سلامة الجسم الصحية وأهلية التناسل
تولي الشريعة الإسلامية أهمية كبيرة لموضوع سلامة الجسم الصحية وأهلية التناسل، فتنصح الرجل والمرأة قبل الإقدام على الزواج على :
1 . البحث عن الرجل الصالح السليم القوي ، والمرأة الصالحة السليمة القوية من خلال السؤال عنه أو عنها ، وعن أحوالهما ، عن طريق الأصدقاء والجيران والعاملين معه، وحتى لا مانع من خلال البحث السري عن ملفه المرضي.
وهذه الأمور لا تغني عن تحري النظر إلى المظاهر الدالة على الصحة الخارجية، حيث قال العلماء القدماء إن رؤية الوجه للجمال ، ورؤية الكفين للصحة والسلامة .
2 . البحث عن أسرة الزوج ، أو الزوجة من حيث الصحة والمرض وكل ما هو معتبر فالعرق دساس .
- التوعية ، ونشر وسائل الاقناع بالفحص قبل الزواج ، والتوعية بالسرية والحفاظ على عدم الاضرار بالآخر .
الحكم الفقهي في الفحص الطبي قبل الزواج :
هل يجب الفحص الطبي للمخاطبين قبل الإقدام على إكمال العقد وجوباً شرعياً ما دام ذلك الفحص متاحاً ، وهل يجوز للدولة إصدار تشريع بإجبار الراغبين في الزواج على الفحص الطبي، وترتيب آثار على عدم القيام به من البطلان ، أو عدم التسجيل ونحو ذلك:
أختلف الفقهاء المعاصرون في ذلك :
- فذهب جماعة (منهم الشيخ عبدالعزيز بن باز ود.عبدالكريم زيدان، ود.محمد رأفت عثمان ، ود. محمد عبدالغفار الشريف) إلى عدم جواز ذلك مستدلين بالأدلة الآتية :
1 . أن عقد النكاح ليس عقداً جديداً حتى نبحث عن شروط جديدة لصحته ، بل هو عقد تناوله الشرع بالتفصيل من حيث أركانه وشروطه ، بل له خصوصيته حيث أحاطها الشارع بمزيد من العناية والخصوصية ، وبالتالي فإن إجبار العاقدين بوجود هذا الشرط (الفحص الطبي) مخالف لما ثبت عن الشرع ، ويكون هذا الشرط باطلاً لأنه يدخل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل) .
- لا نجد في الكتاب والسنة ولا في أقوال الفقهاء السابقين دليلاً ، أو قولاً باشتراط سلامة الصحة لصحة النكاح ، كما لانجد اشتراط أن يكون النكاح يلزم منه الذرية ، كما في المرأة الآيسة ، والرجل كبير السن حيث يجوز لهما الزواج دون إرادة الذرية ، بل الشروط الشرعية بعد شروط العقد هو كون الزوج من أهل الدين والخلق ولم يشترط كونه سليماً ، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه…..) .
3 . إن تصرفات ولي الأمر وبالأخص في جعل المباح واجباً إنما تصح إذا تعينت فيها المصلحة ، أو غلبت للقاعدة الفقهية (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) .
- وذهب جماعة (منهم الدكاترة : محمد الزحيلي ، والميمان ، وحمداتي ماء العينين ، وشبير) إلى أنه يجوز لولي الأمر إصدار قانون يلزم فيه كل المتقدمين للزواج بإجراء الفحص الطبي مستدلين بما يأتي :
1 . الأدلة العامة من الكتاب السنة وعلى وجوب طاعة ولي الأمر فيما ليس بمحرم .
- الأدلة العامة الدالة على حماية الإنسان لنفسه وعدم الوقوع في التهلكة .
3 . الأدلة العامة على وجوب الحفاظ على النسل الذي هو من الضروريات .
4 . حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا توردوا الممرض على المصح) حيث أمر باجتناب المصابين بالأمراض المعدية والوراثية ، وهذا لا يتحقق إلاّ من خلال الفحص الطبي .
5 . إن الفحص الطبي لا يعتبر افتئاتاً على الحرية الشخصية ، لأن فيه مصلحة الفرد أولاً ، وللجماعة ثانياً ، وحتى لو ترتب عليه ضرر خاص فإنه يتحمل لأجل الضرر العام كما تقضي بذلك القواعد الفقهية : ( يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) و (يرتكب أهون الشرين وأخف الضررين ، وأدنى المفسدتين…) و (درء المفسدة أولى من جلب المصلحة) .
6 . قاعدة (الدفع أولى من الرفع) حيث إذا أمكن دفع الضرر قبل وقوعه فهذا أولى من رفعه بالوقوع .
7 . رعاية الوسائل ، حيث إن للوسائل حكم الغايات .
إذا علم أحد الخاطبين بوجود مرض معد أو وراثي فيه ، فهل يجب عليه إخبار الطرف الآخر ؟ وما الذي يترتب على كتمانه ؟
الرأي المعتبر في الشريعة الإسلامية هو وجوب إخبار الطرف الآخر بما عنده من أمراض معدية خطيرة ، أو أمراض وراثية خطيرة ، أما إذا كان المرض عادياً أي غير معد ، ولا يؤدي إلى التشوهات في الأطفال المولودين منه حسب الظن الغالب فلا يجب عليه البيان .
والدليل على وجوب البيان على أحد الخاطبين أو الزوجين في حالة أنه اكتشف أنه مريض بأحد الأمراض المعدية الخطيرة ، أو انه يحمل جيناً من الجينات المريضة التي تؤدي إلى أن يكون المولود منه مشوهاً حسب الظن الغالب لأهل العلم حيث يجب عليه إخباره ….هو ما يأتي :
1 . وجوب الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والآثار والاجماع على حرمة الغش والتدليس والتغرير والخداع ، والتحايل التي تدور معانيها حول : كتمان الحقيقة ، واستعمال طرق النصب والاحتيال للوصول إلى مآرب الغاش ، والمدلس والمغرر والمحتال ، لذلك قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من غشنا فليس منا) .
- لا يقف أثر التغرير والتدليس عند العقود المالية التي يكون تأثيره فيها محل اتفاق في الجملة بل يتجاوزها إلى النكاح أيضاً حيث اتفقوا على أن التغرير بالحرية يوجب الضمان ، وحق الفسخ.
3 . هناك آثار وأحكام وفتاوى لبعض كبار الصحابة بوجوب البيان فقد روى الشعبي عن عمر رضي الله عنه قال : (انه بعث رجلاً على بعض السقاية فتزوج امرأة وكان عقيماً ، فقال له عمر : أعلمتها أنك عقيم ؟ قال : لا ، قال : فانطلق فأعلمها ، ثم خيّرها) .
وقد قضى كبير القضاة شريح بعدم جواز التدليس في الزواج وبحق الخيار للمدلس عليه ، حيث أُتىَ برجل فقال : إن هؤلاء قالوا لي : إنا نزوجك بأحسن الناس ، فجاؤوني بامرأة عمشاء ، فقال شريح : (إن كان دلس لك بعيب لم يجز) قال ابن القيم معقباً على هذا الحكم : ( فتأمل هذا القضاء، وقوله : إن كان دلس لك بعيب ، كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به) .
4 . ومن باب القياس الأولى إذا كان بيان العيوب في البيع ونحوه من المعاملات المالية واجباً ، وأن كتمانه يعطي حق الفسخ فكيف لا يكون تأثر للغش في هذا العقد العظيم الذي يترتب عليه آثار خطيرة على صحة الزوجين ومستقبلهما ومستقبل أولادهما ، يقول ابن القيم : (وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم على البائع كتمان عيب سلعته ، وحرم على من علمه أن يكتمه من المشتري ، فكيف بالعيوب في النكاح) .
فالزواج قائم على الإفصاح والشفافية : إذ أولى الإسلام عناية قصوى بأن تكون العلاقة بين الخاطبين أو الزوجين قائمة على الشفافية والإفصاح ووجوب البيان حتى يقدما على العقد بمنتهى القناعة ، والاطمئنان للوصول إلى الاستقرار والسكنى .
ولا يقتصر هذا البيان على العاقدين ، بل على من يستشار في هذا الصدد ، حيث قال النبي صلى الله عله وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية أو أبي جهم : (أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) ثم أرشدها إلى النكاح من أسامة رضي الله عنهم ، يقول ابن القيم : (فعلم أن بيان العيب في النكاح أولى وأوجب ، فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سبباً للزومه، وجعل ذا العيب غلاً لازماً في عنق صاحبه مع شدة نفرته عنه …..وهذا مما يعلم يقيناً أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه) .
فهذا البيان من واجب الشخص نفسه ، ومن واجب الذي يستشار بشأن الزواج استدلالاً بالحديث الصحيح السابق ، ولا يدخل هذا في باب الغيبة ، فقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يسأل عن الرجل يخطب إليه ، فسأل عنه فيكون رجل سوء ، فيخبره …أيكون غيبة ؟ قال : ( المستشار مؤتمن يخبره بما فيه ، وهو أظهر ، ولكن يقول ما أرضاه لك ، ونحو هذا أحسن) .
والخلاصة أن أحد الخطيبين يجب عليه ان يخبر الآخر بالأمراض المعدية والأمراض الجينية الخطيرة الموجودة فيه ، وإلاّ فهو آثم ، وللطرف الآخر حق الفسخ ، بل والتعويض إن أصابه ضرر تطبيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أصبح مبدءاً أو قاعدة عامة (لا ضرر ولا ضرار) والضرر يزال ، وان الضر لا يزال بمثله.
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي (رقم 82 (13/8) بوجوب إخبار المصاب الآخر من الزوجين، و (رقم 90(7/9)) بشأن مرض الايدز نذكره لأهميته حيث نص على :
أولاً : عزل المريض : حيث إن المعلومات الطبية المتوافرة حالياً تؤكد أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري نقص المناعة المكتسب (الايدز) لا تحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة الو التنفس او الحشرات او الاشتراك في الأكل أو الشرب او حمامات السباحة أو المقاعد أو أداوت الطعام ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية ، وإنما تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية :
- الاتصال الجنسي بأي شكل كان .
- نقل الدم الملوث أو مشتقاته .
- استعمال الإبر الملوثة ، ولا سيما بين متعاطي المخدرات وكذلك أمواس الحلاقة.
4. الانتقال من الم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة .
وبناء على ما تقدم فإن عزل المصابين إذا لم تخش منه العدوى ، عن زملائهم غير واجب شرعاً ، ويتم التصرف مع المرضى وفق الإجراءات الطبية المعتمدة .
ثانياً : تعمد نقل العدوى بمرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم ، ويعد من كبائر الذنوب والآثام ، كما أن يستوجب العقوبة الدنيوية وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.
فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع فعمله هذا يعد نوعاً من الحرابة والإفساد في الأرض ، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة في سورة المائدة / الآية 33 وهي القتل والإعدام.
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ، وتمت العدوى ، ولم يمت المنقول إليه بعد ، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة وعند حدوث الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه .
وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية .
ثالثاً : إجهاض الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) إلى جنينها لا تحدث غالباً إلاّ بعد تقدم الحمل نفخ الروح في الجنين أو أثناء الولادة ، فلا يجوز إجهاض الجنين شرعاً
رابعاً : حضانة الأم المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) لوليدها السليم وإرضاعه : لما كانت المعلومات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) لوليدها السليم ، وإرضاعها له ، شأنها في ذلك شأن المخالطة والمعايشة العادية ، فإنه لا مانع شرعاً من أن تقوم الم بحضانته ورضاعته ما لم يمنع من ذلك تقرير طبي .
خامساً : حق السليم في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) : للزوجة طلب الفرقة من الزوج المصاب باعتبار أن مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) مرض معد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي .
سادساً : اعتبار مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) مرض موت شرعاً ، إذا اكتملت أعراضه ،وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية ، واتصل به الموت) .
أثر الفحص الطبي بعد الزواج :
إذا تم الزواج فإن الموضوع يختلف تماماً ، لأن الهدف من الفحص قبل الزواج هو الاطمئنان على الآخر والقدرة على الزواج ومتطلباته البدنية والنفسية قبل أن يكون هناك أي التزام طرف من قبل الآخر ، أما بعد كتب الكتاب وعقد الزواج ، فإنه حينئذٍ يكون البحث عن العلاج ، أو حق الطلاق أو التطليق ، أو الفسخ .
فقد ذكر الفقهاء مجموعة من العيوب التي تعطي حق الخيار في الفرقة بين الزوجين أوصلها الحنابلة إلى ثمانية عشر عيباً ، والمالكية إلى ثلاثة عشر عيباً ، والإمامية إلى اثني عشر عيباً ، وبعض التابعين وضعوا لها معيار الضرر ، ولكن من أهمها تسعة عيوب ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء ، وهي الجنون ، والجذام ، والبرص واثنان يختصان بالرجال وهما الجبّ والعنّة وأربعة تختص بالنساء وهي القرن والرتق والفتق والعفل فقد ذهب جماهير الفقهاء (ما عدا الظاهرية الذين لا يقولون بالفسخ بسبب هذه العيوب) إلى إعطاء حق الخيار في الفرقة بين الزوجين في الجملة ، ولكنهم اختلفوا في بعض التفاصيل :
- فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى ثبوت حق المطالبة بالتفريق بسبب العلل المانعة من الجماع للزوجة فقط دون الزوج ، لان الزوج يملك الحق في الطلاق دون الحاجة إلى الفسخ ، وأضاف محمد بن حسن الشيباني إلى هذه العيوب الجنون والجذام ، كما أنه وسع دائرة العيوب حسب نص الكاساني عن محمد : (خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلاّ بضرر كالجنون والجذام والبرص) .
وقد اشترط الحنفية لحق مطالبة الزوجة بالتفريق بسبب الأمراض السابقة الشروط الآتية :
أ. أن لا يصدر منها صراحة ما يدل على رضاها بالمرض .
ب. أن لا تكون على علم بالمرض وقت الزواج .
ج. أن يكون العيب موجوداً عند الزواج ، أما لو وجد بعد الدخول فلا يحق لها المطالبة بالفسخ .
د. أن لا تكون هي أيضاً معيبة بعيب جنسي مثل الرتق والقرن .
- وذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة ، والإمامية إلى ثبوت حق المطالبة بالفسخ والتفريق لكلا الزوجين بسبب العيوب السابقة سواء وجدت قبل العقد أو بعده وإن كانوا مختلفين في عددها كما سبق .
- وذهب جماعة من الفقهاء إلى معيار موضوعي للعيوب ، وهو : كل عيب يؤدي إلى نفرة أحدهما من الآخر ، ويسبب له الإيذاء والضرر في الحياة الزوجية وهذا ما قال به بعض التابعين كالقاضي شريح ، والزهري ، وأبي ثور ، وأيدهم ابن القيم فأورد آثاراً وأدلة لترجيح هذا القول ، حيث ذكر بعض الآثار عن عمر رضي الله عنه أنه لم يقف عند العيوب المذكورة ، بل قضى بأن العقم من العلل ، فقال : (والقياس : أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار ، وهو أولى من البيع ، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع (أي بنص الحديث الصحيح) وما ألزم الله ورسوله مغروراً قط ، ولا مغبوناً بما غر به وغبن به ، وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول ، وقربه من قواعد الشريعة) .
وقال ابن القيم أيضاً : (وأما الاقتصار على عيبين ، أو ستة ، أو سبعة ، أو ثمانية ….فلا وجه له ، فالعمى والخرس ، والطرش ، وكونها مقطوعة اليدين ، أو الرجلين ، أو إحداهما ، أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات ، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش ، وهو مناف للدين الأخلاق ، إنما ينصرف إلى السلامة ، فهو كالمشروط عرفاً) .
وهذا الذي رجحه ابن القيم هو الذي يظهر رجحانه شرط أن يكون العيب مستديماً يحول دون علاقة زوجية طبيعية ، و هو الذي يتسق مع مقاصد الشريعة في الزواج وتحقيق المحبة والرحمة والسكنى ، ولذلك يدخل في العيوب الموجبة لحق الفسخ ما ظهر في عصرنا الحاضر من العيوب التي تعتبر أخطر مما ذكره فقهاؤنا الكرام ، مثل مرض الايدز ، ونحوه من الأمراض المعدية الخطيرة .
هذا وقد صدر قرار (رقم82(13/8)) من مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) نص على أنه (في حالة إصابة أحد الزوجين بهذا المرض ، فإن عليه ان يخبر الآخر ، وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة) .
وصدر قرار آخر (رقم90 (7/9)) ينص على أنه (من حق السليم من الزوجين طلب الفرقة من الزواج المصاب بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب “الايدز” ) .
التفريق هنا بحكم القاضي : والتفريق في باب العلل والأمراض يكون بحكم القاضي بشرط أن لا يكون طالب التفريق عالماً بالعيب وقد رضي به ، وان يأخذ القاضي برأي أهل الاختصاص في مجال العلة ، فقد يكون أحد العيوب في عصر فقهائنا مستحكماً لا يرجى شفاؤه ، وأصبح الآن سهلاً يمكن الشفاء منه بإذن الله حسب الطب المعاصر .
كما أن الراجح أن هذه الفرقة ليست طلاقاً ، وإنما هي فسخ وهو رأي الشافعية والحنابلة ، فلا يترتب عليه نقص عدد الطلقات .
ما هو مطبق في لبنان بالنسبة للشهادة الصحية : عند الدروز يتوجب تقديم شهادة صحية تثبت سلامة الجسم من الأمراض المعدية ، وعند السنة والشيعة لايوجد نص ملزم ، ولكن درج القضاة في المحكمتين الشرعيتين السنية والجعفرية طلب الشهادة كشرط لإعطاء الإذن بالزواج .
وأما حالة العقم فلا يعتبر مانعاً من الزواج ، وأما العجز الجنسي فلا يظهر إلا بعد الزواج ويعتبر سبباً من أسباب التفريق والفسخ .