مدونة

مقابلة مع مجلة الأمن الصادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي

شيخ نقري
العيش المشترك / عيد البشارة / مدونتي / من الصحف

مقابلة مع مجلة الأمن الصادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي

الدكتور القاضي الشيخ محمد نقري، قَلّ من لا يعرفه في الأوساط الفكرية والدينية في لبنان: مدير عام سابق لدار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، قاضٍ في المحاكم الشرعية، وأستاذ الدراسات الإسلامية في كلية العلوم الدينية ومعهد الدراسات الإسلامية والمسيحية في جامعة القديس يوسف USJ. تداولت وسائل الإعلام اللبنانية كثيراً اسمه إثر إقرار عيد البشارة في 25 أذار عيداً وطنياً جامعاً، فقد كان صاحب الفكرة، ومهندس هذا المشروع الوحدوي الذي لقي دعماً كاملاً من الرئيس سعد الدين الحريري. ود. النقري شخصية حوارية من الطراز الأول، ونشاطه الفكري والأكاديمي والوطني يستحقّ أن تُسلّط عليه الأضواء، ليكون أسوة لكل من يمشي على درب الحوار المسيحي-الإسلامي والسلم الأهلي في لبنان. لذلك التقيناه، وكان لنا معه هذا الحوار الذي يحاول أن يغطّي مختلف جوانب نشاطه ونتاجه الفكري.

س: د. النقري، لو سألتك أن تعرّف عن نفسك بأسطر قليلة، فماذا تقول؟

كإنسان ترتفع هامتي فخراً واعتزازاً لسماع سير بعض الشخصيات التي أضاءت بعلمها وأخلاقها وتديّنها وأفعالها الخيّرة سماء الإنسانية، وفي المقابل أشعر بحزن دفين في نفسي يزيد ولا ينقص نظراً لما يحمله تاريخ البشرية من حقد وعنف وإراقة دماء. كإنسان عاقل مفكّر فأنا أؤمن بالله الخالق المبدع وبالرسالات السماوية المترابطة مع بعضها البعض، وبأن العلم هو صنو الإيمان، كلبناني فإن ما يربطني بهذه الأرض هو التنوّع الديني والثقافي والفكري لأبنائها وحرصهم على عيشهم المشترك الواحد، كمسلم أؤمن بأن السلام والمحبة والتعارف هم أساس العلاقات الإنسانية، وبأن المظاهر الخارجية لا تدلّ على هويّتي وتديّني إذا لم تقترن بالأخلاق وحسن المعاملة، لو صدق وصف الواصفين لي منذ طفولتي الى الآن فأنا إنسان هادئ الطباع، يغلب إصغائي على كلامي، غير أنني اعتبر نفسي ثائراً إلى أبعد الحدود على الظلم والفساد مهما كان مصدرهما، ولا أخشى أحداً مطلقاً عندما أقف في مواجهتهما، وقد دفعتُ ثمن ذلك. أكره الرياء والتصنّع والوجاهة والاستكبار والتميّز عن باقي الناس، وخاصة بالمظهر الديني.

س: لماذا نراك إذاً أحياناً معتمراً عمامة رجل الدين، ولابساً جبّته؟

أحياناً…صحيح وذلك في بعض المناسبات التي تستدعي ذلك وليس للمباهاة أو لاتخاذها مهنة. إضافة الى أنني عندما ألبسها أشعر بعبء المسؤولية التي من المفترض أن تعكس طهارة من يلبسها وتعففه عن الأخطاء والزلل، ولست أنا إلا إنساناً أخطئ وأصيب فإن أخطأت فمني ومن ضعفي وتهاوني وإن أصبت فمن توفيق الله لي.

س: بين الألقاب التي حصلت عليها خلال مسيرتك الفكرية والعملية: الشيخ، الدكتور، القاضي، المدير العام، الأستاذ الجامعي… أيها الأحبّ إلى قلبك ولماذا؟

أكره الألقاب وخاصة تلك التي تدلّ على صفات الأخلاق والفضيلة والسماحة والسعادة والغبطة والنيافة. أما الألقاب العلمية فإذا كانت ضمن إطارها الأكاديمي للتعرف على صفة الباحث فلا بأس بها، وكذلك الدينية للدلالة على المجال التخصّصي وليس للافتخار والمراءاة، والوظيفية للدلالة على الخبرة الإدارية. لذلك فلا أشعر بميل نحو هذا الألقاب إلا للتموضع حصراً ضمن نطاق الأبحاث والمناقشات وجلسات الحوار.

س: عُرف عنك أنك مهندس عيد البشارة عيداً وطنياً إسلامياً-مسيحيّاً جامعاً، كيف استوحيتَ هذه الفكرة؟ وماذا كان الهدف من هذا المشروع؟ وهل تحقّق برأيك؟

أعجبتني في البداية كلمة مهندس لأنها تدلّ على العمل الجماعي الذي لولاه لكان عمل المهندس رسماً على ورق. هذه الفكرة كانت لها مقدمات في علاقتي الفكرية والإيمانية مع السيدة مريم عليها السلام. تطوّرت هذه العلاقة من الدفاع عنها في حلقات عائلية ضيقة مع أحد الأقرباء وهو طبيب فرنسي ملحد إلى المحاضرات التي كنت أتحدث فيها خلال إقامتي في فرنسا من واقع إيماني الإسلامي، وقد تطوّرت هذه الأفكار من خلال المحاضرات إلى إيمان قوي بأننا مسيحيين ومسلمين نجتمع سوياً على محبّتها وتقديرها وتبجيلها، وأننا حتى نتبادل هذه المشاعر فلا بدّ لنا من لقاءات نجتمع فيها إلى بعضنا البعض ونتحاور، وأن هذه اللقاءات التي تجمعنا هي بحدّ ذاتها هدف وغاية باعتبار أمومتها لنا و “أن الأمّ بتلمّ”، ثم تعزّزت هذه الأفكار فكنت أنادي في مناسبات عديدة وفي اجتماعات مع فريق البحث الإسلامي المسيحي  (GRIC) ومع (Liban message)  بأنه لا بأس أن نجتمع كمسلمين ومسيحيين على لقاء سنوي نختاره ضمن أحد المناسبات المريمية المعروفة . بعد انتقالي إلى لبنان وفي إحدى المناسبات التي دعيت اليها في مدرسة سيدة الجمهور لإلقاء محاضرة سألني شريكي في هندسة المبادرة ناجي خوري: هل ممكن لنا كمسيحيين ومسلمين أن نصلّي سوياً، (طبعا الصلاة هنا بمعنى اللقاء والدعاء) فقلت له : “يا ناجي ليس لنا إلا مريم فالأمّ بتلمّ”، وهكذا كانت الانطلاقة من إيمان عميق بإمكانية اللقاء حول مناسبة مريميّة جامعة وبين حلم كان يراود ناجي خوري باجتماع لرجال دين مسلمين ومسيحيين تحت خيمة ينظرون إلى السماء من خلال فتحة في سقفها. ثم تعدّدت اللقاءات فوجدتني محاضراً في جامعة سيدة اللويزة عن مريم ثم بعدها في مدرسة الجمهور طالبت فيهما بأن تعطّل الدولة في مناسبة مريمية جامعة تكون عيداً وطنيا للمسلمين والمسيحيين. وفكرة تحديد يوم البشارة بالذات كانت من خلال مناقشة جمعتني بعميد كلية حقوق اليسوعية سابقاً البروفيسور فايز الحاج شاهين، وقد عرضت الفكرة على أعضاء اللجنة الروحية لمدرسة الجمهور وأبديت تراجعي عن ما كنت أعلنته سابقاً من أن تكون هذه المناسبة يوم 8 كانون الأول وهو عيد الحبل بلا دنس إذ أن هذه العقيدة هي كاثوليكية لا يجتمع عليها كل المسيحيين، وأن بشارة مريم هي المناسبة المثلى للاحتفال الجامع ، فتمّ اعتمادها من قبلنا جميعاً.

وأما هندسة الفكرة من أجل أن تكون البشارة عيداً وطنياً (وليس دينياً)، فكانت أثناء كلمتي التي وجهتها بهذه المناسبة خلال الاحتفال في مدرسة الجمهور وتوجّهت فيها الى رائدي الحوار الإسلامي المسيحي الأستاذين محمد السماك وحارس شهاب بأن ينقلا مطلبنا إلى الحكومة بجعل 25 آذار عيد بشارة مريم عيداً وطنيا جامعاً، فنقلاها في اليوم التالي إلى دولة الرئيس فؤاد السنيورة الذي طرحها على مجلس الوزراء وتمّ اعتمادها كعيد وطني على ألا تكون مناسبة تعطل فيها الدولة، ثم وبعد عدة زيارات قمنا بها بمعية الوزيرين ميشال ادة وإبراهيم شمس الدين والسفير بسام طرباه وناجي خوري وعضوي هيئة الحوار الوطني محمد السماك وحارس شهاب، وعدنا دولة الرئيس سعد الحريري بقرب إعلان البشارة عيداً وطنياً معطلاً. ولم تمض أيام حتى تمّت موافقة مجلس الوزراء عليها، وأعلنها الرئيس سعد الحريري خلال زيارته للبابا بنديكتوس السادس عشر.

الهدف من هذا العيد الوطني كان أولاً من أجل أن يتعرّف كل واحد منا على الآخر، ليس فقط معرفة مشاركة وتقاسم العيش في الوطن الواحد، ولكن من أجل الاطلاع على قيمنا الدينية المشتركة. ففي مثل هذه اللقاءات نتكلّم على النقاط المشتركة بيننا وما أكثرها، ونبتعد عن نقاط الاختلاف. لا نبتغي إنشاء دين جديد ولا القيام بطقوس وصلوات مشتركة، كل ما نريده أن يتحوّل الحوار النظري والذي تذخر بنصوصه المكتبات الدينية وتنعقد من أجله المؤتمرات، وتؤلَّف حوله اللجان للمتابعة، إلى حوار حقيقي ملموس يعيشه كل واحد منا من خلال تجربته مع الآخر. وقد تحقّقت هذه الأهداف وأصبحت البشارة ثقافة مريمية عالمية، ومناسبتها في 25 آذار يوم احتفال في كثير من الدول التي تنافست كنائسها ومساجدها ومراكزها الدينية لتنظيم احتفالاتها الجامعة.

نتطلّع حاليا الى إطلاق اسم مريم على ساحة من ساحات العاصمة بيروت، والى إنشاء مركز مريمي عالمي للحوار الديني، وإلى إطلاق مشروع طابع تذكاري يحمل اسم البشارة، وأخيراً إلى جعل يوم 25 آذار يوماً عالمياً للحوار. وقد وافق فخامة رئيس الجمهورية ودولة الرئيس سعد الحريري على هذه النقاط الأربع التي أطلقتها خلال احتفالنا الأخير في الجمهور، وزفّها إلينا رسمياً دولة الرئيس سعد الحريري خلال كلمته التي ألقاها بهذه المناسبة

س: في أيّ دول يُحتفل بعيد البشارة عيداً وطنياً؟ وهل أُخذ هذا التقليد عن لبنان؟

توالت الإحتفالات بها كمناسبة دينية مشتركة بين المسيحيين والمسلمين في بعض الدول والمدن : في فرنسا حيث تقام احتفالات سنوية في مقاطعة Essone  في كاتدرائية Longpont، في مدينة ليون وباريس (مسجد باريس الكبير)، بلجيكا، إيطاليا، بولونيا، فلسطين (بيت لحم)، استراليا، البرازيل،  ونتمنى أن تعتمد هذه المناسبة كعيد وطني في الأردن ومصر والعراق وسوريا.

س: قضيتَ ردحاً من الزمن مديراً عامّاً لدار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، فما كان أثر هذه التجربة في مسيرتك الفكرية والعملية؟ وأية ذكرى جميلة بقيت لك منها؟

الفترة التي قضيتها أميناً للسر الخاص لمفتي الجمهورية ومديراً عاماً لدار الفتوى كانت غنية على أكثر من صعيد، من خلالها استطعت إقامة شبكات تواصل وتعارف مع بعض الوزراء والنواب والسفراء ورجال الدين والوفود الأجنبية التي كانت تزور لبنان. كنت أحرص على إعطاء أهمية لهذه الزيارات للوفود الأجنبية، في أحد المرات زارنا وفد كبير تجاوز المائة من القضاة السويسريين وطلبوا مني التعرف على نظام الأحوال الشخصية عند المسلمين فقلت لهم بل ستكون محاضرة مشتركة بيني وبين صديقي المطران إيلي حداد، فدعوته الى دار الفتوى وألقينا سوياً محاضرتين عن الأحوال الشخصية في لبنان أمام القضاة السويسريين. كانت الفترة التي قضيتها في دار الفتوى تذخر بمثل هذه اللقاءات وكنت أنشط من خلال معهد تفهم الإسلام باستضافة شخصيات عالمية لإلقاء محاضرات في دار الفتوى وفي المناطق. من الذكريات التي أحملها خلال تلك الفترة الجلسة التي جمعتني بكاردينال امريكي موفداً من البابا يوحنا بولس الثاني وقلت له بأن لدي مشروعا تجارياً وحوارياً يخصّ المسلمين والمسيحيين، وهو التوقيع على اتفاقيات مع الشركات السياحية بإعطاء تخفيضات مهمّة لرجال الدين المسلمين والمسيحيين الراغبين في السفر سوياً لاختبار الصداقة والانفتاح على الآخر. وقد أعجبته الفكرة كثيراً.

س: وهل لقيت هذه الفكرة طريقها إلى التنفيذ؟

  ما زالت مشروعاً ينتظر التنفيذ.

س. ولماذا تخليت عن مهامك في دار الفتوى

حصلت عدة خلافات في وجهات النظر بين مفتي الجمهورية وبيني على أثر الدعوة التي وجهتها بالإحتفال بعيد بشارة السيدة مريم، وتبعتها خلافات بسبب نشري مقال باللغة الفرنسية في جريدة اللوريون لوجور بعنوان : ” رسالة مفتوحة الى إبن عمي اليهودي” إذا اعتقد أنها محاباة لليهود ولم يفهم مغزاها بأنها على العكس تماما فهي إدانة للسياسة الصهيونية ولكن بعنوان ملفت للنظر. ثم تبعتها المخالفات المالية التي اكتشفتها وأبلغت فيها رئاسة الحكومة باعتباري موظفاً من الفئة الأولى تابعاً لرئاسة مجلس الوزراء، فطلبت نقلي الى ملاك القضاء وتمت الموافقة عليه في حزيران 2009.

س: أستاذ الدراسات الإسلامية والشرع في جامعة مسيحية: جامعة القديس يوسف، أليس في الأمر مفارقة؟

ليس في الأمر مفارقة بتاتاً، فنحن في لبنان. ولو كان الأمر على عكسه لكانت هناك مفارقة، هناك أمثلة كثيرة على هذا التبادل المسيحي الإسلامي في كافة الأمور الحياتية. وهذا ما يرجعني الى فترات التلاحم الديني التي اشتهرت بها الأندلس، حيث درس الأب جربير دي أورلياك في الجامعات الإسلامية في إشبيلية ثم في قرطبة وتقلد فيما بعد منصب البابوية وعرف باسم البابا سلفستر الثاني.

س:متى نرى أستاذاً مسيحيّاً يُعلّم الدراسات المسيحية في واحدة من كلّيات الشريعة في لبنان؟

أتمنّى ذلك فعلاً، وقد سألني بعض الآباء المسيحيين عن ذلك مبدين رغبتهم للدراسة في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى، فرفعت ذلك إلى المسؤولين في حينها. وأنا أرى بأنه – على صعيد الإلزام لا التخيير- يتعيّن على الجامعات المسيحية التي تدرّس المواد الدينية الإسلامية التخصّصية أن تعيّن أساتذة مسلمين لتدريسها، وأن تعيّن كذلك الجامعات الإسلامية التي تدرّس المواد الدينية المسيحية التخصّصية أساتذة مسيحيين.

س: ما الذي جعلك تتابع دراستك الجامعية في الإسلاميات في فرنسا، وما الذي أضافته هذه التجربة إلى شخصيّتك؟

في الحقيقة لم أتابع دراساتي العليا في مجال الإسلاميات، باستثناء دراستي الإعدادية والثانوية في أزهر لبنان التابع لدار الفتوى ثم في جامعة الأزهر الشريف في القاهرة حيث حصلت على ليسانس في الشريعة والقانون ( منهج مقارن يمتد الى 5 سنوات دراسية). وأما في فرنسا فكانت دراستي الجامعية العليا في دبلومي الدراسات المعمقة D.E.A اللذين حصلت عليهما في تخصّص الدراسات السياسية أولاً ثم في تخصّص الحقوق، ثم نلت شهادة الدكتوراة في الحقوق – تخصص القانون العام- من جامعة Poitiers، ولم يتخللها مطلقاً تخصصاً في الإسلاميات. استفدت كثيراً من هذه الدراسة ولعلّ المنهجية العلمية الأكاديمية كانت في طليعة ما استفدته، يليها تجنّبي – حين الكتابة – الأسلوب الإنشائي الذي تذخر به المكتبة العربية، وأضيف إلى ذلك انفتاحي على الثقافات الأخرى والتعرف على أصدقاء من كافة الجنسيات.

س: ماذا تقصد بالأسلوب الإنشائي؟ وأي أسلوب ومنهجية تنصح طلّابك أن يعتمدوا؟

أقصد بالأسلوب الإنشائي ذلك الأسلوب الذي يغوص فيه الباحث في سرد النصوص ويوسعها تكراراً وإعادة دون أن يدخل في الموضوع مباشرة. فعباراته غير واضحة وغير دقيقة ينم تكرارها عن  خشيته من الخوض في عمق الموضوع أو بسبب عدم إحاطته بكل عناصره. أفضل الأسلوب التحليلي الذي يعطي الكلمة حقها في التعبير بثقة ودقة من دون ترديد ولا تكرار، ولا يزيد عليها إلا للتوضيح أوللإضاءة على ما تتضمنه من جوانب خفية أو معاني مستترة.

س: أنت أستاذ في معهد الدراسات الإسلامية والمسيحية في جامعة القديس يوسف USJ، فهل لك أن تعرّف القارئ بهذا المعهد، وأهدافه، وما هو دورك فيه؟

يتميّز هذا المعهد بتنوّع أساتذته وطلابه، فالمحاضرات تعطى بوجود أستاذين معاً عادة هما من رجال الدين المسلمين والمسيحيين، والطلبة هم كذلك من مختلف الأديان والتخصّصات، ومدة الدراسة في المعهد ثلاثة سنوات بعد البكالوريا فيما يخصّ شهادة الليسانس، إضافة إلى شهادة الماستر في العلاقات الإسلامية-المسيحية. يهدف المعهد، بطبيعة الحال، إلى ترويض الطلبة على أسس العيش المشترك، وعلى الدراسة الشاملة لأهمّ المواد الدينية التي تدرّس في الكليات التخصّصية المسيحية والإسلامية، إضافة إلى التدرب على الحوار الديني وحلّ النزاعات بالطرق السلمية. منذ سنوات عديدة أدرّس في المعهد بعض الموادّ التي تخصّ الدراسات الإسلامية : عقيدة، أحوال شخصية، بيئة، حوار، أصول فقه، عنف وسلام في الأديان الإبراهيمية، مريم في القرآن الكريم… في اللغتين العربية والفرنسية.

أتمنى أن تبادر جامعة الأزهر الشريف في القاهرة بإنشاء معهد مماثل يجمع الأقباط المسيحيين من قساوسة ومدنيين مع إخوانهم علماء الدين المسلمين.

س: عُرف عنك أنك رائد من روّاد الحوار المسيحي-الإسلامي في لبنان، فما الذي حقّقه هذا الحوار حتى اليوم للبنان وللعلاقات المسيحية-الإسلامية عموماً؟ وهل أنت راضٍ عمّا تحقّق؟ وما الذي تأمل تحقيقه مستقبلاً وفي المديين القريب والبعيد؟

هناك متناقضان بين ما نقوم به وما نتوصّل إليه من نتائج مذهلة على صعيد الحوار المسيحي الإسلامي وبين ما يحصل على الساحة السياسية والعمليات الإرهابية التي ترتكب باسم الدين والنزاعات المسلحة في بلاد الجوار. يكفي أن نبني صرحاً عالياً من التفاهم والتقارب حتى تأتي أزمة سياسية أو حوادث إرهابية أو ولادة أحزاب تكفيرية معروفة المنشأ والأهداف حتى تقوّض بلحظات قليلة ما بنيناه منذ سنوات عديدة. أصبح دورنا في الحوار الإسلامي المسيحي كدور رجل الإطفاء ما أن تصيبنا نيران الحوادث الدينية المفتعلة حتى نهبّ لإطفائها وإخمادها. هدفنا المستقبلي هو الذهاب بعيداً في الحوار المسيحي-الإسلامي العملي التطبيقي، من إقامة مؤسسات مشتركة إلى إنشاء تخصّصات إلزامية ومشتركة يخضع لها رجال الدين المسلمين والمسيحيين، إلى تدعيم قيَم العائلة المشرقية، إلى قيام جبهات تصدّي لكل ما هو إباحي إلحادي..الخ

د. النقري، انتقل الآن إلى مناقشة عدد من أفكارك وطروحاتك المنثورة في مقالاتك القيّمة وكتبك.

* تقول: “معظم التراث الفقهي كتب خلال حقبة الحروب الصليبية وما بعدها. فكان الفقهاء يكتبون في فترة الضغينة، وتكاد تسمع طبول الحرب في كتاباتهم! إنها فترة لها معطياتها، وتختلف عن زمننا”

ألست تنسف بهذه المقولة تراث الفقه الإسلامي برمّته؟ وما العمل لتحديث الفقه وتأوينه، لا سيما وأن باب الاجتهاد لا يزال مقفلاً؟

التراث الفقهي دوَن في القرنين الثاني والثالث الهجري أي قبل الحروب الصليبية التي أفضل تسميتها كما يسميها المؤرخون المسلمون بحروب ” الإفرنجة”. أنا أتحدث هنا عن التراث الفقهي المتأخر في مواضيع محددة تخص جانب العلاقات مع غير المسلمين إضافة الى القواعد التي تشمل على العلاقات مع الدول غير الإسلامية. هذا الجانب من الفقه كتب خلال فترات الحروب والفتن في تلك المرحلة، وما زال البعض يبني عليه نظريات وأحكاماً باعتقادهم أنها تصلح لزماننا، علماً بأن تلك الحقبات تختلف اختلافاً جذريا عما نحن عليه اليوم. فلقد أصبح لدينا منظمات دولية ومواثيق وقوانين ومعاهدات، وهناك شبكات تواصل اجتماعية تدخل الى كل بيت وتؤثر فيه إما سلبا وإما إيجابا شئنا ذلك أم أبينا. وأما الفقهاء المتأخرون الذين بنوا أحكامهم السلبية فيما يخص العلاقة مع غير المسلم فقد كان ذلك بدافع تنمية الذاتية الإسلامية وتقييد العلاقة مع غير المسلمين بعد زمن الفتن والحروب، فما قاموا به كان ضروريا وأساسيا في زمانهم : الحروب التي أبيد فيها مئات الآلاف من المسلمين في عقر دارهم، تهديم المساجد وتحويل بعضها الى كنائس، إعاقة ومنع ممارسة الطقوس الدينية للمسلمين…كل ذلك كان مؤشراً الى ذوبان المسلمين خلال قرنين من الزمن أو أكثر في مجتمعات غير إسلامية وما استتبعه من دخول ممارسات وتقاليد غير إسلامية عليهم، فكان دور هؤلاء الفقهاء الحد منها ولو كان على حساب المبادئ الإسلامية العامة التي تدعو الى الانفتاح والسلام واعتبار المسيحيين أقرب المؤمنين الى المسلمين، فكنت تسمع من عباراتهم قرع طبول الحروب للدفاع عن أنفسهم وأملاكهم وعقيدتهم.

في القرن الواحد والعشرين لا بد من إعادة صياعة الفقه الإسلامي على ضوء المعطيات الجديدة التي سبق وذكرتها وخاصة في مجال العلاقة مع غير المسلمين. ما يقوم به الأزهر هو خطوة نحو هذا التحديث والملائمة والدخول الى عصر أصبح فيه العالم قرية صغيرة. الإجتهاد لم يغلق في أي فترة من الفترات، وإنما كان هناك اكتفاء بمنهجية الفقهاء المؤسسين للمدارس الفقهية بين مدرسة الرأي ومدرسة النقل وما بين هاتين المدرستين من منهجية جمعت بينهما.

*تقول: “الحرية الدينية متوفّرة في الإسلام كمبادئ، ولكن ممارسة هذه الحرّية معدومة”

كيف ذلك؟ وما العمل لتوسيع رقعة الحرّية في المجال الإسلامي؟ وكيف يمكن التوفيق بين المفهوم الإسلامي للحرّية الدينية، ومفهوم الشرعة العالمية لحقوق الإنسان لها، لا سيما وأنها تتناقض مع حدّ الرِدة وغيره من المفاهيم الفقهية؟

الحرية الدينية هي مبدأ أساسي في القرآن الكريم من منطلق آيات كثيرة : (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) و (لا إكراه في الدين)، وهذه الآيات اعتبرها الأساس الذي تبنى عليه كافة الأحكام الفقهية في مجال الحرية الدينية. ممارسة هذه الحرية شابَتْه بعض الأمور والممارسات أخرجته من طبيعته القانونية، ولا بد من إعادتها إلى أصلها القرآني، وأما حكم الردة فموقفي منه واضح وهي كوني اتفق مع بعض الفقهاء المتأخرين الذين يقولون بدلالة القرآن على أن حكم الردة ليس حكماً دنيوياً وإنما هوحكم أخروي، وأما الأحاديث الواردة بهذا الخصوص فهي مقيدة في معناها بمعنى أنها تتكلم عن الذين يعتنقون الإسلام ثم يرتدون للتشكيك فيه ويدخلون في محاربة مع المسلمين ( وهو ما كان يفعله اليهود في العصر النبوي باعتناقهم الإسلام رياء ثم الخروج عنه لإحداث الفتن)، إضافة إلى أن هناك أحاديث تناقض حكم قتل المرتد. غير أن حكم الردة يمكن أن يأخذ أبعاداً أخرى تتعلق بالإنتظام العام عندما يخرج المرتد وينال من الإسلام بتصاريحه وكتاباته وتعليقاته بشكل يؤدي الى فتن داخلية، فعندها يتدخل القانون ليحمي السلم الأهلي وليس للمعاقبة على الردة بحد ذاتها. وهذا يخص السلم الأهلي عند المسيحيين أيضاً ولا يتعلق بالإسلام فقط.

غير أن ذلك يجب أن ينبهنا الى أن المتشددين في إيقاع عقوبة الردة إنما يرفعون شعاره مجدداً لمواجهة أصحاب بعض المنظمات الإنجيلية البروتستانتية الذين يزيدون من أنشطتهم في المجتمعات الإسلامية، وفي ظل امتلاكهم المال فإنهم من الممكن أن يستغلوا ضعاف النفوس من الفقراء المسلمين ويتم إغراؤهم بالمال لتغيير دينهم كما يحصل حاليا مع اللاجئين السوريين.

 *تقول: “منذ وفاة النبي، ص، إلى هذا الزمن، كل الجرائم ترتكب باسم الإسلام!”

ألا تعتقد أنك تمضي بعيداً في حكمك هذا؟ وعن أي جرائم تتحدّث؟ وما العمل لتفادي المزيد منها؟

*تقول: “تاريخنا الإسلامي غير مشرّف”

ليس هذا الأمر متوقف على الإسلام بل مرت به المسيحية أيضاً، وكم من جرائم وحروب ارتكبت باسم الدين المسيحي. أنا أقول بأن التاريخ الإسلامي شهد صراعات كثيرة استخدم فيها الدين غطاء لها، أليس مقتل الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي كان لأهداف سياسية وإن غلفت بغلاف إصلاحي ديني، وكذلك الحروب التي أدت الى انهيار الدولة الأموية، وما لقب أبو جعفر السفاح ببعيد عن هذه النهاية المأساوية للأمويين وأنصارهم وبداية عصر عباسي جديد قائم على القتل والمجازر وخاصة في بداياته. وكذلك المؤامرات التي حيكت فيما بعد ألم يكن غطاؤها في معظم الأحوال دينيا وأهدافها سياسية. ألم يضرب ويعذب ويسجن الأئمة المؤسسون للمدارس الفقهية السنية خلال هذه العصور. إنها طبيعة الحكم السياسي الغابر عند مزاولته للسلطة لا بد له أن يقوم على البطش واراقة الدماء.

لماذا هذا الحكم الصارم؟! وما هي نقاط الضعف والإذلال فيه؟

هذا الحكم ليس صارماً بقدر ما هو نقد ذاتي، ولقد سبقني اليه مفكرون مسيحيون حياديون عندما تكلموا عن المجازر التي ارتكبت باسم المسيحية. هو نقد ذاتي لكل السلبيات التي طبقت في مختلف العهود الإسلامية والتي كان أول ضحاياها علماء الدين والمتصوفين والإصلاحيين.. ولا استثني منها مطلقا ما كان يقترفه البعض بحق المسيحيين من تصرفات إهانات وألقاب مشينة. هذا الحكم لا يتعارض البتة مع ما وصلت اليه الحضارة الإسلامية من رقي وهذا ما ذكره كثير من كبار المستشرقين بأن كل الأديان كانت تحبو نحو التطور والتأقلم بخطى بطيئة جداً لتواكب التقدم الحضاري والثقافي للمجتمعات التي كانت تعيش بها، إلا الإسلام فقد فاق عصره منذ ولادته ودفع بمجتمعاته إلى ذروة الحضارة والتقدم ثم هُويَ به في النهاية ليصل حالياً إلى حضيض الجهل والتزمت والتقوقع. فكل الأديان ولدت وتطورت وارتقت وتأقلمت مع احتياجات عصرها مع التقدم العلمي والحضاري إلا المسلمين فقد ولد إسلامهم عظيماً فأردوه في النهاية وسجيناً في غياهب الجهل وأقبية التزمت والتخلف والإجرام.

* لك رأي خاصّ في مسألة الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأنت تقف فيه في صفّ الفخر الرازي وعلماء آخرين قالوا ليس من ناسخ ومنسوخ في القرآن إلا في ما يخصّ الآيات الكونية والمعجزات”

فهل لك أولاً أن تشرح لنا بإيجاز رأيك هذا؟ وإذا أفرغنا مسألة الناسخ والمنسوخ من مفهومها التقليدي، ألا يستتبع ذلك سقوط الكثير من الأحكام الفقهية الأساسية؟!

يؤمن المسلمون جميعاَ بأن القرآن الكريم محفوظ من التحريف، بيد أن هنالك آيات متشابهات يوحي ظاهرها بأنها متناقضة، فأجمع الفقهاء على القول بأن هذا التناقض الظاهري إنما هو نسخ أحكام الآيات القرآنية بآيات أخرى من أجل ضرورة التدرج بالتشريع، لذلك قالوا بالنسخ الذي هو بمعنى إبطال وإلغاء حكم الآية فالنسخ عندهم في معنى الآية وليس في لفظها، وفي حكمها التشريعي وليس في نصها، مستشهدين بآيات قرآنية تتحدث عن ذلك (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)  والتدرج في التشريع له في القرآن مظهران أحدهما يخص العلاقات المتغيرة بين المسلمين وأعدائهم، والآخر يختص بالإيجاز في التشريع الذى يعقبه التفصيل. غير أن مخالفتي لجمهور الفقهاء ليست إلا قراءة متواضعة لرأي خالف حكمهم في هذه المسألة تبناه بعض الفقهاء المتقدمين والمتأخرين مثل الفخر الرازي، الأصفهاني، الإمام محمد عبده، الشيخ محمد الغزالي، القاسمي، محمد رشيد رضا، سيد قطب وغيرهم. وهذه الآراء تفسر كلمة الآية المذكورة في السياق القرآني التي تتحدث عن النسخ : بالمعجزة او الآيات الكونية. إنطلاقاً من ذلك الرأي فإن كثيراً من الآيات التي استشهد بها الفقهاء في مجال العلاقة بين المسلمين وغيرهم لا تعتبر منسوخة لعدم قبولهم بمبدأ النسخ . فمثلاً  الآية الخامسة من سورة التوبة وهي قوله تعالى : (فإذا انسلخ الشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فأن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخّلوا سبيلهم أن الله غفور رحيم). فالقراءة التي تقول بالنسخ يتبناها التيار السلفي الجهادي، وهي القراءة التي تستند الي الفهم والتفسير الذي يقول أنّ عدم الأيمان بالله والاسلام له يعتبر بحد ذاته مبررا لأباحة قتل الانسان حتي اذا لم يكن هذا الأنسان عدوا محاربا، وتنبني هذه الرؤية على مقولات بعض علماء الفقه والتفسير الذين يعتبرون انّ آية السيف قد نسخت كل اية مخالفة، والنسخ هنا يعني انّ تلك الآيات المخالفة  قد ” سقط حكمها وبقى رسمها”. وأما قراءة الذين يرفضون مبدأ النسخ فهم يدعون الى قراءة اية السيف في سياقها القرآني ضمن الآيات التي وردت قبلها وتلك التي جاءت بعدها. ففهم سياقها الداخلي لا يؤدى الى النتيجة التي توصل اليها الفقهاء والمفسرون من أصحاب القراءة السابقة وهي انها نزلت لقتال أهل الأرض جميعا كي يعتنقوا الاسلام. فهذه الآية ليست بناسخة مطلقا بل هي حالة مخصوصة في زمن معين لأشخاص بعينهم، وهذا ما ذهب اليه الطبري فهو يرى أن أية السيف نزلت في مشركي العرب خاصة في زمانهم دون غيرهم.

*تقول: “مفهوم الذمّة في وقته كان ممتازاً، وهو كان عقداً بين دولة إسلامية ومسيحيين لم ينخرطوا في الجيش الإسلامي. أما اليوم فالمسيحي يدافع عن الدولة كما المسلم. ولا نستطيع أن نتحدّث عن عقد ذمّة لأنه انتهى مع انتهاء الدولة الإسلامية”. فهل ترى أن مبدأ المواطنة قد حلّ محلّ عقد الذمّة؟ وهل هو البديل المنصف لمختلف أطياف المجتمع التعدّدي؟ واستطراداً هل يعني مبدأ المواطنة حكماً علمنة الدولة؟ أم أن مفهومي المواطنة والعلمنة غير مرتبطين بالضرورة برأيك؟

مبدأ المواطنة هو الأصل في التشريع الإسلامي وهو ما جاء في وثيقة المدينة التي يعتبرها الحقوقيون أول وثيقة دستورية مكتوبة، فهذه الوثيقة تشترط في المواطنة التساوي في الحقوق والواجبات باعتبار أن واجب حماية البلاد يقع على الناس كافة إضافة إلى إلزامية تحمل الأفراد للنفقات والضرائب التي تفرضها الدولة، وأما عقد الذمة فكان تطوراً تشريعياً متقدماً في وقته ومخرجاً لمن أراد من المواطنين عدم التقيد في واجب الدفاع عن الدولة والإنخراط في الجيوش، لذلك فإن هذا المخرج الدستوري الذي تم بعد مناقشات طويلة بين النبي محمد وبين المسيحيين أفضت الى اتفاقية موقعة بين الطرفين جعلت حماية الأشخاص الذين لا ينخرطون في الجيوش على عاتق الدولة الإسلامية، مقابل دفع الجزية، علماً بأن المسلمين كانوا يدفعون الزكاة التي من ضمن مصاريفها الجوانب العسكرية، ومن هنا نفهم بأن ضريبة الجزية لم يخضع لها الأطفال ولا النساء ولا كبار السن. أما الآن فليس لعقد الذمة أي مبرر سواء من ناحية كونها اتفاقية تمت بين الدولة الإسلامية وبين المسيحيين في زمان معين، وأن الدولة الإسلامية انقضت مع انقضاء السلطنة العثمانية، ولأن معارك التحرير خاضها المسيحيون والمسلمون على حد سواء، وحيث إنه حالياً لا يمتنع المسيحيون في الإنخراط في جيوش الدول التي هم مواطنون فيها، فواجب الدفاع يقوم به الجميع، ومن المعلوم بأن الجزية تسقط عن الذين يلتزمون في حماية الدولة وأن الجزية إنما شرعت في مقابل حمايتهم فتنتفي بانتفاء مسبباتها.

لذلك اعتبر بأن المواطنة هي المعيار الأصيل والمتوازن والعادل في العيش المشترك لجميع المواطنين في الدولة دون النظر الى دينهم ولغتهم ولون بشرتهم وأصولهم العرقية. وهي بهذا المعنى لا ترتبط بالعلمانية ولا بالأنظمة الطائفية، باعتبارها المبدأ الأساسي لقبول الآخر ضمن نطاق الدولة العادلة وضمن نطاق التساوي في الحقوق والواجبات.

*تقول: “المسيحيّون يجب أن نسمّيهم مسيحيين، وليس نصارى، لأن هذه الكلمة الأخيرة فيها إهانة لهم”.  فأين تكمن الإهانة هذه؟ وإلى ماذا تستند في رأيك هذا، لا سيما وأن عبارة “نصارى” وردت مراراً في القرآن، ولم ترد فيه لفظة “مسيحيين”؟

كلمة النصارى يعتبرها كثير من المسيحيين تحمل إهانة لهم ، مع أن أصلها القرآني يحمل معنى التمجيد والرفعة لكل من ناصر المسيح، ولكن أخذا بالإعتبار أن المسميات بمضامينها وليس بألفاظها فلا بأس أن نطلق على المسيحيين اللفظ الذي ارتضوه لأنفسهم. وكذلك الأمر بالنسبة للمسلمين فهم لا يقبلون تسميتهم بالمحمديين .

*تنظيمات السلفية الهجادية، من داعش والقاعدة وأخواتهما والوهابية، ما موقع كل هذه التيّارت من الإسلام برأيك؟

هذه الحركات تأثرت بفكر الخوارج الذين كانوا أشد عداوة على المسلمين من غيرهم. فقاموا بتكفير كل من خالف عقيدتهم فاستباحوا دمه وأمواله وأضرحة أنبيائه وأوليائه ومشايخه. وقد كان لهذه الحركات امتدادات عبر التاريخ وإن تغيرت مشاربهم ومعتقداتهم. فالحشاشون وهم من الشيعة الإسماعيلية كانوا أول من أدخل مفهوم العمليات الإستشهادية بالتاريخ، والمنهجية التي اتبعوها أضاء عليها بمضمون غير بريء المستشرق اليهودي مهندس خريطة الشرق الأوسط الجديد ومستشار وزير الدفاع الأمريكي الأسبق برنارد لويس، ولا عجب بأن تكون منهجية هذه الحركات التي رسمتها المخابرات العالمية لهم مستمدة من المنهجية الاستشهادية لفرقة الحشاشين. ومن المعلوم بأن الأكثرية العظمى من ضحايا هذه الحركات هم من المسلمين أنفسهم.

*د. النقري، ألا تخشى الإرهابيين والتكفيريين، لا سيما وأن نشاطك الحواري، وأفكارك الجريئة والمنفتحة تثير نقمتهم، ومنهم من يصل إلى حدّ تكفيرك؟

لم تعجبهم آرائي في الحوار المسيحي الإسلامي وقد أساؤوا فهم الإعلانات والمنشورات التي رافقت عيد البشارة الوطني فاعتقدوا بأننا نقيم صلوات مشتركة ، والعجيب من أمرهم بأننا منذ بداية احتفالاتنا حرسنا من دون أن تردد وقبل أي تشكيك بأن كلمة صلوات هي تعبير حرفي للكلمة الفرنسية prière

والتي تفيد معنى الدعاء، وأن هذا العيد ليس عيداً دينياً نضيفه الى عيدي المسلمين الرسميين : الفطر والأضحى وإنما هو عيد وطني يجمعنا فيه حب سيدة الأكوان مريم عليها السلام.

د. محمد النقّري، حماك الله من شرور الإرهابيين والتكفيريين. وعساك تبقى منارة حوار، وعَلَم اعتدال ووسطية في وطن مسالم هو اليوم بأمسّ الحاجة لأمثالك.

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare