظلم، الجنة والنار، الندم والتوبة، الاعتداء والكف عن الاعتداء، كل هذه معان مجردة وعميقة، وقد نضجت في اللغة آنذاك، وقد اقتضى ذلك طبعًا ملايين السنين التي يمكن أن تكون مضت حتى تتكون هذه الوضعية اللغوية على لسان ذلك المخلوق على هذه الأرض.
هل يستطيع الآن العلمانيون أن يتعرضوا على أية القرآن التي تقول: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ عندما يرون أن «إذا» هنا هي ظرف لما يستقبل من الزمان، وأنها قد تكون تستقبل لحظة واحدة، ثم ينتهي صلاحيتها الظرفية، وقد تستقبل الزمان إلى ما لا نهاية، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ انتهى الظرف، لكن ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ إذا هنا تمضي إلى نهاية الزمان.
انظروا مثلًا إلى استخدام القرآن في القصة لأداة التراخي ثم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، هذا هو المدى الزمني، التعبير عن المسافات، ليس مسافات هينة لحظة أو لحظتان، وإنما هي مسافات هائلة متراخية ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ ثم هنا، هي تعبير عن تراخي الزمن، والزمن الذي مضى لا تستكثروه، إنه زمن أشبه بالخطفة، يعني عندما كان الزمان طفلًا في سن مليون سنة تكلم الإنسان بضع كلمات، تكلم البشر بضع كلمات في سن المليون. الزمان هنا في ظلام، الوجود لا يعني ليلًا ونهارًا وسنين، بل هناك معنى من الزمان ساقه لنا القرآن مهم جدًا، الله يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ فإذا قلنا إن آدم جاء إلى هذه الدنيا منذ خمسة عشر ألفًا مثلًا أو منذ عشرين ألفًا من السنين، فمعنى ذلك أنه مضت عليه عشرون يومًا إلهيًا من أيام الله عز وجل، فإذا قلنا مليون سنة أي ألف يوم من أيام الله عز وجل، والملك عظيم والزمان هائل لكنه مر في غيبوبة، ليس هناك حسابات تحسب بالدقيقة والثانية والساعة والشهر، بالعكس ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾/
قال كم لبثتم في الأرض، الزمن في الغيبوبة الجيولوجيا القديمة، مضت الملايين وكأنها لحظات ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مع أنهم ربما لبثوا ملايين السنين قال ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
هذا النظر في النصوص القرآنية، لا يجد ما يرده، بل إن خامة القرآن، ومادة القرآن تقبل هذا التصرف، وتسمح بهذا الجمع بين الرواية التي تتحدث عن آدم على أنه بداية لهذه الخليقة، فاقتصر الخطاب بعد ذلك على بني آدم، وأمضى الله إرادته فيما سبق، كما فعل ذلك في أجيال البشرية لعهد نوح، أغرقهم بالطوفان، فعل ذلك لعهد آدم ثم أخرجه من الجنة يهبط إلى الأرض والجنة قطعًا موجود أرضي، فإذا اتفقنا على حقيقة الترابية لهذا الخلق، فالترابية صادقة على البشر، وعلى آدم، وعلينا إلى يوم القيامة، منها خلقناكم، كلنا من تراب، وإذا اتفقنا على الأرضية فإن هذا الوجود بنص القرآن مسرحه الأرض ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ وإذا اتفقنا على وحدة الخلق أي وحدة الجيل من البشر إلى آدم: فمعنى ذلك أن كل الذين قالوا بأن الإنسان متخلق من تطور لبعض الكائنات، هؤلاء لم يقولوا شيئًا من الحقيقة، ولم يهتدوا إلى شيء، وإنما هم مخطئون وعلى رأسهم تشارلز داروين الذي قال إن الإنسان منذ مليون سنة تطور عن القردة العليا التي تمثل حلقة من حلقات التطور فوق القردة الحالية، وكأنه يربط المسألة أيضًا بالغيب يقول كان هناك قرد رفيع المستوى أو رفيع المقام فكانت النتيجة أنه تطور إلى إنسان، هذا كلام فارغ، وهذا في الحقيقة رفض للدين، الذي يقرر فكرة الخلق المستقل، الإنسان إنسان منذ وجد، والكائنات الأخرى خلقت نفس الخلق المستقل ولا شيء من الاختلاط بين هذه الأنواع، ولا يمكن أن يتحدث هذا كما قرر القرآن من أول لحظة بشرًا يسجد له فيصبح سيد الكون ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾.
أنا أعلم أن هذا الكلام سوف يثير كثيرًا من التساؤلات والاعتراضات، وأعلم أن في عقولنا رواسب كثيرة تعارض مثل هذا التوجه، لكن منطوق القرآن ونصه لا يمنع من هذا التفسير والتأويل الذي يرفع عن القرآن تهمة أن يكون كتابًا للأساطير، ومحتوى للخرافات كما يقول كثير من أدعياء العلم في زماننا ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
إننا جميعًا ممتنون كثيرًا لهذا الجمع، الذي سمحت لنا به، وجمعتنا فيه، واستمعت فيه إلى نوع من الاجتهاد، ورؤية في قصة الخلق، قد يكون هناك من يخالفها، لكن هناك إن شاء الله ما يوافقها ومن يوافقها.
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، وأن ينور أبصارنا وبصائرنا، وأن يحجبنا عن الشر وأهله، وأن يجمعنا بالخير وأهله.