عندما يعتقد المسؤول بأنه لا بديل عنه
في لقاء جمع صديقين أحدهما حرّ الإنتماء والآخر مقيد وفيّ لمن أوصله إلى منصبه، هذا الأخير يردد في مجلسه بأن مسؤوله في التبعية الهرمية لا غنى عنه وأنه لا يوجد من هو كفؤاً له لتولي مهام المسؤولية إذا ترك أو تنحى أو أجبر على الإستقالة، وتساءل بتهكم عن الذين يمكن أن يكونوا خلفاً له مما يفهم منه بأنه يعتقد فيهم العجزعن إدارة مؤسسته والزود عن مقام مرجعيته.
دفعني هذا التشدد في منحى الصديق الوفي لمن أوصله إلى منصبه، إلى البحث في حالات مماثلة فوجدت أن المعيار الذي يتحكم بهذه التبعية العمياء هو نتيجة ما يعتقده المسؤول من الإغترار بنفسه إضافة الى ما اجترعه من جرعة كبيرة من الغرور المَرَضي. فثمة فارق بين الثقة بالنفس والغرور، وبين الكفاءة والتفرد، وبين قوة الشخصية وعبادة الفرد. فقد يكون المسؤول متميزاً وكفؤاً، لكن ذلك لا يعني أنه لا بديل عنه. فالمؤسسات السليمة لا تقوم على شخص واحد، والقيادة الحقيقية لا تُقاس بمدى حاجة المؤسسة إلى قائدها، بل بقدرته على بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار من دونه.
أخطر ما يصيب المسؤول أن يخلط بين قيمته الشخصية وقيمة المنصب، فيتوهم أن الموقع يستمد بقاءه منه، وأن رحيله يعني الفراغ. والحقيقة أن الأشخاص عابرون، والمناصب أمانة مؤقتة، والمؤسسة الناجحة هي التي تستطيع دائماً أن تجد من يكمل المسيرة. بل إن القول: «لا أحد غيري يستطيع» قد يكون دليلاً على خلل في القيادة؛ فالقائد الذي لا يصنع بدائل، ولا يدرّب الكفاءات، ولا يتيح المجال للقيادات الجديدة، قد ينتهي به الأمر إلى الاستشهاد بغياب البدائل الذي ساهم هو نفسه في صنعها. وفي حالة المسؤول المرجع، تصبح هذه العقلية أخطر؛ لأنها قد تقود إلى احتكار القرار، وإضعاف المؤسسات، ومنع النقد، وإقصاء الكفاءات، وعبادة الشخصية، ثم الانزلاق إلى الفساد والاستبداد. فالمسؤولية تكليف قابل للمحاسبة والتداول، وليست ملكية شخصية. والقيادة الحقيقية أن ينجح المرء في جعل غيابه تغييراً في الشخص لا انهياراً في النظام. وأعظم إنجاز للمسؤول ليس أن يثبت أن لا أحد يستطيع أن يحل مكانه، بل أن يترك وراءه من يستطيع أن يكمل، وربما أن يتفوق عليه. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل أنت لا مثيل لك؟» بل: «ماذا بنيت من مؤسسات وقيادات قادرة على الاستمرار بعدك؟» فإذا لم يوجد بديل، فليست هذه بالضرورة شهادة عظمة؛ قد تكون شهادة على أن المؤسسة لم تُبنَ بصورة صحيحة. حين يعتقد المسؤول أنه لا بديل عنه، يكون قد بدأ يتعامل مع المسؤولية كأنها مُلك شخصي، لا أمانة مؤقتة. والقائد الحقيقي ليس من يجعل نفسه ضرورة، بل من يجعل المؤسسة قادرة على الاستمرار من دونه. فالتاريخ لا يتذكر من ظن أنه لا بديل له، بل من بنى نظاماً لا يحتاج إلى الأوحد.
هذا إذا سلمنا جدلاً بأن البدلاء غير مهيئين، فما بالنا إذا كان هؤلاء النخبة موجودين حقيقة وبكثرة، وهم أكثر منه علماً وأنقى سريرة، وأكثر خلقاً وأقل خبثاً ودهاء، ابحثوا عنهم فربما ستجدونهم داخل مؤسسته أو خارجها…. ولا نزكي على الله أحداً