مدونة

وثيقة الأخوة الإنسانية والقيم المشتركة

بابا والطيب
مؤتمرات / مدونتي

وثيقة الأخوة الإنسانية والقيم المشتركة

ممثلو السلطات والمرجعيات الدينية والسياسية،

أصحاب السيادة والسماحة، وسعادة السفير البابوي

السيدات والسادة الكرام ،

استوقفتني لطيفتان رافقتا وثيقة الأخوة الإنسانية، إحداهما مشهدية عظة الجبل المسيحية والثانية حجة الوداع الإسلامية، فكانت نصوص الوثيقة مستلهمة بين أسطرها وكلماتها لهذين الحدثين التاريخيين بما جاء فيهما من عظة جامعة ناشد فيها المسيح ومن بعده النبي محمداً عليهما الصلاة والسلام حشود المؤمنين من تلامذة وحواريين وصحابة.

وقف المسيح عليه السلام أمام تلامذته وخاطبهم في عظة تعتبر من أهم عظاته وتعرف بعظة الجبل قائلاً لهم :

« طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات، طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. »

وقف النبي عليه الصلاة والسلام أمام صحابته في حجة الوداع وخاطبهم قائلاً :

« أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا، أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد. »

من رحم هاتين العظتين ولدت وثيقة الأخوة الإنسانية، وحتى تلد كان لا بد للصداقة التي جمعت بين القمتين الدينيتين في الفاتيكان والأزهر أن تفعل فعلها. تماماً كما سبق لها أن جمعت في تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية قمماً إسلامية ومسيحية دينية فكانت صداقتهم أمثلة يحتذى بها لصانعي السلام ومحبي الوئام في كل عصر وزمان ومكان. من الأمثلة القديمة في بلاد جبيل التي تعود الى القرن السابع الميلادي جمعت الصداقة في مجالس التصوف بين قمتي الهرم التصوفي الذي كان يتربع عليه السلطان إبراهيم بن أدهم وصديقه الراهب سمعان، فكانت مجالسهما تتسم بالإثراء المتبادل في مفهومي التصوف والتنسك ومحبة الله في أبهى صورها في كلا الديانتين. ومن أمثلة هذا الإثراء المتبادل ما تعلمه شيخ المتصوفين أبو يزيد البسطامي من القرن الثامن الميلادي من حكمة الراهبة التي سألها عن مكان طاهر لكي يصلي فيه، فأجابته، طهر قلبك وصل حيث شئت.

 في المطل القريب من جبيل وفي نفس تلك الفترة الزمنية من القرن السابع الميلادي كانت رسائل وخطابات الإمام الأوزاعي تشيعان جوا من المحبة بين المسلمين والمسيحيين وتمنعان جور وظلم الحاكم رغم مخاطر قطع الرؤوس وجز الفؤوس في تلك الفترة المظلمة التي كاد أن يروح ضحيتها مسيحيو المنيطرة، وكانت فتواه في تحريم شراء الأراضي من المسيحيين مطلباً إسلامياً بترسيخ الوجود المسيحي في لبنان وفق المقولة الشعبية : “حلينا على بعضنا بس ما منحل عن بعضنا البعض”

في مطل القرن الواحد والعشرين، سبق ولادة وثيقة الأخوة الإنسانية، اجتماع المسلمين والمسيحيين في لبنان يوم الخامس والعشرين من شهر مارس آذار في عيد وطني مريمي مشترك، تحول في غضون سنوات قليلة منذ إقراره في سنة 2010 كعيد وطني الى ثقافة عالمية تذخر بها المكتبات والوثائق والمقالات والأبحاث والاطروحات العلمية لتجعل منه ركيزة أساسية في التقارب الإسلامي المسيحي.

ثم أتت وثيقة الأخوة الإنسانية سنة 2019 ليخاطب فيها قمة الهرم في الكنيسة الكاثوليكية ومن حولها الكاثوليك من الشرق والغرب و حاضرة الأزهر الشريف ومن حوله من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بكل عبارات الإنفتاح على سائر بني البشر تجاوزاً لحصريّة تمثيلهما للسنّة والكاثوليك لتشمل كافة معتنقي الأديان والمنتمين الى المعتقدات والفلسفات والأفكار تجمعهم جميعاً كلمة “الإنسانية”.

فإذا بنا نسمع بين أسطر هذه الوثيقة تراتيل قرآن وترانيم إنجيل فتأخذنا عباراتها الى إمام يقف في محرابه يقرأ القرآن، ولمؤذن يصدح بصوت خاشع دعوة المؤمنين الى الصلاة، وفي جواره كاهن يكرز مذكراً بكلام الإنجيل، وصوت أجراس تتعالى مذكرة بمجد الله في الأعالي وعلى الأرض السلام. فتبتدأ الوثيقة باسمِ الله الَّذي خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامةِ، ودَعاهُم للعَيْشِ كإخوةٍ فيما بَيْنَهم ليُعَمِّروا الأرضَ، ويَنشُروا فيها قِيَمَ الخَيْرِ والمَحَبَّةِ والسَّلامِ. ثم تستطرد الوثيقة لتخاطب النفسِ البَشَريَّةِ الطَّاهِرةِ التي حَرَّمَ اللهُ إزهاقَها، وأخبَرَ أنَّه مَن جَنَى على نَفْسٍ واحدةٍ فكأنَّه جَنَى على البَشَريَّةِ جَمْعاءَ، ومَنْ أَحْيَا نَفْسًا واحدةً فكَأنَّما أَحْيَا الناسَ جميعًا.

و تستتبع الوثيقة لتتكلم باسم الفقراء والبؤساء والمحرومين والمهمشين وباسم الأيتام والأرامل دون أن تنسى المهجرين والنازحين وضحايا الحروب وضحايا الإضطهاد والظلم والمستضعفين والخائفين والأسرى والمعذبين، إلى أن تخاطب الشعوب بأسرها باسم الأخوة الإنسانية التي تعترف بقيم العدل والرحمة والحرية التي وهبها الله لجميع البشر دون تمييز.

ثم تأتي عبارات الوثيقة لتحملنا الى كلمة سواء القرآنية والى بيان المجمع الفاتيكاني الثاني الموجه الى المسلمين الذي يعبدون الإله الواحد، الحيّ والرحوم والقدير، خالق السماء والأرض، وينتظرون يوم الدين عندما يكافئ اللّه كل القائمين من بين الأموات، فجاء إعلان الوثيقة بعباراته مؤكداً لما سبق من كون المسلمين والمسيحيين يجمعهما الإيمان بالله وبلقائه وبحسابه.

وأشارت الوثيقة إلى ضرورة إيقاف سيل الدماء البريئة ووقف ما يشهده العالم من حروب وصراعات وانحدارات ثقافية وحضارية وتعد على البيئة والطبيعة، باعتبار أن هذه الإخلالات الخطيرة أدت أيضاً الى تَراجَعَ القِيَمُ الرُّوحِيَّةُ والشُّعُورُ بالمَسؤُوليَّةِ؛ ممَّا أسهَمَ في نَشْرِ شُعُورٍ عامٍّ بالإحباطِ والعُزْلَةِ واليَأْسِ، ودَفَعَ الكَثِيرينَ إلى الانخِراطِ إمَّا في دَوَّامةِ التَّطرُّفِ الإلحاديِّ واللادينيِّ، وإمَّا في دوامة التَّطرُّفِ الدِّينيِّ والتشدُّدِ والتَّعصُّبِ الأعمى، كما دَفَعَ البعضَ إلى تَبَنِّي أشكالٍ من الإدمانِ والتَّدمِيرِ الذاتيِّ والجَماعيِّ.

دون أن تستثني الوثيقة المواضيع المرتبطة بالإقتصاد العالمي وسوء توزيع الثروات الطبيعية التي يستأثر بها قلة من الأثرياء مما تجعل من ملايين الأطفال ضحايا المجاعات فتتحول أجسادهم الى أشبه بالهياكل العظمية البالية فيتساقطون موتى وسط سكوت عالمي محير ومدان.

إزاء هذه المخاطر تأتي الوثيقة لتشدد على ضرورة أن تعود الأسرة بركنيها الأب والأم، لتشكل نواة أساسية للمجتمع والبشرية بما تتضمنه من إنجاب أولاد ذكر وأنثى وتربيتهم وتحصينهم بالأخلاق. من هذا المنطلق نضم أصواتنا الشاجبة بأقصى ما للكلمة من معنى الى الإعتراضات التي قوبلت بها وزيرة التربية التي أرادت في استبيانها لطلاب المدارس الخروج عن قيم الأسرة المشرقية المسيحية والإسلامية من وجود ذكر وأنثى و إيهامنا بأن هناك جنساً ثالثاً لا يعرف أنتماءه الى فئة الذكور والإناث.

أعود الى نصوص الوثيقة، فقد شددت على أن الأديان لم تكن مطلقاً بريداً للحروب أو باعثة لمشاعر مُثِيرةً للعُنْفِ وإراقةِ الدِّماءِ، فهذه المَآسِي حَصِيلَةُ الانحِرافِ عن التعاليمِ الدِّينِيَّة، ونتيجةُ استِغلالِ الأديانِ في السِّياسَةِ، وكذا تأويلاتُ طائفةٍ من رِجالاتِ الدِّينِ – في بعض مَراحِلِ التاريخِ – ممَّن وظَّف بعضُهم الشُّعُورَ الدِّينيَّ لدَفْعِ الناسِ للإتيانِ بما لا علاقةَ له بصَحِيحِ الدِّينِ، من أجلِ تَحقِيقِ أهدافٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ دُنيويَّةٍ ضَيِّقةٍ.

في ختام هذه الوثيقة في الأخوة الإنسانية نضم صوتنا الى صاحبيها والموقعين عليها لنقول للمتاجرين الدوليين بمقدرات الشعوب : دعونا نتعانق، دعونا ننبذ الفتنة وهتافاتها وشعاراتها المقيتة، دعونا نتفق ولا نختلف وإذا اختلفنا أن نعلم بأن اختلافنا رحمة ونعمة وليس نقمة، دعونا مع شركائنا في الوطن نبني لأبنائنا مستقبلاً واعداً مشرقاً، دعوا أطفالنا يلعبون ويضحكون في ملاعب الصبا والبراءة، دعوا المساجد والحسينيات والخلوات والكنائس تهتف بالسلام والتآخي، دعونا نصلي معاً وننشد أناشيد المحبة والسلام.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare