في تطوير مؤسسة الإفتاء للدكتور الشيخ صبحي الصالح – مؤتمر دار الفتوى سنة 1973
في تطوير مؤسسة الإفتاء للدكتور الشيخ صبحي الصالح (تعليق على محاضرة الدكتور حسين القوتلي بموضوع واقع مؤسسة الإفتاء)
لقد كان تصوير الأستاذ القوتلي لواقع مؤسسة الإفتاء واضحاً ودقيقاً . وكان من أسباب وضوحه ودقته : اعتماده المنهج التحليلي المتحرك ، باعتباره الإفتاء مؤسسة المؤسسات الإسلامية ، لما تعالجه من موضوعات إسلامية ووطنية وعربية ودولية متغيرة ، وباعتبار مفتي الجمهورية قمة الهرم في جهاز ديني وإداري تمتد صلاحياته ومسؤولياته حسب النظم والقوانين والأعراف انطلاقاً من الأسس الدينية الاسلامية لتشمل – كما قال الاستاذ القوتلي – الجوانب الاجتماعية والسياسية والوطنية جميعها.
ويبدو لي أن صلاحيات مفتي الجمهورية الشاملة المتعددة تيسر لنا عملية التطوير ، إذا كانت لدينا إرادة التغيير . ولكن ، لما كانت كل عملية تطوير إنما تتم من خلال المعطيات والامكانات الموجودة ، رأيت من المناسب حصر الامكانات القائمة بجانب سماحة المفتي ، وتصنيفها تصنيفاً يعيننا على تحديد الهدف ، والاستراتيجية والسياسة، والتخطيط ، والبرنامج .
ان اصطلاحنا على قصر الاهتمام بمهام الافتاء وحدها ( ولو بكل أبعادها ) أبعادها ) تأباه طبيعة تلك المهام نفسها ، فهي متشابكة مع الجوانب الأخرى . وسنرى أننا – برغم بحوث الزملاء في تطوير المحاكم الشرعية والأوقاف والمؤسسات الاجتماعية والتربوية – سنظل نركز على دور مؤسسات الافتاء في التنسيق ، انطلاقاً من صلاحيات مفتي الجمهورية بموجب الأنظمة والقوانين ، فهنا في مؤسسة الافتاء سياسة عامة ، وهناك في المؤسسات الأخرى تحديد وتفصيل . وبعد هذا الاحتراز ، لا ضير في افراد مهام الافتاء بعناية خاصة ، على أن نشير كلما دعت الحاجة الى ارتباط كل تطوير لتلك المهام بوسائل التنمية المقترحة للمؤسسات الاخرى .
وفي ضوء هذا التمهيد ، نستطيع في مؤسسة الإفتاء حصر إمكاناتنا في مفتي الجمهورية والمفتين المحليين ومدرسي الفتوى ، وفي المحاكم الشرعية والقضاة الشرعيين ، وفي المجلس الشرعي ولجانه ، والمجلس الاستشاري والمجالس الادارية للأوقاف ، ورابطة علماء لبنان ، وأزهر لبنان ، ومساجد تزيد على مئتين وخمسين ، وأفراد من علماء الدين .
ويدخل في إمكاناتنا علاقة الإفتاء بالمؤسسات الإسلامية ، وبالمؤسسات الوطنية ، ثم بالمؤسسات الرسمية ، بكل ما تعكسه تلك العلاقة على حياتنا الإسلامية إيجاباً أو سلباً.
وسوف نلاحظ – من مضمون هذه الدراسة – أن لدينا أيضاً إمكانات أخرى أضخم وأكبر ، لكنها معطلة لا نعمل على تحريكها والإفادة منها : في طليعتها جباية الزكاة في صورة الصندوق المستقل لبيت مال المسلمين . وما من ريب في أن هدف هذه المؤسسة – بكل إمكاناتها الفعلية والمعطلة – ينحصر في تنظيم الحياة الدينية تنظيماً تنعكس آثاره على الحياة المدنية والاجتماعية . وأن هذا الهدف ليزداد اتساعاً وشمولاً كلما ذكرنا ما يتمتع به مفتي الجمهورية من صلاحيات ، وما بين يديه من أجهزة ودوائر وطاقات ، وكذلك إذا ذكرنا ما لتلك الأجهزة التابعة لسماحته من مجالات رحيبة وميادين عمل لو أحسن توجيهها لصنعت ما يشبه المعجزات .
ذلك بأن المعادلة اللبنانية القائمة – كما أوضح الاستاذ القوتلي – على التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الحقوق ، قد يسرت للافتاء أسلوباً فذاً في الممارسة الوطنية الواسعة النطاق . ومن هنا كان الفارق الحاسم بين صلاحيات مفتي الجمهورية عندنا وصلاحيات المفتي العام في أي بلد عربي أو إسلامي أو غير إسلامي ، حتى ليبدو لنا أن أول ما يجب علينا رفضه – إن أردنا التطوير حقاً – هو ما ردده بعض رجالنا المدنيين المرموقين – ربما عن حسن نية – من انحصار صلاحيات مفتي الجمهورية اللبنانية في الأعمال الدينية المحضة . كإثبات ولادة الهلال ، والإمامة في صلاة العيدين ، وتوجيه المواعظ في المناسبات . بل ينبغي لنا – في اعتقادي – أن نضخّم دور الإفتاء في لبنان ، لنمكنه من تحقيق الهدف ، ووضع الصياغة السليمة للاستراتيجية الحكيمة .
وقبل الدخول في التفصيلات ، قد يكون من المفيد لنا – توضيحاً لاستراتيجية العمل في مؤسسة الافتاء – أن نوضح نوعية العلاقة التي يجب أن تقوم بين مفتي الجمهورية والمؤسسات الإسلامية بوجه خاص . وإنها لعلاقة الإشراف لا السيطرة ، علاقة التنسيق لا تجميع السلطات ، علاقة المسؤولية الجماعية لا تسلط الأفراد ، إذ لا رهبانية في الإسلام ولا رئاسة ( أكليركية ) ما دام القرآن يقول : « ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » . ويقول : « لست عليهم بمسيطر » ويقول : « وما أنت عليهم بجبار » .
وعلى هذا الأساس ، في وسعنا أن نصرح بأنه ليس من سياسة الإفتاء – ولا يجوز أن يكون من سياسة الافتاء – الاستيلاء على المؤسسات : اجتماعية كانت أم تربوية لمجرد أنها تحمل الصفة الإسلامية ، بل من سياسة الإفتاء التي لا مناص منها ، وليس التساحل بشأنها الإشراف الفعلي لا الشكلي ، العلمي لا المرتجل ، المنسق لا المفرق ، المخطط لا العفوي ، على تلك المؤسسات كلها ، عن طواعية واختيار من القائمين عليها ، في جو رفيع من الثقة المتبادلة بين الجميع .
وعلى سبيل المثال ، نطوّر سياسة الإفتاء في هذا المجال ، إذا اقتنعنا بوجوب السعي الجدّي لإيجاد مجلس أعلى للتنسيق الإسلامي في لبنان ، تجاوباً مع قرار مؤتمر وزراء الأوقاف المنعقد في الكويت سنة ١٩٧٢ ، لتجنب تكرار الجهد ، ولنوفّر أموال المسلمين ، ولنوزّع الخدمات الاجتماعية على المؤسسات الإسلامية على النحو الذي تفرضه الدراسة العلمية الاحصائية الحقلية ، وهي دراسة موجودة اليوم في دار الفتوى، في صورة مشروع يرتب الحاجات الإسلامية حسب الأولوية . ولو دخلنا في التفصيل ، لعرضنا ذلك المشروع منذ هذه اللحظة للمناقشة والنقد والتحليل .
بيد أننا – حين نتفق على أن مؤسسة الإفتاء هي مؤسسة المؤسسات الاسلامية كلها ، وعلى أن سياستها هي الاشراف المسؤول عليها كلها – لا بد لنا من (روزنامة) عمل ، أو ما يسمى بالتصميم أو بالتخطيط . فلنحدد مثلاً مشروعاً لخمس سنوات ، نزيل خلاله المعوّقات ، ونسدّ الفجوات ، ونضع برنامجنا بالتفصيل .
وهنا نوافق الاستاذ القوتلي على أن تلك المعوّقات الخمسة التي ذكرها قد حالت حتى الآن دون اعتمادنا خطة مرحلية ما ، وكانت على تفاوتها ، حاجزاً طبيعياً دون التنمية والتطوير . الا أننا لو ألقينا نظرة على الوسائل الكفيلة بازالة تلك المعوّقات جميعاً ، لأيقنا بأن انطلاقنا الى الثورة الاصلاحية ليس بمستحيل .
والمعوّقات الخمسة التي أشرنا اليها هي – كما عرفتم من المحاضرة السابقة – المعوّق المادي ، فالإداري ، فالاجتماعي ، فالطائفي ، فالسياسي. وسنلتزم الآن ، في حدود الامكان ، تبديل كلّ معوّق منها بما نقترحه من وسائل التنمية ، وأساليب التطوير ، آخذين بعين الاعتبار ، ما وسعنا الأمر ، ما شدّدنا عليه وألححنا من تصور سليم لاستراتيجية العمل ، ورسم دقيق للسياسة التطبيقية ، ووضع صحيح للخطة المرحلية، ومبادرة فعّالة للمنهاج التفصيلي المنشود .
أولا : التنمية المادية :
نسلّم قطعاً بأن قلة الموارد المالية هي التي تغري بعض العاملين في مؤسسة الإفتاء بالانصراف الى أعمال اضافية لا تتسم مع الوقار الديني من ناحية ، ولا تؤمّن سير العمل في المؤسسة من ناحية ثانية . وربما يبدو للوهلة الأولى أن السعي لزيادة رواتب المفتين ومدرسي الفتوى كفيل بتصحيح أوضاعنا المادية . ومع أننا لا نرى ضيراً في هذا التدبير، ومع انا نقرّ فوق ذلك بأن هذا يشكّل هدفاً من أهداف التطوير ، ننصح من أجل تحقيقه بأن نكون واقعيين : فاستراتيجية العمل تملي علينا أن نختار بين أسلوبي التسلل المتدرّج أو التوثب الفوري ، وبين سياستي الارتباط مع الدولة ، أو الانفصال عنها انفصالاً لا رجعة عنه .
وإذا كنا – من طريق المرسوم الاشتراعي رقم ١٨ – ما نبرح مالكين لوثيقة تشريعية تنشيء لنا علاقة رمزية بالسلطة ، وبفضلها نحصل على مخصصات مالية لا نزال بحاجة اليها ، فإن المنطق السليم يقضي بألا نتسرّع في حرمان مؤسسة الإفتاء من تلك الحقوق ، ولا سيما إذا تبيّن لنا أن إمكاناتنا الحاضرة في الأوقاف والمجلس الشرعي الأعلى : المشرف عليها – برغم تحسّنها المستمر نسبياً – لا تكفي لتحقيق ما نصبو اليه من اصلاح الأوضاع المالية لعلمائنا ومفتينا الكرام وموظفينا الدينيين.
من هنا كان تطلعنا الى الدول الإسلامية الشقيقة التي تربطنا بها أحسن العلاقات ، والتي نحاول أن نزيد علاقاتنا بها حسناً ، وأن نقنعها بتفهم أوضاعنا المريرة ، واقراضنا قرضاً حسناً ، أو تقديم العون المادي والأدبي الينا بصورة جدية مسؤولة .
ونرى لزاماً علينا بهذه المناسبة أن نشيد بالقرض الليبي الكريم الذي تم الاتفاق عليه منذ عدة أشهر بين جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا وبين المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ، من أجل تنمية الموارد الوقفية ، والسعي لاصلاح الأوضاع الإسلامية ، لكن بنود الاتفاق على هذا القرض الذي ننوي طبعاً تسديده في مواعيده المحددة لا تسمح لنا ( الآن على الأقل ) بأن نوسع النفقات قبل الشروع بتنمية مواردنا . فلم يكن بد من الإبقاء مؤقتاً على علاقتنا الرمزية بالسلطة القائمة ، مع حرصنا على أمرين :
أحدهما : إبراز الإفتاء بصورته المستقلة عن سياسة الدولة في مواقفنا الإسلامية الأصيلة ، وهو شيء حاصل برغم كل الظواهر العكسية المتوهمة .
أما الأمر الثاني فهو عملنا التدرجي ، بكل دقة وموضوعية ، على فصل الإفتاء عن جسم الدولة فصلاً نهائياً حين تواتينا الظروف ، وليس صعباً أن تواتينا في المستقبل القريب إذا أحسنا تنمية مواردنا الوقفية ، استناداً إلى القرض الليبي وإلى قروض ومساعدات يحتمل ورودها من جهات إسلامية أخرى ، في ضوء ما سيقترحه الزملاء لدى الحديث عن تطوير مؤسسة الأوقاف والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى .
وجدير بنا أن نكون على يقين من أننا – حين نفضل في مرحلتنا الحاضرة ألا نقطع مع الدولة الجسور – إنما نعيد الأمور إلى نصابها كلما طالبنا بزيادة مخصصات الافتاء من رئاسة الوزراء ، ولاسيما اذا شددنا من عزيمة رئيس الحكومة ـ أي شخص كان ، فنحن لا نشكل
فريقا مع أحد ، ضد أحد ـ حين نقول بملء صوتنا : ان هذه المخصصات حقوق للمسلمين منذ العهد العثماني ، وقد أبقى عليها المنتدب الفرنسي ، ولم يهضم الكثير منها إلا في عهد الاستقلال مع الأسف الشديد . ونغتنمها هنا فرصة للدعوة الى خلق الروح الإسلامية لدى المواطن المسلم ليتعاطف تعاطفاً مخلصاً صادقاً مع مؤسسته الصميمة الأولى ، بل مؤسسة المؤسسات : دار الفتوى الإسلامية .
وهذا التعاطف الصادق هو الذي دعونا اليه ـ منذ أكثر من أربع سنين ـ عندما قدمنا إلى المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى مشروعنا « الصندوق المستقل لبيت مال المسلمين » ، مشفوعاً بالأسباب الموجبة لوضعه موضع التنفيذ : فقد رأينا يومئذ ـ وما نزال نرى ـ أن أهم ما ينبغي لانجاح المشروع هو أن يحصل القائمون عليه على الثقة اللازمة التي بدونها لا يكتب له التوفيق ، وأن هذه الثقة لا تستمد من المعرفة بالحاجات ووضعها في نصوص الاشتراعي رقم ١٨ أو غيره ، ولا تكفي فيها النيات الحسنة ، بل لا بد من عمل علمي ونهج عملي في إدارة الصندوق وتقديمه للناس بشكل واضح الاهداف معروف الموارد والنفقات ، ولذلك لا بد من موازنات عادية وإنمائية يجري التقيد بتنفيذها بأمانة ودقة وروح علمية تترجم مصالح المسلمين في اقامة مثل هذا الصندوق .
ولعل من نافلة القول في هذا المقام أن إنشاء هذا الصندوق أصبح أمراً ضرورياً لتأمين موارد كافية لتغطية المتطلبات النهوض بالأوضاع الإسلامية في لبنان في مختلف المجالات ، ولا سيما إذا اعترفنا مرة أخرى بأن موارد الأوقاف ، مهما تحسنت ـ لا تكفي لتأمين رفع المستوى المادي لعلماء الدين ولإنشاء المساجد والانفاق عليها !!
وحسبنا – كي نشير إلى ما في الصندوق من إمكانات وطاقات مطلعة أن نعرض لشيء مما قيل في تقدير قيمة الزكاة التي تتوجب جبايتها على المسلمين ، وفقاً لتقديرات الثروة القومية وما يصيب المسلمين منها في لبنان : ففي هذا المجال مثلاً قدّرت إحدى الدراسات الدخل القومي في لبنان ( بأربعة بليار ليرة ) والدخل القومي يعادل عشر الثروة القومية أو خمسها على الأكثر ، فتقدير الثروة القومية يساوي عشرين ملياراً ، وعلى تقدير أن المسلمين يملكون ٤٠ ٪ من هذه الثروة ، وعلى أساس اثنين ونصف بالمئة زكاة سنوياً ، يمكن تجميع ( مئتي مليون ليرة لبنانية ) .
ولكن ، تجنباً للوقوع في التقديرات الخاطئة ، تتكفل ادارة الصندوق – في حال إنشائه – بوضع المشروعات الانمائية بصورة علمية متدرجة ، مع اعتبار مساهمات الدول والتبرعات من الشركات والافراد أساسية في المرحلة الأولى على الاقل لتغذية موارد هذا الصندوق .
وبديهي اني ما ذكرت أمر هذا الصندوق – قبل اقراره نهائياً من قبل المجلس الشرعي، وهو على جدول اعماله منذ أشهر وقد اقرت في الجلسات الاخيرة المواد الاربع الاولى من نظامه الاساسي – الا ابرازاً لأهميته ، واهابة باخواني اعضاء المجلس للاسراع ببيته واقراره ، فمن العبث أن نحاول احداث تغيير او تطوير اذا نحن لم نقرر نظائر هذا المشروع . اذ يبدو أننا على شبه اليقين بأننا – رغم مطالبتنا الدولة
بحقوقنا المادية – لا نتوقع منها الكثير .
وريثما نقر نهائياً ذلك المشروع ، لا بأس حالياً ( في حدود امكاناتنا ) باحداث صندوق خاص لدى كل مفت في المحافظات والاقضية ، توضع أسس تمويلة والصرف منه . واذا ازدادت مواردنا المادية فلا بد من انشاء دار للفتوى في كل محافظة ومنطقة . وقد يكون من المستحسن البدء بتوسيع دار الفتوى في العاصمة اذا سمحت بذلك ظروفنا المادية .
ونحن مقتنعون بأنه ينبغي أن تضم دار الفتوى في كل محافظة مكاتب وقاعة استقبال ، ومن فوقها يكون منزل المفتي . الا أننا في الوقت نفسه نرى أن كل تحسين في أوضاع المفتي المحلي المادية يجب أن يرتبط ببقائه في مقر عمله ، والتزامه القيام بجميع مهامه .
ومهما يكن من شيء ، فان مجرد اقرار أربع مواد من مشروع النظام الاساسي للصندوق المستقل لبيت مال المسلمين من قبل المجلس الشرعي ، ينبيء عن تحرك هذا المجلس في اتجاه انمائي عام ، ينبغي أن نزيده قوة وزخماً مع الأيام . وفيما يتصل بتحسين أوضاع المفتين المالية بوجه خاص، خطا المجلس الشرعي خطوة أولية في هذا الصدد حين أقر في جلسته المنعقدة في ٧ كانون الاول سنة ١٩٧٢ اعطاء تعويض تمثيل للمفتين في المناطق مقداره مئة ليرة لبنانية ، وكلّف لجنة – كان لي شرف رئاستها – دراسة أوضاع المفتين المحليين ومدرسي الفتوى ، والعمل على تحسينها مادياً وأدبياً ، وبعد عدة جلسات خلصت اللجنة المذكورة الى المقترحات التالية :
١ – اعتماد مبدأ المرتبية « بتنظيم الوظائف وتوزيع الاعمال بين علماء الدين » مع تعديل نظام دوائر الافتاء ، بتكليف اللجنة التشريعية وضعه بصيغته النهائية تمهيداً لتصديقه من قبل المجلس الشرعي الأعلى . ( وسنعود الى هذا المبدأ حين ننقل بعد قليل الى الاصلاح الاداري أو تطوير مؤسسة الافتاء ادارياً ) .
٢ – وضع مشروع ملاك جديد على ضوء الملاك الحالي .
٣ – تصنيف المفتين ومدرسي الفتوى ، وتعديل رواتبهم على أساس أن يكون راتب المفتي المحلي كالقاضي ، ومدرس الفتوى كالمدرس الثانوي ، ان كان حاصلاً على الاجازة الجامعية ، مع الأخذ بعين الاعتبار مدة الخدمة ، واعتبار مدة العشر سنوات
موازية للشهادة الجامعية ، وتحضير قانون ينشر بمرسوم .
٤ – تصنيف العاملين حالياً في مؤسسة الافتاء .
وهذه اللجنة الخاصة التي ما تبرح توالي اتصالاتها بالمسؤولين لزيادة مخصصات الافتاء من ناحية ، ولتعديل رواتب المفتين ومدرسي الفتوى من ناحية ثانية ، ستعرض في فرصة قريبة جداً نتائج مساعيها التي نأمل أن تكون ايجابية ومواكبة للحركة التطور في مؤسسة الافتاء .
ثانياً – الاصلاح الاداري :
إنها لصورة تسر العدو ولا ترضي الصديق ، تلك التي رسمها لنا الاستاذ القوتلي عن جهاز الإفتاء ، من حيث فقدان الارتباط الهرمي بين عناصره ومفتي الجمهورية مباشرة ، أو بين عناصره والجهاز التنفيذي لديه.
وهذا – بلا ريب – وضع غير طبيعي . ولكن ، حين نعلم أن من أسباب التشتت والضعف في هذا الجهاز تشابك الصلاحيات وعدم تحديدها ؛ وغموض التسلسل المرتب ، وعدم تنظيمه ، وفقدان الانضباط مع غياب التفتيش ، سرعان ما نستنتج أن زيادة ملاكات الإفتاء لن تأتي بالحل المنشود ، ولكنها قد تعين على تصحيح الوضع من نواحيه إذا سدت الفجوات فيما نشتكي منه ، مرة من جهة النهوض وأخرى من زاوية التطبيق .
أما النصوص فكفانا مؤونة البحث في بعضها القرار رقم ٢١ الصادر عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في ٢٠ حزيران سنة ١٩٦٩ ( أي منذ خمس سنين المتضمن نظام موظفي دوائر الافتاء السني ومدرسيه ، مع تبيان مهامهم وواجباتهم وحقوقهم وأصول ترقيتهم وتأديبهم . ولكن مشهد احدى جلسات المؤتمر في الحديث عن تطوير مؤسسة الإفتاء خلافاً شكلياً حول هذا النظام حصل بين أعضاء المجلس يوم صدوره .أيجَب نشره في الجريدة الرسمية أم يوضع فوراً موضع التنفيذ ؟ ثم كانت لبعض الأعضاء عليه – من أول يوم – ملاحظات وتعليقات ودوا لو تستدرك بشيء من التعديل قبل نشر النظام في مطلق الأحوال . ومنذ أكثر من سنة ( في ١٨ نيسان سنة ١٩٧٣ ) أقرّت اللجنة التشريعية في المجلس جميع التعديلات المطلوبة ، سواء أتعلقت بتوسيع صلاحيات المدير العام لشؤون الإفتاء ، أم بتعين موظفي الإفتاء وترقيتهم وترفيعهم بقرار من مفتي الجمهورية ، أم بجعل تعيين مدرسي الإفتاء ونقلهم وترقيتهم من صلاحية مفتي الجمهورية ، الأمر الذي يجعل هذا النظام – مع تعديلاته – بمجرد إقراره من قبل المجلس الشرعي قريباً ، كفيلاً بتأكيد الارتباط الهرمي بين عناصر الافتاء وقمة الهرم « مفتي الجمهورية » .
ومما يجدر بنا ذكره أن هذه التعديلات التي أقرتها اللجنة التشريعية ، وجعلت بها النظام أكثر تناغماً وتوافقاً مع الوضع الاداري للافتاء ، قد كانت مبنية على عدة دراسات وتقارير ، من بينها وفي طليعتها مقترحات اللجنة الخاصة بدراسة أوضاع المفتين ومدرسي الفتوى التي ذكرناها آنفاً ، ولا سيما اقتراحها الأول الذي أشرنا إلى أننا سنعود اليه، وهو المتعلق باعتماد مبدأ المرتبية بتنظيم الوظائف وتوزيع الأعمال بين علماء الدين ، مع تعديل نظام موظفي دوائر الإفتاء .
على أننا نعترف بأن اعتماد مبدأ المرتبية هذا يلجئنا – من زاوية النصوص قبل التطبيق – إلى وضع صياغة صحيحة لمفهوم المرتبية بالذات : ذلك بأن بين السادة العلماء أنفسهم – لا سيما الأعلام المرموقين منهم ، وبينهم – بعض المفتين – من يسيء فهم النصوص الواردة بشأن الرهبانية تحريماً لها وترهيباً منها ، أو بشأن خاتم النبيين من أنه ليس بمسيطر ولا جبار ، فيتوهم أن فقدان الصفة ( الاكليركية ) في الإسلام يجب أن يرادف الفوضى والتشتت والتجافي عن كل تسلسل هرمي وعن كل تنظيم مرتبي . وهي مغالطة نفسية مكشوفة لا يليق أن تصدر عن أحد من السادة العلماء .
ولكيلا نسمح بمثل هذه المغالطة لأحد من علماء الدين – مهما يسم مقامه في عين نفسه أو في عيون الناس – سنعلنها صريحة منذ الآن ، وسندعمها بنظام واضح في أقرب فرصة : إن ديننا الذي نعتنق هو الذي يوجب علينا – قبل المرسوم الاشتراعي ١٨ – أن نعظم مقام سماحة المفتي ، بعد أن ارتضيناه الرئيس الديني لنا أجمعين ، من علماء ومدنيين، بصرف النظر عن أي اعتبار مهما كان . ان أي اعتبار لا يغير من أصل الفكرة شيئاً ، لأننا برعاية التسلسل الهرمي نزيد أواصر التعاون بيننا ، ونتلاحم ونتقارب ، حتى لنوشك أن نؤلف جسماً واحداً شديداً قوياً .
وإذا كنا نوجه مثل هذه الوصية الى جميع المسلمين ، فإنه لأحرى بنا أن نضعها بالمقام الأول نصب أعين السادة العلماء ، علماء الدين ، وبصورة أخص : أولئك الذين يعملون على ارتباط دائم بسماحته كالمفتين ومدرسي الفتوى والموظفين الدينيين.
ويدخل في الاصلاح الاداري من زاوية التطبيق عدة أمور :
١ – الحيلولة دون تشابك الصلاحيات بين الموظفين الثلاثة عشر الحاليين ، وذلك بتحديد صلاحياتهم التي تستوعب كل ألوان النشاط في الإفتاء .
٢ – احداث جهاز للتفتيش الاداري على جهاز الإفتاء ( ولا سيما على مدرسي الفتوى وموظفي الإفتاء ) . أما المفتون المحليون فمع أنهم يرتبطون مباشرة بمفتي الجمهورية يتولى التفتيش عليهم أكبرهم سناً ، فذلك – على أي حال – أولى من تركهم على ما هم عليه دون رقيب ولا حسيب . وإذا تبين لمفتي الجمهورية أن بعضهم لا يقوم بمهامه أو لا يصلح للقيام بها ، فالرأي عندنا أن يصرفه من الخدمة ، وأن يبادر إلى تعيين خلف صالح مكانه .
٣ – بعد سد الفجوات فيما نشتكي منه بالتطبيق نسعى لزيادة ملاكات الإفتاء ، بموظفين جدد في مديرية الإفتاء وبموظفين في كل دار إفتاء في المحافظات والأقضية . ونحدث بصورة خاصة في مديرية الإفتاء دائرة للخدمة الاجتماعية ( خدمة الفرد والجماعة ) مع اعتماد الأساس العلمي الاجتماعي الميداني ) ، كما نحدث أيضاً رئاسة ديوان في هذه المديرية ( برتبة رئيس مصلحة ) لتتولى بدلاً من المدير العام مهمة الاتصالات لانجاز الخدمات الفردية والمشكلات الطارئة المتعلقة بأجهزة الدولة .
٤ – احداث مؤسسة للاعلام الاسلامي تابعة للمديرية العامة لشؤون الافتاء . غاياتها عديدة ( منها الاستمرار في تطوير مجلة الفكر الاسلامي ومعرض الكتاب الاسلامي ، وهما موجودان الآن ) ومنها العمل على انشاء صحيفة يومية ، ووكالة أنباء ، ومطبعة لطباعة التراث ولطباعة القرآن الكريم بوجه خاص . والسعي لايجاد تلفزيون رأسماله إسلامي بحت ، والتمهيد لذلك بتخصيص دار الفتوى بمسلسلات دورية في بعض اقنية التلفزيون العاملة في لبنان ، والعمل على تأسيس جامعة إسلامية ، أو البدء حالياً باحداث كلية شريعة جامعية والحاقها بأزهر لبنان ، وربطها أكاديمياً بالجامعة الأزهرية في القاهرة .
وإنصافاً للحق والواقع ، لا بد أن نوميء الى المحاولات المستمرة في المديرية العامة للإفتاء لتقسيم العمل الإداري وتوزيعه على الموظفين الثلاثة عشر توخياً للاصلاح ولحسن سير العمل ، كما حصل في الاجتماع الذي انعقد لهذا الشأن في دار الفتوى بتاريخ ١٤ تموز سنة ١٩٧٠ ، وأسفر عن توزيع الأعمال على القطاعات التالية :
١ – دائرة المراسم والعلاقات العامة والأعلام .
٢ – دائرة شؤون الموظفين والصيانة العامة .
٣ – دائرة السكرتارية والعلاقات الداخلية .
٤ – دائرة المحاسبة .
٥ – دائرة النشاطات الدينية والفتاوى .
٦ – دائرة المجلة .
٧ – دائرة التوزيع الهاتفي والسعي والخدمة .
وفي ذلك الاجتماع نفسه اتخذت بعض الاجراءات التنظيمية، كما عمم على جميع المسؤولين في الدوائر انهم مرتبطون في عملهم بصاحب السماحة مفتي الجمهورية وذلك بطريق التسلسل بواسطة المدير العام لشؤون الإفتاء، وأنه لا يجوز اغفال التسلسل الاداري مطلقاً، وأن المدير العام يقوم بتنسيق العمل ومراقبته في جميع الدوائر .
وفي يقيني ان قد كانت هذه خطوة ناجحة نحو الاصلاح الاداري لو توافرت لدى الجميع نيات الإصلاح، وإرادة التغيير والتطوير. لكن استراتيجية العمل التي آثرت الاقناع على الغرض، والسياسة المتروية التي فضلت البطء مع التنظيم على العجلة مع الفوضى، والخطة المرحلية التي تستدعي المفاضلة بين أحدث الأساليب للاصلاح الاداري حتى في أجهزة الدولة، كل ذلك حال حتى الآن مؤقتاً دون قيام التطوير المطلوب الذي بتنا نراه قاب قوسين منا أو أدنى .
ثالثاً – التنمية الاجتماعية :
لقد نصت الفقرة (ب) من المادة الثانية للمرسوم الاشتراعي رقم ١٨ على أن مفتي الجمهورية « يشرف على أحوال المسلمين ومصالحهم الدينية والاجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانية، ويجتمع الى المفتين في المحافظات والأقضية كلما دعت الحاجة ليدرس معهم أحوال المسلمين الدينية والاجتماعية في مناطقهم » .
وقد توقف الاستاذ القوتلي عند كلمة الاجتماعية ليستنتج – ونحن معه في استنتاجه – أن هذه الكلمة « تشمل الأسرة والعمل ومستوى المعيشة والحياة الاقتصادية بوجه عام ، كما تشمل التربية والأخلاق والعادات والتقاليد وحقائق الانتماء الوطني لدى المواطن ، كما تتناول المؤسسات الاجتماعية الإسلامية – لا يجوز أن تنسلخ عن الواقع الاجتماعي ، بأشمل معانيه لكل المواطنين المسلمين في لبنان ، إذا كانت هذه المؤسسة تريد حقاً أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في التنمية والتطوير .
وما دامت الفقرة ( د ) من المادة المذكورة آنفاً تتيح لمفتي الجمهورية أن « يستعين في الأمور الهامة عند الاقتضاء بمجلس استشاري يختاره من رجال العلم والعمل المشهورين » ، وما دام هذا المجلس الاستشاري قد شكل منذ سنوات من ستة عشر عضواً من أكرم الشخصيات الإسلامية وأوسعها خبرة وعلماً ، وما دام هؤلاء الأعضاء جميعاً – في عدد من الاجتماعات والمناسبات – قد أجمعوا على تصدي مقام الإفتاء لممارسة المسؤولية الاجتماعية بأوسع معانيها ، فإن أبسط ما يمليه هذا كله على المسلمين أفراداً وجماعات ومؤسسات وهيئات وجمعيات وأحزاباً في لبنان، أن يقفوا من رئيسهم الأعلى دائماً موقف التأييد ، وأن يمدوا مؤسسة الإفتاء التي هو على رأسها بكل ما يستطيعون من أشكال التصميم والتخطيط .
أما من جهة الافراد فيبدو لنا أن شيئاً من النقص ما يزال يعتور العمل الاجتماعي الإسلامي أو الخدمة الاجتماعية الاسلامية ، لفقدان الاحصاء العلمي الميداني للطاقات البشرية والامكانات الثقافية والكفاءات الاجتماعية للرجال المسلمين وللنساء المسلمات ، بعد أن أمسى الجميع يقبلون على الاختصاص في أكثر الميادين العلمية والفنية والتكنولوجية إقبالاً يثير الاعجاب حقاً .
ويتخيل الينا أنه ليس عسيراً على المديرية العامة للافتاء – من خلال إحدى دوائرها بحالها الراهنة – أن تقدم ذلك الإحصاء العلمي المنشود لطاقاتنا البشرية الإسلامية، فيما تحضره من استمارات وبيانات اجتماعية، وفيما توجهه من فرق العمل في المناطق الإسلامية في لبنان، ولا سيما إذا استعانت ببعض ذوي الخبرة من الأساتذة الجامعيين والمعنيين بالدراسة الحقلية الاجتماعية بوجه خاص: ذلك ما ننصح به على كل حال أن أردنا ممارسة واجباتنا في التنمية الاجتماعية.
وأما من جهة الجماعات والهيئات والإسلامية – وقد أضحت كثيرة ونشيطة بحمد الله – فلا بد لنا من أن نهيب بها مرة أخرى إلى التلاحم مع مؤسسة الإفتاء، مع الاستعداد الكامل للاندماج فيما تقترحه من صور التنسيق للعمل الاجتماعي الإسلامي، سواء أكان ذلك في المؤسسات التربوية أم الرعائية أم التثقيفية العامة.
إننا سنظل عاجزين عن التطوير الاجتماعي إذا أصرت بعض المؤسسات الإسلامية على رفض كل معونة من قبل مؤسسة الإفتاء، أو إذا سمّت تلك المعونة بغير اسمها الحقيقي، كأن تعتبرها نوعاً من الوصاية عليها.
إن خوفنا على مؤسساتنا الإسلامية أن تضمحل، وعلى أموالها أن تتبدد، وعلى جهودها أن تضيع، هو الذي يدعونا اليوم – أكثر من أي وقت مضى – إلى ترغيب مؤسساتنا كلها بالتجاوب مع الفكرة التي نوّهنا بها في مطلع بحثنا: ألا وهي الفكرة القائلة بإيجاد مجلس أعلى للتنسيق الإسلامي في لبنان، على أن يرتبط هذا المجلس بطبيعة الحال ارتباطاً مباشراً بمؤسسة الإفتاء، وعلى أن نوفّر منذ الآن كل العوامل التي تكفل له النجاح.
ولسوف يكون من نتائج هذا المجلس التنسيقي – إذا قيض الله أن يتحقق بتعاون المخلصين – إحصاء دقيق للحاجات الإسلامية على مستوى لبنان احصاء حقلياً وعلمياً ، وترتيب لهذه الحاجات حسب الأولوية والبدء بها ، طبقاً لاستراتيجية متدرجة ، ولسياسة واعية ، ولتخطيط مرحلي مدروس ، من خلال ورقة عمل لمدة خمس سنوات مثلاً .
وحينئذ لا نفتح مستوصفاً في منطقة أحوج مثلاً إلى مدرسة أو ناد رياضي أو مركز للتدريب على بعض المهن . وحينئذ نتفق على سبيل المثال على أن نتمم مشروع مسجد محمد الأمين لأهميته ولحساسية المركز الذي سيبنى فيه ، ولما يترتب على إتمامه من مصالح إسلامية عليا من جميع الوجوه .
وحينئذ لو قيل لنا : إن عدد مساجدنا في لبنان قد زاد على مئتين وخمسين ، وإننا لسنا بحاجة إلى المزيد ، كان في وسعنا أن نجيب : بل نحن – في ضوء إحصاءاتنا العلمية – ما ننفك حاجة في بعض القرى إلى بناء المساجد ، ولا سيما إذا كان تخطيطنا لها يقضي بأن يكون بجوارها دائماً خلية اجتماعية ، ومكتبة لتوسيع الثقافة ، وقاعة لإلقاء المحاضرات، ومستوصف للرعاية الصحية . ولن يكون ذلك منا لمجرد التنافس الطائفي الذي لا نؤمن به ، ولا لتقليد غيرنا من الفئات الأخرى في بلدنا ، بل سيظل – كما كان وكما هو الآن – لنشر الدعوة الإسلامية ، ولتنظيم حياتنا الدينية تنظيماً علمياً تنعكس آثاره – كما عبرنا آنفاً – على حياتنا المدنية والاجتماعية .
رابعاً – موقفنا من الطائفية :
في مناسبات عديدة أعلن سماحته ، وأعلنا معه – بموافقة منه – أننا نسعى سعياً جدياً لإلغاء الطائفية ، بكل الأساليب . وقد فرقنا للمواطنين مرات ومرات بين التدين والطائفية ، فالتدين جوهر باق والطائفية عرض عابر .
ومن إخواننا الغيارى الأتقياء المخلصين ، من تحملهم حماستهم الدينية وحميتهم الإسلامية ، على التخوف من النتائج التي قد تترتب على انسياق مؤسسة الفتوى في مقاومة الطائفية ومحاولتها إلغائها : كأن يكون ذلك سبباً في حرمان المسلمين من بعض حقوقهم المكتسبة .
والحق أنا – مع أخذنا هذا التخوف بعين الاعتبار – نجهر بأننا لن نقطع أي شوط جدي في التنمية والتطوير ما لم نبدأ أولاً بإلغاء هذا الوحش الضاري القابع في أنفس الانكماشيين ، الذي هو طبعاً الطائفية وما أضفته على لبنان من طابع النظام السياسي ، برغم ما نتمتع به ظاهرياً من واجهة ديمقراطية .
ولسنا الآن بسبيل السرد والتعداد لما خلفته الطائفية المتحالفة مع الاقطاع من أسوأ الآثار بين المواطنين ، حتى يئس الجميع من تحقيق اي مظهر من مظاهر العدالة أو المساواة في الواجبات والحقوق . واذا ضربنا صفحاً – بصورة مؤقتة – عن تخصيص طائفة معينة بالرئاسة الأولى التي بيدها كل الصلاحيات والسلطات، وعن استبعاد المسلمين عن المراكز الحساسة في الحقائب الوزارية ، والمديريات العامة ، والمصالح والدوائر : في الخارجية والدفاع وحتى القضاء ، وعن تحديدهم الصلاحيات لكل مديرية عامة حساسة اسندوها لمسلم في حركات التشكيلات الاخيرة ، وعن عمليات التجنس التي يحرم منها المسلمون ، بينما تغدق على الأرمن والأمريكان والروس – من غير المسلمين – بوقاحة منقطعة النظير ، فإننا لن نضرب صفحاً أبداً عن تطوير لبنان شاء أم أبي ، بما سوف نوالي تقديمه منصياغة علمية لمفهوم المشاركة الذي أطلقناه على أثر حوادث أيار المؤسفة، تعزيزاً للمواطنية الصحيحة لا للطائفية البغيضة .
واكتفاؤنا بهذا اللون من التصرف الآن نابع في الحقيقة من رغبتنا في تجنب المعارك الداخلية الرخيصة ، في هذه المرحلة المصيرية التي يجب أن نجتازها بطاقاتنا كلها كاملة غير منقوصة .
خامساً – موقفنا السياسي :
وكذلك نصنع في الموقف السياسي ، تحديداً لمدى الارتباط الذي نفضله مرحلياً مع السلطة بأجهزتها الحاضرة : فلا شيء يدعونا حالياً الى الثورة على النظام القائم ، وان كنا نعتقد أنه لا يخلو من الفساد ، وأن طريقة تطبيقه أسوأ منه ، وأن بعض رجاله يزيدونه فساداً . واذا كان بعض المسلمين المرموقين ينادون بين الفينة والفينة بالتخلي عن الرئاسة الثالثة – بعد أن أسهمت عوامل عديدة في اضعاف المتربع عليها باسم المسلمين – فنحن لا نشاطر هؤلاء رأيهم ان يكن في وسعنا – بتعزيزنا مقام الافتاء – أن نطور علاقة رئيس الوزراء بساحة المفتي ، ونوجهها نحو تحقيق المصلحة الاسلامية ، بوضع المشاركة في الحكم موضع التنفيذ .
والمسلمون في لبنان ما فتئوا يرددون : لا نستطيع أن نتصور مفتينا الاكبر ومرجعنا الأعلى موظفاً في الدولة ، ولو كان اكبر الموظفين . ونحن نبادر الى التأكيد : أن سماحة المفتي لم يكن في يوم من الايام ، لا في النصوص ولا في التطبيق ، موظفاً أبداً . بل الذي ورد بشأنه على سبيل التعظيم والتكريم « أن له ذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يتمتع بها أعلى الرؤساء بلا تخصيص ولا استثناء » ، كما في المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي ١٨ الصادر عن المجلس النيابي اللبناني .
أما ما وصفه الاستاذ القوتلي بطبيعة الافتاء المعارضة التي يجب في نظره أن تستمر ، فلنا فيه رأي آخر يختلف عما قال صياغة لا جوهراً : فعندنا أن مقام الافتاء مستقل كل الاستقلال ، كان وما يزال ، وأنه من أجل هذا ليست له علاقة فعلية مع الدولة ، كما أنه ليس ملجئاً إلى معارضتها ، إذا قصد بهذه اللفظة ما يظهر على تصرفات الساسة عندما يعارضون . ولكن يفترض في مقام الإفتاء – في جميع الأحوال – أنه يلتزم بهدفه الأصيل المتمثل في تنظيم الحياة الدينية ، وفي النشاط من أجل الدعوة الإسلامية ، بما يعكس أفضل النتائج على الحياة المدنية والاجتماعية.
ومن هنا كان موقفه الواضح مثلاً من القضية الفلسطينية ، ومن دعم الكفاح المسلح ، ومن مقاومة الاستعمار والأمبريالية ، ومن رفض الطائفية والمذهبية والاقطاعية والفئوية .
وإذا أجمعنا على أن من الأفضل تجنب الخوض في السياسة المحلية والدخول في التفصيلات الجزئية ، فذلك لا يعني اننا نعتزل السياسة العامة في خطوطها الأساسية المتعلقة بتعزيز كياننا الذي يعمل كثيرون على توهينه وتذويبه في لبنان . ومن هنا كان على سماحة المفتي ان يستشير المجلس الشرعي والمجلس الاستشاري وجميع العاملين في الحقل السياسي ، في كل قضية خطيرة تمس مصالحنا العليا . وليس ضرورياً أن يكون في النصوص ما يبرر تدخلنا في مثل هذه القضايا ، لان نظائرها تنتزع انتزاعاً ، ولا تعطي عطاء .
ونعتقد ان من المفيد عقد اجتماع دوري بين سماحة المفتي ورئيس مجلس الوزراء بحضور أعضاء المجلس الشرعي والمجلس الاستشاري، ليشارك الجميع في التخطيط للعمل الاسلامي ، باعتماد ورقة عمل لخمس سنوات مثلاً كما أسلفنا .
واذا تذكرنا ان المجلس الشرعي هو حجر الزواية في كل تنمية واصلاح ادركنا ان كل تطوير بمعزل عن هذا المجلس لا يجدي ولا يفيد . والمهم على كل حال تصحيح النيات وطلب رضا الله ، وهو ولي التوفيق .
الدكتور صبحي الصالح