شخصية الناقد البنّاء والقادح المشّاء
وقفت على ما اعتاد عليه البعض عند نشرهم في وسائل التواصل الاجتماعي الإتهامات والإشاعات والأخبار الملفقة، ومن يقابلهم في المطل الآخر من نخبة تتحدث عن الأمور المتداولة بأدب جم ولو كان قاسياً وبمنهجية النقد البنّاء. فوصلت إلى نتيجة بأن النقد الشخصي القائم على الهجوم والقدح ليس في حدّة الكلام فحسب، بل في موضوع النقد، وغايته، وطريقته، والنتيجة التي يريد بلوغها. فالنقد البنّاء ينصبّ على الفكرة أو القرار أو السلوك أو الأداء، لا على كرامة الشخص وشخصيته. والأهم أنه يستند إلى وقائع وأدلة، لا إلى الإشاعات والاتهامات المغرضة. أما النقد الشخصي القائم على الهجوم والقدح فهو ينتقل من مناقشة ما فعله الشخص إلى الطعن فيمن هو الشخص. وقد يتوسع في التشهير بالشخص أو أسرته أو صفاته الشخصية، عن طريق اختلاق الكذب وكيل الإتهامات المغرضة، بل ومن دون علاقة مباشرة بموضوع النقد، وغالباً ما تكون غايته إهانة أو تشويه صورة الشخص، والأهم صرف الأنظار عن القضية الأصلية.
النقد البنّاء حين يقول الناقد: «ما الذي أخطأ فيه المسؤول، ولماذا، وكيف يمكن إصلاحه؟» أما القدح الشخصي فيقول قائله : «الذي أهاجمه هو سيء لأنني قررت اعتباره كذلك، إما فضولية، وإما اندفاعاً طلباً من مستفيد ». وهناك معيار بالغ الأهمية: إذا أمكن حذف اسم الشخص ووضع اسم أي شخص آخر مكانه، وبقي النقد صالحاً لأنه يتناول الفعل أو القرار نفسه، فهو أقرب إلى النقد الموضوعي. أما إذا انهار الكلام بمجرد حذف الشخص واستبدال اسمه، لأنه قائم على صفاته وكرامته وسمعته، فهو أقرب إلى الهجوم الشخصي.
قد يكون النقد البناء قاسياً جداً، لكنه يظل نزيهاً ما دام موجهاً إلى الوقائع والأفعال والقرارات. وبالمقابل تأتي الإساءة في عبارات هادئة ومهذبة ظاهرياً، لكنها تظل قدحاً شخصياً إذا كان مقصدها تحقير الإنسان لا مناقشة عمله.