مدونة

 رثاء الشيخ د. مروان قباني رحمه الله

مروان قباني
مدونتي

 رثاء الشيخ د. مروان قباني رحمه الله

 رثاء الشيخ د. مروان قباني رحمه الله

 كنت أعرفه منذ وقت طويل ، ليس على مقاعد الدراسة في أزهر لبنان ، حيث  سبقني بسنوات عديدة في الإغتراف من مناهل العلم الشرعي في هذا المعهد الديني التابع لدار الفتوى ، ولا في أروقة كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر الشريف في القاهرة حيث تخرج حاملاً شهادة الليسانس في نفس السنة التي دخلت فيها إلى هذه الكلية، بل عرفته أولاً من خلال الأصداء التي سمعتها عنه من زملاءه  الذين عاصروه في الدراسة والذين أشادوا بعلمه وأخلاقه وأدبه الرفيع حيث تعالى عن كثير مما كان يشغل أترابه خلال سنوات الدراسة الجامعية ، من اللهو والغيرة  والخصومات. عرفته بعد ذلك شاباً دمث الخلق متواضعاً محباً للعلم  فأولاه مفتي الجمهورية السابق الشيخ الشهيد حسن خالد ثقته واختاره من بين كثير من أقرانه للسفر إلى ألمانيا حيث تخرج حاملاً شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من جامعة بون في سنة 1979.

بعد عودته من ألمانيا عين موجهاً تربوياً في مدارس المقاصد ومدرساً في معهد الدراسات الإسلامية المسيحية في الجامعة اليسوعية حيث شارك خلال العام الدراسي الجامعي 1979/1980ألاب مرسيل حلو في تدريس مادة ” مقدمة لدراسة العقيدة المسيحية والعقيدة الإسلامية”، وقام أيضاً بالتدريس في المعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع للمقاصد وفي كلية الدعوة التابعة لدار الفتوى والتي أصبحت تعرف فيما بعد باسم كلية الشريعة.

وفي سنة 1983 عينه مفتي الجمهورية السابق الشيخ حسن خالد مديراً عاماً للأوقاف الإسلامية ، ورئيساً للجنة صندوق الزكاة ومديراً عاماً له  فشغل هذا المنصب إلى سنة 1997 حيث تفرغ للعمل في إدارة صندوق الزكاة ورئيساً للجنته، إلى أن توفاه الله في 27 حزيران 2006.

عرفته عن كثب من خلال العمل معه في دار الفتوى حيث عينت منذ عام  1997في وظيفة أمين السر الخاص لمفتي الجمهورية ومديراً عاماً لدار الفتوى في نفس السنة التي تفرغ فيها للعمل بصفته مديراً عاماً لصندوق الزكاة، فكان مثالاً يحتذى في حسن الإدارة ونزاهة الكف والغيرة على أموال المؤسسة والقدرة على مواجهة المشاكل واستيعابها بصبر وتؤدة ، وكان تفرغه للعمل في صندوق الزكاة ابتداءً من سنة 1997 خطوة رائدة في تنمية هذا الصندوق ونقله نقلة نوعية إلى ان أصبح من كبرى مؤسسات دار الفتوى الإجتماعية والإنسانية .

فهذا الصندوق الذي ساهم ومايزال يساهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل كثير من المعوزين والمحتاجين من الذين اغفلهم المجتمع وقست عليهم وطأة الظروف الإقتصادية أو من الذين أصابتهم الحرب اللبنانية بنارها وتهجيرها، يستمد قوته وديمومته من أحد الأركان الاساسية في الإسلام وهي فريضة الزكاة. فكان تأسيسه محققاً لأهدافه والتي لخصها الدكتور مروان قباني بالنقاط الآتية :

  1. الدعوة لإداء فريضة الزكاة في لبنان وتبصير الناس بأهميتها خاصة وأنها ركن أساسي من أركان الإسلام
  2. جمع المساعدات والهبات والتبرعات واموال الصدقات النقدية والغذائية والصحية والكسائية من المسلمين في لبنان والخارج
  3. توزيع اموال الزكاة في المصارف الشرعية التي حددها القرآن الكريم
  4. توزيع المساعدات والصدقات على المعوزين من ذوي الفقروالحاجة
  5. توعية المسلمين بالمهام الدينية والإجتماعية والإنسانية التي يقوم بها صندوق الزكاة
  6. إقامة مشاريع إنمائية تساهم في رفع المستوى المعيشي للمسلمين المحتاجين.

تجربتي في العمل معه طويلة وعميقة، لم أشهد خلالها أي سؤ تفاهم أو أي موقف سلبي أو أي كلمة نابية أو أي اعتراض على تكليف من مرجعيته الدينية أو امتعاض من أي أمر ، بل كان على العكس تماماً يتقبل الأمور بكل رضى وسكينة، فكانت المقابلة التي أجرتها معه صحيفة اللواء أثر قرار مفتي الجمهورية بتفرغه لإدارة صندوق الزكاة وتركه العمل في المديرية العامة للأوقاف الإسلامية كمدير عام لها ، خير دليل على سكينته ورضاه لما قدره الله للعمل في خدمة الناس ، حيث قال :

” منذ أن أنشئ صندوق الزكاة قبل 14 عاماً وحتى الآن مازلنا نرأس لجنة صندوقه ونتابع جميع الأعمال الإدارية فيه، لذلك فإن قضية التفرغ للعمل في إدارة صندوق الزكاة لا تعني لنا سوى التخفيف من أعباء العمل في إدارة الأوقاف التي كنا نتولى أمورها لمدة 14 عاماً، وفيما يخص الصندوق فالتفرغ لا يعني أمراً جديداً باستثناء أعطاء المزيد من الوقت لإدارة هذه المؤسسة التي نعتز بأننا شاركنا فيها ووصلت إلى حد مقبول من الفعالية والنجاح”.

   هذه السكينة والرضى بما قدره الله له كان لسان حاله دائماً إذا سأله أحدهم عن مرضه  أجاب : ” دع المرض لله، فكبدي مقروحة وهموم المسلمين زادتها تقرحاً ..واحتسب ذلك عند الله”

         كنت ألجأ إليه عندما يُهْمسُ في أذني عن حالة إنسانية أفجعها موت أب أو أم أو معيل أو مرت بضائقة مالية أو اعترتها حالة مرضية أو ضاقت بها سبل الحياة، فأسرع للإتصال به ، فلا ألقى لديه إلا كل قبول وسعي حثيث لتقديم المساعدة. كانت آخرها عندما اتصل بي في ساعة متأخرة من الليل مخفر الشرطة يعلمني عن حالة طالبة من إحدى الدول العربية تزور لبنان وقد سرقت منها أموالها ولا يوجد معها من المال ما يكفي لدفعه للفندق وهي ترغب في العودة في الصباح الباكر إلى بلدها. فاتصلت بالشيخ مروان وأخبرته عن الحالة وعن وجود سهمها ضمن أسهم مصارف الزكاة وهم من انقطع عنهم الطريق ( ابن السبيل) فلم يتردد لحظة وأرسل ألي أحد الموظفين في هذه الساعة المتأخرة من الليل ليشتري لها تذكرة سفر ويوصلها إلى مطار بيروت. كانت مثل هذه الحالات تتكرر دائماً سواء لشراء أدوية لمحتاجين او لإجراء عمليات في احدى لمستشفيات لمريض أو لتأمين الأقساط المدرسية لأبناء عجز آباؤهم عن تسديدها لمدارسهم أو جامعاتهم ، أو لإعانة من أمسكهم جلال الشيخوخة ووقارها عن مساءلة الناس تعففاً وحياءً، فكانت تتكرر الإتصالات بالشيخ مروان وتتكرر معها الإستجابة السريعة لمد يد العون لهم.

         كان إلى جانب ذلك يمارس عمله بكل تفان وإخلاص ، ويشارك في المؤتمرات بكل حيوية ودراية بالمواضيع المطروحة ، ويولي أهمية خاصة إلى المحاضرات الجامعية التي كان يحرص عليها رغم سقمه وآلامه وتلاشي قواه أمام مرضه، فقد جاءني في أيامه الأخيرة وهو يسير بخطى بطيئة من شدة المرض  وأعلمني والكلمات تحتبس في صدره من ضيق تنفسه، بأنه سوف يعتذر عن عدم تمكنه في العام المقبل من التدريس في معهد الدراسات الإسلامية والمسيحية في الجامعة اليسوعية ، وأنه سوف يسافر إلى السعودية لإجراء عملية جراحية، ثم اتصل بي مرة ثانية ليعلمني بأنه سوف يستمر في التدريس ، ثم قبل سفره إلى الصين لإجراء العملية أعلم المعهد بأنه لن يتمكن من التدريس إلا إذا نجحت العملية وتعافي من مرضه. ولو استمر به رمق من الحياة لما تردد في الإستمرار بإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات والعطاء الدائم ولو على حساب صحته.

كان يعمل بصمت وبقليل من الكلام.. هكذا العظام مثله.. يتكلمون قليلاً ويعملون كثيراً دون أن ينتظروا كلمة ثناء أو إطراء من أحد .. فقد احتسب ذلك عند الله تعالى، وهو الذي سعى وجاهد في حياته لحث الناس على تطبيق هذه الفريضة العظيمة من فرائض الإسلام، فريضة الزكاة ، وهو الذي سعى من أجل صرف أموال الزكاة في مصارفها الحقيقية : على الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. وهو الذي ارتبط باسمه صندوق الزكاة في دار الفتوى وقد كان حلمه أن يرى مبنى صندوق الزكاة الذي شيد بجوار دار الفتوى وقد أنجز وبوشر العمل به ليكون صرحا حضارياً من مؤسسات دار الفتوى ومن كبرى مؤسسات لبنان الإجتماعية والإنسانية.

رحمك الله يا شيخ مروان فقد أصبحت الآن في دنيا الحق.. حيث تجزى كل نفس بما عملت، فهنيئاً لك بعملك وبعطاءاتك وإنجازاتك وسعيك الدؤوب لنشر العلم والمعرفة، وحرصك الكبير على تدعيم العلاقات الإسلامية المسيحية عن طريق محاضراتك وندواتك التي شاركت بها حتى وافتك المنية.

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare