قضايا إسلامية معاصرة
القضية الأولى : المواطنة من خلال صحيفة المدينة واتفاقية نجران (مرفقة)
- القضية الثانية : الإمام محمد عبده : قراءة في كتابه “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية : ” هل الإسلام دين ودولة ؟”
تعريف بالإمام محمد عبده : “الإمام” محمد عبده، ولد محمد بن عبده بن حسن خير الله سنة 1266 هـ الموافق 1849م في قرية محلة نصر بمركز شبراخيت في محافظة البحيره. في سنة 1866م التحق بالجامع الأزهر، وفي سنة 1877م حصل على الشهادة العالمية، وفي سنة 1879م عمل مدرساً للتاريخ في مدرسة دار العلوم وفي سنة 1882م اشترك في ثورة أحمد عرابي ضد الإنجليز، وبعد فشل الثورة حكم عليه بالسجن ثم بالنفي إلى بيروت لمدة ثلاث سنوات، وسافر بدعوة من أستاذه جمال الدين الأفغاني إلى باريس سنة 1884م، وأسس صحيفة العروة الوثقى، وفي سنة 1885م غادر باريس إلى بيروت، وفي ذات العام أسس جمعية سرية بذات الاسم، العروة الوثقى.
يُعدّ “الإمام محمد عبده” واحدًا من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة؛ فقد ساهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل العربي من الجمود الذي أصابه لعدة قرون، كما شارك في إيقاظ وعي الأمة نحو التحرر، وبعث الوطنية، وإحياء الاجتهاد الفقهي لمواكبة التطورات السريعة في العلم، ومسايرة حركة المجتمع وتطوره في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.
وفي سنة 1886م اشتغل بالتدريس في المدرسة السلطانية وفي بيروت تزوج من زوجته الثانية بعد وفاة زوجته الأولى. وفي سنة 1889م / 1306هـ عاد محمد عبده إلى مصر بعفو من الخديوي توفيق، ووساطة تلميذه سعد زغلول وإلحاح نازلي فاضل على اللورد كرومر كي يعفو عنه ويأمر الخديوي توفيق أن يصدر العفو وقد كان، وقد اشترط عليه كرومر ألا يعمل بالسياسة فقبل. وفي سنة 1889م عين قاضياً بمحكمة بنها، ثم انتقل إلى محكمة الزقازيق ثم محكمة عابدين ثم ارتقى إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف عام 1891م، وفي 3 يونيو عام 1899م / 24 محرم 1317 هـ عين في منصب المفتي، وتبعاً لذلك أصبح عضواً في مجلس الأوقاف الأعلى.
في 25 يونيو عام 1890م عين عضواً في مجلس شورى القوانين. وفي سنة 1900م / 1318 هـ أسس جمعية إحياء العلوم العربية لنشر المخطوطات، وزار العديد من الدول الأوروبية والعربية. في الساعة الخامسة مساء يوم 11 يوليو عام 1905م / 7 جمادى الأولى 1323 هـ توفى الشيخ بالإسكندرية بعد معاناة من مرض السرطان عن سبع وخمسين سنة، ودفن بالقاهرة ورثاه العديد من الشعراء.
قام محمد عبده بكتابة وتأليف وشرح العديد من الكتب أهمها و أبرزها (رسالة التوحيد ، تحقيق وشرح البصائر القصيرية للطوسي، تحقيق وشرح دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة” للجرجاني ، الرد على هانوتو الفرنسي ، تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899م ) ، وكما أن للإمام محمد عبده العديد من الفتاوى تدور حول الوقف وقضاياه، والميراث ومشكلاته والمعاملات ذات الطابع المالي والآثار الاقتصادية ، مشاكل الأسرة وقضاياها من الزواج والطلاق والنفقة والإرضاع والحضانة والإقرار بالغلام المجهول ، القتل والقصاص.
كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم و المدنية :
هذا الكتاب يعتبر من الآثار الفكرية المميزة للإمام ، هو عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبها الإمام محمد عبده ردا بها على المفكر الماروني اللبناني “فرح أنطون (1874-1922) الذي زعم في مجلة الجامعة العثمانية عام 1902 ” إن النصرانية كانت أكثر تسامحا من الإسلام مع العلم و الفلسفة ولذا نهضت أوروبا المسيحية بينما ضاق صدر الإسلام بالعلم و الفلسفة فكان الجمود و التخلف الذين أصابا حضارة الإسلام ” وقد نشرت مجلة المنار تلك المقالات ثم استأذن الشيخ رشيد رضا ( صاحب المجلة ) الإمام محمد عبده في تجميع تلك المقالات في كتاب مستقل عنوانه الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية فوافق الإمام محمد عبده . وقد ُطبع هذا الكتاب مرتين في حياة الإمام ثم أعيد طبعه مراراً . وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد ُكتب بقصد الدفاع عن الإسلام و لكن الغرض الأهم من كتابته هو إيقاظ المسلمين و إرشادهم إلى أسباب تأخرهم و ضياع مجدهم و زوال ملكهم و إلى المخرج منه .ويمكن القول أن ترجيح الإسلام على النصرانية في حرية العلم و نشأة المدنية كان الغرض الأدنى المحرك للكتابة، في حين كان الغرض الأعلى هو إرشاد المسلمين . وقد تعرض هذا الكتاب للتزوير و التزييف وقد امتد هذا التزوير إلى عنوان الكتاب ثم إلى المضمون و المحتوى
ثانياً : عرض عام لمضمون الكتاب
هذا الكتاب يشتمل على مقدمة و أربعة أقسام و خاتمة . ويدور الكتاب بوجه عام حول رد الإمام على أربعة أمور( شبهات ) رئيسية زعمها فرح انطون وقد تمثلت تلك الشبهات فيما يلي :
– الشبهة الأولى : أن المسلمين قد تسامحوا لأهل النظر منهم ولم يتسامحوا لمثلهم من أرباب الأديان الأخرى
– الشبهة الثانية : أن من الطوائف الإسلامية طوائف قد اقتتلت بسبب الاعتقادات الدينية
– الشبهة الثالثة : أن طبيعة الدين الإسلامي تأبى التسامح مع العلم و طبيعة الدين المسيحي تيسر لأهله التسامح مع العلم
– الشبهة الرابعة : أن إيناع ثمر المدنية الحديثة إنما تمتع به الأوروبيون ببركة التسامح الديني المسيحي .
وقد تولى محمد عبده الرد على هذه الشبهات من خلال الأدلة و البراهين و جلب أمثلة من التاريخ تؤكد آرائه . ومن أهم الأفكار الرئيسية التي تناولها الإمام في هذا الكتاب ما يلي :
· فكرة طبيعة العلاقة بين السلطتين الدينية و الزمنية و آثار و نتائج تلك العلاقة حيث أوضح من خلال المقارنة بين الدينيين الإسلامي و المسيحي أن الدين الإسلامي لم يعرف سلطة الكهنوت (الوساطة بين الفرد و ربه ) كما في المسيحية، كما أن السلطان في الإسلام ليس ملك و خليفة دينيا ولكن السلطان هو فرد تسرى عليه كافة الأمور التي تسرى على الآخرين فإذا ارتكب خطا فانه يجب أن يتعرض للمساءلة والحساب . ومما لاشك فيه أن هذه الفكرة الإسلامية ضرورية اليوم لمواجهة الحركات المتطرفة ( حركات التكفير ) فوفقاً لهذه الفكرة ليس لأحد الحق في تقرير اعتقاد شخص آخر .وكذلك فان سلطة الحاكم هي سلطة حكم وإدارة وليست سلطة دينية و بالتالي فانه يخضع للرقابة و المساءلة.
وقد حرص محمد عبده على التأكيد على أن سلطة الحاكم مدنية بوظيفة دينية وليست دينية بطابع مدني وعلى الجانب الآخر فإن علماء الدين ليس لهم سلطان ديني على الأفراد إلا في نطاق التوجيه التوجيه والإرشاد دون أي حق في السيطرة على إيمان الأفراد . وهنا تتلاقى حركة الإصلاح الديني بزعامة كلُُُ ُمن مارتن لوثر وجان كالفن في التأكيد على أن العلاقة بين الفرد وربه علاقة مباشرة ولا تحتاج إلى وساطة من جانب رجال الدين.
- فكرة الاحتجاج على الدين بمعتنقيه حيث رفض الإمام الاحتجاج على الدين بأهله فالدين حجة على أهله وليس أهله حجة عليه و أشار إلى انه يجب عند النظر في اى دين للحكم له أو عليه في قضية من القضايا أن ُيؤخذ ممحصاً مما عرض عليه من بعض عادات أهله أو محدثاتهم التي ربما تكون قد جاءتهم من دين آخر وأشار انه إذا أراد احد أن يحتج بقول أو عمل لإتباع ذلك الدين في بيان بعض أصوله فليأخذ في ذلك بقول أو عمل اقرب الناس إلى منشأ الدين ومن تلقوه على سذاجته التي ورد بها من صاحب الدين نفسه.
وأشار الإمام محمد عبده إلى أن الجمود الذي وصل إليه المسلمون لا يصح أن ينسب إلى الإسلام في شيْ . و اعتبر ن هذا الجمود هو علة تعرض لها المسلمين عندما دخل في قلوبهم عقائد أخرى ساكنت عقيدة الإسلام في أفئدتهم وأوضح أن عدم إتباع تعاليم الإسلام والبعد عنه من جانب الحكام والمحكومين هو السبب في تخلف المسلمين وليس السبب في الإسلام نفسه الذي تقدم به المسلمون على غيرهم عندما اتبعوه
هذه الفكرة من أهم الأفكار التي يجب الرجوع إليها في ظل ما يتعرض له الدين الإسلامي من اضطهاد واتهامه بأنه دين العنف و الإرهاب . هذه الشبهات و الاتهامات التي الصقها الغرب بالإسلام من خلال الاحتجاج على الإسلام ببعض الأفعال التي تصدر عن بعض الأشخاص المتشددين دينياً و التي لا تعبر بشكل أو بآخر عن روح الدين الإسلامي السمحة مثل (أحداث الحادي عشر من أيلول ) . خلاصة الأمر يمكن القول أن هذه الفكرة التي طرحها الإمام منذ أكثر من قرن يمكن استخدامها لإضفاء حالة من الصفاء و الحوار بين جميع البشر في العالم وإنهاء حالات التعصب الديني و المذهبي.
- فكرة حوار الأديان : يعد مفهوم “حوار الأديان” مفهوماً قديمًا، ربما قِدم الأديان نفسها، ولكنه اكتسب زخمًا أكبر في العقود الأخيرة . ولقد تأثر الإمام محمد عبده بالشيخ جمال الدين الافغانى فيما يتعلق بحوار الأديان ولكن كانت فكرة حوار الأديان أكثر عمقاً لدى الإمام حيث كان يرى أن الدين هو دين الله وهو دين واحد في الأولين والآخرين لا تختلف إلا صوره و مظاهره وأما روحه و حقيقته وهو ما ُطولب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء و المرسلين فهو لا يتغير (إيمان بالله وحده وإخلاص له في العبادة و معاونة الناس بعضهم لبعض في الخير وكف أذاهم بعضهم عن بعض ما قدروا ) ويرى أن هذا لا ينافى الارتقاء في الدين بارتقاء عقول البشر واستعدادهم لكمال الهداية وان دين الإسلام جاء ليجمع البشر كلهم على هذه الأصول وأن من أهم وظائفه إزالة الخلاف الواقع بين أهل الكتاب ودعوتهم إلى الاتفاق و الإخاء و المودة و الائتلاف و هذا ما عمل عليه المسلمون قرناً بعد قرن بحسب قوة تمسكهم بالإسلام. وقد أكد الإمام محمد عبده أن رفض عقائد دين من الأديان لا يعنى الجور على أهل هذا الدين فتلك هي سنة الإسلام التي سنها رسول الله في التعامل مع غير المسلمين على امتداد حضارة الإسلام . وكان الإمام محمد عبده يرى أن الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه تكون من خلال التقريب بين المسلمين و أهل الكتاب. وقد أوضح الإمام في إطار ذلك موقف الإسلام و المسلمين من أصحاب العقائد المخالفة للإسلام ورأى أن هذا الموقف يتمثل في (الرفض للانحرافات و التحريفات العقائدية التي أصابت تلك الديانات وترك حسابها إلى الله يوم القيامة – العدل والقسط و البر مع المتدينين بهذه الديانات في شئون الدنيا كالسياسة و الاجتماع و المعاملات) . ولهذا ونتيجة لإيمانه بأهمية ودور حوار الأديان في تحقيق السلام العالمي- وكأنه كان يرى و يسمع ما يحدث اليوم من خلاف بين أهل الأديان- فقد شارك في تكوين جمعية سرية تسمى (جمعية التأليف و التقريب ) وكان هدفها التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة و إزالة الشقاق من بين أهلها و التعاون على إزالة ضغط أوروبا على الشرقيين و لا سيما المسلمين منهم و تعريف الإفرنج بحقيقة الإسلام من اقرب الطرق
ثالثاً التقييم العام الكتـاب
يمكن تقييم الكتاب من خلال عدة أمور وجوانب أبرزها ما يلي :
– من حيث العنوان : كان المؤلف (الإمام) موفقاً في اختيار هذا العنوان حيث جاء عنوان الكتاب (الإسلام والنصرانية مع العلم و المدنية ) معبراً عن موضوع ومحتوى الكتاب والذي يدور حول المقارنة بين موقف كلا من الإسلام و النصرانية من العلم و الفلسفة وهو ما عبر عنه العنوان بوضوح
– من حيث الأفكار : جاءت الأفكار واضحة بعيدة عن التعقيد و لكن انتفت منها إلى حد كبير سمة الترابط والتماسك ولعل هذا يرجع إلى أن الكتاب كان تجميع لعدد من المقالات .
– من حيث أسلوب المؤلف : تميز أسلوب المؤلف عموما بالبساطة والوضوح و الترتيب و النظام في تناول الأفكار ولكن عابه كثرة ذكر التفاصيل و الأمثلة التاريخية . وقد اعتمد المؤلف على أسلوب المقارنة المنطقية و العقلية اعتمادا على الدالة و البراهين ، كما قام منهجه على الاستقراء التاريخي.
– من حيث الأهمية النظرية و والعملية : تنبع أهمية هذا الكتاب انطلاقاً من عدة اعتبارات ، أهمها :
- بيان أصول الإسلام وما أنتجت هذه الأصول الإسلامية المتميزة من نموذج حضاري متميز ومن علاقة متميزة بين الدولة و الدين
- بيان بعض المراحل التاريخية التي مرت بها المسيحية وما رافقها من اضطهاد للعلم والعلماء، وما أصاب الحضارة الأوروبية من دخولها في عصور مظلمة والتي كان للحضارة الإسلامية فضل كبير في إخراجها منه. فالإسلام هو من ضمن من ساهم في صنع الإصلاح الديني الاوروبى و فتح به باب أوروبا إلى النهضة الحضارية الحديثة
- جاء هذا الكتاب صورة رائعة من الفكر المقارن بين الإسلام و المسيحية و حضارة الإسلام و الحضارة الأوروبية
- بيان التاريخ الإسلامي و تاريخ أوروبا المسيحي
ومن هنا فقد قدم هذا الكتاب الجناح الحضاري للإسلام ولذا يعتبر هذا الكتاب وكتاب رسالة التوحيد هما ديوان الإسلام . وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب وكتاب رسالة التوحيد كانا في مقدمة الماد الفكرية التي قرر الإمام حسن البنا تدريسها للإخوان منذ مطلع تبلور هذا التنظيم وهذا دليل و برهان على الأهمية الفكرية و العملية لهذا الكتاب .
3 القضية الثالثة : الشيخ علي عبد الرازق ، قراءة في كتابه الإسلام وأصول الحكم
تعريف بالشيخ علي عبد الرازق : اسمه بالكامل علي حسن أحمد عبد الرازق (1305 هـ / 1888 – 1386 هـ / 1966) هو مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم. ولد في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا في أسرة ثرية تملك 7 آلاف فدان. حفظ القرآن في كتاب القرية، ثم ذهب إلى الأزهر حيث حصل على درجة العالمية. ثم ذهب إلى جامعة أوكسفورد البريطانية. وعقب عودته عُين قاضيا شرعيا.
قراءة أولى للكتاب :
أصدر عام 1925 كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي يرى البعض أنه يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، بينما يرى البعض الآخر أنه أثبت بالشرع وصحيح الدين عدم وجود دليل على شكل معيّن للدولة في الإسلام، بل ترك الله الحرية في كتابه للمسلمين في إقامة هيكل الدولة، على أن تلتزم بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة، والكتاب أثار ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من “الخلافة” حيث نُشَر الكتاب في نفس فترة سقوط الخلافة العثمانية وبداية الدولة الاتاتركية، بينما كان يتصارع ملوك العرب على لقب “الخليفة” ؛ رد عليه عدد من العلماء من أهمهم الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر بكتاب “نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم” ثم سحب منه الأزهر شهادة العالمية، وهو ما اعتبره الكثير من المفكرين رداً سياسيا من الملك فؤاد الأول -ملك مصر وقتئذ- ، وشن حملة على رأيه. تراجع الشيخ علي عبد الرازق عن رأيه في آخر أيامه كما يقول الإمام محمد الغزالي [1] .
يُعد كتاب الإسلام وأصول الحكم استكمالا لمسيرة تحرير فكري بدأها الإمام محمد عبده في كتابه “لإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية” و قاسم أمين والشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد وتبعهم عبد الوهاب المسيري في كتابه العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (كتاب) وأخيرا راشد الغنوشي في مؤلفاته مثل مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني
يُعدُّ كتاب (الإسلام وأصول الحكم) أولَ دراسة شرعية تؤسِّس للفكرة العَلمانية داخل الوسط الإسلامي، وقد نشره الشيخ القاضي علي عبد الرازق عام 1925م بعد عامٍ من القضاء رسمياً على مسمى الخلافة العثمانية، أحدث به معركة ثقافية وسياسية ضخمة. تقوم فكرة الكتاب المركزية على تفسير (الدين الإسلامي) بما يتفق مع التصور الغربي للدين، فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متظافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان)[1]. فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم: (رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة)[2]، وإنما أحدث ذلك المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية ليست من أحكام الإسلام[3]. شذوذ هذا الرأي ونكارته أحدثا ردة فعلٍ صارمة شديدة ضده، فأصدرت هيئة كبار العلماء في مصر بتوقيع (24) عالماً، بياناً ذكروا فيه أخطاء الكتاب البارزة، وحصروها في 7 مخالفات ظاهرة[4]، ثم توالت الردود العلمية، فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: (نقض الإسلام وأصول الحكم)، وكتب الطاهر بن عاشور: (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، وألَّف محمد بخيت المطيعي رسالته: (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، وأرَّخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالته: (الإسلام والخلافة)؛ فكانت سبباً في سقوط الكتاب سقوطاً مريعاً في جانبه العلمي، وكشفت عن أخطائه وسوء تصوّراته، حتى أصبحت قيمة الكتاب في حدثه التاريخي وليس في القيمة العلمية الضعيفة والمتناقضة في تقريراته.
قراءة ثانية للكتاب :
فى عام 1925م, أصدر الشيخ على عبد الرازق(1888-1966م), أخو الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر, كتابا عن الإسلام وأصول الحكم. حينما كان يعمل قاضيا بالمحاكم الشرعية. أتم الشيخ على عبد الرازق دراسته فى الأزهر, ثم أكمل دراسته فى جامعة أكسفورد بإنجلترا. بالرغم من وجود عدة فقرات فى كتابه يشير فيها إلى مفكرين سياسيين إنجليز, مثل هوبز ولوك, إلا أن تأثير الفكر الإنجليزى عليه لم يكن واضحا. بل نجده أكثر تأثرا بفكر الإمام محمد عبده. وقام فى كتابه بدراسة قضية هامة. هى قضية الخلافة والحكم فى الإسلام.
فى عام 1922م, وبعد ثورة مصطفى كمال أتاتورك فى تركيا, ألغى المجلس الوطنى فى تركيا السلطنة. وفى عام 1924م, ألغى منصب الخليفة, وأصدر بيانا باللغتين التركية والعربية موقعا من رجال الدين الأتراك, جاء فيه أنه حقا يوجد منصب الخليفة فى الإسلام, لكن وجود هذا المنصب يعتمد على شروط معينة من الصعب توافرها. منها أن الخليفة يجب أن يتصف بصفات خاصة. وأنه يجب أن يتم إختياره من بين وعن طريق عامة المسلمين.
هذه الشروط كانت موجودة أيام الخلفاء الأربعة الأوائل فقط. ثم بعد ذلك, أصبح إختيار الخليفة عملية شكلية. وكانت كفاءة الخليفة فى معظم الأحيان موضع شك. فمن حق المجتمعات الإسلامية أن تختار نظم الحكم التى تناسبها. لكى تضمن أن تحكم بطريقة عادلة. نظام الحكم الذى يجب أن يختاره المسلمون, يعتمد على حاجة العصر الذى يعيشون فيه.
ثم جاء مصطفى كمال أتاتورك, ليشرح بعدها لماذا قام بإلغاء نظام السلطنة والخلافة فى تركيا, بحجة أنه نظام أصاب تركيا بالخراب. وأن تركيا الجديدة ليست لديها ما يجعلها تفكر فى أى شيء، سوى كيانها ومصلحتها الخاصة. فليس عندها شيئا يمكن أن تعطيه للآخرين.
هذه الأنباء أصابت العالم الإسلامى بالذعر. فى نفس الوقت, سال لعاب ملوك وحكام كثيرين لهذا المنصب الشاغر. منهم الشريف حسين فى الحجاز والملك فؤاد فى مصر.
فى عام 1926م, دعا الأزهر فى مصر مجموعة من رجال الدين إلى عقد مؤتمر فى القاهرة لبحث موضوع الخلافة. إنتهى بقرارات تفيد أن منصب الخلافة ضرورى للمسلمين, كرمز لوحدتهم. لكن, لكى يكون هذا المنصب فعالا, لابد أن يجمع الخليفة بين السلطة الدينية والسلطة المدنية. وهذا أمر لم يكن يتوافر لأى حاكم من حكام المسلمين فى ذلك الوقت.
جاء كتاب الشيخ على عبد الرازق مساهمة منه فى هذا الحوار. فهو يتساءل فى كتابه: هل منصب الخليفة ضرورى للمسلمين؟ لكن وراء هذا السؤال سؤال آخر أكثر صراحة. هل هناك شئ إسمه نظام الحكم فى الإسلام؟ وهل الخليفة يستمد سلطاته من الله سبحانه وتعالى, أم من الأمة؟
القرآن الكريم وصحيح الحديث لم يتعرضا لموضوع الخلافة. وليس هناك إجماع بخصوص وجوب منصب الخليفة. عدم معارضة المسلمين لمنصب الخليفة, لا يعنى الموافقة على وجود هذا المنصب. لأن منصب الخليفة كان فى الغالب مشوبا بالفساد ومدعما بقوة السلاح.
حرية الرأى لم تكن مكفولة للمسلمين بعد الخلفاء الأربعة الأوائل. كما أن كل الآراء الخاصة بشئون الحكم, كان من المستحيل إظهارها فى الماضى. لذلك لم تقم دراسات إسلامية جديدة جادة فى شئون الحكم مثل الدراسات التى قامت فى اليونان أيام أفلاطون وأرسطو.
هنا يستمر الشيخ على عبد الرازق فيقول: فى الواقع كان نظام الخلافة ضارا بالإسلام, ووباء بالنسبة للمسلمين, ومصدرا للشرور والفساد. لذلك منصب الخليفة غير ضرورى. ولا يعتبر جزءا من الدين الإسلامى.
إذا كان الأمر كذلك, فكيف ظهر هذا المنصب إلى الوجود؟ وكيف دخل فى روع المسلمين أنه شئ ضرورى؟ للأجابة على هذه الأسئلة, رجع الشيخ على عبد الرازق إلى عصر الرسول. فالرسول كان يحكم كرسول مرسل من الله سبحانه وتعالى. وكان يقوم بحل مشاكل مجتمعه عن طريق الوحى. إذا كان هناك نظام حكم أيام الرسول, فهو نظام حكم بدائى بسيط يصلح للمجتمع الإسلامى الأول. ولم تكن هناك مؤسسات سياسية معقدة كالتى نشاهدها اليوم.
يستمر الشيخ عبد الرازق فيقول: الرسول لم يكن ملكا أو حاكما أو رئيس دولة. إنما أرسل ليبلغ رسالته للعالمين. وهى رسالة روحية خالصة. وإذا وجدت سلطة بعد الرسول, فهى سلطة مدنية وسياسية. وليست سلطة روحية.
عندما إنتشر الإسلام, تولى أبو بكر الشئون السياسية للمجتمع الإسلامى الجديد. وكانت سلطاته تدعمها القوة. ونظرا لعلاقته الخاصة بالرسول وصلاحه وتقواه, إعتقد الناس أن منصب الخلافة, بمعنى خلافة رسول الله, هو منصب دينى وليس مدنى. وكل من إعترض على خلافة أبى بكر, أتهم بأنه خارج عن الإسلام.
منذ ذلك الوقت, أخذ المسلمون فكرة خاطئة عن منصب الخلافة. وشجع الحكام المستبدون فيما بعد على رواج هذه الفكرة. لأنها بالطبع تعمل فى صالحهم. ولأنها تجعل الثورة عليهم خروجا عن الإسلام. وهذه جريمة فى حق العالم الإسلامى. فى الواقع الإسلام برئ من منصب الخلافة هذا.
الدين الإسلامى ليس لديه نوع معين من الحكومات. وليس فى الدين الإسلامى ما يمنع من تدمير نظام قديم فاشل , وبناء نظام جديد أفضل. مدعم بخبرات وتصورات إنسانية جديدة علمية ومجربة.
أثار كتاب الشيخ على عبد الرازق ثورة عنيفة فى الأوساط الدينية والسياسية. فأوعز الملك فؤاد إلى هيئة من كبار علماء الأزهر لفحص كتاب الإسلام وأصول الحكم, ومحاكمة المؤلف بوصفه من علماء الأزهر. فحاكمته الهيئة وأصدرت حكمها بإخراجه من زمرة العلماء فى أغسطس عام 1925م. وطلب من وزير الحقانية عبد العزيز فهمى فصل الشيخ على عبد الرازق من وظيفته. فأحال الوزير الطلب إلى لجنة فى الوزارة لفحصه. فغضبت السراى, وإعتقدت أن الوزير يماطل ويضع العراقيل أمام إجراءات فصل المؤلف.
حينئذ، صدر قرار بإقالة الوزير عبد العزيز فهمى من الوزارة. إلا أن إقالة الوزير أعتبرت إهانة لباقى الوزراء. فاستقال, إحتجاجا على هذا الفصل التعسفى, كل من محمد على علوبة باشا, وتوفيق دوس باشا, وإسماعيل صدقى باشا. وعندما تم شغل المناصب الوزارية الشاغرة, فصل الشيخ على عبد الرازق من وظيفته كما أراد الملك فؤاد.
فى نفس الوقت، قام مجموعة من الكتاب بالرد على الشيخ عبد الرازق. منهم الشيخ رشيد رضا, والشيخ بخيت. قال رشيد رضا, وهو أيضا من تلامذة الإمام محمد عبده, لكنه سلك سلوكا متحفظا فى المناداة بالإصلح, أن هذه هى آخر محاولة من أعداء الإسلام لإضعافه وتفتيته من الداخل.
وقال الشيخ بخيت، فى رده أن ما يقوله غير المسلمين عن الإسلام, لا يجب أن يقبل. وخصوصا ما قيل عن الخليفة. هذا المارد الذى إن رآه أشجع الشجعان فى أوروبا, حتى فى منامه, هب مذعورا خائفا من نومه. وإتهم الشيخ بخيت الشيخ عبد الرازق, بأنه إقتبس أفكاره عن الخلافة من السير توماس آرنولد. وقام بالتفنيد والتشكيك فى آراء ومصادر الكتاب بالتطويل. مستشهدا بآيات من القرآن وبالأحاديث النبوية وفتاوى الإجماع.
هذا يوضح لنا كيف بدأ المفكرون الإسلاميون فى عصر النهضة, عندما كانت مصر ليبرالية, فى مناقشة قضاياهم بجرأة وشجاعة. والبحث عن حلول علمية لمشاكلهم المزمنة. وأنا هنا أدافع عن حرية الرأى وحق كل فرد فى التعبير عن أفكاره دون خوف. لأن هذا هو الطريق الوحيد لكى نتعلم ونتقدم. فالحقيقة المطلقة لا يعلمها إلا الله. ولا يبقى لنا سوى الإجتهاد والبحث عن الحقيقة النسبية, التى تظهر وتتلألأ بإختلاف وتضاد الآراء. لأن الأفكار مهما كانت خاطئة, قد يكون بها شئ من الصحة والصواب. وإباحة الحرية لكل الآراء على السواء, تشجع الرأى الصواب على الظهور وتعمق فهمنا له.
رد الدكتور عبد الرزاق السنهوري على الكتاب :
عندما صدر هذا الكتاب – سنة 1925م – كان الدكتور عبد الرازق السنهوري باشا
( 1313 – 1391هـ – 1895 – 1971م ) وهو أبو القانون المدني، وواضع المقومات الدستورية والقانونية للكثير من البلاد العربية كان بباريس، يعد رسالة دكتوراة عن ( الخلافة الإسلامية ) فكتب في هذه الرسالة عن دعوى الشيخ علي عبد الرازق – تحت عنوان ” رأي شاذ ” – دراسة مستفيضة، قال فيها عن شمول الإسلام للسياسة ” وإقامة رسوله – صلى الله عليه وسلم – للدولة – بالمدينة المنورة-:
” إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد وضع لحكومته أصاح النظم الممكنة في وقته، لأنها تتناسب مع حالة المجتمع.. وإن حكومة النبي قد أقامت دولة حقيقية لا تقل في نظمها عن الدولة الرومانية في بدايتها، فالنبي قد وضع بالفعل النظم الأساسية للدولة الإسلامية، فأوجد نظاما للضرائب وللتشريع، ونظما إدارية وعسكرية.. الخ.. الخ.. وهذه النظم كانت تحمل في طياتها عوامل التطور والنمو مع الزمن وقد تطورت فعلا دون أن تخرج بذلك عن كونها مؤسسة علي الإسلام.
فنحن نري أن الأنظمة التي باشرها النبي إنما كانت أنظمة مدنية حقيقية، كأي حكومة أخرى فقد كان يفرض بمقتضاها عقوبات جنائية علي من خالف أحكام التشريع الإسلامي، ولم يكتفي بالجزاءات الأخروية التي يفرضها الدين، وكان له عمال إداريون وماليون، وكان له جيش مسلح، إنه كان حاكما دنيويا إلي جانب صفته كنبي مرسل.
فالنبي حامل الرسالة الإسلامية، كان مؤسس الدولة الإسلامية أيضا، فقد أوجد الوحدة الدينية للأمة العربية، وأوجد إلي جانبها الوحدة السياسية للجزيرة العربية. بل يمكن القول بأنه أنشأ حكومة مركزية في المدينة، وعين حكاما للأقاليم خاضعين لتلك الحكومة، كما حدث في اليمن وغيرها من الأقاليم.
والصحابة بعد وفاة النبي، لم ينشئوا دولة، وإنما وسعوا رقعة الدولة التي أنشأها والتي كان يتوقع لها هذا الاتساع وتنبأ به قبل وفاته، ولم يفعل الصحابة أكثر من السير علي الخطة التي بدأها بتحقيق نبوءاته “.
رد الشيخ القرضاوي في كتابه الدين والسياسة على كتاب الإسلام وأصول :
أولى محاولات العلمانية لاقتحام الأزهر:
ومن بديهيات التاريخ الإسلامي: أنه لم يعرف يوما دولة بلا دين، ولا دينا بلا دولة. ولم يدر هذا الخاطر في فكر أحد من أبنائه، حتى ظهر علي عبد الرازق بكتابه أو كُتيّبه العجيب في آخر الربع الأول للقرن العشرين الميلادي (1925م) الذي ادَّعى فيه دعاوى شاذة عن مسار الأمة وعن عقيدتها وشريعتها ووجهتها العامة، وزعم أن الرسول لم يؤسس دولة، وأن الإسلام لا شأن له بالدولة والحكم والسياسة، وأنه مجرد رسالة روحية، وهو ما رد عليه الراسخون من علماء الأمة بالأدلة الشرعية القاطعة، وسقط الكتاب من الناحية العلمية. وإن كان الخصوم الدِّينيون والفكريون والسياسيون قد رحبوا بالكتاب أبلغ ترحيب، وفتحوا له صدورهم وأذرعتهم. وجعلوه سلاحا في أيديهم في معركتهم ضد الإسلام وأمته.
وكانت هذه أول مرة تحاول العلمانية فيها: أن تقتحم على الأزهر داره، وتغزو فكر أحد علمائه، ولكن الأزهر رفض ذلك بقوة، وفند دعوى الرجل علميا، وجرده من نسبه الأزهري، وأخرجه من زمرة العلماء. وإن كان الشيخ علي بعد ذلك لم يحاول نشر الكتاب، أو ترويجه أو الحديث عنه طوال حياته، بل حتى ورثته من بعده.
2.دعوى علي عبد الرازق منقوضة:
زعم الشيخ علي عبد الرازق: أنه لا يجد دليلا على أن الإسلام يدعو إلى تأسيس دولة أو إقامة حكومة. وأنه ليس إلا دعوة دينية خالصة، لا صلة لها بالمُلك الذي هو من أمور الدنيا، المضادة للدين.
ونحن هنا سنبين الأدلة على أن (إقامة الدولة) من صميم الإسلام، وأن القول بخلاف ذلك، إنما هو قول مُحْدث، لم يعرفه المسلمون خلال تاريخهم الطويل.
الأدلة على أن الدولة من صميم الإسلام:
وسنختار أدلة ثلاثة أساسية: من نصوص الإسلام، ومن تاريخه، ومن طبيعته.
- الدليل من نصوص الإسلام:
أما نصوص الإسلام، فحسبنا منها آيتان من سورة النساء: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59،58].
فالخطاب في الآية الأولى للولاة والحكام: أن يراعوا الأمانات ويحكموا بالعدل، فإن إضاعة الأمانة والعدل نذير بهلاك الأمة وخراب الديار. ففي الصحيح: “إذا ضُيِّعَتِ الأمانة فانتظر الساعة”[3].
والخطاب في الآية الثانية للرعية المؤمنين: أن يطيعوا ** وَأُولِي الْأَمْرِ} بشرط أن يكونوا (منهم) وجعل هذه الطاعة بعد طاعة الله وطاعة الرسول، وأمر عند التنازع برد الخلاف إلى الله ورسوله، أي الكتاب والسنة. وهذا يفترض أن يكون للمسلمين دولة تُهَيْمِن وتُطاع، وإلا لكان هذا الأمر عبثا.
وفي ضوء هاتين الآيتين المذكورتين ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه المعروف (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) والكتاب مبني على الآيتين الكريمتين.
وفي القرآن آيات كثيرة تتعلَّق بشؤون الاجتماع والاقتصاد والجهاد والسياسة، معروفة مدروسة فيما عرف باسم (آيات الأحكام) وعنى بها العلماء الذين ألفوا في (أحكام القرآن) مثل الرازي الجصاص الحنفي (ت370هـ) وابن العربي المالكي (ت453هـ).
وإذا ذهبنا إلى السنة، رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”[4]. ولا ريب أن من المحرَّم على المسلم أن يبايع أي حاكم لا يلتزم بالإسلام. فالبيعة التي تنجيه من الإثم أن يبايع مَن يحكم بما أنزل الله … فإذا لم يوجد فالمسلمون آثمون حتى يتحقق الحكم الإسلامي، وتتحقق البيعة المطلوبة. ولا ينجي المسلم من هذا الإثم إلا أمران:
الإنكار – ولو بالقلب- على هذا الوضع المنحرف المخالف لشريعة الإسلام والسعي الدائب لاستئناف حياة إسلامية قويمة، يوجهها حكم إسلامي رشيد. وجاءت عشرات الأحاديث الصحيحة -إن لم تكن مئاتها- في دواوين السنة المختلفة، عن الخلافة والإمارة والقضاء والأئمة وصفاتهم وحقوقهم من الموالاة والمعاونة على البر، والنصيحة لهم وطاعتهم في المنشط والمكره، والصبر عليهم، وحدود هذه الطاعة وهذا الصبر، وتحديد واجباتهم من إقامة حدود الله ورعاية حقوق الناس، ومشاورة أهل الرأي، وتولية الأقوياء الأمناء، واتخاذ البطانة الصالحة، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … إلى غير ذلك من أمور الدولة وشؤون الحكم والإدارة والسياسة.
ولهذا رأينا شؤون الإمامة والخلافة تُذكر في كتب تفسير القرآن الكريم، وفي شروح الحديث الشريف، وكذلك تذكر في كتب العقائد وأصول الدِّين، كما رأيناها تُذكر في كتب الفقه، كما رأينا كُتُبا خاصة بشؤون الدولة الدستورية والإدارية والمالية والسياسية، كالأحكام السلطانية للماوردي، ومثله لأبي يعلى، والغياثي لإمام الحرمين، والسياسة الشرعية لابن تيمية، وغيرها، مما سبق الإشارة إليها[5].
- الدليل من تاريخ الإسلام:
أما تاريخ الإسلام، فينبئنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بكل ما استطاع من قوة وفكر -مؤيدا بهداية الوحي- إلى إقامة دولة الإسلام، ووطن لدعوته، خالص لأهله، ليس لأحد عليهم فيه سلطان، إلا سلطان الشريعة. ولهذا كان يعرض نفسه على القبائل ليؤمنوا به ويمنعوه ويحموا دعوته، حتى وفق الله قبيلتي الأوس والخزرج إلى الإيمان برسالته، فبعث إليهم مصعب بن عمير يتلو عليهم القرآن ويعلمهم الإسلام، فلما انتشر فيهم الإسلام جاء وفد منهم إلى موسم الحج مكون من (73) ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، فبايعوه صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وعلى السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … إلخ، فبايعوه على ذلك … وكانت الهجرة إلى المدينة ليست إلا سعيا لإقامة المجتمع المسلم المتميِّز، تشرف عليه دولة متميزة.
كانت (المدينة) هي (دار الإسلام) وقاعدة الدولة الإسلامية الجديدة، التي كان يرأسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو قائد المسلمين وإمامهم، كما أنه نبيهم ورسول الله إليهم. ولهذا جعل الفقهاء من أنواع تصرفات الرسول: تصرفه بمقتضى الإمامة أو الرئاسة للدولة، وذكروا ما يترتب على ذلك من أحكام[6].
وكان الانضمام إلى هذه الدولة، لشد أزرها، والعيش في ظلالها، والجهاد تحت لوائها: فريضة على كل داخل في دين الله حينذاك. فلا يتم إيمانه إلا بالهجرة إلى دار الإسلام، والخروج من دار الكفر والعداوة للإسلام، والانتظام في سلك الجماعة المؤمنة المجاهدة التي رماها العالَم عن قوس واحدة.
يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال:72]. ويقول في شأن قوم: {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء:79][7].
كما نزل القرآن الكريم يندد أبلغ التنديد بأولئك الذين يعيشون مختارين في دار الكفر والحرب، دون أن يتمكنوا من إقامة دينهم وأداء واجباتهم وشعائرهم: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:97-99].
وعند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما شغل أصحابه رضي الله عنهم: أن يختاروا (إماما) لهم، حتى إنهم قدَّموا ذلك على دفنه صلى الله عليه وسلم فبادروا إلى بيعة أبي بكر، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك. وبهذا الإجماع التاريخي ابتداءً من الصحابة والتابعين – مع ما ذكرنا من نصوص- استدل علماء الإسلام على وجوب نصب الإمام الذي هو رمز الدولة وعنوانها.
ولم يعرف المسلمون في تاريخهم انفصالا بين الدِّين والدولة، إلا عندما نجم قرن العلمانية في هذا العصر، وهو ما حذَّر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم منه، وأمر بمقاومته كما في حديث معاذ: “ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألا إن القرآن والسلطان (أي الدِّين والدولة) سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، فإن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم”. قالوا: وماذا نصنع يا رسول الله؟ قال: “كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم: نشروا بالمناشير، وحُمِلوا على الخُشب. موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله”[8].
- لم يعرف تاريخنا دينا بلا دولة ولا دولة بلا دين:
هنا أنقل كلمة المفكر المغربي المتزن (محمد عابد الجابري) عن علاقة الدِّين بالدولة من خلال مرجعيتنا التراثية، فيقول عن ثنائية الدِّين والدولة: (إنها إذا طرحت بمضمونها الأصلي، الأوربي الذي يفيد المطالبة بفصل الدِّين عن الدولة، إنها إذا طرحت بهذا المضمون في مرجعيتنا التراثية تلك، فإن هذا الطرح سيفهم حتمًا على أنه (اعتداء على الإسلام) ومحاولة مكشوفة لـ(القضاء) عليه. لماذ؟
للجواب عن هذا السؤال، جوابا مثمرا، يجب تجنب الاتهامات المجانية من قبيل الرمي بالتعصب وضيق الأفق … إلخ، فضررها أكثر من نفعها، فضلا عن كونها تنمُّ عن عدم فَهم، أو على الأقل عن عدم تفهُّم لمحددات تفكير من يصدر عن المرجعية التراثية.
لننظر إذن إلى الكيفية التي تفهم بها عبارة (فصل الدِّين عن الدولة) داخل مرجعيتنا التراثية، المرجعية التي لا تحتمل هذه الثنائية (ثنائية دين / دولة) لأنه لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي بمجمله (دين) متميز -أو يقبل التمييز والفصل- عن الدولة، كما لم يكن هناك قط (دولة) تقبل أن يفصل الدِّين عنها.
فعلا كان هناك حكام اتهموا بالتساهل في أمر من أمور الدِّين كالجهاد أو مقاومة البدع … إلخ، ولكن لا أحد من الحكام في التاريخ الإسلامي استغنى- أو كان في إمكانه أن يستغني- عن إعلان التمسك بالدِّين، لأنه لا أحد منهم كان يستطيع أن يلتمس الشرعية لحكمه خارج شرعية الإعلان عن خدمة الدِّين، والرفع من شأنه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي، في أي فترة من فتراته، مؤسسة خاصة بالدِّين متميزة من الدولة، فلم يكن الفقهاء يشكلون مؤسسة، بل كانوا أفرادا يجتهدون في الدِّين ويفتون فيما يعرض عليهم من النوازل، أو تفرزه تطورات المجتمع من مشاكل.
وإذن فعبارة (فصل الدِّين عن الدولة) أو (فصل الدولة عن الدِّين) ستعني بالضرورة -داخل المرجعية التراثية- أحد أمرين أو كليهما معا: إما إنشاء دولة ملحدة غير إسلامية، وإما حرمان الإسلام من (السلطة) التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام.
نعم يمكن أن تنجح في إقناع من يفكر من داخل المرجعية التراثية وحدها بأن الأمر لا يتعلَّق قط بإنشاء دولة ملحدة، ولا بنزع الصبغة الإسلامية عن المجتمع، يمكن أن تحلف له بأغلظ الأيمان بأن المقصود ليس هو هذا ولا ذاك، وسيكتفي بالقول: (الله أعلم) ويسكت. ولكنك لا تستطيع أبدا أن تقنعه بأن (فصل الدِّين عن الدولة) ليس معناه حرمان الإسلام من (السلطة) التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام. وإذن فيجب البدء بالتمييز بين السلطة المنفذة للأحكام الشرعية وبين الهيئة الاجتماعية المسماة: الدولة.
لماذا؟
لأن الدِّين في نظره يشتمل على أحكام يجب أن تنفذ، وأن الدولة هي (السلطة) التي يجب أن تتولى التنفيذ)[9].
- الدليل من طبيعة الإسلام:
أما طبيعة الإسلام ورسالته، فذلك أنه دين عام، ومنهج حياة، وشريعة شاملة، فتستوعب شؤون الدنيا والآخرة، والفرد والمجتمع، وشريعة هذه طبيعتها لا بد أن تتغلغل في كل نواحي الحياة، لتصلحها وترقى بها، بالتوجيه والتشريع لها، والدولة إحدى الوسائل الهامة في ذلك، ولا يتصور أن تهمل شأن المجتمع والدولة، وتدع أمرها لمن لا يؤمن برسالة الدين في البناء والإصلاح. وربما كان من الذين يسعون إلى تنحية الدين من التشريع والتوجيه أصلا.
كما أن هذا الدِّين يدعو إلى التنظيم وتحديد المسئولية، ويكره الاضطراب والفوضى في كل شيء، حتى رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا في الصلاة أن نسوِّي الصفوف[10]، وأن يؤمنا أعلمنا[11]، وفي السفر يقول: “أَمِّرُوا أحدكم”[12].
يقول الإمام ابن تيمية في (السياسة الشرعية): (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس أمر من أعظم واجبات الدِّين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها فإنَّ بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد عند الاجتماع من رأس. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمِّروا أحدهم”[13]. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم”[14]، فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها على سائر أنواع الاجتماع.
ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه الله من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجُمَع والأعياد، ونصرة المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة. ولهذا رُوي: “إن السلطان ظل الله في الأرض”[15]. ولهذا كان السلف: كالفضيل بن عياض وأحمد ابن حنبل وغيرهما يقولون: لو كانت لنا دعوة مجابة، لدعونا بها للسلطان)[16] اهـ. وذلك أن الله يُصلح بصلاحه خَلقا كثيرا.
ثم إن طبيعة الإسلام باعتباره منهجا يريد أن يُوجه الحياة، ويحكم المجتمع، ويضبط سير البشر وفق أوامر الله: لا يُظن به أن يكتفي بالخطابة والتذكير والموعظة الحسنة، ولا أن يدع أحكامه ووصاياه وتعليماته في شتَّى المجالات إلى ضمائر الأفراد وحدها، فإذا سقمت هذه الضمائر أو ماتت، سقمت معها وماتت تلك الأحكام والتعاليم. وقد نقلنا عن الخليفة الثالث قوله: “إن الله ليَزع بالسلطان ما لا يَزع بالقرآن”[17].
فمن الناس مَن يهديه الكتاب والميزان، ومنهم مَن لا يردعه إلا الحديد والسنان. ولذا قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25].
قال ابن تيمية: (فمن عَدَل عن الكتاب عُدِّل بالحديد، ولهذا كان قوام الدِّين بالمصحف والسيف)[18]. وقال الإمام الغزالي في (إحيائه): الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدِّين إلا بالدنيا، والمُلك والدِّين توأمان، فالدِّين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم المُلك والضبط إلا بالسلطان[19].
إن نصوص الإسلام لو لم تجئ صريحة بوجوب إقامة دولة للإسلام، ولم يجئ تاريخ الرسول وأصحابه تطبيقا عمليا لما دعت إليه هذه النصوص، لكانت طبيعة الرسالة الإسلامية نفسها تحتم أن تقوم للإسلام دولة أو دار، يتميَّز فيها بعقائده وشعائره وتعاليمه ومفاهيمه، وأخلاقه وفضائله، وتقاليده وتشريعاته.
فلا غنى للإسلام عن هذه الدولة المسئولة في أي عصر، ولكنه أحوج ما يكون إليها في هذا العصر خاصة. هذا العصر الذي برزت في (الدولة الأيديولوجية) وهي الدولة التي تتبنى فكرة، يقوم بناؤها كله على أساسها، من تعليم وثقافة وتشريع وقضاء واقتصاد، إلى غير ذلك من الشؤون الداخلية والسياسية الخارجية. كما نرى ذلك واضحا في الدولة الشيوعية والاشتراكية. وأصبح العلم الحديث بما وفره للدولة من تقدم تكنولوجي في خدمة الدولة، وأصبحت الدولة بذلك قادرة على التأثير في عقائد المجتمع وأفكاره وعواطفه وأذواقه وسلوكه بصورة فعَّالة، لم يُعرف لها مثيل من قبل. بل تستطيع الدولة بأجهزتها الحديثة الموجهة أن تغيِّر قِيَم المجتمع ومُثُله وأخلاقه رأسا على عقب، إذا لم تقم في سبيلها مقاومة أشد.
إن دولة الإسلام دولة تقوم على عقيدة وفكرة ورسالة ومنهج، فليست مجرد (جهاز أمن) أو (دفاع) يحفظ الأمة من الاعتداء الداخلي أو الغزو الخارجي، بل إن وظيفتها لأعمق من ذلك وأكبر. وظيفتها تعليم الأمة وتربيتها على تعاليم ومبادئ الإسلام، وتهيئة الجو الإيجابي، والمناخ الملائم، لتحويل عقائد الإسلام وأفكاره وتعاليمه إلى واقع ملموس، يكون قدوة لكل مَن يلتمس الهُدى، وحجة على كل سالك سبيل الرَّدَى.
ولهذا يُعرِّف ابن خلدون (الخلافة) بأنها: حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا به[20].
ولهذا وصف الله المؤمنين حين يمكَّن لهم في الأرض، وبتعبير آخر حين تقوم لهم دولة، فقال: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41].
ثم إن هذه الدولة العقائدية ليست ذات صفة محلية، ولكنها دولة ذات رسالة عالمية، لأن الله حمَّل أمة الإسلام دعوة البشرية إلى ما لديها من هُدى ونور، وكلَّفها الشهادة على الناس، والهداية للأمم، فهي أمة لم تنشأ بنفسها ولا لنفسها فحسب، بل أخرجت للناس، أخرجها الله الذي جعلها خير أمة وخاطبها بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143].
ومن هنا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم حين أتيحت له أول فرصة -بعد صلح الحديبية- كتب إلى ملوك وأمراء الأقطار في أركان الأرض يدعوهم إلى الله، والانضواء تحت راية التوحيد، وحمَّلهم إثم أنفسهم وإثم رعيتهم إذا تخلفوا عن ركب الإيمان، وكان يختم رسائله بهذه الآية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64].
إن شعار دولة الإسلام ما قاله ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس[21]: إنَّ الله ابتعثنا لنُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام[22].
وإذا كانت هذه الأهمية كلها للدولة وقدراتها المعاصرة، فكيف يدعها الإسلام في يد العلمانين والشيوعيين وغيرهم، يوجهونها إلى ما يضاد عقيدة الأمة وشريعتها وقِيَمها، ويفرغها – بطول الزمن – من رسالتها التي هي أساس وجودها؟
- العلمانية تحاول اقتحام الأزهر مرة أخرى :
ومن الوقائع الهامة التي ينبغي أن تسجل هنا: أن الأزهر -قلعة العلم والاسلام الكبرى- قد غزي في عقر داره مرتين، لا غزوا ماديا، كما فعل الفرنسيون حين ضربوه بالمدافع والقذائف، حتى تصدعت جدرانه، ثم دخلوا بخيلهم الأزهر، ودنَّسوا أرضه الطاهرة، وانتهكوا حرمة الإسلام وأهله.
بل هو غزو معنوي أشد خطرا من اقتحام الخيل صحن الأزهر. وهو دخول الدعوى العلمانية المستوردة، التي خلاصتها فصل الدِّين عن الدولة، بل عن الحياة والمجتمع بصفة عامة. وبعبارة أخرى: عزل الله تعالى عن التشريع لخَلقه، والخضوع لأحكام وضعية من صنع البشر. وهو سبحانه القائل: {أَفَغيرَ اللهِ أَبتَغِي حَكَمًا وهُو الَّذي أَنْزلَ إِلَيكُم الكِتابَ مُفصَّلاً} [الأنعام:114]
المرة الأولى: كانت على يد الشيخ علي عبد الرزاق وقد تحدثنا عن كتابه الصغير الحجم، الكبير الخطر سنة 1925م والذي هاجمه عليه علماء الأزهر، وسحبوا منه شهادة (العالمية) وأخرجوه من زمرة العلماء. ورد عليه كبارهم بردود علمية حاسمة. مثل رد علامة الفقه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر في ذلك الزمان، ورد العلامة الكبير الشيخ محمد خضر حسين، الذي أصبح بعد ذلك شيخا للأزهر.
كما رد عليه كثيرون بعد ذلك منهم، الدكتور محمد ضياء الدِّين الريس[25]، والدكتور محمد البهي[26]، والدكتور محمد عمارة[27].
__________________
[3]- رواه البخاري في العلم (59) عن أبي هريرة، وأحمد في المسند (8729).
[4]- رواه مسلم في الإمارة (1851) عن ابن عمر، والبيهقي في الكبرى كتاب قتال أهل البغي (8/156).
[5]- انظر: عنوان (تعقيب عام على السياسة عند الفقهاء) من هذا الكتاب.
[6]- انظر: (الإحكام) للقرافي صـ86 – 106، و(الفروق) له أيضا جـ1 صـ 205 – 209، وانظر: كتابنا (شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان) صـ116 وما بعدها طبعة مكتبة وهبة. القاهرة.
[7]- إن بديل الهجرة إلى الدولة المسلمة اليوم هو: الانضمام إلى الجماعة المسلمة التي تعمل لإقامة دولة الإسلام، فهو فريضة على كل مسلم بحسب وسعه، إذ العمل الفردي لا يُمكِّنه من تحقيق هذا الهدف الكبير.
[8]- رواه الطبراني في الكبير (20/90) عن معاذ، وفي الصغير (2/42)، وفي مسند الشاميين (1/379)، وأبو نعيم في الحلية (5/165)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، ويزيد بن مرثد لم يسمع معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان، وغيره، وبقية رجاله ثقات (5/428).
[9]- انظر: الدين والدولة صـ60 – 63.
[10]- إشارة إلى حديث: “سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة”، وقد رواه البخاري في الأذان (723) عن أنس، ومسلم في الصلاة (433)، وأحمد في المسند (12813)، وأبو داود في الصلاة (668)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (993).
[11]- إشارة إلى حديث: “يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما …”، وقد رواه أحمد في المسند (17138) عن أبي مسعود الأنصاري، وقال مخرجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، والترمذي في أبواب الصلاة (235)، والنسائي في الإمامة (780)، والطبراني في الكبير (17/218)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8011).
[12]- رواه الطبراني في الكبير (9/185) عن ابن مسعود موقوفا، وابن الجعد في المسند (1/78)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (5/449)، وحسن العراقي إسناده في تخريج أحاديث الإحياء (2/217).
[13]- رواه أبو داود في الجهاد (2608) عن أبي سعيد الخدري، والطبراني في الأوسط (8/99)، والبيهقي في الكبرى كتاب الحج (5/257)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2272).
[14]- رواه أحمد في المسند (6647) عن عبد الله بن عمرو، وقال مخرجوه: صحيح لغيره إلا حديث الإمارة فحسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (4/145).
[15]- رواه البيهقي في الشعب (6/18) عن أنس، وفي الكبرى كتاب قتال أهل البغي (8/162)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3349).
[16]- السياسة الشرعية، ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جـ28 صـ390، 391.
[17]- البداية والنهاية (2/10).
[18]- مجموع الفتاوى (28/264).
[19]- إحياء علوم الدين (1/71) كتاب العلم، وقد روى مسكويه في كتابه (تهذيب الأخلاق) هذه العبارة عن أزدشير ملك الفرس. ويبدو أن الغزالي اقتبسها وضمنها كلامه، ولم ينسبها.
[20]- مقدمة ابن خلدون جـ2 صـ518 طبعة لجنة البيان العربي بتحقيق د. علي عبد الواحد وافي.
[21]- تاريخ الطبري (2/401).
[22]- انظر: شمول الإسلام صـ55 – 63.
[23]- في كتابه (حقيقة الإسلام وأصول الحكم).
[24]- في كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم).
[25]- في كتابه (الإسلام والخلافة في العصر الحديث) طبعة الدر السعودية للنشر. جدة.
[26]- في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي).
[27]- في كتابه (معركة الإسلام وأصول الحكم) طبعة دار الشروق. القاهرة.
2.القضية الرابعة : علاقة المسلمين مع غير المسلمين
أصل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين هو المودة وحسن الصلة وعدم الإكراه في الدين واحترام المعتقد وعدم الإستهزاء به. والإستثناء على ذلك حين تقوم دواعيه من عداوة حربية يعلنها غير المسلمين على الإسلام سواء بسبب الدين والمعتقد أو بإخراجهم وطردهم من ممتلكاتهم ومساكنهم.
يقول الله تعالى في القرآن في سورة الممتحنة : ﴿8 إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فالمسلم مطلوب منه ألا يتخذ الذين يقاتلون المسلمين في دينهم ويخرجوهم من ديارهم ويتظاهروا على إخراجهم مناصرين لهم وأعوان ، والنهي عن اتخاذهم أولياء ليس بوصفهم شركاء وطن أو جيران سكن أو زملاء عمل أو أصدقاء في الدراسة أو في العمل أو في أي جانب من جوانب الحياة الإجتماعية ، ولكنه نهي عن مناصرتهم بوصفهم جماعة معادية لجماعة المسلمين تحاربها بنفسها أو تمالئ عليها أعداءها المحاربين لها . وبوصفهم جماعة تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به قوى المناوأة للمسلمين والمحادة لله ورسوله.
والمثال الذي تتضح به صورة هذا النهي في هذه الآية القرآنية هو العلاقة التي يجب أن تكون بين مسلم اليوم – سواء كان موطنه في دولة عربية أو إسلامية أو غربية أو حتى في فلسطين المحتلة – وبين الصهاينة من اليهود الذين يحتلون أرضنا في فلسطين ويقتلون أهلنا ويشردونهم بإخراجهم من ديارهم بغير حق ، وحتى بإقفال ما تبقى لهم من متنفس نحو الخارج . فهؤلاء تجب معاداتهم والوقوف موقف الإنكار والشجب لكل ما يفعلون. وهذا يمتد أيضاً على حركة المسيحيين المتصهينين الذين يعادون الإسلام ويستهزؤون بمبادئه ويزورون تعاليمه ويساعدون الصهاينة الإسرائيليين في شتى المجالات سواء في تقوية وشرعنة الإحتلال أو في تزويدهم بالمال والعدة أو في مؤازرتهم على أعلى مستوى على صعيد الإعلام الدولي المتحيز لإسرائيل. وأما اليهود العرب وغيرهم الذين يعيشون في بلادنا أو في البلاد الأجنبية وهم مواطنون في هذه الدول فنحن لا نعاديهم ولا نحاربهم ولا نصد الآخرين عن التعامل معهم .
وأما عن موالاة غير المسلمين الذي نهى القرآن عنه في مواضع متعددة فقد جاء مرتبطاً بحوادث تاريخية مثل المحادة لله والرسول أو مرتبطاً بإخراج الرسول والذين آمنوا به من مكة . أو في حالة الحرب والعدوان من جانب غير المسلمين فيكون النهي مقترناً في هذه الحالة بكون هذه الموالاة من جانب بعض المسلمين الذين يتولون غير المسلمين من دون موالاتهم للجانب الآخر من المسلمين. والموالاة المنهي عنها أيضاً هي للذين يتخذون دين الإسلام مادة للعبث والإستهزاء وحتى أن القرآن ينهي المسلمين عن مجرد مجالسة الذين يخوضون بغير علم في القرآن الكريم استهزاءً به ولو كانوا من المسلمين المتظاهرين بإيمانهم بهذا الدين، فمن باب اولى أن يكون هذا النهي مع الذين يخالفونهم دينهم إذا جرى الإستهزاء والفتنة على السنتهم.
وهذه الأمور التي ذكرها القرآن الكريم في مجال النهي عن موالاة غير المسلمين ليس له علاقة بالصلة اليومية المعتادة بين شركاء الوطن سواء من أهل الإسلام أو من الأديان الأخرى . فإن الراشدين العاقلين لايعادون من يتقاسم معهم أوطانهم في سبيل مؤازرة قوة أجنبية معادية أو يسلكون مسلك الجاهلين السفهاء الذين يهزؤون بديانة شركاءهم في الوطن ويلعبون برموزه وشعائره. ومن يتصف بهكذا مواصفات فإن المسلم الذي يتخذه ولياً من دون المؤمنين سواء بمعنى النصرة أو بمعنى الصداقة يكون آثماً باختياره جانب عدوه أو جانب المستهزئ بدينه على حساب عقيدته. وهذا مبدأ لا يعارضه أي إنسان سليم سواء كان مسلما أو غير مسلم . حتى أن الإسلام يمنع أتباعه من سب آلهة المشركين كي لا يسب المشركون دين المسلمين :﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إذا كان هذا سلوك المسلم مع دين المشركين فكيف إذا كان الأمر مع أديان أهل الكتاب الذين يؤمن بهم المسلم ويبجل أنبياءهم ويذكرهم في صلاته ويتسمى بأسماءهم ويقتضي بأقوالهم وافعالهم.
القضية الخامسة : قضايا قديمة معاصرة : إطلاق اللحية في الإسلام :
لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر جاد الحق علي جاد الحق
إعفاء اللحية وعدم حلقها مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يهذبها ويأخذ من أطرافها وأعلاها بما يحسنها بحيث تكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة . وقد كان يعنى بتنظيفها بغسلها بالماء وتخليلها وتمشيطها – وقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما كان يفعله وما يختاره – وقد وردت أحاديث نبوية شريفة ترغب فى الإبقاء على اللحية والعناية بنظافتها ، كالأحاديث المرغبة فى السواك وقص الأظافر والشارب – وقد حمل بعض الفقهاء هذه الأحاديث على الأمر ، وسماها كثير منهم سنة يثاب عليها فاعلها ولا يعاقب تاركها ، ولا دليل لمن قال إن حلق اللحية حرام أو منكر إلا الأحاديث الخاصة بالأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمجوس والمشركين ، والأمر فى الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يكون للوجوب يكون لمجرد الإرشاد إلى الأفضل ( زاد المسلم فيما اتفق عليه البخارى ومسلم وشرحه فتح المنعم ج 1 ص 178 و 179 تعليقا على الحديث رقم 423 طبعة ثانية موسسة الحلبى ) والحق الذى ترشد إليه السنة الشريفة وآداب الإسلام فى الجملة أن أمر الملبس والمأكل وهيئة الإنسان الشخصية لا تدخل فى العبادات التى ينبغى على المسلم الالتزام فيها بما ورد فى شأنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بل للمسلم أن يتبع فيها ما تستحسنه بيئته ويألفه الناس ويعتادونه ما لم يخالف نصا أو حكما غير مختلف عليه – وإعفاء اللحية أو حلقها من الأمور المختلف على حكم الأمر الوارد فيها بالإعفاء على ما تقدم . وليس حلق اللحية من الكبائر ، وليس من المعاصى الثابتة قطعا ، إذ إعفاؤها من السنن ، والسنة تفسر بمعنى الطريقة كما تفسر بما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها .
القضية السادسة : مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية
رأي المذاهب السنية الأربعة في مسألة المصافحة :
أولا: أن جمهور فقهاء السنة -عدا الشافعية- لا يُجوِّز مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية إذا كانا شابين، أما الشافعية فقد أجازوها بشرطين: أمن الفتنة، ووجود حائل إذا دعت الحاجة.
ثانيًا: أن جمهورهم – عدا المالكية – يُجوِّز مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية إذا كانت عجوزًا لا تُشتهى.
ثالثًا: هناك رواية عن الإمام أحمد بن حنبل تقول بالكراهة مطلقًا.
إضافة الى الأحاديث النبوية المروية بالنهي عن المصافحة ذكر الفقهاء بأن مصافحة الأجنبية ذريعة إلى الافتتان بها: فمن غير المقبول أن يُحَرَّم الشارع شيئًا، ثم يجعل الأسباب المؤدية إليه والمغرية به مباحة، ولا يرتاب أحد سَوِيّ في أن لمس الرجل شيئًا من بدن الأجنبية كما هو الحال في المصافحة ذريعة إلى الافتتان بها، وبما أن المصافحة كذلك فإنها تَحْرُم؛ لأنها مقدمة ووسيلة للافتتان بالمرأة، إضافة إلى أن الإسلام قد حرَّم النظر إلى الأجنبية بغير سبب مشروع، فمن باب أولى اللمس؛ لأن النظر أقل من اللمس، واللمس أعظم أثرًا في النفس من مجرد النظر، فاللمس فيه بعث للشهوة وتحريكها فوق ما في النظر.
رأي بعض المتأخرين من الفقهاء:
ذهب بعض المتأخرين من أمثال الدكتور يوسف القرضاوي إلى القول بأنه ليس هناك دليل مقنع منصوص عليه يدل على تحريم المصافحة إذا لم تكن هناك شهوة، وأن أقوى ما يُستدل به هنا، هو سد الذريعة إلى الفتنة، وهذا مقبول من غير شك عند تحرك الشهوة، أو خوف الفتنة بوجود أماراتها، ولكن عند الأمن من ذلك وهذا يتحقق في أحيان كثيرة ما وجه التحريم؟ ([26])
وناقش بعض ما يستدل به على المنع كالاستدلال بترك النبي صلى الله عليه وسلم للمصافحة حال البيعة على تركه لها في جميع أحواله، ومن ثم منعها مطلقًا، بأن المقرر أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأمر من الأمور لا يدل بالضرورة على تحريمه.. فقد يتركه لأنه حرام، وقد يتركه لأنه مكروه، وقد يتركه لأنه خلاف الأولى، وقد يتركه لمجرد أنه لا يميل إليه، كتركه أكل الضب مع أنه مباح.
ويستدل على أن مبايعة النساء التي جرت بين النبي وبينهن وقعت أكثر من مرة، منها ما لم يمس فيها يد امرأة قط لا بحائل ولا بغيره إنما يبايع بالكلام فقط، ومنها ما صافح فيه النساء بحائل، وهو ومنها الصورة التي يدل عليها كلام أم عطية من المصافحة المباشرة،
وما اعتمد عليه الكثيرون في تحريم المصافحة من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها في بيعة النساء، ليس قطعي الدلالة على الدعوى، ومن ثم فهو ليس موضع اتفاق، بل ساغ فيه الخلاف الذي ذكرناه. كما أن تفسير حرمة مس الرجل المرأة التي لا تحل له الواردة في أدلة المحرمين للمصافحة بأنه على فرض تسليمنا بصحة الحديث، وإمكان أخذ التحريم من مثله، نجد أن دلالة الحديث على الحكم المستدل عليه غير واضحة؛ فكلمة “يمس امرأة لا تحل له” لا تعني مجرد لمس البشرة للبشرة، بدون شهوة، كما يحدث في المصافحة العادية.. بل كلمة “المس” حسب استعمالها في النصوص الشرعية من القرآن والسنة تعني أحد أمرين:-
(1) أنها كناية عن الصلة الجنسية “الجماع” كما جاء ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}[النساء :43] أنه قال: اللمس والملامسة والمس في القرآن كناية عن الجماع([38]).. واستقراء الآيات التي جاء فيها المس يدل على ذلك بجلاء، كقوله تعـالى على لسان مريم: {أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}[آل عمران: 47]. وقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ}[البقرة: 237].
(2) أنها تعني ما دون الجماع من القبلة والعناق والمباشرة ونحو ذلك مما هو مقدمات الجماع، وهذا ما جاء عن بعض السلف في تفسير الملامسة: قال الحاكم في المستدرك: “قد اتفق البخاري ومسلم على إخراج أحاديث متفرقة في المسندين الصحيحين يستدل بها على أن اللمس ما دون الجماع.
روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت”([45]). وفي رواية للإمام أحمد عن أنس أيضًا قال: “إن كانت الوليدة يعني الأمة من ولائد أهل المدينة لتجيء، فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت”([46]).
والذي يطمئن إليه القلب من هذه الروايات أن مجرد الملامسة ليس حرامًا.. فإذا وجدت أسباب الخلطة كما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأم حرام وأم سليم، وأمنت الفتنة من الجانبين، فلا بأس بالمصافحة عند الحاجة كمثل القادم من سفر، والقريب إذا زار قريبة له أو زارته.
الخلاصة :
الأول: أن المصافحة إنما تجوز عند عدم الشهوة، وأمن الفتنة، فإذا خيفت الفتنة على أحد الطرفين، أو وجدت الشهوة والتلذذ من أحدهما حرمت المصافحة بلا شك.
بل لو فقد هذان الشرطان عدم الشهوة وأمن الفتنة بين الرجل ومحارمه مثل خالته، أو عمته، أو أخته من الرضاع، أو بنت امرأته، أو زوجة أبيه، أو أم امرأته، أو غير ذلك، لكانت المصافحة حينئذ حرامًا، بل لو فقد الشرطان بين الرجل وبين صبي أمرد حرمت مصافحته أيضًا، وربما كان في بعض البيئات، ولدى بعض الناس، أشد خطرًا من الأنثى.
الثاني: ينبغي الاقتصار في المصافحة على موضع الحاجة، مثل ما جاء في السؤال كالأقارب والأصهـار الذين بينهم خلطـة وصلة قوية، ولا يحسـن التوسع في ذلك، سدًّا للذريعة، وبعدًا عن الشبهة، وأخذًا بالأحوط، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل للمسلم المتدين، والمسلمة المتدينة ألا يبدأ أحدهما بالمصافحة، ولكن إذا صوفح صافح.
القضية السابعة : ميراث المرأة أكثر من الرجل
للمرأة نصف حق الرجل في الميراث في حالة واحدة ونصيب المرأة في الميراث أكثر من الرجال في بعض الحالات ومساو للرجل في حالات أخرى و هناك حالات يرث الرجل ضعف المرأة وحالات ترث فيها المرأة مثل الرجل، وهناك حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل.
ينقسم الورثة إلى أصحاب فروض وإلى عصبات وأصحاب الفروض هم المنصوص على أنصبتهم في القرآن والسنة، وهم المقدمون في الميراث وأن من يرث تعصيبا يأتي تاليا لأصحاب الفروض بعد استيفاء حقهم والعصبات غير محدودة أنصبتهم في الميراث وقد يكون نصيب من يرث تعصيبا أقل ممن يرث فرضا، وأحيانا يستوفي أصحاب الفروض التركة بأكملها ولا يكون هناك شيء يتم توريثه تعصيبا.
والقرآن الكريم عندما ذكر أصحاب الفروض ذكر إثنى عشر فردا ثمانية من الإناث وأربعة من الذكور.
النساء هن: الأم، الجدة، الزوجة، الابنة، ابنة الابن، الأخت الشقيقة، الأخت من أب، الأخت من أم، والرجال أصحاب الفروض هم: الأب، الجد، الزوج، الأخ لأم.
من خلال هذا التقسيم بسط الإسلام حمايته في إعطاء حق الميراث لشريحة من النساء أكبر من الرجال.. وبذلك نقض التقليد الظالم الذي درج عليه العرب قبل الإسلام وهو التقليد الذي كان يقصر الميراث على المقاتلين من الرجال وحدهم.. وذلك عندما قرر حق المرأة من حيث المبدأ في الميراث من خلال الآية القرآنية (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) “النساء:7”.
ثم هو بعد هذا لم يكن تقرير حق الميراث للمرأة مثل الرجل.. بل نص على حق الميراث للمرأة مثل الرجل.. بل نص على حق الميراث لفئات من النساء ضعف ما نص عليه بالنسبة للرجل.
هذا إلى جانب أنه عندما اعتبر أن الأخ من أم من أصحاب الفروض بالنسبة للرجال كان في هذا أيضا يبسط حمايته لفئة من الأفراد كانت محرومة من الميراث لنسبتهم إلى المرأة.. فالمرأة ومن ينتمون إليها بصلة قرابة لا حق لهم في الميراث في الجاهلية.. فجاء الإسلام لينقض هذا الأمر ويجعل للأخ من أم حقا في الميراث ثابتا بعد أن كان محروما منه.
هذا إلى جانب أن الأخوة من الأم يرثون حظاً مساوياً بدون تفرقة بين الذكر والأنثى.
فبالنسبة لدرجة القرابة إلى المتوفى.. كما كان الوارث أكثر قربا من المتوفي كان نصيبه من الميراث أكبر، فالابنة ترث أكثر من العم، وإن كانت أكثر من واحدة فلهما الثلثان والزوجة ترث الثمن والأم ترث السدس والباقي على قلته يرثه العم أو الأعمام، وبذلك يكون نصيب ابنة المتوفي أكثر بكثير من نصيب شقيقه وهو رجل.
ومع هذه القاعدة يوجد استثناء لصالح المرأة حيث ترث الجدة لأم مثل الأب وهي أبعد منه صلة إلى المتوفي ومع هذا ترث مثله وهذا إكرام الإسلام للمرأة واستثناؤها من قاعدة الأقرب إلى الميت.
أيضا ترث الأخت لأم نصيبا مساويا مع الأخ الشقيق بالرغم من أنها أبعد قرابة من الأخ الشقيق وهذا ما أخذ به من سيدنا عمر بن الخطاب وزيد وعثمان رضي الله عنهم بينما سيدنا علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم يعطون للأخت من أم نصيبها في الميراث ويحجبون الميراث عن الأخ الشقيق.
وعن موقع الجيل الوارث من الجيل المتوفي : كلما كان الجيل الوارث أصغر سنا ومستقبلا للحياة كانت حاجته للمال أكثر لذلك كان ميراثه أكبر من الأجيال السابقة المدبرة.
لذلك فإن نصيب الابنة في الميراث يفوق نصيب الجد وهي أنثى وهو ذكر حيث يكون نصيبها النصف إن كانت واحدة والثلثين أن كانتا اثنتين أو أكثر أما الجد فنصيبه السدس فقط.
كذلك فإن نصيب الابن يفوق نصيب الجد وهما ذكران وقد يكون الجد هو السبب في تكوين ثروة ابنه المتوفي ونمائها وقد يكون الحفيد صغيرا في المهد.
وأيضا إذا توفيت امرأة فالابنة ترث النصف والزوج يرث الربع والابنة أنثى والأب ذكر وهي ترث ضعفه.
أما العبء المادي، وهو الذي يجعل ميراث المرأة على النصف من ميراث الرجل، حيث ترث المرأة نصف الرجل في أربع حالات فقط هي:
- وجود البنت مع الابن: وذلك لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) “النساء: 11.
- عند وجود الأب مع الأم ولا يوجد أولاد ولا زوج أو زوجة وذلك لقوله (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) فهنا فرض الثلث للأم والباقي الثلثان للأب.
- عند وجود الأخت الشقيقة أو الأخت لأب مع الأخ الشقيق أو الأخ لأب، وذلك لقوله تعالى (وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) “النساء: 176”.
- إذا مات أحد الزوجين وترك الآخر يكون الميراث على النحو التالي:
. عند عدم وجود أبناء.. الزوج يرث النصف أما الزوجة فترث الربع.
. عند وجود أبناء.. الزوج يرث الربع أما الزوجة فترث الثمن.
وبالنظر إلى الحالات الأربع على ضوء حق المرأة في الميراث وحقها في النفقة، نجدها في النهاية تتساوى مع الرجل أو تفضله حيث إنه مكلف بالنفقة الكاملة عليها وهي مرفوع عنها جميع التبعات المالية حتى أنها غير مكلفة بالنفقة على نفسها وأولادها، وأن ما تنفقه على نفسها أو أبنائها يدخل في حسابها صدقة مهما بلغ ثراؤها والرجل هو المكلف بكل الالتزامات المالية للمرأة.
وأما الحالات الثلاث الأخرى للميراث الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل والحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، والحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل.
ففي الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل، حيث في حالة ميراث الأم مع الأب في حالة وجود ابن ذكر وزوج يحصل الزوج على ربع التركة والأب على السدس والأم السدس، والابن بقية التركة، وحالة تساوي الأب والأم مع وجود بنت واحدة وزوج يحصل الزوج على ربع التركة، والبنت نصف التركة والأب السدس والأم تحصل على السدس.
وفي حالة تساوي الأب والأم مع وجود بنتين، فيحصل الأب على السدس، والأم السدس والبنتان على الثلثين.
وهناك حالات تأخذ فيها الجدة مثل الأب مع كونها جدة لأم، وهي أبعد من الميت وهي نموذج للخروج عن معيار التساوي بين الرجل والمرأة في درجة القرابة لصالح المرأة مما يظهر مدى كرم الإسلام للمرأة مع كونها في هذه الحالة أبعد صلة بالميت من ورثته مثله على النحو التالي:
إذا كان الورثة هم:
أبا: يحصل على سدس التركة.
أم أم: تحصل على سدس التركة.
ابنا: يحصل على بقية التركة.
أو إذا كان الورثة:
أبا: يحصل على سدس التركة.
أم أم: تحصل على سدس التركة.
ابنتين: تحصلان على ثلثي التركة.
أما في ميراث الإخوة لأم مع الأخوات لأم.. يقول الله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) “النساء: 12”
وهذا النص يدل دلالة واضحة على تساوى حظ المرأة مع الرجل إذا كان الإخوة من جهة الأم، وذلك على النحو التالي: إذا توفيت امرأة وتركت من ورثتها:
زوجا: يحصل على نصف التركة، أمًا: تحصل على ثلث التركة، أخا لأم: يحصل على سدس التركة ولو كان مكانه أختا لأم تحصل على سدس التركة – أي أنها تتساوى معه في الميراث – زوجا: نصف التركة، أما: سدس التركة، أخا لأم وأختا لأم: شركاء في الثلث.
وبالنسبة للمسألة المشتركة، والتي تكون إذا ماتت امرأة عن: زوج: يحصل على نصف التركة، أم: تحصل على سدس التركة، أختين لأم: تحصلان على الثلث، أخ شقيق: لا يحصل على شيء لأنه يرث تعصيبا بعد استيفاء أصحاب الفروض لأنصبتهم وهنا لم يتبق من التركة شيء فلا يرث وفقا للحديث الشريف (الحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأول رجل ذكر).
وكان يقضي بذلك سيدنا عمر وزيد وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو موسى الأشعري ولكن سيدنا عمر رجع عن هذا عندما اشتكى أخوة أشقاء لم يأخذوا شيئا من ميراث أمهم، فأشركهم عمر في الثلث مع الأختين : إن الأخ الشقيق هنا هو الأقرب درجة إلى الميت ورث مثل الأخت لأم وهي أبعد درجة وهذا مثال آخر للاستثناء المرأة من قاعدة القرابة لصالح المرأة.
وبالنسبة لحالة تساوى الرجل والمرأة عند انفراد أحدهما بالتركة، حيث إذا مات أحد عن رجل أو امرأة واحدة تكون المحصلة الأخيرة هي أن يأخذ من بقى التركة كلها سواء أخذها الرجل كوصيته أم أخذت المرأة حظها بالفرض والباقي ردا عليها مثل إذا كان الورثة على النحو التالي: أبا: له كل التركة، ابنا: له كل التركة، أخا: له كل التركة، زوجا: نصف التركة + الباقي ردا عليه، خالا: كل التركة لأنه من ذوي الأرحام، عما: كل التركة تعصيبا، أما: ثلث التركة والباقي ردا عليها، زوجا: ربع التركة والباقي ردا عليها، خالة: كل التركة، عمة: كل التركة.
وهناك مثال آخر على التساوي في حالة إذا كان الورثة على النحو التالي:
زوجا: له ربع التركة، ابنا: باقي التركة، زوجته: ربع التركة، أخا: الباقي، زوجته: ثمن التركة، بنتا: نصف التركة فرضا والباقي يرد عليها، زوجة: ربع التركة، أختا: نصف التركة فرضا والباقي يرد عليها. وهنا نجد أن الابن والبنت، والأخ والأخت تساويا في حظهما من التركة.
حالة تساوي الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق: إذا ماتت امرأة تركت من الورثة ما يلي: زوجا: له نصف التركة، أخا شقيقا: له البقية وهي نصف التركة ولو كانت مكانه أخت شقيقه: ترث أيضا نصف التركة مثل أخيها الشقيق تماما.
وهناك حالة أخرى، إذا كان الورثة على النحو التالي: زوجا: ربع التركة، بنتا: نصف التركة، أخا شقيق: الباقي وهو الربع، أو زوجا: ربع التركة، بنتا نصف التركة، أختا شقيقة: الباقي وهو ربع التركة.
تساوي الأخت مع الأخ الشقيق: زوج: يحصل على نصف التركة، أم: السدس، أخت لأم: السدس، أخ شقيق: السدس (وهو الباقي من التركة) هذا إلى جانب أن هناك ستة لا يحجب عنهم الميراث مطلقا ثلاثة من الذكور وثلاثاً من النساء وهم: الزوج، الابن، الأب، والزوجة، البنت، الأم.
أما الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، الفروض الواردة في القرآن والسنة ومستحقيها.. ثلثا التركة: البنتان فأكثر، بنتا الابن فأكثر، الأختان الشقيقتان فأكثر، الأختان لأب فأكثر – النصف: البنت الواحدة، بنت الابن الواحدة، الأخت لأب الواحدة، الزوج – الثلث: الأم، الأخت، الأخ لأم – السدس: الأم، الجدة، بنت الابن، الأخت لأب، الأخت لأم، الأخ لأم، الأب، الجد – الربع: الزوج، الزوجة – الثمن: الزوجة.
وبملاحظة ما سبق نجد أن أكبر الفروض في القرآن وهو الثلثان للنساء فقط ولا يحصل عليه الرجل، والنصف لا يأخذه من الرجال إلا الزوج عند عدم وجود فرع وارث وهو قليل الحدوث ويبقى النصف لأربع من النساء. والثلث تأخذه اثنتان من النساء هما الأم عند عدم وجود فرع وارث وتأخذه الأخوات لأم بنفس الشروط أما السدس فيأخذه ثمانية خمس من النساء، وثلاثة من الرجال.
والربع يأخذه الزوج إذا وجد فرعاً وارثاً للزوجة وتأخذه الزوجة إذا لم يوجد فرع وارث وتأخذ الثمن إذا وجد فرع وارث.
ويتضح مما سبق أن النساء ترث في سبع عشرة حالة بالفرض، بينما يرث الرجال في ست حالات فقط بالفرض.. وهذا الذي فرض للمرأة يجعلها ترث أكثر من الرجل في الحالات التالية:
– الثلثان للمرأة أفضل من نصيب الرجل تعصيبا: فإذا ماتت امرأة وتركت ستين هكتارا وكان ورثتها على النحو التالي: زوجاً: الربع 12 هكتارا، أباً: السدس 8 هكتار، أماً: السدس 8 هكتار، بنتين: الثلثان 32 هكتارا، نصيب كل بنت 16 هكتارا، ولأن المسألة فيها عول تزيد فيها الأنصبة عن التركة فيخصم من كل بحسب نسبته، زوج: الربع 15 هكتارا، أب: السدس: 10 هكتار، أم: السدس 10 هكتار، ابنان: الباقي تعصيبا 25 هكتارا.
– ولو ماتت امرأة عن تركة 48 هكتار والورثة على النحو التالي: زوج: نصف التركة 18 هكتار، أم: السدس 6 هكتار، أختان شقيقتان: ثلثي التركة 24 هكتار (هذه المسألة فيها عول) كل أخت حصلت على 12 هكتارا، المسألة فيها عول فالمسألة السابقة، زوج: النصف 24 هكتار، أم: السدس 8 هكتار، أخان شقيقان: المتبقي 16 هكتار، كل أخ يحصل على 8 هكتار.
– النصف للمرأة أفضل من التعصيب للرجال: لو ماتت امرأة تاركة 156 هكتار يرث ورثتها ما يلي: زوج: الربع 36 هكتار، أب: السدس: 24 هكتار، أم: السدس: 24 هكتار، بنت: النصف 72 هكتار، (المسألة فيها عول) زوج: الربع 39 هكتار، أب: السدس 26 هكتار، أم:
السدس 26 هكتار، ابن: الباقي 65 هكتار.
وهنا أخذت البنت بالفرض 72 هكتارا ونقص لحقها نصيب الزوج والأب والأم لأن في المسألة عولا، أما الابن الذي يرث بالتعصيب نصيبه 65 هكتارا لأنه الباقي من أصحاب الفروض وهو أقل من نصيب البنت ونفس الأمر يحدث لو كان مكان البنت بنت ابن ومكان الابن ابن ابن.
وإذا ماتت امرأة وتركت 48 هكتارا وكان الورثة على النحو التالي: زوجاً: النصف 18 هكتارا، أم: الثلث 12 هكتارا، أختا شقيقة: النصف 18 هكتارا (المسألة فيها عول) زوج: النصف 24 هكتارا أما: الثلث 16 هكتارا، أخ شقيق: الباقي 8 هكتار.
وهنا فارق واضح في الميراث حيث أخذت الأخت الشقيقة أكثر من ضعف الأخ الشقيق الذي ورث 8 هكتار بينما أخذت هي 18 هكتارا.
الحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال: ومثال ذلك إذا توفيت امرأة وتركت 195 هكتارا والورثة على النحو التالي: زوج: الربع 39 هكتارا، أب: السدس 26 هكتارا، بنت: النصف 78 هكتارا، بنت ابن:السدس 26 هكتارا. وهنا أخذت بنت الابن بفرض السدس 26 هكتارا ولم يأخذ ابن الابن شيئا.
حالة أخرى توردها الدكتورة زينب، التركة 84 هكتارا والورثة على النحو التالي: زوج: النصف 36 هكتارا، أخت لأب: السدس 12 هكتارا، زوج: النصف 42 هكتارا، أخت شقيقة: النصف 42 هكتارا ، أخ لأب: الباقي تعصيبا، لاشيء.. وهنا أخذت الأخت لأب السدس فرضا (12 هكتارا) ولم يأخذ نظيرها وهو الأخ لأب.
هذه نماذج عن ميراث المرأة في الإسلام بما يدل على تكريمه لها ووضعها في مكانة رفيعة وأن حصولها على نصيب أقل من الرجل في حالات قليلة له فلسفته وإيجابياته على النحو السابق إيضاحه وأنه لا علاقة له بمكانة المرأة المساوية للرجل وتكريم الإسلام لها.
القضية الثامنة : حرية العقيدة وحكم الردة
أولاً : وثيقة الأزهر والمثقفين لدعم منظومة الحريات العامة
يتطلع المصريين والأمة العربية الإسلامية كلها، بعد ثورات التحرير التي رفعت سقف الحريات، وأذكت روح النهضة الشاملة لدى مختلف الفئات، إلى علماء الأمة ومفكريها ومثقفيها، كي يحرروا العلاقة بين المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية السمحاء ومنظومة الحريات الأساسية التي صاغتها المواثيق الدولية، وأسفرت عنها التجربة الحضارية للشعب المصري، تأصيلا لأسسها، وتأكيدا لثوابتها، وتحديدا لشروطها التي تثري حركة التطور وتفتح آفاق المستقبل: وهي حرية العقيدة، وحرية البحث العلمي، وحرية الرأي والتعبير، ثم حرية الإبداع الأدبي والفني المعبر عن هوية الأمة ووجدانها، ومستوجب النهضة أن يقوم استيعاب ذلك على أساس متين من فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وإدراك روح التشريع الدستوري الحديث، ومقتضيات التقدم المعرفي والإنساني، بما يجعل من الطاقة الروحية المذخورة للأمة وقودا للنهضة، وحافزا للتقدم، وسبيلا للرقي المادي والمعنوي، في جهد موصول يتضافر فيه الخطاب الديني المستنير مع الخطاب الثقافي الرشيد، ويندرجان معا في نسق مستقبلي مثمر، يحفظ لكل منهما خواصه ومنطلقاته، ويوحد بينهما في الأهداف والغايات التي يتوافق عليها الجميع.
ومن هنا فإن مجموعة العلماء الأزهريين والمثقفين المصريين التي أصدرت وثيقة الأزهر بقيادة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، اتبعتها ببيان دعم حراك الشعوب العربية الشقيقة نحو الحرية السياسية والديمقراطية، قد تدارست فيما بينها القواسم الفكرية المشتركة في منظومة الحريات العامة ، والحقوق الإنسانية المقررة، وانتهت إلى إقرار جملة من المبادئ والضوابط المؤكدة لها، والضابطة لمفاهيمها، في ضوء اللحظة التاريخية الراهنة التي يجتازها الوطن، وتحافظ على جوهر التوافق المجتمعي، وترعى الصالح العام في مرحلة التحول الديمقراطي، حتى تنتقل الأمة إلى بناء مؤسساتها الدستورية بسلام وأمان وتوفيق من الله سبحانه وتعالى:
أولا: حرية العقيدة:
تعتبر حرية العقيدة.. وما يرتبط بها من حق المواطنة الكاملة للجميع القائم على التساوي في الحقوق والواجبات ـ حجر الزاوية في البناء المجتمعي الحديث، وهي مكفولة بصريح الأصول الدستورية المقررة ، والنصوص الدينية القطعية، وإذا يقول عز وجل: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) ويقول أيضا: ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ويقول عز من قائل: ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) وترتب على ذلك تجريم أي مظهر للإكراه في الدين، أو الاضطهاد أو التمييز بسببه، فلكل فرد في المجتمع أن يعتنق من العقائد ما يشاء دون أن ينقص ذلك من أهليته كمواطن حر مسئول، شريطة أن لا يمس ذلك النظام العام، وحق المجتمع في الحفاظ على عقائده السماوية، وهويته التي يحددها الدستور، فللأديان السماوية الثلاثة في مصر قداستها واحترامها الكامل، وللأفراد حرية الاختيار فيما بينهم وبين ربه من دون عدوان على مشاعر بعضهم البعض أو مساس بمقدساتهم. بالقول أو الفعل.
هذا، ولما كان الوطن العربي مهبط الوحي السماوي، وكانت مصر حاضنة الأديان الثلاثة السماوية المعترف بها، فهي أشد بها التزاما من غيرها في رعاية قداستها واحترام شعائرها، وصيانة حق حرية الأفراد في الإيمان بها، وممارسة شعائرها، وهذا ما قرره القرآن، وناط بالدولة حمايته ورعايته {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} بكرامة تامة وحرية مصونة.
ويترتب على احترام حرية العقائد التسليم بحق التعددية الدينية في المجتمع المصري، ورعاية حق الاختلاف، ووجوب مراعاة كل مواطن مشاعر الآخرين، بل الحفاظ على جميع حقوقهم ، والمساواة الكاملة بينهم، على أساس متين من المواطنة والشراكة الكاملة، وتكافؤ الفرص في جميع الحقوق والواجبات.
كما يترتب أيضا على إقرار التعددية الدينية للمجتمع رفض نزعات الإقصاء والتكفير، وإدانة الآخرين أو اتهامهم في معتقداتهم ، أو التفتيش في ضمائرهم، بناء على ما استقر من نظم دستورية، وعلى ما استقر بين علماء المسلمين من تقاليد سمحة قررتها الشريعة في القول النبوي: ( هل شققت عن قلبه)، ومن هديها يقول الإمام الشيخ محمد عبده رائد الفكر المصري :
” إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِِلَ على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر”.
وينبغي التأكيد على أن حرية الاعتقاد التي كفلتها الشريعة الإسلامية وأكدها الدستور، لا تعني إباحة التبشير العلني بالزندقة والإلحاد، لما في ذلك من ازدراء للإيمان الديني، في الأديان الثلاثة، ولمقدسات المجتمع ونظامه العام الذي يمثل مقوما من مقومات الاجتماع ، ومعلما من معالم هوية الأمة وثوابتها المشتركة.
ثانيا: حرية البحث العلمي:
يعد البحث العلمي الجاد في العلوم الإنسانية والطبيعية والرياضية، وغيرها، قاطرة التقدم البشري ، ووسيلة اكتشاف سنن الكون ومعرفة قوانين نظمه، لتسخيرها لخير الإنسانية ، ولا يمكن لهذا البحث أن يتم ويؤتي ثماره النظرية والتطبيقية دون تكريس طاقات الأمة له، وحشد إمكاناتها من أجله، ولقد أفاضت النصوص القرآنية الكريمة التي افتتحت بكلمة :{ اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق*اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم*علم الإنسان ما لم يعلم} في الحث على النظر والتفكر والتدبر في الظواهر الكونية والإنسانية ، لاستخلاص سننها وقوانينها، حتى قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن تلا: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ….) ـ: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها.
وقد مهدت هذه التوجيهات الطريق لأكبر نهضة علمية في تاريخ الشرق، قادها علماء الإسلام عدة قرون، انتقلت شعلتها لتضيء عصر النهضة الغربية كما هو معروف ومتداول لدى مؤرخي العلم الغربيين، وإذا كان التفكير في عمومه فريضة إسلامية في مختلف المعارف والفنون كما يقول المجتهدون، فإن البحث العلمي النظري والتجريبي هو أداة هذا الفكر، وأهم شروطه أن تمتلك المؤسسات البحثية والعلماء المتخصصون حرية أكاديمية تامة في إجراء التجارب وافتراض الاحتمالات واختيارها بالمعايير الفنية الدقيقة ، وأن تمتلك الخيال المبدع والخبرة الكفيلة بالوصول إلى نتائج جديدة تضيف للمعرفة الإنسانية كل جديد، لا يحدهم في ذلك سوى أخلاقيات العلم التي حددتها منظومة القيم الدينية وتقاليد الإبداع العلمي نفسه، وكما يقول الإمام الشيخ محمد عبده أيضا:”فالمسلمون مسوقون بحكم دينهم إلى طلب ما يكسبهم الرفعة والسؤدد والمجد، ولا يتوافر شيء من وسائل ذلك إلا بالعلم ، فهم محفوزون أشد الحفز إلى طلب العلم، وتلمسه في كل مكان، فإذا لاقاهم العالم في أي سبيل ، أو عثروا به في أي جيل، شدوا به أواصرهم، ولا يبالون ما تكون عقيدته إذا نفعتهم حكمته، والحكمة ضالة المؤمن حيث وحدها فهو أحق بها.
فإذا صح ذلك في العصور الماضية فهو أجدر بالصحة في العصر الحديث الذي أصبح العلم فيه مناط القوة المادية والمعنوية، ومصدر السلاح والخبز كما يقال، وبعد أن جاب العلماء آفاق الفضاء وأعماق البحار، وتسابقت الأمم بواسطته في دخول مجتمعات المعرفة وعوالم السيادة، وقد كان الغرب التقليدي يكاد يحتكر مسيرة العلم، حتى جاءت نهضة الصين واليابان، ومن تبعهم من الكوريين والهنود والبرازيليين لتشارك في تقدم العلم وتطبيقاته التقنية، وقد آن الأوان ليدخل المصريون والعرب والمسلمون ساحة المنافسة العلمية والحضارية، بضمان الطاقات البشرية والمادية له، باعتباره أهم شروط تقدم الأمم وسبيل الحفاظ على كرامتهم في عالم لا يحترم الضعفاء والمتخلفين.
ثالثا: حرية الرأي والتعبير:
حرية الرأي هي من أم الحريات كلها، ولا يمكن أن تتجلى إلا في التعبير عنه بمختلف الوسائل من كتابة وخطابة وإنتاج فني، وتواصل رقمي، وهي الآن مظهر الحريات الاجتماعية التي تتجاوز الأفراد لتشمل حرية المجتمعات، وتكوين الأحزاب وغيرها من منظمات المجتمع المدني، وحرية الصحافة، والإعلام المسموع والمقروء والمرئي، وحرية التواصل الرقمي ، كما تشمل أيضا حرية الحصول على المعلومات اللازمة لتكوين الرأي، وحرية تكوين الجمعيات وممارسة الأنشطة المختلفة، فهي جوهر الحريات العامة، ومن ثم فلابد أن تكون مكفولة بالنصوص الدستورية لتسمو على القوانين العادية.
ولابد لنا أن نتمسك بالتعريف الجيد الذي حددته المحكمة الدستورية العليا في مصر بخصوص حريات التعبير المختلفة، وضرورة أن تضمن حق النقد البناء ولو كان حادا، فالنقد البناء لا يتطلب لزوم رصد كل عبارة احتواها الخطاب أو المطبوع منفصلة عن سياقها، فالمدافعون عن آرائهم ومعتقداتهم كثيرا ما يلجأون إلى المغالاة، وانه إذا أريد لحرية الرأي أن تتنفس في المجال الذي لا يمكن أن تحيا بدونه، فإن قدرا من التجاوز يتعين التسامح فيه، ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط أو المغالاة أحيانا في الآراء مستوجبا إعاقة تداولها تماما، خاصة إذا كان الأمر متصلا بالقضايا العامة، ولكن من الضروري أن ننبه إلى وجوب احترام المعتقدات الدينية وعدم التجاوز فيها أو المساس بها بأي حال، لخطورة ذلك وتهديده للأمن الوطني والنسيج الاجتماعي، فليس من حق أحد أن يثير الفتن الطائفية باسم حرية التعبير، أو يجاهر في الأوساط العامة بالطعن على الأديان السماوية الثلاث، وإن كان حق الاجتهاد بالرأي العلمي المقترن بالدليل ، وفي الأوساط المتخصصة، والبعيد عن الإثارة والتهويل، طبقا لما يراه المتخصصون وأصحاب الرأي والتعبير هي المظهر الحقيقي للديمقراطية، ويدعون إلى تنشئة الأجيال الجديدة وتربيتها على ثقافة الحرية وحق الاختلاف واحترام الآخرين، وغن كان توخي الحكمة في ممارسة كل ذلك مرهون بتطور المجتمع نفسه، وبتكوين رأي عام يتسم بالتسامح وسعة الأفق ويجيد الحوار وينبذ التعصب، وينبغي لتحقيق ذلك استحضار التقاليد الحضارية للفكر الإسلامي الرشيد الذي كان يقول فيه المجتهد : “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطا يحتمل الصواب” ومن ثم فلا سبيل لنا إلا مجابهة الرأي بالرأي، ومقارعة الحجة بالحجة، طبقا لآداب الحوار وما استقرت عليه المجتمعات الرشيدة، ويجب العمل على أن يكون “التوافق” عن طريق “الحوار” ثقافة سائدة.
رابعا: حرية الإبداع الفني:
ينقسم الإبداع إلى إبداع علمي يتصل بحرية البحث العلمي التي قررناها من قبل، وإبداع أدبي وفني يتمثل في أجناس الأدب المختلفة من شعر غنائي ودرامي وملحمي، وسرد قصصي وروائي، وموسيقى، ومسرح، وسير ذاتية، وفنون بصرية تشكيلية من رسم ونحت وتصوير، وفنون سينمائية وتلفزيونية، وأشكال مستحدثة في كل هذه الفروع.
والفنون في جملتها تستهدف تنمية الوعي بالواقع ، وترقية الإحساس الجمالي، وإثراء الوجدان الجماعي، وتثقيف الحواس الإنسانية، وتوسيع مدارك الناس، وإذكاء مشاعرهم، وتعميق خبرتهم بالحياة والمجتمع، وكلها وظائف اجتماعية سامية تؤدي إلى إثراء اللغة والثقافة القومية وتنشيط الخيال، وتلتقي في جوهرها مع الهداف الأخلاقية والاجتماعية السامية للأديان السماوية، وتعد من ابرز مظاهر الحضارة الإنسانية وأشدها قابلية للتبادل والتأثير والخلود على مر الزمان.
ولقد تميزت اللغة العربية بثرائها الأدبي وبلاغتها المشهودة حتى جاء القرآن الكريم في الذروة من البلاغة والإعجاز، فزاد من جمالها وأبرز عبقريتها، وتغذت منه في فنون الشعر والنثر والحكمة، وانطلقت مواهب الشعراء والكتابة من جميع الأجناس التي آمنت بالإسلام ونطقت بالعربية، وأبدعت في إطارها جميع الفنون القولية وغيرها، بحرية تامة ومشاركة إنسانية رائعة، امتدت على مر العصور، بل إن العلماء القائمين على الثقافة العربية الإسلامية من شيوخ وأئمة كانوا هم في الوقت نفسه رواة الشعر بكل فنونه، والنص بجميع أشكاله، وكتب الأدب الموسوعية ودواوين الشعراء الحافلة، تمثل قاعدة ثقافية عريضة مستوعبة تتجلى فيها الحرية بأوسع معانيها، وقد روى شعر الغزل وغيره، وأنشدت القصائد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته، ورواة الأئمة في كل العصور ، على أن القاعدة الأساسية التي تحكم حدود حرية الإبداع هي قابلية المجتمع من ناحية وقدرته على تصوير ذائقته وتوسيع دائرة حريته من ناحية أخرى . مع ضبط حرية الإبداع بمنظومة القيم الأخلاقية التي أجمعت عليها الديانات السماوية، ولذا فمن الضروري في المرحلة الراهنة مراعاة عدم المساس من قريب أو بعيد بالمقدسات الدينية وضرورة احترامها، فكلما ارتفع سقف الحرية في المجتمع كان ذلك شاهدا على نضجه وتقدمه الحضاري، مع مراعاة خصوصيته الثقافية وهويته الحضارية وتميزه عن غيره من المجتمعات، فالخصوصية هي أحد سمات الثقافة.
وفي الختام نحب أن نؤكد أن الحرية فريضة وضرورة، وليست مجرد حق يمنح حينا ويمنع حينا آخر. وهذه الحرية كي تكون مثمرة لابد أن تقترن بالمسؤولية، وليس الفنان أو المبدع كائنا من كوكب آخر، بل في النهاية مواطن يعنيه كل ما يعني مواطنيه وأفراد مجتمعه.
وان التعددية في المناهج والشرائع والثقافات والحضارات هي سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل، وهي سنة ماضية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولابد من الوفاء باستحقاقات هذه السنة الاجتماعية الكونية.
وأن الحضارات الإنسانية الكبرى ذات المواريث الغنية، تتشارك في العلوم الطبيعية –الدقيقة والمحايدة- التي لا تختلف حقائقها وقوانينها باختلاف عقائد المبدعين لهذه العلوم، وقد تتفاوت الحضارات في ضبط تطبيقات هذه العلوم الطبيعية بالقيم والخلاق الإنسانية العامة، أما في العلوم الاجتماعية والإنسانية وميادين الفنون والآداب، فغن مجالات التمايز والخصوصيات الحضارية حقيقة لا شك فيها، ومجالها أرحب بكثير من سابقاتها، كما هو معلوم، بل إن إدراك التميز والخصوصيات في هذه العلوم الاجتماعية والإنسانية وفي الآداب والفنون هو المفجر لطاقات الإبداع فيها، ويعبر عن خصوصيات الأمم والثقافات.
وإذا كان الإبداع هو نقيض الجمود والتقليد، فإن الجمود على الماضي والاكتفاء به أو الانكفاء عليه، هو كتقليد الآخر المختلف أو محاكاته دون أصالة أو تميز، وكلاهما عدو الإبداع، وثمرة القيود الوهمية أو المفروضة، ولا وجود لهما في ديننا أو حضارتنا الحقيقية.
وفي الرؤية الإسلامية ، التي كرمت الإنسان – مطلق الإنسان – وحررته بحكم الميلاد، والتي جعلته خليفة في الأرض، كانت حقوق هذا الإنسان الخليفة محكومة بحقوق الله وحده، الذي استخلفه لعمران الأرض، وإبداع كل ألوان الجمال التي تزينها ، وعبادة ربه بكل هذه الأنشطة الإبداعية والحضارية.
ثانياً : حكم الردة في الاسلام
هل حكم الإسلام المجمع عليه من قبل الفقهاء هو قتل المرتد عن الإسلام إذا كان الفرد مسلما وآمن بدين آخر أو صار مسلما ثم ارتد عن إسلامه؟
اتفق جمهور العلماء على حد الردة وتطبيق عقوبة تصل إلى القتل على المرتد. ومع ذلك فقد اختلف المفكرون المعاصرون فيما يتعلق بحكم المرتد في الإسلام مستندين في ذلك إلى آراء بعض الفقهاء الأوائل وإلى آيات وأحاديث مختلفة من القرآن والسنة. إضافة الى إختلاف الفقهاء في حكم الردة فان في تطبيق ما ذكره البعض من وجوب قتل المرتد، ما يتعارض مع المبادئ والقيم التي اقرها القانون الدولي ووافقت عليها معظم الدول العربية والإسلامية.
موقف بعض المفكرين المعاصرين :
- الشيخ يوسف القرضاوي : يذهب إلى وجوب تطبيق حكم الردة وقتل المرتد في مقالته : “خطورة الردة ومواجـهة الفتنة“، ذاكراً بأن السماح للأفراد باعتناق الإسلام ثم الارتداد عن الإيمان به مفسدة للمجتمع الإسلامي. ويدعو القرضاوي إلى قتل المرتد عن دين الإسلام مستندا إلى بعض الأحاديث الأحادية والأحداث التاريخية التي يستنتج منها ذلك
- 2. الدكتور محمد سليم العوا: يوضح في مقالته: ” عقوبة الردة تعزيرًا لا حدًّا” ، المفهوم القانوني والشرعي للحد ويؤكد أن الآيات الكريمة “لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أن ثمة عقوبة دنيوية يأمر بها القرآن لتُوقَّع على المرتد عن الإسلام، وإنما يتواتر في تلك الآيات التهديد المستمر بعذاب شديد في الآخرة”. ويضيف، “وهكذا، فإننا لا نجد في النصوص المتعلقة بالردة في آيات القرآن الكريم تقديرًا لعقوبة دنيوية للمرتد، وإنما نجد فيها تهديدًا متكررًا، ووعيدًا شديدًا بالعذاب الأخروي”. أما فيما يتعلق بالأحاديث التي يستند إليها البعض بوجوب تطبيق حد الردة وقتل المرتد، فيوضح العوا انه “لا يُحتج في إثبات نسخ قوله تعالى: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، بالأحاديث النبوية الصحيحة، التي فيها ذكر قتل المرتد، إذ إن المقرر في أصول الفقه أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن مثله، أو سُنة متواترة.” ولا يصح تطبيق حديث يتعارض مع صريح القرآن
ويضيف د. العوا أن الآيات المنسوخة منفق عليها ولا تضم الآية الكريمة التي توضح بصريح العبارة أته “لا إكراه في الدين” مستندا إلى أن السيوطي -رحمه الله- قد جمع الآيات التي صح فيها عند العلماء أنها منسوخة وهي إحدى وعشرون آية، وقال: “لا تصح دعوى النسخ في غيرها”، مؤكدا أته ليس من بين هذه الآيات قوله تعالى: “لا إِكْرَاهَ فِي الدين”. ولكن العوا يعود ويرى انه استنادا إلى الأحاديث المختلفة والوقائع التي أدت إلى أحكام متغايرة عبر التاريخ الاسلامي فيما يتعلق بحد الردة،فأن حد الردة جائز وليس واجب، وان الأمر متروك للحاكم. وأنا أرى أن العوا يحاول في قوله هذا أن يجد مبررا للسياسات التي تدعوا إلى قتل المرتد بعد أن برهن بأن مثل هذا الفعل لا يجوز شرعا استنادا إلى المبدأ العام القائل بأنه “لا اكر في الدين” والذي تؤيده الآية القرآنية غير المنسوخة
- 3. الأستاذ جمال البنا : يشرح في مقالته: ” لا عقوبة للردة.. وحرية الاعتقاد عماد الإسلام” ، مفهوم ومعنى الردة في إطار حرية الفكر والعقيدة التي نادى بها الإسلام موضحا أن عقاب المرتد منوط بالرب وليس العبد. ويدرج الأستاذ البنا العديد من آراء الفقهاء المختلفة بخصوص ماهية وحكم الردة في الإسلام معلقا “إن هذه الأقوال التي امتلأ بها تراثنا الفقهي توضح لنا إلى أي مدى وصل التخبط والتعدد والتعارض والتفارق والاختلاف شيعًا وطوائف”، واستنادا إلى العديد من البراهين والدلائل يؤكد الأستاذ البنا، ” أن أي تدخُّل للسلطة تحت أي اسم كان، وبأي صفة اتصفت، بين الفرد وضميره مرفوض بتاتًا، وأن الاعتقاد يجب أن يقوم على حرية الفرد واطمئنان قلبه.
- مفتي مصر السابق الشيخ علي جمعة : يؤكد على حق كل إنسان في اختيار دينه وذلك بعد نشر وسائل الإعلام معلومات متضاربة في هذا الشأن، ما أثار جدلا بين العلماء وأساتذة العقيدة في الجامعة الأزهرية، حيث أجازها البعض مشيرا إلى اتفاقها مع الثوابت الشرعية بينما عارضها البعض الآخر وقالوا إنها تمثل تهاونا وتشجيعا على الردة.
وقال المفتي علي جمعة في بيان إن “الله قد كفل للبشرية جمعاء حق اختيار دينهم دون إكراه أو ضغط خارجي، والاختيار يعني الحرية والحرية تشمل الحق في ارتكاب الأخطاء والذنوب طالما ان ضررها لا يمتد إلى الآخرين”. وأوضح “لهذا قلت إن العقوبة الدنيوية للردة لم تطبق على مدار التاريخ الإسلامي إلا على هؤلاء المرتدين الذين لم يكتفوا بردتهم وانما سعوا إلى تخريب أسس المجتمع وتدميرها”. وأضاف أن “هاتين الفكرتين تلخص مبدا اسلاميا: مع الحرية تأتي المسؤولية“.
وخلص المفتي الى القول عبر المركز الاعلامي بدار الافتاء إلى التأكيد على جانب المسؤولية في موضوع الردة وان الردة ذنب كبير يستوجب العقاب اذا صاحبتها فتنة في صفوف المجتمع”.
- آراء بعض علماء الأزهر :
الدكتور نصر فريد واصل، عضو مجمع البحوث الإسلامية ومفتي مصر الأسبق، صرح لصحيفة “الخليج” الإماراتية الجمعة 27-7-2007، إن “الخروج من الدين الإسلامي يخضع لقواعد شرعية وفقهية لا يستطيع أحد الالتفاف حولها، والمسلم الذي يفكر في تغيير دينه يخضع للأحكام الشرعية التي تتحدث عن عقوبة المرتد، وقد اتفق جمهور العلماء على حد الردة وتطبيق العقوبة وإن اختلف العلماء على مدة الاستتابة، وهل هي ثلاثة أيام أم طيلة العمر؟”.
ومضى يقول “وتطال هذه العقوبة حالة المسيحي طالما أنه اعتنق الإسلام طواعية ودون ضغط من أحد، فمن يخرج عن الإسلام فهو مرتد، والحقيقة أننا مطالبون كمسلمين والكلام لواصل بإنزال الأحكام الفقهية على أرض الواقع حتى لا نترك المساحة خالية أمام الأدعياء الذين يشوهون الدين الإسلامي”.
ويقول واصل “يجب على الجميع الوقوف أمام قضية المرتدين عن الإسلام بمنتهى الحزم حتى لا يستغل أصحاب المنظمات التبشيرية صمتنا وهفوات العلماء كي يزيدوا من أنشطتهم المعادية للإسلام، وفي ظل امتلاكهم المال فإنهم من الممكن أن يستغلوا ضعاف النفوس من الفقراء المسلمين ويتم إغراؤهم بالمال لتغيير دينهم، ويجب أن نتذكر أن هناك جهودا غربية تسعى منذ أكثر من ستين عاما لترسيخ حق المسلم في تغيير ديانته حتى تفتح مجال العمل أمام المنظمات التنصيرية”.
ويضيف واصل أن “الإسلام نهى بشكل صريح وقاطع عن إرجاع من آمن (رجل كان أو امرأة) إذا تبين لنا صدق إيمانه بل يجب تأمينه على نفسه وحمايته من الارتداد أو التعرض للقهر والتنكيل والترهيب، والأصل في اعتناق الإسلام قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ). وهذا نص صريح بعدم إرجاع من آمن وتوصية بأن نمتحن من جاء إلينا راغبا في اعتناق الإسلام، والحقيقة أننا اليوم لا ندقق كثيرا وهو ما أوقعنا اليوم في هذه الأزمة حيث فوجئنا بالبعض ممن اعتنقوا الإسلام حديثا بأنهم اعتنقوه بسبب مرورهم ببعض الأزمات الاجتماعية التي يعانون منها في دينهم القديم، واليوم يريد بعضهم تحت ضغط الإغراء المالي وغيره أن يرتد عن الإسلام غير عابئين بأحكام الشريعة الإسلامية في هذا المجال”.
“أرسل الله رسله عليهم السلام لتحقيق هدفين رئيسيين أولهما هداية الناس إلى التوحيد والإيمان بالله، وثانيهما إقامة الحجة على غير المؤمنين حتى لا يكون لهم حجة بعد الرسل”، هكذا بدأ المفكر الإسلامي الدكتور عبد الصبور شاهين كلامه مؤكدا أنه لا تعارض في قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً)، ونهت آيات كثيرة عن إكراه الناس على الدخول في الإسلام: (لا إكراه في الدين)، وذلك لأن سنة الله في خلقه هي التنوع والاختلاف: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)، وهناك ما يمكن أن نطلق عليه عوامل المحافظة على البقاء وحفظ النظام العام وهذا أمر معمول به في مجتمعاتنا المعاصرة وهو ما يطلق عليه الآن “الخيانة العظمى” للدولة وإيقاع عقوبة على من يرتكب هذه الخيانة وهو نفس المنطق الذي اتبعه الإسلام في التعامل مع مثل هذه الحالات حيث يجب تعريفه بأنه يجب أن يكون مقتنعا بالدخول في الإسلام ويُعرّف بالعقوبة الشرعية إذا تم اكتشاف استغلاله أو انتهازيته حتى لا يفتن الناس في دينهم أو يتخذ من الشرائع السماوية وسيلة للتلاعب.
الدكتور حامد أبو طالب العميد السابق بكلية الشريعة والقانون وعضو مجمع البحوث الإسلامية يبدأ حديثه قائلا: إن الأصل في الإنسان أن يكون حرا في اختيار عقيدته وإذا استقر على عقيدة، حتى ولو كانت غير الإسلام، يجب أن يثبت عليها ولا يعادي المسلمين بالأقوال أو الأفعال. ويستطرد أبو طالب مشيرا إلى أن التلاعب بالدخول في الأديان والخروج منها حسب الأهواء ظاهرة قديمة وقد أورد لنا القرآن ما كان يفعله اليهود: (وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، وقد أراد الله لدينه الخاتم أن يكون مستقرا فمن يدخله يجب أن يكون عن اقتناع تام ومعرفة بأحكامه ويرفض أن يكون الناس مجرد مقلدين لآبائهم في اتباع الأديان دون إعمال العقل والتفكير والاقتناع فقال تعالى في ذم هؤلاء: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)، كذلك يرفض الإسلام أن يكون وسيلة للاستهزاء وتحقيق الأهداف الشخصية ثم الارتداد عنه لأنه لا يجبر أحدا على الدخول فيه، ومع هذا إذا خرج شخص مسلم عن دينه ولم يعلن ذلك ولم يعاد المسلمين أو يتطاول على الدين فهو حر والكلام لأبو طالب مع وجوب استتابته بالحسنى أما إذا أشهر عداءه فهنا يجب على المسلمين أن يردعوا من يتطاول على دينهم أو يسخر من عقيدتهم بتطبيق عقوبة المرتد التي أوصلها بعض الفقهاء إلى القتل، ولا يطبقها عوام الناس بل إن ولي الأمر هو الذي يقرر ذلك ويحدد العقوبة التعذيرية التي تتناسب مع جريمته.
الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، تفرق بين حالتين من المرتدين أولهما من ارتد بينه وبين نفسه ولم يظهر أي عداء للإسلام فهذا حر في عقيدته وينطبق عليه قوله تعالى: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)، وهذا الصنف من المرتدين لا مشكلة لنا معه، أما الصنف الثاني فهو من يرتد عن الإسلام ويشهر العداء لأتباعه ويتم استخدامه وسيلة لهدم الإسلام والسخرية من عقيدته ومناصرة أعدائه وهنا المشكلة ليست في تغييره عقيدته وإنما في أنه تحول إلى “محارب” للإسلام والمسلمين وواجبنا والكلام للدكتورة آمنة رد العدوان من خلال حد الردة ممن يتربص بالجماعة المسلمة وهنا يكون التطبيق لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، فنحن هنا نرد عدوانا ولا نبدأ بالعداء.
وتحذر من خطورة استسهال التحول والانتقال بين الأديان مثلما فعلت مجموعة من مسيحيي مصر الذين تحولوا إلى الإسلام لتحقيق أهداف شخصية من طلاق أو زواج أو أي هدف آخر، فمثل هؤلاء يجب أن يسجنوا لأنهم اتخذوا أديان الله هزؤا وهؤلاء المتلاعبون الخبثاء لا يمثلون نقصا حقيقيا في أعداد المسيحيين ولا إضافة حقيقية للمسلمين ولهذا يجب أن يتصدى المسلمون والمسيحيون لهؤلاء المستهزئين بالأديان.. وتقول نصير: إن على المسيحيين إدراك أهمية البقاء على عقيدتهم والتمسك بها مثلما تعرض سبعون ألف مسيحي للقتل في عهود الرومان من أجل عقيدتهم فيما يعرف بيوم الشهداء، وفي نفس الوقت نحن لا نريد في الإسلام إلا المسلم الحقيقي الذي جاء إليه باقتناع أما من يرتد ولم يعادنا فله ذلك ومن أظهر العداء والتطاول فواجبنا الرد بتطبيق حد المرتد وليس في هذا إجبار أو إكراه.
الدكتور عبد المقصود باشا، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس، إلى أن كل كتب التاريخ الإسلامي لم تذكر أبدا أي حديث عن تنفيذ حد الردة ولم يظهر تنفيذ هذا الحد في العصر الحديث إلا على يد التابعين للمنظمات المتطرفة والتي شاهدت كثيرا من وقائعها عبر مواقع الإنترنت حيث كانوا يذبحون الناس كالنعاج لمجرد أنهم رأوا فيهم نوعا من أنواع الارتداد عن الدين.
ويضيف قائلا: إنني ومن خلال قراءاتي ومطالعاتي الشخصية في العديد من المصادر التاريخية لم أقرأ أو أرصد أي شيء حول حادث معاقبة مرتد من الإسلام، وبالطبع فقد شهد التاريخ الإسلامي حالات ردة وإن كانت ليست بكثيرة وأنا أرى أن الآراء الفقهية القديمة والحديثة اتفقت على وجود آراء متعددة في حكم المرتد عن الإسلام، فهناك من قال: يجب أن يقام عليه الحد فورا، وهناك آراء أخرى قالت: يجوز إمهاله شهرا أو حولا وهناك آراء ذهبت إلى حد السماح للمرتد بالاستتابة مدى الحياة، وأنا شخصيا أميل إلى الرأي الأخير والكلام لباشا وهذا أخذاً بالأحوط فقد يكون الذي دفعه للردة أمر طارئ وسرعان ما يكتشف خطأه.
وعن موقف الشخص الذي يعتنق الإسلام ثم يقرر الارتداد عنه لأسباب اجتماعية أو سياسية يقول الدكتور عبد المقصود باشا: إن هذا تلاعب بالدين وكارثة أخلاقية حيث يمارس هذا الشخص النصب والاحتيال في حق الأديان جميعها ورغم ذلك فأنا لا أرى أن ينفذ فيهم حد الردة بل أرى أن هناك حاجة لسن قانون جديد لمحاكمتهم بتهم النصب والاحتيال على الدين.
القضية التاسعة : الصراع السني الشيعي (رسالة مفتوحة الى أخي الشيعي)
أنظر المقال المرفق
القضية العاشرة : أبعيانها أم بغاياتها هي الحدود الجزائية : حد الرجم والقطع في الإسلام
أنظر كتاب الشيخ عبد الله العلايلي المرفق ص (71-83)
القضية الحادية عشر: زواج المسلمة من غير المسلم
أنظر المقال المرفق وكتاب الشيخ عبد الله العلايلي (ص 113)