مدونة

في واقع مؤسسة الإفتاء – حسين القوتلي مؤتمر دار الفتوى سنة 1973

وما توفيقي
Colloques / مؤتمرات / مدونتي

في واقع مؤسسة الإفتاء – حسين القوتلي مؤتمر دار الفتوى سنة 1973

في واقع مؤسسة الإفتاء – الدكتور حسين القوتلي مديرعام شوؤن دار الفتوى سابقاً  – مؤتمر عقد في دار الفتوى سنة 1973

إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن واقع الافتاء في لبنان :أن الكلام يتجه إلى منصب مفتي الجمهورية اللبنانية ، ليشمل المسؤوليات الإسلامية التي يمارسها ، ويتوقف عند حدود دينية لا يتجاوزها، مع آن مفتي الجمهورية اللبنانية هو في الواقع الإسلامي اللبناني قمة الهرم في جهاز ديني وإداري معين، تمتد صلاحياته ومسؤولياته حسب النظم والقوانين والأعراف إنطلاقا من الأسس الدينية الإسلامية لتشمل الجوانب الاجتماعية والسياسية الإسلامية والوطنية جميعا .

ويصبح الموضوع هذا المعنى الأخير متشعب الجوانب متسع الحلقات يصعب على المرء، في محاضرة من هذا النوع ، أن يلمها كلها ، لذلك – ولاسباب منهجية ومرحلية أيضا – أرى أن أحدد موضوع واقع مؤسسة الافتاء في لبنان متحدین ضرورین ، اولها مذهبي ، وثانيها زمني ، وضمن هذين الحدين يصبح الحديث عن واقع مؤسسة الافتاء في لبنان ، يعني في هذه المحاضرة الحديث عن منصب افتاء الجمهورية اللبنانية بشكل عام ، والافتاء السي بصورة خاصة ، وذلك ابتداء من المرحلة التي تولى فيها صاحب السياحة مفتي الجمهورية اللبنانية الحالي منصب الافتاء في الرابع والعشرين من كانون الأول عام 1966 وحتى هذا التاريخ.

 واذا كان الموضوع قد تحدد بهذا الشكل فإني أرى أن أحدد من جانب آخر ، المنهج الذي سأتبعه لمعالجته اذ انه يمكن أن يكون هناك  منهجان للمعالجة : الأول منهج وصفي جامد، والثاني منهج تحليلي متحرك، اني لاعتبارات اكثر واقعية ، سأعتمد المنهج الثاني ، ذلك أن الإفتاء في لبنان ، وعلى رأسه صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية، إنما هو جهاز إسلامي رسالي ، يتعامل مع قطاعات إسلامية وغير إسلامية في الداخل والخارج، يأخذ منها ويعطيها ، كما يعالج موضوعات إسلامية  وطنية وعربية ودولية متغيرة ، والتغير هو سبب الديناميكية والحركة وهو  لذلك يفرض اعتماد مثل هذا المنهج .

من هنا كان الاختلاف ، الذي لا بد من الإشارة إليه في مستهل هذا الحديث بين الإفتاء في أي بلد عربي أو إسلامي ، أو غير إسلامي ، وبين الإفتاء في جمهورية اللبنانية.

الافتاء الاول يتوقف حكم الاعتبارات المحلية في الخارج ، عند الحدود والمناسبات الدينية، كإصدار الفتاوى أو إثبات ولادة الهلال ، والقيام بالامامة في صلاة العيدين وتوجيه المواعظ الدينية والرسالات الدينية في المناسبات المختلفة .

أما الإفتاء في الجمهورية اللبنانية فإنه يتجاوز ذلك كله إلى دوائر ومستويات للحياة أبعد مدى ، وأعمق مسؤولية ، وليس هذا التجاوز بطبيعة الحال أمرا فرضه شخص أو أشخاص على طبيعة العمل في الإفتاء إنما هو حق طبيعي ومسؤولية مصيرية، حددها تاريخ الإفتاء نفسه ، كما أن  التكوين اللبناني الخاص القائم على التعايش بين الطوائف ، والمعادلة اللبنانية القائمة على التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الحقوق، قد أعطيا الإفتاء حق هذه الممارسة الإسلامية الوطنية الواسعة التي تشمل مرافق الحياة اللبنانية جميعا .

أضف إلى ذلك أن النصوص القانونية قد أعطت المفتي الجمهورية هذاالحق ، وأناطت به هذه المسؤولية في المجالين معا : المجال الديني ، والمجال  الوطني .

أما فيما يتعلق بالمجال الديني : فإن المفتي الجمهورية صفات ثلاثية الحدود :

أولها : أنه يمارس مهام الإفتاء بكل أبعادها التقليدية المعروفة واللبنانية  الخاصة .

وثانيها : أنه بالنسبة للأوقاف الإسلامية هو المرجع الأعلى لها ، بصفته  رئيسا للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ، المشرف على شؤون الأوقاف وإدارتها في جميع مناطق الجمهورية .

وثالثها : أنه بالنسبة للمحاكم الشرعية هو رئيس المجلس القضاء الشرعي الأعلى .

واني سأقصر الحديث على الجانب الأول نظرة لأن الجانبين الآخرين سيتناول الحديث عنها زمیلان کرمان غيري .

فما هي اذن مهام الافتاء بكل أبعادها ( التقليدية واللبنانية ) كما تنص عليها القوانين؟

مهام الإفتاء في لبنان :

ينص المرسوم الاشتراعي رقم 18 الصادر عن المجلس النيابي اللبناني بتاريخ 13 كانون الثاني عام 1955 وتعديلاته على ما يلي :

المادة : ۲ – مفتي الجمهورية اللبنانية هو الرئيس الديني للمسلمين ، وممثلهم هذا الوصف لدى السلطات العامة ، وله ذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يتمتع بها أعلى الرؤساء الدينيين بلا تخصیص ولا استثناء.

المادة : ۳ – أ- مفتي الجمهورية هو الرئيس المباشر لجميع علماء الدين المسلمين ، والمرجع الأعلى للأوقاف الإسلامية ودوائر الإفتاء ، و يمارس جميع الصلاحيات المقررة له في القوانين والأنظمة الوقفية والشرعية .

ب – يشرف مفتي الجمهورية على أحوال المسلمين ومصالحهم الدينية والاجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانية ، ويجتمع إلى المفتين في المحافظات والأقضية كلما دعت الحاجة ، ليدرس معهم أحوال المسلمين الدينية والاجتماعية في مناطقهم وشؤون الإفتاء والأوقاف والعلماء ، ويصدر إليهم التعليمات المقتضاة .

ج – بعين مفتي الجمهورية الموظفين الإداريين وأرباب الوظائف الدينية من أئمة وخطباء ومدرسين وقراء ومؤذنين ، ويصدر عنه قرارات ترقيتهم وتأديبهم وفصلهم وفقا للأحكام المقررة في هذا المسوم الاشتراعي والأنظمة المرعية الإجراء .

د- يمارس مفتي الجمهورية مهامه ويتخذ قراراته في مختلف شؤون المسلمين الدينية والوقفية وفقا لأحكام هذا المرسوم … ويستعين في الأمور الهامة عند الاقتضاء بمجلس استشاري تختاره من رجال العلم والعمل المشهورين الخ ….

اما ما يتعلق بصلاحيات مفتي الجمهورية وحقه في الممارسة للمسؤولية الوطنية ، فقد تضمنتها النصوص القانونية السابقة مباشرة مرة ، ومرة أخرى بشكل غير مباشر ، حينما نصت المادة الثانية على أن مفتي الجمهورية الذي هو الرئيس الديني للمسلمين وهو ممثلهم هذا الوصف لدى السلطات العامة وله ذات الحرمة والحقوق والامتيازات التي يتمتع بها أعلى الرؤساء الدينيين بلا تخصیص ولا تمييز.

وحينما نصت المادة الثانية في الفقرة ب، على أن مفتي الجمهورية يشرف على أحوال المسلمين ومصالحهم الدينية والاجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية، ذلك أن كلمة الاجتماعية ، كما هو معروف لدى الاجتماعيين، إنما تشمل الأسرة والعمل ، ومستوى المعيشة ، والحياة الاقتصادية بشكل عام ، كما تشمل التربية ، والأخلاق ، والعادات والتقاليد ، وحقائق الانتماء الوطني لدى المواطن كما تتناول ، بشكل أكثر تحديدا ، المؤسسات الاجتماعية الاسلامية التي تقدم خدمات اجتماعية للمواطنين المسلمين ، تربوية كانت هذه الخدمات ، أم رعائية ، أم صحية ، أو فردية أو ما إلى ذلك من الخدمات الاجتماعية الأخرى وإذا كانت هذه هي مهمات مفتي الجمهورية ، فهي بطبيعة الحال مهات كبرى ، يساعده اليوم على التخطيط  لها ، مجلس استشاري مؤلف من ستة عشر عضواً ، من السادة العلماء وأهل الاختصاص من المدنيين ، يجتمع سماحته إليهم في مواعيد أسبوعية أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك .

هذا ويساعد سماحته على التنفيذ جهاز إداري مؤلف من ثلاثة عشر موظفاً باقي جهاز الإفتاء فهو يتكون من ثمانية مفتين في المحافظات والأقضية ، ومن أمينين للفتوى ، واحد يتبع مفتي الجمهورية ، وآخر المفتي طرابلس والشمال ، ومهمة أمين الفتوى أن يتلقى طلبات الفتاوی الواردة إلى مفتي الجمهورية ، ويعد الأجوبة عنها ، ويعيدها إلى سماحة المفتي الذي يطلع عليها ، فيعدل فيها أو يبقيها على ما عليه هي ، لتسلم فيما بعد إلى أصحاب العلاقة .

ويأتي بعد هذا مدرسو الفتوى ويبلغ عددهم ثلاثة وعشرين مدرسة منتشرين في مختلف مناطق الجمهورية والمفروض أن تكون مهمة مدرس الفتوى التدريس في مسجد المنطقة حيث يلتزم بدوام معين يجتمع أثناءه إلى المصلين في حلقات يدرسهم فيها ، ويفتي فيما يسأل عنه شفهية من أمور الدين .

جهاز الإفتاء بين الواقع والواجب :

 

وهنا لا بد من طرح السؤال التالي :

إذا كان هذا هو الجهاز الإداري للإفتاء فإلى أي حد ، وعلى أي وجه يقوم هذا الجهاز اليوم بأداء رسالته ؟ وإني لأرجو قبل الإجابة عن هذا السؤال أن تتسع جميع الصدور لما سأطرح من مشاكل وأفكار وعبارات ، مبديا استعدادي المسبق لتعديلها فيما إذا دعت المناقشة المخلصة إلى ذلك، أريد أن أقول أنه بالرغم من هذه الصلاحيات الكبرى المعطاة إلى مفتي الجمهورية ، فإن عمل الإفتاء تعترضه اليوم كثير من العوائق تنحصر في خمسة :

أولا : العائق المادي

وثانيها : العائق الإداري

وثالثها : العائق الاجتماعي

ورابعها : العائق الطائفي

وخامسها : العائق السياسي

العائق المادي

وأقصد بالعائق المادي : قلة الموارد المالية التي تعطل على كل عنصر من عناصر جهاز الإفتاء عمله الحقيقي وتشغله عنه ، وتدفع بالبعض اللانصراف إلى أعمال إضافية أخرى لا تتناسب مع ضرورة الانصراف الكلى إلى العمل في الإفتاء ، أو أنها لا تتناسب مع الوقار الديني الذي يحتمه منصب ما من المناصب الدينية .

هذا ومن الضروري الإشارة إن أن مخصصات الإفتاء المالية من رئاسة مجلس الوزراء تبلغ 412.900۰ ل.ل. في العام ، يصرف على الرواتب منها مبلغ 33.5650 والباقي 77.250 للنفقات المختلفة.

ففيما يتعلق بالمفتين : فإن مفتي المحافظة أو القضاء لا يتعدى راتبه الستماية ليرة لبنانية في الشهر، لا تصيبها زيادة التدرج كل سنتين كما هو المعروف ، لأنها درجة وحيدة ، مما يضطر بعض المفتين إلى القيام بعمل إضافي في الأوقاف ، أو التدريس، أو الصحافة .

أما فيما يتعلق بمدرسي الفتوى ، فإن راتب مدرس الفتوى لا يصل إلى الحد الأدنى القانوني للاجور ، فهو يبدأ براتب شهري مقداره (۱۰۲٫۰۰ ) ليرة لبنانية مما يضطره هو الآخر إلى القيام بعمل إضافي، کالعمل في الأوقاف ، أو التدريس في المدارس الرسمية والخاصة .

وهكذا الحال ، تقریبا بالنسبة لمعظم الموظفين الإداريين ، من علماء اومدنيين ، فإن ظروفهم المادية وضغط الحاجة الاجتماعية ، تدفعان هم إلى العمل خارج أوقات الدوام للقيام بالأعباء الحياتية التي لا يكفي الراتب الشهري العادي لسدادها .

وإذا تجاوزنا مسألة الرواتب والأجور في جهاز الإفتاء إلى مسألة الواجبات الدينية والاجتماعية والعلاقات العامة المترتبة على كبار العلماء ، وأعني بهم المفتين بصورة خاصة ، فإن الأسباب المادية المساعدة على أداء هذه الواجبات معدومة تماما. ذلك أن في المحافظة أو المنطقة يحتاج في المناسبات الدينية أو الاجتماعية لإقامة حفل أو استقبال ، فلا يستطيع نظراً لانعدام مثل هذه المخصصات في ميزانية الإفتاء ، ومعروف أن مفتي المحافظة أو المنطقة مقصود دائما من قبل أصحاب الحاجات ولا سيما أولئك الذين يحتاجون فعلا للزكاة فيجد المفتي نفسه عاجزاً عن مد يد العون إلى من يحتاج لمعونته .

ومما تجدر الإشارة اليه أن وضع ميزانية الإفتاء لم يسمح حتى الآن بأن يكون في المحافظة أو المنطقة دار للفتوى ، فهو ممارس عمله في استقبال الناس وحل مشاكلهم في منزله ، مع ملاحظة ما يترتب على هذا الأمر من تكاليف .

العائق الإداري

وأقصد بالعائق الإداري فقدان الارتباط الهرمي بين عناصر الإفتاء وما يتصل به ، وبين قمة هذا الهرم الديني أعني به مفتي الجمهورية اللبنانية مباشرة ، أو الجهاز التنفيذي لديه .

إن هذا الوضع الذي تختلف شدته من عنصر إلى آخر أدى معظم عناصر جهاز الإفتاء إلى أن يعمل كل منها في اتجاه ، و بالبعض الآخر إلى ألا يعمل على الإطلاق والأمثلة على ذلك لا حصر لها ولا عد.

ويكفي أن نذكر بشكل عام أن الانضباط الإداري يكاد يكون مفقوداً لدي السادة علماء الشرع  بوجه خاص، وأن مفهوم التسلسل في المراتب الدينية غير واضح بأذهانهم، ولعل ذلك يعود إلى أنهم إلى الآن لم يضعوا لنا بعد مثل هذا المفهوم في أصول وقواعد محددة.

أما فيما يتعلق بالوضع الإداري بالنسبة لمدرسي الفتوى : فإنه يتجاوز الوضع السابق في التشتت وفقدان الانضباط الإداري .

 ويتباين الشعور بالمسؤولية لدى مدرسي الفتوى من مدرس لآخر. فمنهم من يعمل في تدريس الفتوى ويتفاني ، ومنهم من لا يعمل على الإطلاق ، ولعل فقدان التفتيش ، وغياب مبدأ الثواب والعقاب عن أجهزة العمل في الإفتاء هي التي تساعد على تأزم هذا الوضع .

العائق الاجتماعي

وأقصد بالعائق الاجتماعي ، جملة المعوقات التي تنشأ من جراء فقدان التنسيق بين الجمعيات والمؤسسات الإسلامية : من جمعيات تربوية إسلامية إلى مؤسسات إسلامية رعائية.

 إن هذه المعوقات تتلخص في غموض الصلة بين هذه المؤسسات الاجتماعية الإسلامية وبين مؤسسة الإفتاء، وتختلف علاقة الإفتاء أو علاقة المؤسسات الإسلامية بالإفتاء من مؤسسة إلى مؤسسة .

ففي الوقت الذي نجد فيه العاملين في بعض المؤسسات يعتبرون أن مؤسسة الإفتاء هي مؤسسة المؤسسات الإسلامية ترعاها وتعمل من أجلها ، وتمدها بالعون المالي ، نجد في الوقت نفسه بعض العاملين في بعض المؤسسات الإسلامية الأخرى يجدون في معاونة مؤسسة الإفتاء لمؤسساتهم نوعا من الوصاية التي لا يشعرون بالحاجة إليها .

ونحن لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن مؤسسة الإفتاء تعمل في مجال التنسيق بين الجمعيات الإسلامية وتكاملها ، وخدمتهم من منطلق شعورها وواجبها بأنها مؤسسة المؤسسات الإسلامية بالفعل ، وليس هذا التعبير تعبير وصاية . إنما هو تعبير شعور بواجب الخدمة لجميع المؤسسات الإسلامية دون تفرقة أو تمييز .

أقول : إننا لسنا بحاجة لتأكيد ذلك ، لأن المساعدات المعنوية ، بل والقروض المالية التي قدمتها مؤسسة الإفتاء لمجموعة من المؤسسات الإسلامية هي وحدها التي يمكن أن تؤكد لمثل هذه المؤسسات هوية هذا الاتجاه : فلقد بلغت قيمة هذا القرض الحسن في عامي ۱۹۷۲ و ۱۹۷۳ حوالي أربعمئة ألف ليرة لبنانية ، بالرغم من الإمكانيات الضيقة لدى مؤسسة الإفتاء. إلا أنه بالرغم من هذه الإيجابية فإن العائق الاجتماعي في طريق الإفتاء ما زال قائمة و بشكل حاد ، وهو ينحصر في نقطتين :

أولاهما : فقدان التنسيق بين المؤسسات الإسلامية ، وقد أدى ذلك إلى أن تقوم أكثر من مؤسسة إسلامية في منطقة واحدة بالعمل الاجتماعي نفسه، كفتح مستوصف مثلا : فإذا بالمنطقة الإسلامية الواحدة يصبح فيها مستوصفان أو أربعة أو خمسة ، مع إهمال الحاجات الإجتماعية الأخرى كالحاجة إلى مدرسة أو ناد رياضي أو مؤسسة للتدريب على المهن المختلفة، أو مستوصف آخر في منطقة أخرى أشد احتياجا إليه !!

و انعدام التنسيق الذي هذا شأنه يؤدي بالنتيجة إلى إفلاس المؤسسات الإسلامية وإلى ضياع جهد القائمين عليها ، وهدر الوقت الذي خصص من أجله : إن هذا الواقع المتخلف الذي هناك أمثلة حية ومؤلمة له يضع موقف الإفتاء في موقف متحفظ من مسألة التعاون مع هذه المؤسسات ، وهي تراقب مخوف دائم زوالها ، وتشهاد بأمي هدر أموال المسلمين على مشاريع غير مدروسة ، تبدأ ثم يصرف النظر عنها في منتصف الطريق !!

وثانيتها : مشكلة التسلل الانتهازي الى المؤسسات الإسلامية والتعطيل عليها، ونعني بذلك هذه المؤسسات الشخصية التي تحمل الصفة الإسلامية، ونستفيد من هذا الاسم لجمع الأموال الخيرية ، من غير أن تقدم أية خدمة على الإطلاق في مجال العمل الاجتماعي أو الإسلامي أو الوطني .

وعندي أمثلة عديدة عن هذه المؤسسات التي يذهب المال المجموع إلى جيوب أصحابها الذين غالبا ما يكونون أمهر صناعة وأكثر تفرغا وأسرع حركة الاتصال بالمحسنين في الداخل والخارج واستغلال أريحيتهم وتقواهم .

 وإذا كانت هذه المشكلة قد طرحت بصراحة وجدية في لجنة التنسيق في مؤتمر وزراء الأوقاف المنعقد في الكويت هذا العام ، مما جعله يتخذ توصية بضرورة التنسيق بين المؤسسات الإسلامية في كل بلد من البلدان المشتركة لحماية نفسها من هذا التسلل الانتهازي ، ولاعادة الثقة في نفوس البلدان المساندة ، و أقول : إنه إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لمؤتمر وزراء الأوقاف فإن المشكلة هي نفسها بالنسبة لمؤسسة الإفتاء في لبنان تعاني منها وتتألم لها، وهي تشهد المؤسسات الوهمية و الطفيلية التي تحمل صفة الإسلام ، تقف عائقا ، ليس في طريق الإفتاء ، وإنما في واقع الحال في طريق المؤسسات الإسلامية الحقيقية ، وتأخذ حصتها من أموال المسلمين في الداخل والخارج من رجال الخير والبر في كل مناسبة وفي كل مكان ، كما تكون سببا في تعطيل عنصر الثقة بين رجال الخير و بين هذه المؤسسات بالذات.

وإذا كانت هذه هي المشكلة بالنسبة للمؤسسات الإسلامية الاجتماعية ، فإن هناك مشكلة مماثلة بالنسبة للمؤسسات الاسلامية الدينية وفي طليعتها تأتي مؤسسة بعثة الأزهر الشريف ، ثم الأحزاب الإسلامية ومؤسسات الدعوة الإسلامية ، وإن واجب التقدير لجهودها الحيرة جميعا في حفل الدعوة الاسلامية يقتضي منا في هذا الظرف الإشارة مجرد الإشارة إلى أن مزيد من التعاون مع مؤسسة الإفتاء بمستوى التخطيط والتنسيق لنشاط الدعوة الإسلامية في لبنان كفيل بأن يصل بنا إلى توفير كثير من الجهد او المال و اختصار الكثير من الوقت ، للوصول إلى نتائج أجدى كما وكيفا.

العائق الطائفي

وأقصد بالعائق الطائفي جملة المعوقات والمشاكل الناتجة عن الوضع الطائفي في لبنان، التي تستنزف الجهد والوقت من جهاز الإفتاء بصورة عامة ، و من جهاز المديرية العامة لشؤون الإفتاء بشكل خاص .

 إن في لبنان مشاكل طائفية حادة – كما هو معلوم – تستدعي التدخل من قبل المديرية العامة لشؤون الإفتاء بتوجيه من صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية فتعمل هذه المديرية على حلها مع الجهات الرسمية المختصة ، و قوام هذه المشاكل الغبن اللاحق بأبناء الطائفة الإسلامية، إن كان على صعيد الوظائف أو على صعيد الخدمات الاجتماعية ، أو على صعيد ممارسة الشعائر الدينية ، أو ما إلى ذلك من أصعدة خرى . إن هذه الاهتمامات التي لا فرار منها في مقابلة الأفراد يوميا، والاستماع إلى تظلمهم وشكاواهم من جراء الغبن اللاحق هم نتيجة للتكوين الطائفي، و للسياسة الطائفية الرسمية ، تأخذ جل الوقت من الموظفين في المديرية العامة لشؤون الإفتاء ، وخاصة من وقت المدير العام بالذات . فبدلا من أن ينصرف هذا الجهاز إلى فعل التأثير الإيجابي في بناء المجتمع ، فنراه في معظم الأحيان ينفعل بالتأثيرات السلبية الناتجة عن التصدع الاجتماعي والطائفي !!

في المديرية العامة لشؤون الإفتاء – مثلا – دائرة تسمى بدائرة الخدمات الفردية ، وهي نظرياً دائرة ، لكنها عملياً محصورة بجهود المدير العام لشؤون الإفتاء المتواضعة ، ومهمة هذه الدائرة استقبال الأفراد والوفود يوميا ، بتوجيه من سماحة مفتي الجمهورية ، وغالبا ما يكون هؤلاء قد مروا على سماحته وعرضوا مشاكلهم وشكاواهم ، فحولوا إلى

المدير العام للاهتمام والتنفيذ الفوري .

ولقد طبعت دائرة الخدمات الفردية ، بطاقات خاصة ترك المجال فيها التسجيل اسم الزائر وموضوعه ، وتاريخ المقابلة ، ومرجع حل المشكلة، ونتيجة المراجعة بشأنها . فمن أصل مئة بطاقه موجودة في أرشيف دار الفتوى، حيث اختيرت اختيارة عشوائية لصياغة هذه المعلومات ، كانت منها (۲۱) بطاقة فقط تعتبر المراجعة في موضوعاتها هي من اختصاص دار الفتوى بشكل مباشر أو غير مباشر ومن موضوعاتها مثلا :

ا – موضوع تظلم من أجل أرض مستأجرة في الأوقاف .

۲ – مراجعة بشأن تأليف لجنة الحج .

۳ – طلب للدخول إلى أزهر لبنان .

4 – طلب منحة للأزهر الشريف .

5 – معوز يطلب صدقة ،

6-  نقل إمام من مسجد إلى آخر،

أما التسع وسبعون بطاقة فتعثر المراجعة بشأن موضوعاتها ليست داخلة بأي شكل في عملنا على الإطلاق ، ولكننا لا نستطيع التنصل منها ، تحكم عملنا حقيقة التجاذب الطائفي ، واحتراما للحديث الشريف الذي يقول : ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ،، وكثير من الزائرين من يبدأ حديثه معنا برفع هذا الشعار في اول المقابلة وقبل أن يشرح موضوعه . ومن موضوعات هذه البطاقات التسع والسبعين مثلا :

  1. السعي لإيجاد عمل .
  2. السعي للحصول على منحة في غير العلوم الدينية .
  3. السعي لبعض الناجحين في امتحانات الدرك لقبولهم في السلك .
  4. السعي للبعض للحصول على الجنسية اللبنانية .
  5. السعي لدى الجيش لدفع دية قتيل قتله بعض أفراد الجيش خطأ .
  6. السعي لدى الجيش لإيقاف الملاحقة بحق مطلوب في قضية حمل سلاح .
  7. السعي لدى الأمن العام للإفراج عن جواز سفر فلسطيني طالت مدة حجزه
  8. السعي لإدخال طالب إلى البيت اللبناني في المدينة الجامعية في باريس .
  9. التوسط لمعادلة شهادة الثانوية العامة المصرية لأحد الأشخاص .
  10. السعي لإدخال طفل إلى مدرسة إبتدائية .
  11. السعي لإدخال مريض إلى مستشفى حكومي .
  12. السعي لإخراج بضائع متأخرة في الجمرك
  13. السعي لإدخال استاذة إلى ملاك الجامعة اللبنانية .

هذه نماذج عابرة من الخدمات الفردية التي يفرضها علينا بقسوة الوضع الطائفي ، ذلك بأن هناك وحشاً طائفيا في أعماق كل منا ، نجعله يعتقد بأن مشكلته ، مهما كانت بعيدة عن الذين لا يمكن أن تحل الا بتدخل اعلى مرجع ديني في لبنان .، أضف إلى ذلك أن الدولة ، والمراجع المسؤولة ، تشجع بكل أسف هذا الروح لدي المواطن بالنسبة

لجميع الطوائف بدون استثناء !!

واذا علمنا أن متوسط المقابلات اليومية لمثل هذه الموضوعات ، التي تصل إلى المدير العام لشؤون الافتاء ، هو (۹) مقابلات يومية ، وإذا علمنا أن الموضوع الواحد منها يستغرق ثلاثة اتصالات تلفونية في المتوسط ، وإذا علمنا أن الموضوع الواحد حتى يصل الى نتيجته ، يقتضي اكثر من مقابلة ، إذا علمنا ذلك كله أدركنا مدي الإرهاق والانشغال في عمل لا يمكن أن يكون من اختصاصات اجهزة الافتاء في أي بلد من البلدان .

ان الافتاء التقليدي ، أمام مثل هذه الاعمال ، يصبح بالفعل عملا ثانوية وضئيلا جداً ففي عام ۱۹۷۲ كان عدد الفتاوى التي صدرت عن سماحة المفتي ثماني وعشرين فتوی.

وليس هذا الأمر مقتصرة على العمل لدى سماحة مفتي الجمهورية ، وإنما هو ممتد أيضا إلى مفتي المناطق : ففي الوقت الذي لم يصدر فيه فضيلة مفتي راشيا – مثلا – سوى ثلات فتاوى طيلة اثنتي عشرة سنة ، نراه ينشغل انشغالا يوميا بالمساعي التي يرفضها عليه الوضع الطائفي في البلد ، والتي هي من النوعية التي أشرنا إليها .

 

 

العائق السياسي

ويعتبر العائق السياسي بالنسبة للإفتاء مشكلة المشاكل وأعقدها فالسياسة هي التي تصنع الأزمات والمشاكل الطائفية ، فتخلق أمامنا العائق الطائفي، والسياسة هي التي تؤثر على بعض المؤسسات والجمعيات الإسلامية فتخلق العائق الاجتماعي ، والسياسة هي التي تجامل بعض العلماء وتشجعهم من دون البعض الآخر فتحدث تفككاً في الجسم الديني وتخلق بالتالي ما سميناه بالعائق الإداري ، والسياسة هي التي تؤثر في ميزانية الإفتاء ومخصصاتها ، ضيق أو سعة ، فتخلق العائق المادي ساعة تشاء .

 و يمكن حصر العائق السياسي بالنسبة للإفتاء في عنصرين :

١- علاقة الإفتاء بالدولة ، وبرئيس الحكومة خاصة .

۲- علاقة الإفتاء بالتيارات السياسية السائدة .

أولا – من حيث علاقة الافتاء بالدولة وبرئيس الحكومة خاصة :

 

وتبدأ هذه العلاقة الرسمية في جو من السلام والتفاهم عندما يتم انتخاب مفتي الجمهورية ، ويعلن تنصيبه حيث تنص المادة ۲۰ من المرسوم الاشتراعي رقم ۱۸ على أن رئيس الانتخاب يقوم في يوم التنصيب « بتبليغ اسم مفتي الجمهورية إلى الحكومة رسميا، لإجراء المقتضى القانوني، ومعلوم أن المقتضى القانوني هو استصدار مرسوم بوقعه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بالتصديق على انتخاب الفائز في انتخابات الإفتاء، واعتباره مفنياً للجمهورية ، و يقوم رئيس مجلس الوزراء حمل هذا المرسوم إلى دار الفتوى فيسلم إلى مفتي الجمهورية هذا المرسوم في حفل التنصيب المشار إليه .

وفي هذا الحفل تتحدد سياسة الإفتاء تجاه الدولة ورئيس الحكومة بشكل خاص ، عندما يكشف مفتي الجمهورية في خطاب تنصيبه عن أسس العمل الإسلامي والوطني التي سيعتمدها .

ففي خطاب التنصيب الذي ألقاه سماحة مفتي الجمهورية الحالي ما يوضح هذه الأسس، وفي هذا التوضيح تعين وتسمية لميزان علاقة الإفتاء بالدولة ، ورئيس الدولة ، ورئيس الحكومة ، أما هذا الأساس ، أو الميزان فقول سماحته في الخطاب المذكور ما يلي :

وإذا كانت محبة وطننا لبنان تفرض علينا واجبات نؤدها له عن رضي وبسخاء ، فإن لنا عليه ، وفيه ، حقوقا نحرص عليها حرص القوي الواثق الذي لا يرضى أن يعيش فيه مع غيره إلا على قدم سواء . لقد أشار سماحته إذن إلى أن الدولة لا تعطي المسلمين حقوقهم كاملة، والتزم هو صراحة بالعمل على إعطاء المسلمين حقوقهم منذ البداية .

ولقد استمر سماحته في هذا الخط المطالب بحقوق المسلمين ، وقد كان آخر خطاب ألقاه حتى الآن في هذا الشأن في خطبة عيد الفطر عام ۱۹۷۲، التي انتقد فيها بقسوة مقررات مجمع بعبدا ، وما حملته من افتئات على حقوق المسلمين .

أما فيما يتعلق بموقف الإفتاء من رئاسة مجلس الوزراء ، فإن الارتباط المالي للإفتاء بهذا الجهاز الرسمي لا يمكن أن يغير من حقوق المسلمين التي تحمل لواءها مفتي الجمهورية ، و يمثل فيها بذلك أماني المسلمين ، كما يؤكد ذلك تاريخ الإفتاء نفسه ، ليس بالنسبة لمفتي الجمهورية الحالي ولكن بالنسبة لجميع من توالوا على هذا المنصب.

وعلاقة الإفتاء برئيس مجلس الوزراء هي علاقة مواجهة مستمرة وجوهر هذه المواجهة الطبيعية أن رئيس مجلس الوزراء لا بد وأن يكون موالية للحكم لأنه جزء منه ، وأن مفتي الجمهورية لا بد وأن يكون في مواجهة الحكم، لأنه يقف في طليعة المطالبين بالحقوق الإسلامية غير المتحققة ، ويبدو أن هذا المطالب سوف تظل ، في هذه الأجواء اللبنانية التي خبرناها ، موضوع مطالبة مستمرة، ونضال دؤوب .

إلا أن اللقاء والتعاون بين الإفتاء ورئاسة مجلس الوزراء يصبح أمرا ممكناً ومنتجاً حقا بالقدر الذي تستطيع فيه السلطة التنفيذية تحقيق أكبر قدر من المطالب الإسلامية التي يطرحها الإفتاء من حين لآخر . إن ما يساعد على ذلك ، بالرغم من المواجهة التي أشرنا إليها ، هو أن مفتي الجمهورية ، ورئيس مجلس الوزراء كلاهما حليف طبيعي للآخر . فلا منافسة بينهما على منصب ، ولا صراع بينهما على مكسب ، بعكس الحال بالنسبة للزعماء السياسيين وهذه الأرض فيما بينهم . إن أرضا مشتركة تجمع بينهما، هي جملة المطالب الإسلامية والوطنية المجردة . إن هذا الالتزام – أيضا – هو التزام صریح لدي الإفتاء عبر عنه صاحب السماحة في خطبة التنصيب التي أشرنا إليها بقوله :

“إن أعز نداء إلى قلبي هو المحافظة على وحدة هذا الوطن وقوته”

وإذا كان ميزان العلاقة لدى الإفتاء برئيس مجلس الوزراء قائمة في القدرة على تحقيق المطالب الإسلامية والوطنية كما وكيفا ، فإن میزان العلاقة بين الإفتاء وبين باقي الزعماء السياسيين تحكمه هذه المعادلة نفسها كذلك .

 

ثانياً – علاقة الإفتاء بالتيارات السياسية السائدة :

 

إن الإفتاء لا يمكن إلا أن يمثل إرادة المسلمين في علاقتها بالتيارات السياسية السائدة. ولكن مهما كانت الاتجاهات والتيارات السياسية منتشرة في لبنان ، ومهما كان نوعها فإن الالتزام الطبيعي للإفتاء والالتزام النهائي الديه ، هو الالتزام بالإسلام، مبدأ ، ومنهجاً  وغاية ، وهو السياسة الأساسية والمتعالية التي تحكم سياسة الإفتاء في الداخل والخارج.

ولست بحاجة للتدليل على ذلك، وقد أصبح بين يدي الجميع كتاب ومواقف وآراء الذي طبعته مؤخرة المديرية العامة لشؤون الإفتاء ، حيث جمعت فيه كل ما صدر عن سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية حتى الآن، من خطب وتصاريح ومقابلات صحفية وبيانات سياسية ، توضح طبيعة هذا الالتزام الإسلامي الصريح، كما توضح علاقة الإفتاء تجميع التيارات السياسية الراهنة.

وقد أصبح من الشائع أن هناك تيارين سياسيين رئيسيين في البلاد، تیار اليسار وتيار اليمين، والتساؤل عن موقف الإفتاء من هذين التيارين هو تساؤل غير مفيد، لأن مقام الإفتاء يحرص الحرص كله على أن يكون باستمرار خارج هذه اللعبة .

إلا أنه قد تحدث أن تحمل اليسار لواء المطالب الجماهيرية أو يسير في طريق دعم الكفاح الفلسطيني، أو يلح في الدعوة إلى العدالة الاجتماعية والمساواة في المواطنية بين جميع المواطنين بدون أي تمييز طائفي ، وهذا المعنى يكون اليسار في لبنان متحركة باتجاه الإفتاء وما تمثل من مطالب ، لأنها جميعا هي مطالب الإفتاء .

وقد يحدث لليمين أن يحمل مثل ما حمله اليسار من مطالب ، وبذلك يكون مينا متحركة باتجاه الإفتاء ، وما يمثل من مطالب . لذلك ينبغي أن يكون واضحا أن مثل هذا اللقاء بين الإفتاء من ناحية ، وبين اليمين أو اليسار من ناحية أخرى هو لقاء مطلي ، ولكنه في الوقت نفسه فراق مذهبي . هو لقاء في مجال المطالب الاجتماعية والعربية والفلسطينية ، وفراق في مجال العقائد والمذاهب والقيم .

 

وبعد :

فإذا كانت هذه هي العوائق الخمسة التي تجعل العمل في مؤسسة الإفتاء صعبة ومتشعبة، فإن مؤسسة الإفتاء – بالرغم من هذه العوائق – قد استطاعت – بعون الله ، وبتوجيه من صاحب السماحة – أن تقدم الشيء الكثير للوجود الإسلامي في لبنان على جميع الأصعدة التي كنا قد أشرنا اليها .

أولا : على الصعيد المالي :

 

لقد استطاعت مؤسسة الإفتاء – وبجهود سماحة مفتي الجمهورية بشكل خاص – أن ترفع مستوى الوضع المادي للأموال العائدة ، ليس لمشاريع مديرية الأوقاف فحسب، وإنما للأموال العائدة لمشاريع أخرى مرتبطة مباشرة بسماحة مفتي الجمهورية ، وببعض المؤسسات الإسلامية عن طريق القرض الحسن .

 وبشكل عام فإن النمو النقدي في دار الفتوى في المدة الواقعة بين عام 1966  وعام 1973 قد ساعد على تنمية كثير من المشاريع الوقفية وإعطاء القروض والمساعدات لبعض الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدينية في عكار وطرابلس وصيدا وبيروت .

ثانيا : على الصعيد الإداري :

إن النمو الإداري بالنسبة لمؤسسة الإفتاء كان فقط في مجال المديرية العامة لشؤون الإفتاء حيث أن هذا الجهاز أصبح يضم ثلاثة عشر موظفاً عام 1973 ، في الوقت الذي لم يكن فيه هذا الجهاز موجودا عام 1966.

وفي مجال التنظيم الاداري : أحصينا على مدى عام طبيعة الأعمال التي تقوم بها دار الفتوى ، وقسمنا هذه الأعمال بحسب المتجانسات على دوائر معينة كلف الموظفون ها، وربط هؤلاء إدارية بالمدير العام وبالتالي في الجمهورية .

وباختصار فإن هذا الجهاز يقوم بالأعمال التالية :

ا- العلاقات العامة في مجال العمل الإسلامي : کاستقبال الوفود الإسلامية وتحضير البرامج لها ووصلها بالمؤسسات الإسلامية الاجتماعية في الداخل .

۲ – الإعلام الإسلامي : كإصدار مجلة الفكر الإسلامي ، وإقامة معرض الكتاب الإسلامي السنوي ، ونشر أو إذاعة جميع المعلومات الإسلامية المتعلقة بزيارات الوفود وأنشطة دار الفتوى.

٣ – التنظيم الإسلامي : اقامة المؤتمرات وعقد الاجتماعات الإسلامية ، بهدف تحقيق وحدة العمل الإسلامي في لبنان ، والتنسيق بين المؤسسات الإسلامية فيه .

4 – الخدمات الاجتماعية الإسلامية للجماعات والأفراد المسلمين .

5 – عقد اجتماعات دورية بين رؤساء المذاهب الإسلامية الثلاثة : السنة ، والشيعة ، والدروز ، وتنفيذ المقررات العائدة لمثل هذه الاجتماعات .

6 – مساعدات المسلمين في الخارج الذين يطلبون مساعدة دار الفتوى في حدود استطاعتها ، كقبول بعض الطلبة الأفارقة في أزهر لبنان مجانا ، وإرسال بعض الكتب الدينية ، ومجلة الفكر الإسلامي إلى المؤسسات الدينية في الخارج .

۷ – التمثيل الإسلامي في لبنان والخارج .

۸- ضبط أعمال المجلس الاستشاري ، واللجان المتفرعة عنه ، واللجان الأخرى التي تنشأ في دار الفتوى الموضوعات خاصة ، كاللجنة الأخلاقية ، واللجنة الإسلامية المسيحية للتنسيق مع العمل الفدائي .

ومن أجل هذه الأعمال وغيرها من المهمات الطارئة ، يتجند هؤلاء الموظفون على تنفيذ هذه الأمور وتحضير المعلومات اللازمة في أرشيف خاص تحوي ملفات خاصة بجميع الموضوعات الإسلامية والسياسية والاجتماعية لبنان والعالم ، بلغ عددها مئتين وثلاثة وسبعين ملفا ، لم تكن موجودة في في دار الفتوى قبل عام 1966 .

ثالثا : على الصعيد الاجتماعي :

بالإضافة إلى الخدمات الاجتماعية المختلفة التي أنجزتها دار الفتوى – بالشكل الذي أشرنا إليه – فإن لديها مشروعا للتنسيق بين المؤسسات الاجتماعية الإسلامية ، عملا بتوصية مؤتمر وزراء الأوقاف المنعقد في الكويت عام ۱۹۷۳ . وتعتبر دار الفتوى أن هذا المشروع هو من الأهمية بمكان بالنسبة للحركة الاجتماعية الإسلامية في لبنان ، لأنه هدف بالنتيجة إلى حماية هذه المؤسسات ، والعمل على نموها بشكل يكفل لها مزيدا من الخدمات الاجتماعية تقدمها للمسلمين في المستقبل .

رابعا : على صعيد مقاومة الطائفية :

ولقد أصبحت سياسة مقاومة الطائفية سياسة أساسية وعلنية لدى مقام الإفتاء و لتوضيح هذا الخط السياسي لا بد من التذكير بخطبة صاحب السماحة مفتي الجمهورية في عيد الفطر من العام الماضي حيث قال بهذا المعنى :

” أن الدعوة إلى الغاء الطائفية ينبغي أن تكون أكثر جدية وأبعد نظرة ، ينبغي أن ندعو باخلاص وتجرد الى الغاء الطائفية إلغاء شاملا ونعمل من أجل ذلك بكل ما تملك ، وإني لأعتقد أن الغاء الطائفية ينبغي أن يبدأ من عمود لبنان الفقري ، أعني م ن المجلس النيابي بالذات فلا يشترط لتمثيل الشعب غير شروط الانتماء للبنان وحده .

ومن هنا يكون المجلس النيابي اللاطائفي هو أجدر الهيئات اللبنانية عملا على إلغاء الطائفية ، بسن التشريعات والقوانين التي ينبغي أن تصلح كل جانب من جوانب حياتنا ، واني احب ان استبق لهفة المتعيشين على هذا النظام الطائفي باسم الدين فأسارع إلى القول ، بأن الغاء الطائفية لا يعني أبدا الغاء الدين أو تعطيلا للتدين أو تخريبة على المؤسسة الدينية ، ذلك ان الغاء الطائفية هو ايقاف حاسم وجذري لحركة المتاجرة بالأديان والمنتمين اليها .

إنا نقول هذا الكلام ، ونحن نفرق جيدة بين أمرين خطيرين في مجتمعنا ، هما على تناقض تام ومستمر : التدين والطائفية .

التدين يلغي الطائفية كما أن الطائفية تشوه معالم التدين ، فإن كنا طائفيين فمعنى ذلك أننا لسنا صادقي التدين ، وإن كنا متدينين وذلك ينتهي بنا إلى ألا نكون طائفين .

فكم هو حري إذن بلبنان ، وهو أنشودة التلاقي بين المتدينين ، أن يكون رائداً من رواد الحضارة الروحية في عصرنا ، فيخلع عن منكبيه رداء الطائفية الثقيل ، لينقل ذاته عبر الزمن من المجتمع الطائفي المغلق إلى المجتمع المتدين المنفتح ، فيكون لبنان اليوم جديراً  بتاريخه وحضارته ورسالته التي كانت له منذ القدم. وإذا كانت دعوة الإفتاء لإلغاء الطائفية في لبنان تلتقي مع الدعوة الالغاء الطائفية ، فينبغي أن يكون واضحا أن هذا اللقاء هو لقاء جزئي مع أصحاب هذه الدعوة : لأن الفراق الأكبر بين مؤسسة الإفتاء وبينهم قائم في تمسك هذه المؤسسة بالإسلام أساسا و بالتعليم الديني في المدارس الحكومية وبالمحاكم الشرعية والمؤسسات الدينية جميعا والعمل على تطويرها ونموها بشتى السبل .

 

خامسا : على الصعيد السياسي :

 

وعلى هذا الصعيد نقول : إنه إذا كان كل ما سبق يمكن أن يشكل سياسة واضحة لمؤسسة الافتاء بالنسبة لعلاقاتها في الداخل ، فإن هذه المؤسسة بتوجيه صاحب السياحة تحرص أيضا على أن تزن علاقاتها الخارجية مع الدول الإسلامية وغير الإسلامية ميزان المطالب الإسلامية والاجتماعية او الوطنية المحلية ، ومدى المساعدة على تحقيقها من خلال المحافظة على الأسس الدينية ، وميزان القيم الثورية الفلسطينية وأحقيتها في النضال والحركة والدعم ، وميزان المصير العربي المشترك والوحدة العربية الحتمية الملتزمة بمبادىء الاسلام وتعاليمه السامية .

 فإذا كان هذا الخط السياسي اليوم مثل حقيقة واقع سياسة الجماهير الإسلامية ، فإن سياسة الإفتاء حريصة منذ كانت على تعزيز الوجود الإسلامي في لبنان من خلال هذه السياسة بالذات بما يكفل للبنان مزيدا من العدالة ، وما تحقق للعرب جميعا مزيدا من التعاون والتقدم والخير . وإذا كانت هذه هي – في نظري – سياسة الإفتاء بشكل عام ، وهي جزء من السياسة الإسلامية في لبنان أو انعكاس لها ، فإن دار الفتوى ما فتئت تعمل جاهدة للإسهام بالقدر المستطاع في تدعيم هذه السياسة ، بل وفي اقامة دعائم جديدة لها .

 إن إسهام دار الفتوى في ذلك يتلخص حي الآن في النقاط التالية :

أولا : العمل على تنمية الواقع الإسلامي بالنسبة للسادة علماء الدين ، والمشروعات والمؤسسات الإسلامية تنمية روحية ومادية .

ثانيا : العمل على وحدة الموقف الإسلامي على صعيد التحرك الوطني ، وأضرب المثل عن ذلك بنحرك الهيئات والجمعيات الاسلامية في الفترة الأخيرة للمطالبة بحقوق المسلمين ، فقد كانت خطبة مفتي الجمهورية صبيحة – يوم عيد الفطر الماضي – مواجهة مقررات مجمع بعبدا الأول ،

كما كانت زيارته الناجحة في أول يوم من أيام رمضان إلى عرب وادي خالد المحرومين في شالي لبنان ، إشارة مدروسة لضرورة هذا التحرك باتجاه المطالب الاسلامية ، ووحدة الموقف الاسلامي بشأنها .

ثالثا : العمل على وحدة الموقف بين المذاهب الإسلامية ، وحدة سياسية على الأقل ، وأضرب المثل عن ذلك بالاجتماعات الدورية التي كانت تعقد مرة كل شهر بين سماحة الشيخ محمد ابو شقرا ، وسماحة الإمام موسى الصدر ، وسماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد .

رابعا : العمل على وحدة الموقف الوطني : بعقد الاجتماعات واللقاءات الإسلامية المسيحية في دار الفتوى ، بشكل دوري تارة ، وبشكل طاريء تارات كثيرة : وأضرب المثل عن ذلك بلجنة الشؤن الأخلاقية الإسلامية المسيحية التي تألفت بناء على رغبة من سماحة مفتي الجمهورية ، وراحت تعقد اجتماعاتها في دار الفتوى، كما أشير في هذا الصدد إلى الاجتماعات الدورية التي كان يدعو إلى عقدها سماحة مفتي الجمهورية، في كثير من المناسبات الوطنية والعربية، حيث كان العلماء المسلمون يجتمعون ممثلي الطوائف المسيحية في دار الفتوى ، لاتخاذ موقف موحد في صالح القضايا الوطنية والقومية المشتركة، وابرزها أزمة العمل الفدائي في لبنان التي مر بها في العام الماضي.

وبعد أيها السادة :

هذه هي معوقات العمل الإسلامي كما تظهر لنا من موقعنا في دار الفتوى ، هذه هي ملامح سياسة التخطى عندنا وهمنا أن نلاحظ هنا أن  هذه وتلك كلها انعكاسات للواقع الإسلامي العام في لبنان .

 إننا ننظر إلى هذا الواقع فنرى فيه سياسيين لكل منهم رؤيته ، ومؤسسات الكل منها اتجاهها ، وأحزابا لكل منها مفهومه ، وعلاء لكل منهم اجتهاده ، ووسط ذلك كله وبسببه، يعاني المسلمون في كبرهم من قدر كبير من التشتت السياسي والتخلف الاجتماعي والاقتصادي … في الوقت الذي تقع على عاتقهم فيه ، في مسؤولية مشتركة ، مسؤوليتان أساسيتان : مسؤولية التصدي لكل ما يناهض الإسلام والمسلمين في لبنان ، ومسؤولية البناء لكل ما يرفع راية الإسلام والمسلمين في كل مكان .

إننا ننظر إلى هذا الواقع وفي أنفسنا آمال بالانعتاق من الفردية إلى التعاون ، ومن الأنانية إلى الغيرية ، ومن الذاتية والهوى ، إلى الموضوعية والواجب .

وباختصار … من تسييس الإسلام إلى أسلمة السياسة .

إننا ننظر إلى هذا الواقع ونقول في أنفسنا : إن المسافة بين واقعنا و آمالنا مسافة طويلة للغاية ، وشاقة للغاية ، ولكن المسافات مهما طالت ، فإنها لا بد ساقطة من الحساب ، عندما تتلاحم الإدارة بالعمل ، وما هذا المؤتمر الإسلامي اللبناني الأول ، إلا الخطوة الأولى في طريق العمل الإسلامي المنظم ، الذي فيه تتلاحم بقدر كبير من المشاركة ، الإرادة الإسلامية بالعمل الإسلامي ، في ظل قوله تعالى وتوجيهه الكريم: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ، صدق الله العظيم .

 

حسين القوتلي

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare